John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

المسجد الحرام والبيت العتيق

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 32 of 130

البيت المكرم له اربعة أركان. وهو قريب من التربيع. واخبرني زعيم الشيبيين الذين اليهم سدانة البيت، وهو محمد بن اسماعيل بن عبد الرحمن من ذرية عثمان بن طلحة بن شيبة بن طلحة بن عبد الدار صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصاحب حجابة البيت: أن ارتفاعه في الهواء من الصفح الذي يقابل باب الصفا، وهو من الحجر الأسود، الى الركن اليماني، تسع وعشرون ذراعا وسائر الجوانب ثمان وعشرون، بسبب انصباب السطح الى الميزاب.

فأول أركانه الركن الذي فيه الحجر الأسود، ومنه ابتداء الطواف، ويتقهقر الطائف عنه ليمر جميع بدنه به، والبيت المكرم عن يساره، وأول ما يلقى بعده الركن العراقي، وهو ناظر الى جهة الشمال. ثم الركن الشامي، وهو ناظر الى جهة الغرب. ثم الركن اليماني، وهو ناظر الى جهة الجنوب. ثم يعود الى الركن الأسود، وهو ناظر الى جهة الشرق. وعند ذلك يتم شوطا واحدا.

وباب البيت الكريم في الصفح الذي بين الركن العراقي وركن الحجر الأسود، وهو قريب من الحجر بعشرة أشبار محققة. وذلك الموضع الذي بينهما من صفح البيت يسمى الملتزم، وهو موضع استجابة الدعاء. والباب الكريم مرتفع عن الأرض بأحد عشر شبرا ونصف. وهو من فضة مذهبة، بديع الصنعة، رائق الصفة، يستوقف الأبصار حسنا وخشوعا للمهابة التي كساها الله بيته.

وعضادتاه كذلك، والعتبة العليا كذلك أيضا. وعلى رأسها لوح ذهب خالص ابريز في سعته مقدار شبرين. وللباب نقارتا فضة كبيرتان يتعلق عليهما قفل الباب، وهو ناظر للشرق، وسعته ثمانية أشبار، وطوله ثلاثة عشر شبرا وغلظ الحائط الذي ينطوي عليه الباب خمسة أشبار.

وداخل البيت الكريم مفروش بالرخام المجزع، وحيطانه رخام كلها مجزع.

قد قام على ثلاثة أعمدة من الساج مفرطة الطول، وبين كل عمود وعمود أربع خطا. وهي على طول البيت متوسطة فيه. فأحد الأعمدة، وهو أولها، يقابل نصف الصفح الذي يحف به الركنان اليمانيان. وبينه وبين الصفح مقدار ثلاث خطا. والعمود الثالث، وهو آخرها، يقابل الصفح الذي يحف به الركنان العراقي والشامي.

ودائر البيت كله من نصفه الأعلى مطلي بالفضة المذهبة المستحسنة، يخيل للناظر اليها أنها صفيحة ذهب لغلظها. وهي تحف بالجوانب الأربعة وتمسك مقدار نصف الجدار الأعلى.

وسقف البيت مجلل بكساء من الحرير الملون. وظاهر الكعبة كلها من الأربعة الجوانب مكسو بستور من الحرير الأخضر وسداها قطن وفي أعلاها رسم بالحرير الأحمر، فيه مكتوب: «إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة» الآية، واسم الإمام الناصر لدين الله في سعته قدر ثلاث أذرع يطيف بها كلها. قد شكل في هذه الستور من الصنعة الغريبة التي تبصرها أشكال محاريب رائقة ورسوم مقروءة مرسومة بذكر الله تعالى وبالدعاء للناصر العباسي المذكور الآمر باقامتها، وكل ذلك لا يخالف لونها، وعدد الستور من الجوانب الأربعة أربعة وثلاثون سترا. وفي الصفحين الكبيرين منها ثمانية عشر، وفي الصفحين الصغيرين ستة عشر، وله خمسة مضاوئ، وعليها زجاج عراقي بديع النقش، أحدها في وسط السقف، ومع كل ركن مضوأ، والواحد منها لا يظهر لأنه تحت القبو المذكور بعد. وبين الأعمدة أكواس من الفضة عددها ثلاث عشرة واحداها من ذهب.

واول ما يلقى الداخل على الباب عن يساره الركن الذي خارجه الحجر الأسود، وفيه صندوقان فيهما مصاحف، وقد علاهما في الركن بويبان من فضة كأنهما طاقان ملصقان بزاوية الركن. وبينهما وبين الأرض ازيد من قامة. وفي

الركن الذي يليه وهو اليماني كذلك لكنهما انقلعا وبقي العمود الذي كانا ملصقين عليه. وفي الركن الشامي كذلك وهما باقيان. وفي جهة الركن العراقي كذلك.

وعن يمينه الركن العراقي وفيه باب يسمى بباب الرحمة يصعد منه الى سطح البيت المكرم. وقد قام له قبو فهو متصل بأعلى سطح البيت داخله الأدراج.

وفي أوله البيت المحتوي على المقام الكريم. فتجد للبيت الكريم بسبب هذا القبو خمسة أركان، وفي سعة صفحيه قامتان، وهو محتو على الركن العراقي بنصفين من كل صفح، وثلثا قناة هذا القبو مكسوان بستر الحرير الملون كأنه قد لف فيه ثم وضع.

وهذا المقام الكريم الذي داخل هذا القبو هو مقام ابراهيم، صلى الله على نبينا وعليه، وهو حجر مغشى بالفضة، وارتفاعه مقدار ثلاثة أشبار، وسعته مقدار شبرين، وأعلاه اوسع من اسفله، فكأنه، وله التنزيه والمثل الأعلى، كانون فخار كبير اوسطه يضيق عن اسفله وعن أعلاه، عايناه وتبركنا بلمسه وتقبيله، وصب لنا في أثر القدمين المباركتين ماء زمزم فشربناه، نفعنا الله به.

وأثرهما بين وأثر الأصابع المكرمة المباركة. فسبحان من ألانه لواطئه حتى أثرت فيه ولا تأثير القدم في الرمل الوثير، سبحان جاعله من الآيات البينات.

ولمعاينته ومعاينة البيت الكريم هول يشعر النفوس من الذهول ويطيش الأفئدة والعقول، فلا تبصر الا لحظات خاشعة وعبرات هامعة ومدامع باكية وألسنة الى الله، عز وجل، ضارعة داعية.

وبين الباب الكريم والركن العراقي حوض طوله اثنا عشر شبرا، وعرضه خمسة اشبار ونصف، وارتفاعه نحو شبر، متصل من قبالة عضادة الباب التي تلي الركن المذكور آخذا الى جهته، وهو علامة موضع المقام مدة ابراهيم، عليه السلام الى ان صرفه النبي، صلى الله عليه وسلم، الى الموضع الذي هو الآن مصلى.

وبقي الحوض المذكور مصبا لماء البيت اذا غسل، وهو موضع مبارك، يقال:

إنه روضة من رياض الجنة، والناس يزدحمون للصلاة فيه. وأسفله مفروش برملة بيضاء وثيرة.

وموضع المقام الكريم هو الذي يصلى خلفه، يقابل ما بين الباب الكريم والركن العراقي، وهو الى الباب أميل بكثير، وعليه قبة خشب في مقدار القامة أو ازيد مركنة محددة بديعة النقش، سعتها من ركنها الواحد الى الثاني أربعة أشبار، وقد نصبت على الموضع الذي كان فيه المقام وحوله تكفيف من حجارة نصبت على حرف كالحوض المستطيل في ارتفاعه نحو شبر، وطوله خمس خطا، وعرضه ثلاث خطا. وأدخل المقام الى الموضع الذي وصفناه في البيت الكريم احتياطا عليه، وبينه وبين صفح البيت الذي يقابله سبع عشرة خطوة، والخطوة كلها فيها ثلاثة أشبار.

ولموضع المقام أيضا قبة مصنوعة من حديد موضوعة الى جانب قبة زمزم.

فاذا كان في أشهر الحج وكثر الناس ووصل العراقيون والخراسانيون رفعت قبة الخشب ووضعت قبة الحديد لتكون أحمل للازدحام.

ومن الركن الذي فيه الحجر الأسود الى الركن العراقي أربعة وخمسون شبرا محققة. ومن الحجر الأسود الى الأرض ستة أشبار، فالطويل يتطأمن اليه والقصير يتطاول اليه. ومن الركن العراقي الى الركن الشامي ثمانية واربعون شبرا محققة، وذلك داخل الحجر، واما من خارج فمنه اليه أربعون خطوة، وهو مئة وعشرون شبرا محققة، ومن خارجه يكون الطواف. ومن الركن الشامي الى الركن اليماني ما من الركن الأسود الى العراقي لأنه الصفح الذي يقابله. ومن اليماني الى الأسود ما من العراقي الى الشامي داخل الحجر لأنه الصفح الذي يقابله.

وموضع الطواف مفروش بحجارة مبسوطة كأنه الرخام حسنا، منها سود وسمر وبيض قد الصق بعضها الى بعض، واتسعت عن البيت بمقدار تسع خطا الا في الجهة التي تقابل المقام، فانها امتدت اليه حتى احاطت به. وسائر الحرم

مع البلاطات كلها مفروش برمل ابيض،، وطواف النساء في آخر الحجارة المفروشة، وبين الركن العراقي وبين أول جدار الحجر مدخل الى الحجر سعته أربع خطا وهي ست أذرع محققة كلناها باليد. وهذا الموضع الذي لم يحجر عليه هو الذي تركت قريش من البيت، وهو ست أذرع، حسبما وردت به الآثار الصحاح، ويقابله عند الركن الشامي مدخل آخر على مثال تلك السعة. وبين جدار البيت الذي تحت الميزاب والذي يقابله من جدار الحجر على خط استواء يشق وسط الصحن المذكور أربعون شبرا، وسعته من المدخل الى المدخل ست عشرة خطوة، وهي ثمانية وأربعون شبرا، ودور الجدار رخام كله مجزع بديع الإلصاق ... وهناك قضبان صفر مذهبة وضع منها في صفحة أشكال شطرنجية متداخلة بعضها على بعض وصفات محاريب، فاذا ضربت الشمس فيها لاح لها بصيص ولألاء يخيل للناظر اليها انها ذهب يرتمي بالأبصار شعاعه.

وفي ارتفاع جدار هذا الحجر الرخامي خمسة أشبار ونصف، وسعته أربعة أشبار ونصف. وداخل الحجر بلاط واسع ينعطف عليه الحجر كأنه ثلثا دائرة، وهو مفروش بالرخام المجزع المقطع في دور الكف الى دور الدينار الى ما فوق ذلك، ثم الصق بانتظام بديع وتأليف معجز الصنعة غريب الإتقان رائق الترصيع والتجزيع رائع التركيب والرصف، يبصر الناظر فيه من التعاريج والتقاطيع والخواتم والأشكال الشطرنجية وسواها على اختلاف أنواعها وصفاتها ما يقيد بصره حسنا، فكأنه يجليه في أزهار مفروشة مختلفات الألوان الى محاريب قد انعطف عليها الرخام انعطاف القسي وداخلها هذه الأشكال الموصوفة والصنائع المذكورة وبازائها رخامتان متصلتان بجدار الحجر المقابل للميزاب أحدث الصانع فيهما من التوريق الرقيق والتشجير والتقضيب مالا يحدثه الصنع باليدين في الكاغد قطعا بالجلمين. فمرآهما عجيب، أمر بصنعتهما على هذه الصفة إمام المشرق أبو العباس أحمد الناصر بن المستضيء بالله أبي محمد

الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف العباسي، رضي الله عنه.

ويقابل الميزاب في وسط الحجر وفي نصف جداره الرخامي رخامة قد نقشت أبدع نقش، وحفت بها طرة منقوشة نقشا مكحلا عجيبا، فيه مكتوب:

مما أمر بعمله عبد الله وخليفته أبو العباس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين، وذلك في سنة ست وسبعين وخمس مئة. والميزاب في اعلى الصفح الذي يلي الحجر المذكور، وهو من صفر مذهب، قد خرج الى الحجر بمقدار أربع أذرع، وسعته مقدار شبر. وهذا الموضع تحت الميزاب هو ايضا مظنة استجابة الدعوة بفضل الله تعالى. وكذلك الركن اليماني ويسمى المستجار ما يليه، وهذا الصفح المتصل به من جهة الركن الشامي.

وتحت الميزاب في صحن الحجر بمقربة من جدار البيت الكريم قبر اسماعيل، صلى الله عليه وسلم، وعلامته رخامة خضراء مستطيلة قليلا شكل محراب تتصل بها رخامة خضراء مستديرة. وكلتاهما غريبة المنظر فيهما نكت تنفتح عن لونها الى الصفرة قليلا كأنها تجزيع، وهي أشبه الأشياء بالنكت التي تبقى في البيدق من حل الذهب فيه. والى جانبه مما يلي الركن العراقي قبر أمه هاجر، رضي الله عنها، وعلامته رخامة خضراء سعتها مقدار شبر ونصف. يتبرك الناس بالصلاة في هذين الموضعين من الحجر. وحق لهم ذلك لأنهما من البيت العتيق وقد انطبقا على جسدين مقدسين مكرمين نورهما الله ونفع ببركتهما كل من صلى عليهما. وبين القبرين المقدسين سبعة أشبار.

وقبة بئر زمزم تقابل الركن، ومنها اليه أربع وعشرون خطوة.

والمقام المذكور الذي يصلى خلفه عن يمين القبة، ومن ركنها اليه عشر خطا.

وداخلها مفروش بالرخام الأبيض الناصع البياض. وتنور البئر المباركة في وسطها مائل عن الوسط الى جهة الجدار الذي يقابل البيت المكرم، وعمقها احدى عشرة قامة حسبما ذرعناه. وعمق الماء سبع قامات على ما يذكر. وباب القبة

ناظر الى الشرق، وبابا قبة العباس وقبة اليهودية ناظران الى الشمال.

والركن من الصفح الناظر الى البيت العتيق من القبة المنسوبة الى اليهودية يتصل بالركن الأيسر من الصفح الأخير الناظر الى الشرق من القبة العباسية.

فبينهما هذا القد من الانحراف. وتلي قبة بئر زمزم من ورائها قبة الشراب، وهي المنسوبة للعباس، رضي الله عنه. وتلي هذه القبة العباسية على انحراف عنها قبة تنسب لليهودية. وهاتان القبتان مخزنان لأوقاف البيت الكريم من مصاحف وكتب وأتوار شمع وغير ذلك. والقبة العباسية لم تخل من نسبتها الشرابية لأنها كانت سقاية الحاج وهي حتى الآن يبرد فيها ماء زمزم.

ويخرج مع الليل لسقي الحاج في قلال يسمونها الدوارق، كل دورق منها ذو مقبض واحد. وتنور بئر زمزم من رخام قد الصق بعضه ببعض الصاقا لا تحيله الأيام وأفرغ في أثنائه الرصاص. وكذلك داخل التنور. وحفت به أعمدة الرصاص الملصقة اليه ابلاغا في قوة لزه ورصه: اثنان وثلاثون عمودا قد خرجت لها رؤوس قابضة على حافة البئر دائرة بالتنور كله. ودوره أربعون شبرا، وارتفاعه أربعة أشبار ونصف، وغلظه شبر ونصف. وقد استدارت بداخل القبة سقاية سعتها شبر، وعمقها نحو شبرين، وارتفاعها عن الأرض خمسة أشبار، تملأ ماء للوضوء، وحولها مصطبة دائرة يرتفع الناس اليها ويتوضأون عليها.

والحجر الأسود المبارك ملصق في الركن الناظر الى جهة المشرق، ولا يدرى قدر ما دخل في الركن، وقيل: انه داخل في الجدار بمقدار ذراعين.

وسعته ثلثا شبر، وطوله شبر وعقد، وفيه أربع قطع ملصقة. ويقال: ان القرمطي، لعنه الله، كان الذي كسره. وقد شدت جوانبه بصفيحة فضة يلوح بصيص بياضها على بصيص سواد الحجر ورونقه الصقيل فيبصر الرائي من ذلك منظرا عجيبا هو قيد الأبصار.

وللحجر عند تقبيله لدونة ورطوبة يتنعم بها الفم حتى يود اللائم أن لا يقلع فمه عنه، وذلك خاصة من خواص العناية الإلهية. وكفى أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إنه يمين الله في أرضه» . نفعنا الله باستلامه ومصافحته، وأوفد عليه كل شيق اليه بمنه.

وفي القطعة الصحيحة من الحجر مما يلي جانبه الذي يلي يمين المستلم له اذا وقف مستقبله نقطة بيضاء صغيرة مشرقة تلوح كأنها خال في تلك الصفحة المباركة. وفي هذه الشامة البيضاء أثر: «ان النظر اليها يجلو البصر» . فيجب على المقبل أن يقصد بتقبيله موضع الشامة المذكورة ما استطاع.

والمسجد الحرام يطيف به ثلاث بلاطات على ثلاث سوار من الرخام منتظمة كأنها بلاط واحد، ذرعها في الطول اربع مئة ذراع، وفي العرض ثلاث مئة ذراع. فيكون تكسيره محققا ثمانية وأربعين مرجعا وما بين البلاطات فضاء كبير، وكان على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صغيرا. وقبة زمزم خارجة عنه، وفي مقابلة الركن الشامي، رأس سارية ثابتة في الارض منها كان حد الحرم اولا. وبين رأس السارية وبين الركن الشامي المذكور اثنتان وعشرون خطوة، والكعبة في وسطه على استواء من الجوانب الأربعة، ما بين الشرق والجنوب والشمال والغرب. وعدد سواريه الرخامية التي عددتها بنفسي أربع مئة سارية واحدى وسبعون سارية حاشا الجصية التي منها في دار الندوة، وهي التي زيدت في الحرم، وهي داخلة في البلاط الآخذ من الغرب الى الشمال، ويقابلها المقام مع الركن العراقي، وقضاؤها متسع يدخل من البلاط اليه.

ويتصل بجدار هذا البلاط كله مصاطب تحت قسي حنايا يجلس فيها النساخون والمقرئون وبعض أهل صنعة الخياطة.

والحرم محدق بحلقات المدرسين وأهل العلم. وفي جدار البلاط الذي يقابله أيضا مصاطب تحت حنايا على تلك الصفة، وهو البلاط الآخذ من الجنوب الى

الشرق. وسائر البلاطات تحت جداراتها مصاطب دون حنايا عليها، والبنيان فيها الآن على أكمل ما يكون. وعند باب ابراهيم مدخل آخر من البلاط الآخذ من الغرب الى الجنوب فيه أيضا سوار جصية. ووجدت بخط أبي جعفر بن علي الفنكي القرطبي الفقيه المحدث: أن عدد سواريه أربع مئة وثمانون، لأني لم أحسب التي خارج باب الصفا.

وللمهدي محمد بن أبي جعفر المنصور العباسي في توسعة المسجد الحرام والتأنق في بنائه آثار كريمة. وجدت في الجهة التي من الغرب الى الشمال مكتوبا في أعلى جدار البلاط: «أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله، بتوسعة المسجد الحرام، لحجاج بيت الله وعماره، في سنة سبع وستين ومئة» وللحرم سبع صوامع: أربع في الاربعة جوانب، وواحدة في دار الندوة، وأخرى على باب الصفا، وهي اصغرها، وهي علم لباب الصفا، وليس يصعد اليها لضيقها، وعلى باب ابراهيم صومعة قد ذكرت عند باب ابراهيم فيما بعد.

وباب الصفاء يقابل الركن الأسود بالبلاط الذي من الجنوب الى الشرق، وفي وسط البلاط المقابل للباب ساريتان مقابلتان الركن المذكور فيهما منقوش: «أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله، بإقامة هاتين الأسطوانتين علما لطريق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الى الصفا ليتأسى به حاج بيت الله وعماره، على يدي يقطين بن موسى وابراهيم بن صالح، في سنة سبع وستين ومئة» .

وفي باب الكعبة المقدسة نقش بالذهب رائق الخط طويل الحروف غليظها، يرتمي الأبصار برونقه وحسنه، مكتوب فيه: «مما أمر بعمله عبد الله وخليفته الإمام أبو عبد الله محمد المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، صلى الله عليه وعلى الأئمة آبائه الطاهرين، وخلد ميراث النبوة لديه، وجعلها كلمة باقية في عقبه الى يوم الدين، في سنة خمسين وخمس مئة» في صفحتي البابين على هذا النص المذكور.

ويكتنف البابين الكريمين عضادة غليظة من الفضة المذهبة البديعة النقش، تصعد الى العتبة المباركة تشف عليها وتستدير بجانبي البابين. ويعترض أيضا بين البابين عند اغلاقهما شبه العضادة الكبيرة من الفضة المذهبة هي بطول البابين متصلة بالواحد منهما الذي عن يسار الداخل الى البيت.

وكسوة الكعبة المقدسة من الحرير الأخضر، حسبما ذكرناه. وهي أربع وثلاثون شقة: في الصفح الذي بين الركن اليماني والشامي منها تسع وفي الصفح الذي يقابله بين الركن الأسود والعراقي تسع أيضا، وفي الصفح بين العراقي والشامي ثمان، وفي الصفح بين اليماني والأسود ثمان أيضا، وقد وصلت كلها فجاءت كأنها ستر واحد يعم الأربعة جوانب. وقد احاط بها من أسفلها تكفيف مبني بالجص، في ارتفاعه أزيد من شبر، وفي سعته شبران أو أزيد قليلا، في داخله خشب غير ظاهر، وقد سمرت فيه أوتاد حديد في رؤوسها حلقات حديد ظاهرة قد ادخل فيها مرس من القنب غليظ مفتول. واستدار بالجوانب الأربعة بعد أن وضع في أذيال الستور شبه حجز السراويلات وادخل فيها ذلك المرس وخيط عليه بخيوط من القطن المفتولة الوثيقة.

ومجتمع الستور في الأركان الأربعة مخيط الى أزيد من قامة، ثم منها الى أعلاها تتصل بعرى من حديد يدخل بعضها في بعض. واستدار أيضا بأعلاها على جوانب السطح تكفيف ثان وقعت فيه أعالي الستور في حلقات حديد على تلك الصفة المذكورة. فجاءت الكسوة المباركة مخيطة الأعلى والأسفل، وثيقة الأزرار، لا تخلع الا من عام الى عام عند تجديدها، فسبحان من خلد لها الشرف الى يوم القيامة، لا اله سواه.

وباب الكعبة الكريم يفتح كل يوم اثنين ويوم جمعة الا في رجب فانه يفتح في كل يوم. وفتحه أول بزوغ الشمس، يقبل سدنة البيت الشيبيون، فيبادر منهم من ينقل كرسيا كبيرا شبه المنبر الواسع له تسعة أدراج مستطيلة قد وضعت له

قوائم من الخشب متطأمنة من الأرض لها أربع بكرات كبار مصفحة بالحديد لمباشرتها الأرض، يجري الكرسي عليها حتى يصل الى البيت الكريم. فيقع درجه الأعلى متصلا بالعتبة المباركة من الباب. فيصعد زعيم الشيبيين اليه، وهو كهل جميل الهيئة والشارة، وبيده مفتاح القفل المبارك، ومعه من السدنة من يمسك في يده سترا أسود يفتخ «1» يديه به أمام الباب خلال ما يفتحه الزعيم الشيبي المذكور، فاذا فتح القفل قبل العتبة ثم دخل البيت وحده وسد الباب خلفه وأقام قدر ما يركع ركعتين. ثم يدخل الشيبيون ويسدون الباب أيضا ويركعون. ثم يفتح الباب ويبادر الناس بالدخول، وفي أثناء محاولة فتح الباب الكريم يقف الناس مستقبلين اياه بأبصار خاشعة وأيد مبسوطة الى الله ضارعة واذا انفتح الباب كبر الناس وعلا ضجيجهم ونادوا بألسنة مستهلة: «اللهم افتح لنا أبواب رحمتك ومغفرتك، يا أرحم الراحمين» . ثم دخلوا بسلام آمنين.

وفي الصفح المقابل للداخل فيه، الذي هو من الركن اليماني الى الركن الشامي، خمس رخامات منتصبات طولا كأنها أبواب تنتهي الى مقدار خمسة أشبار من الأرض، وكل واحدة منها نحو القامة، الثلاث منها حمر والاثنان خضراوان. في كل واحدة منها تجزيع بياض لم ير أحسن منظرا منه كأنه فيها تنقيط. فيتصل بالركن اليماني منها الحمراء ثم تليها بخمسة أشبار الحضراء، والموضع الذي يقابلها متقهقرا عنها بثلاث أذرع هو مصلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فيزدحم الناس على الصلاة فيه تبركا به. ووضعهن على هذا الترتيب، وبين كل واحدة وأخرى القدر المذكور. ويتصل بينهما رخام أبيض صافي اللون ناصع البياض، قد أحدث الله، عز وجل، في أصل خلقته أشكالا غريبة مائلة الى الزرقة مشجرة مغصنة وفي التي تليها مثل ذلك بعينه من الأشكال كأنها مقسومة، فلو انطبقتا لعاد كل شكل يصافح شكله، فكل واحدة شقة الأخرى لا محالة عند ما نشرت انشقت على تلك الأشكال فوضعت كل واحدة بإزاء أختها. والفاصل منها بين كل خضراء وحمراء رخامتان، سعتهما خمسة أشبار لأعداد الأشبار المذكورة. والأشكال

فيها تختلف هيئاتها، وكل أخت منها بإزاء اختها. وقد شدت جوانب هذه الرخامات تكافيف غلظها قدر اصبعين من الرخام المجزع من الأخضر والأحمر المنقطين والابيض ذي الخيلان كأنها انابيب مخروطة يحار الوهم فيها. فاعترضت في هذا الصفح المذكور من فرج الرخام الابيض ست فرج.

وفي الصفح الذي عن يسار الداخل، وهو من الاسود الى الركن اليماني، اربع رخامات: اثنتان خضراوان، واثنتان حمراوان. وبينهما خمس فرج من الرخام الابيض. وكل ذلك على الصفة المذكورة.

وفي الصفح الذي عن يمين الداخل، وهو من الركن الاسود إلى العراقي، ثلاث: اثنتان حمراون، وواحدة خضراء. ويتصل بها ثلاث فرج من الرخام الابيض وهذا الصفح هو المتصل بالركن الذي فيه باب الرحمة، وسعته ثلاث اشبار، وطوله سبعة، وعضادته التي عن يمينك اذا استقبلته رخامة خضراء في سعة ثلثي شبر.

وفي الصفح الذي من الشامي الى العراقي ثلاث: اثنتان حمراوان، وواحدة خضراء. ويتصل بها ثلاث فرج من الرخام الابيض على الصفة المذكورة.

ويكلل هذا الرخام المذكور طرتان: واحدة على الاخرى، سعة كل واحدة منهما قدر شبرين، ذهب مرسوم في اللازورد قد خط فيه خط بديع.

وتتصل الطرتان بالذهب المنقوش على نصف الجدار الاعلى. والجهة التي عن يمين الداخل لها طرة واحدة، وفي هاتين الطرتين بعض مواضع دراسة.

وفي كل ركن من الاركان الاربعة مما يلي الارض رخامتان خضراوان صغيرتان تكتنفان الركن، وتكتنف ايضا كل بابين من الفضة، اللذين في كل ركن كأنهما طاقان، عضادتان من الرخام الاخضر صغيرتان على قدر نقبيهما.

وفي أول كل صفح من الصفحات المذكورة رخامة حمراء وفي آخره مثلها، والخضراء بينهما على الترتيب المذكور الا الصفح الذي عن يسار الداخل، فأول

رخامة تجدها متصلة بالركن الاسود رخامة خضراء، ثم حمراء الى كمال الترتيب الموصوف.

وبإزاء المقام الكريم منبر الخطيب، وهو ايضا على بكرات أربع شبه التي ذكرناها. فاذا كان يوم الجمعة وقرب وقت الصلاة ضم الى صفح الكعبة الذي يقابل المقام، وهو بين الركن الاسود والعراقي، فيسند المنبر اليه. ثم يقبل الخطيب داخلا على باب النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو يقابل المقام في البلاط الآخذ من الشرق الى الشمال لابسا ثوب سواد مرسوما بذهب ومتعمما بعمامة سوداء مرسومة أيضا وعليه طيلسان شرب رقيق، كل ذلك من كسا الخليفة التي يرسلها الى خطباء بلاده يرفل فيها وعليه السكينة والوقار، يتهادى رويدا بين رايتين سوداوين يمسكهما رجلان من قومة المؤذنين، وبين يديه ساعيا أحد القومة، وفي يده عود مخروط احمر قد ربط في رأسه مرس من الأديم المفتول رقيق طويل في طرفه عذبة صغيرة ينفضها بيده في الهواء نفضا فتأتي بصوت عال يسمع من داخل الحرم وخارجه كأنه ايذان بوصول الخطيب، ولا يزال في نفضها الى ان يقرب من المنبر، ويسمونها الفرقعة. فاذا قرب من المنبر عرج الى الحجر الأسود فقبله ودعا عنده ثم سعى الى المنبر والمؤذن الزمزمي، رئيس المؤذنين بالحرم الشريف، ساع أمامه لابسا ثياب السواد أيضا وعلى عاتقه السيف يمسكه بيده دون تقلد له، فعند صعوده في أول درجة قلده المؤذن المذكور السيف. ثم ضرب بنعلة سيفه فيها ضربة أسمع بها الحاضرين ثم في الثانية. ثم في الثالثة. فاذا انتهى الى الدرجة العليا ضرب ضربة رابعة ووقف داعيا مستقبل الكعبة بدعاء خفي. ثم انفتل عن يمينه وشماله وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فيرد الناس عليه السلام. ثم يقعد ويبادر المؤذنون بين يديه في المنبر بالأذان على لسان واحد. فاذا فرغوا قام للخطبة فذكر ووعظ وخشع فأبلغ.

ثم جلس الجلسة الخطيبية وضرب بالسيف ضربة خامسة. ثم قام للخطبة الثانية فأكثر بالصلاة على محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله ورضى عن أصحابه واختص الأربعة الخلفاء بالتسمية، رضي الله عن جميعهم، ودعا لعمي النبي،

صلى الله عليه وسلم، حمزة والعباس وللحسن والحسين ووالى الترضي عن جميعهم.

ثم دعا لأمهات المؤمنين زوجات النبي، صلى الله عليه وسلم، ورضى عن فاطمة الزهراء وعن خديجة الكبرى بهذا اللفظ. ثم دعا للخليفة العباسي أبي العباس أحمد الناصر، ثم لأمير مكة مكثر بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر بن أبي هاشم الحسني، ثم لصلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب ولولي عهده أخيه أبي بكر بن ايوب. وعند ذكر صلاح الدين بالدعاء تخفق الألسنة بالتأمين عليه من كل مكان.

واذا أحب الله يوما عبده ... القى عليه محبة للناس

وحق ذلك عليهم لما يبذله من جميل الاعتناء بهم وحسن النظر لهم ولما رفعه من وظائف المكوس عنهم.

وفي هذا التاريخ أعلمنا بأن كتابه وصل الى الامير مكثر، وأهم فصوله التوصية بالحاج والتأكيد في مبرتهم وتأنيسهم ورفع أيدي الاعتداء عنهم والايعاز في ذلك الى الخدام والاتباع والاوزاع، وقال: انه انما نحن وأنت متقلبون في بركة الحاج. فتأمل هذا المنزع الشريف والمقصد الكريم. واحسان الله يتضاعف الى من احسن الى عباده، واعتناؤه الكريم موصول لمن جعل همه الاعتناء بهم، والله عز وجل كفيل بجزاء المحسنين، انه ولي ذلك لا رب سواه.

وفي أثناء الخطبة تركز الرايتان السوداوان في أول درجة من المنبر ويمسكهما رجلان من المؤذنين، وفي جانبي باب المنبر حلقتان تلقى الرايتان فيهما مركوزتين.

فإذا فرغ من الصلاة خرج والرايتان عن يمينه وشماله والفرقعة أمامه على الصفة التي دخل عليها، كأن ذلك أيضا ايذان بانصراف الخطيب والفراغ من الصلاة ثم أعيد المنبر الى موضعه بإزاء المقام.

وليلة أهل هلال الشهر المذكور، وهو جمادى الأول، بكر أمير مكة مكثر المذكور في صبيحتها الى الحرم الكريم مع طلوع الشمس، وقواده يحفون به والقراء يقرءون أمامه، فدخل على باب النبي، صلى الله عليه وسلم، ورجاله

السودان الذين يعرفونهم بالحرابة يطوفون أمامه وبأيديهم الحراب. وهو في هيئة اختصار عليه السكينة والوقار وسمت سلفه الكريم، رضي الله عنهم، لابسا ثوب بياض متقلدا سيفه مختصرا متعمما بكرزية صوف بيضاء رقيقة، فلما انتهى بإزاء المقام الكريم وقف وبسط له وطاء كتان فصلى ركعتين. ثم تقدم الى الحجر الأسود فقبله وشرع في الطواف، وقد علا في قبة زمزم صبي، هو أخو المؤذن الزمزمي، وهو أول المؤذنين أذانا، به يقتدون وله يتبعون، وقد لبس أفخر ثيابه وتعمم، فعندما يكمل الأمير شوطا واحدا ويقرب من الحجر يندفع الصبي في اعلى القبة رافعا صوته بالدعاء ويستفتحه بصبح الله مولانا الأمير بسعادة دائمة ونعمة شاملة. ويصل ذلك بتهنئة الشهر بكلام مسجوع مطبوع حفيل الدعاء والثناء. ثم يختم ذلك بثلاثة أبيات أو أربعة من الشعر في مدحه ومدح سلفه الكريم وذكر سابقة النبوة، رضي الله عنهم، ثم يسكت، فإذا أطل من الركن اليماني يريد الحجر اندفع بدعاء على ذلك الاسلوب، ووصله بأبيات من الشعر غير الابيات الأخر في ذلك المعنى بعينه كأنها منتزعة من قصائد مدح بها. هكذا في السبعة الأشواط الى أن يفرغ منها. والقراء في اثناء طوافه أمامه. فينتظم من هذه الحال والأبهة وحسن صوت ذلك الداعي على صغره لأنه ابن إحدى عشرة سنة أو نحوها، وحسن الكلام الذي يورده نثرا ونظما، وأصوات القراء وعلوها بكتاب الله، عز وجل، مجموع يحرك النفوس ويشجيها ويستوكف العيون ويبكيها، تذكرا لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فإذا فرغ من الطواف ركع عند الملتزم ركعتين ثم جاء وركع خلف المقام ايضا ثم ولى منصرفا وحلبته تحف به. ولا يظهر في الحرم إلا لمستهل هلال آخر، هكذا دائما.

والبيت العتيق مبني بالحجارة الكبار الصم السمر قد رص بعضها على بعض والصقت بالعقد الوثيق إلصاقا لا تحيله الأيام ولا تقصمه الأزمان. ومن العجيب أن قطعة انصدعت من الركن اليماني فسمرت بمسامير فضة واعيدت كأحسن ما كانت، والمسامير فيها ظاهرة.

ومن آيات البيت العتيق أنه قائم وسط الحرم كالبرج المشيد وله التنزيه الأعلى. وحمام الحرم لا تحصى كثرة، وهي من الأمن بحيث يضرب بها المثل، ولا سبيل أن تنزل بسطحه الأعلى حمامة ولا تحل فيه بوجه ولا على حال. فترى الحمام يتجلى على الحرم كله، فإذا قربت من البيت عرجت عنه يمينا أو شمالا.

والطيور سواها كذلك. وقرأت في أخبار مكة أنه لا ينزل عليه طائر إلا عند مرض يصيبه، فإما أن يموت في حينه أو يبرأ. فسبحان من أورثه التشريف والتكريم.

ومن آياته أن بابه الكريم يفتح في الأيام المعلومة المذكورة، والحرم قد غص بالخلق، فيدخله الجميع ولا يضيق عنهم بقدرة الله، عز وجل، ولا يبقى فيه موضع الا ويصلي فيه كل احد. ويتلاقى الناس عند الخروج منه، فيسأل بعضهم بعضا: هل دخل البيت ذلك اليوم؟ فكل يقول: دخلت وصليت في موضع كذا وموضع كذا حيث صلى الجميع. ولله الآيات البينات والبراهين المعجزات، سبحانه وتعالى.

ومن عجائب اعتناء الله تبارك وتعالى به أنه لا يخلوا من الطائفين ساعة من النهار ولا وقتا من الليل. فلا تجد من يخبر أنه رآه دون طائف به، فسبحان من كرمه وعظمه وخلد له التشريف إلى يوم القيامة.

وفي أعلى بلاطات الحرم سطح يطيف بها كلها من الجوانب الأربعة، وهو مشرف كله بشرفات مبسوطة مركنة، في كل جانب من الشرفة ثلاثة اركان كأنها أيضا شرفات أخر صغار. والركن الأسفل منها متصل بالركن الذي يليه من الشرفة الأخرى. وتحت كل صلة منها ثقب مستدير في دور الشبر منفوذ يخترقه الهواء يضرب فيه شعاع الشمس أو القمر فيلوح كأنها أقمار مستديرة، يتصل ذلك بالجوانب الأربعة كلها، كأن الشرفات المذكورة بنيت شقة واحدة ثم احدثت فيها هذه التقاطيع والتراكين فجاءت عجيبة المنظر والشكل.

وفي النصف من كل جانب من الجوانب الأربعة المذكورة شقة من الجص

معترضة بين الشرفات مخرمة فرجية طولها نحو الثلاثين شبرا تقديرا، تقابل كل شقة منها صفحا من صفحات الكعبة المقدسة قد علت على الشرفات كالتاج.

وللصوامع أيضا اشكال بديعة، وذلك أنها ارتفعت بمقدار النصف، مركنة من الأربعة جوانب بحجارة رائعة النقش عجيبة الوضع، قد أحاط بها شباك من الخشب الغريب الصنعة، وارتفع عن الشباك عمود في الهواء كأنه مخروط مختم كله بالآجر تختيما يتداخل بعضه على بعض بصنعة تستميل الأبصار حسنا. وفي أعلى ذلك العمود الفحل وقد استدار به أيضا شباك آخر من الخشب على تلك الصنعة بعينها. وهي متميزة الأشكال كلها لا يشبه بعضها بعضا. لكنها على هذا المثال المذكور، من كون نصفها الأول مركنا ونصفها الأعلى عمودا لا ركن له.

وفي النصف الأعلى من قبة زمزم والقبة العباسية التي تسمى السقاية والقبة التي تليها منحرفة عنها يسيرا المنسوبة لليهودية، صنعة من قرنصة الخشب عجيبة، قد تأنق الصانع فيها وأحدق بأعلاها شباك مشرجب من الخشب رائق الخلل والتأريج وداخل شباك قبة زمزم سطح وقد قام في وسطه شبه فحل الصومعة.

وفي ذلك السطح يؤذن الزمزمي، وقد انخرط من ذلك الفحل عمود من الجص واستقر في رأسه صفحة حديد تتخذ مشعلا في شهر رمضان المعظم.

وفي الصفح الناظر إلى البيت العتيق من القبة سلاسل فيها قناديل من زجاج معلقة توقد كل ليلة. وفي الصفح الذي عن يمينه كذلك، وهو الناظر إلى الشمال.

وفي كل جانب منها ثلاثة شراجيب مقومة كأنها أبواب قد قامت على سوار من الزجاج صغار لم ير أبدع منها صنعة، منها ما هو مفتول فتل السوار ولا سيما الجانب الذي يقابل الحجر الاسود من قبة زمزم، فإن سواريه في نهاية من اتقان الصنعة، قد أدير بكل سارية منها رؤوس ثلاثة أو أربعة، وتحت ما بين كل رأس ورأس ... وأحدثت فيه صنائع من النقش عجيبة المنظر، وربما فتل بعضها عن الصفة السوارية.

وهذا الجانب الذي يقابل الحجر الأسود من القبة المذكورة تتصل به مصطبة من الرخام دائرة بالقبة يجلس الناس فيها معتبرين بشرف ذلك الموضع لأنه أشرف مواضع الدنيا المذكورة بشرف مواضع الآخرة، لأن الحجر الأسود أمامك والباب الكريم مع البيت قبالتك والمقام عن يمينك وباب الصفا عن يسارك وبئر زمزم وراء ظهرك. وناهيك بهذا! وينطبق على كل شرجب من تلك الشراجيب أعمدة حديد قد تركب بعضها على بعض كأنها شراجيب أخر. وأحد أركان شباك الخشب المحدق بالقبة العباسية يتصل بأحد أركان شباك القبة اليهودية حتى يتماسا. فمن يكون في أعلى سطح هذه ينفتل إلى سطح الأخرى من الركنين المذكورين. وداخل هذه القباب صنعة من القرنصة الجصية رائقة الحسن.

وللحرم أربعة أئمة سنية وإمام خامس لفرقة تسمى الزيدية. واشراف أهل هذه البلدة على مذهبهم، وهم يزيدون في الأذان: «حي على خير العمل» إثر قول المؤذن: «حي على الفلاح» ، وهم روافض سبابون، والله من وراء حسابهم وجزائهم، ولا يجمعون مع الناس إنما يصلون ظهرا أربعا، ويصلون المغرب بعد فراغ الأئمة من صلاتها.

فأول الأئمة السنية الشافعي، رحمه الله، وإنما قدمنا ذكره لأنه المقدم من الإمام العباسي. وهو أول من يصلي، وصلاته خلف مقام إبراهيم، صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا الكريم، إلا صلاة المغرب فإن الأربعة الأئمة يصلونها في وقت واحد مجتمعين لضيق وقتها: يبدأ مؤذن الشافعي بالإقامة، ثم يقيم مؤذنو سائر الأئمة. وربما دخل في هذه الصلاة على المصلين سهو وغفلة لاجتماع التكبير فيها من كل جهة. فربما ركع المالكي بركوع الشافعي أو الحنفي أو سلم أحدهم بغير سلام إمامه. فترى كل أذن مصيخة لصوت إمامها أو صوت مؤذنه مخافة السهو. ومع هذا فيحدث السهو على كثير من الناس. ثم المالكي، رحمه الله، وهو يصلي قبالة الركن اليماني، وله محراب حجر يشبه محاريب الطرق

الموضوعة فيها. ثم الحنفي، رحمه الله، وصلاته قبلة الميزاب تحت حطيم مصنوع له. وهو أعظم الأئمة أبهة وأفخرهم آلة من الشمع وسواها بسبب أن الدولة الأعجمية كلها على مذهبه، فالاحتفال له كثير، وصلاته آخرا. ثم الحنبلي، رحمه الله، وصلاته مع صلاة المالكي في حين واحد، موضع صلاته يقابل ما بين الحجر الأسود والركن اليماني. ويصلي الظهر والعصر قريبا من الحنفي في البلاط الآخذ من الغرب الى الشمال، والحنفي يصليهما في البلاط الآخذ من الغرب الى الجنوب قبالة محرابه ولا حطيم له. والشافعي بازاء المقام حطيم حفيل.

وصفة الحطيم خشبنان موصول بينهما بأذرع شبه السلم تقابلهما خشبتان على تلك الصفة، قد عقدت هذه الخشب على رجلين من الجص غير بائنة الارتفاع.

واعترض في أعلى الخشب خشبة مسمرة فيها قد نزلت منها خطاطيف حديد فيها قناديل معلقة من الزجاج. وربما وصل بالخشبة المعترضة العليا شباك مشرجب بطول الخشبة.

وللحنفي بين الرجلين الجصيتين المتعقدتين على الخشب محراب يصلى فيه.

وللحنبلي حطيم معطل هو قريب من حطيم الحنفي، وهو منسوب لرامشت أحد الأعاجم ذوي الثراء، وكانت له في الحرم آثار كريمة من النفقات، رحمه الله.

ويقابل الحجر حطيم معطل أيضا ينسب للوزير المقدم بهذا اللفظ المجهول.

ويطيف بهذه المواضع كلها، دائر البيت العتيق وعلى بعد منه يسيرا، مشاعيل توقد في صحاف حديد فوق خشب مركوزة فيتقد الحرم الشريف الشريف كله نورا. ويوضع الشمع بين ايدي الأئمة في محاريبهم. والمالكي أقلهم شمعا وأضعفهم حالا لأن مذهبه في هذه البلاد غريب. والجمهور على مذهب الشافعي وعليه علماء البلاد وفقهاؤها، إلا الإسكندرية وأكثر أهلها مالكيون وبها الفقيه ابن عوف، وهو شيخ كبير من أهل العلم، بقية الأئمة المالكية.

وفي إثر كل صلاة مغرب يقف المؤذن الزمزمي في سطح قبة زمزم، ولها مطلع على أدراج من عود في الجهة التي تقابل باب الصفا، رافعا صوته بالدعاء للإمام العباسي أحمد الناصر لدين الله ثم للأمير مكثر ثم لصلاح الدين امير الشام

وجهات مصر كلها واليمن، ذي المآثر الشهيرة والمناقب الشريفة، فإذا انتهى الى ذكره بالدعاء ارتفعت أصوات الطائفين بالتأمين بألسنة تمدها القلوب الخالصة والنيات الصادقة. وتخفق الألسنة بذلك خفقا يذيب القلوب خشوعا لما وهب الله لهذا السلطان العادل من الثناء الجميل وألقى عليه من محبة الناس وعباد الله شهدائه في أرضه. ثم يصل ذلك بدعاء لأمراء اليمن من جهة صلاح الدين ثم لسائر المسلمين والحجاج والمسافرين، وينزل. هكذا دأبه دائما أبدا.

وفي القبة العباسية المذكورة خزانة تحتوي على تابوت مبسوط متسع وفيه مصحف أحد الخلفاء الأربعة أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبخط يد زيد بن ثابت، رضي الله عنه، منتسخ سنة ثماني عشرة من وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وينقص منه ورقات كثيرة. وهو بين دفتي عود مجلد بمغاليق من صفر، كبير الورقات واسعها، عايناه وتبركنا بتقبيله ومسح الخدود فيه.

نفع الله بالنية في ذلك.

وأعلمنا صاحب القبة المتولي لعرضه علينا: أن أهل مكة متى أصابهم قحط أو نالتهم شدة في أسفارهم أخرجوا المصحف المذكور وفتحوا باب البيت الكريم ووضعوه في القبة المباركة مع المقام الكريم: مقام الخليل ابراهيم، صلى الله على نبينا وعليه، واجتمع الناس كاشفين رؤوسهم داعين متضرعين، وبالمصحف الكريم والمقام العظيم الى الله متوسلين. فلا ينفصلون عن مقامهم ذلك الا ورحمة الله عز وجل قد تداركتهم، والله لطيف بعباده، لا اله سواه.

وبإزاء الحرم الشريف ديار كثيرة لها أبواب يخرج منها اليه. وناهيك بهذا الجوار الكريم! كدار زبيدة ودار القاضي ودار تعرف بالعجلة وسواها من الديار، وحول الحرم أيضا ديار كثيرة تطيف به لها مناظر وسطوح يخرج منها الى سطح الحرم فيبيت اهلها فيه ويبردون ماءهم في اعالي شرفاته، فهم من النظر الى البيت العتيق دائما في عبادة متصلة، والله يهنئهم ما خصهم به من مجاورة بيته الحرام بمنه وكرمه.

وألفيت بخط الفقيه الزاهد الورع أبي جعفر الفنكي القرطبي: أن ذرع المسجد الحرام في الطول والعرض ما أثبته أولا، وطول مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثلاث مئة ذراع، وعرضه مئتان، وعدد سواريه ثلاث مئة، ومناراته ثلاث، فيكون تكسيره أربعة وعشرين مرجعا من المراجع المغربية، وهي خمسون ذراعا في مثلها، وطول مسجد بيت المقدس، أعاده الله للإسلام، سبع مئة وثمانون ذراعا، وعرضه اربع مئة وخمسون ذراعا، وسواريه اربع مئة وأربع عشرة سارية، وقناديله خمس مئة، وأبوابه خمسون بابا، فيكون تكسيره من المراجع المذكورة مئة مرجع وأربعين مرجعا وخمسي مرجع.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com