John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

من جدة إلى حرم الشريف

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 31 of 130

وفي عشي يوم الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور، وهو الثاني من شهر أغشت، كان انفصالنا من جدة بعد أن ضمن الحجاج بعضهم بعضا، وثبتت أسماؤهم في زمام عند قائد جدة علي بن موفق، حسبما نفذ اليه ذلك من سلطانه صاحب مكة مكثر بن عيسى المذكور وهذا الرجل مكثر من ذرية الحسن بن علي، رضوان الله عليهما، لكنه ممن يعمل غير صالح، فليس من أهل سلفه الكريم، رضي الله عنهم.

وأسرينا تلك الليلة الى ان وصلنا القرين مع طلوع الشمس. وهذا الموضع هو منزل الحاج ومحط رحالهم، ومنه يحرمون وبه يريحون اليوم الذي يصبحونه.

فاذا كان في عشية رفعوا وأسروا ليلتهم وصبحوا الحرم الشريف، زاده الله تشريفا وتعظيما. والصادرون من الحج ينزلون به ايضا ويسرون منه الى جدة وبهذا الموضع المذكور بئر معينة عذبة، والحاج بسببها لا يحتاجون الى تزود الماء غير ليلة اسرائهم اليه. فأقمنا بياض يوم الأربعاء المذكور مريحين بالقرين. فلما حان العشي رحنا منه محرمين بعمرة، فأسرينا ليلتنا تلك، فكان وصولنا مع الفجر الى قريب الحرم. فنزلنا مرتقبين لانتشار الضوء.

ودخلنا مكة، حرسها الله، في الساعة الأولى من يوم الخميس الثالث عشر

لربيع المذكور، وهو الرابع من شهر أغشت، على باب العمرة، وكان إسراؤنا تلك الليلة المذكورة، والبدر قد القى على البسيطة شعاعه، والليل قد كشف عنا قناعه، والأصوات تصك الآذان بالتلبية من كل مكان، والألسنة تضج بالدعاء وتبتهل الى الله بالثناء، فتارة تشتد بالتلبية، وآونة تتضرع بالأدعية.

فيا لها ليلة كانت في الحسن بيضة العقر، فهي عروس ليالي العمر وبكر بنيات الدهر. الى أن وصلنا، في الساعة المذكورة من اليوم المذكور، حرم الله العظيم ومبوأ الخليل ابراهيم. فألفينا الكعبة الحرام عروسا مجلوة مزفوفة الى جنة الرضوان محفوفة بوفود الرحمن، فطفنا طواف القدوم، ثم صلينا بالمقام الكريم وتعلقنا بأستار الكعبة عند الملتزم، وهو بين الحجر الأسود والباب، وهو موضع استجابة الدعوة. ودخلنا قبة زمزم وشربنا من مائها وهو لما شرب له، كما قال، صلى الله عليه وسلم. ثم سعينا بين الصفا والمروة، ثم حلقنا واحللنا.

فالحمد لله الذي كرمنا بالوفادة عليه وجعلنا ممن انتهت الدعوة الإبراهيمية اليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وكان نزولنا فيها بدار تعرف بالنسبة الى الحلال قريبا من الحرم، ومن باب السدة احد ابوابه في حجرة كثيرة المرافق المسكنية مشرفة على الحرم وعلى الكعبة المقدسة.

شهر جمادى الأول

استهل هلاله ليلة الاثنين الثاني والعشرين لأغشت، وقد كمل لنا بمكة، شرفها الله تعالى، ثمانية عشر يوما، فهلال هذا الشهر أسعد هلال اجتلته أبصارنا فيما سلف من اعمارنا. طلع علينا وقد تبوأنا مقعد الجدار الكريم وحرم الله العظيم والقبة التي فيها مقام ابراهيم، مبعث الرسول ومهبط الروح الأمين جبريل بالوحي والتنزيل، فأوزعنا الله شكر هذه المنة وعرفنا قدر ما خصنا به من نعمة، وختم لنا بالقبول، وأجرانا على كريم عوائده من الصنع الجميل ولطيف

التيسير والتسهيل بعزته وقدرته، لا اله سواه.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com