John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

ذكر مكة المكرمة واثارها

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 34 of 130

هي بلدة قد وضعها الله عز وجل بين جبال محدقة بها، وهي بطن واد مقدس، كبيرة مستطيلة، تسع من الخلائق ما لا يحصيه إلا الله عز وجل.

ولها ثلاثة أبواب: أولها باب المعلى، ومنه يخرج إلى الجبانة المباركة، وهي بالموضع الذي يعرف بالحجون. وعن يسار المار إليها جبل في أعلاه ثنية

عليها علم شبيه البرج، يخرج منها إلى طريق العمرة، وتلك الثنية تعرف بكداء، وهي التي عنى حسان بقوله في شعره:

تثير النقع موعدها كداء فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم الفتح: ادخلوا من حيث قال حسان. فدخلوا من تلك الثنية. وهذا الموضع الذي يعرف بالحجون هو الذي عناه الحارث بن مضاض الجرهمي بقوله:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر

بل نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر

وبالجبانة المذكورة مدفن جماعة من الصحابة والتابعين والأولياء والصالحين قد دثرت مشاهدهم المباركة وذهبت عن أهل البلد أسماؤهم. وفيه الموضع الذي صلب فيه الحجاج بن يوسف، جازاه الله، جثة عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهما. وعلى الموضع بقية علم ظاهر إلى اليوم، وكان عليه مبنى مرتفع، فهدمه أهل الطائف غيرة منهم على ما كان يجدد من لعنة صاحبهم الحجاج المذكور. وعن يمينك، إذا استقبلت الجبانة المذكورة، مسجد في مسيل بين جبلين، يقال إنه المسجد الذي بايعت فيه الجن النبي، صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم.

وعلى هذا الباب المذكور طريق الطائف وطريق العراق والصعود إلى عرفات، جعلنا الله ممن يفوز بالموقف فيها. وهذا الباب المذكور بين الشرق والشمال، وهو إلى المشرق أميل.

ثم باب المسفل: وهو إلى جهة الجنوب، وعليه طريق اليمن، ومنه كان دخول خالد بن الوليد، رضي الله عنه، يوم الفتح.

ثم باب الزاهر: ويعرف أيضا بباب العمرة، وهو غربي، وعليه

طريق مدينة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وطريق الشام وطريق جده، ومنه يتوجه إلى التنعيم، وهو أقرب ميقات المعتمرين، يخرج من الحرم إليه على باب العمرة، ولذلك أيضا يسمى هو بهذا الاسم.

والتنعيم من البلدة على فرسخ، وهو طريق حسن فسيح، فيه الآبار العذبة التي تسمى بالشبيكة.

وعندما تخرج من البلدة بنحو ميل تلقى مسجدا بإزائه حجر موضوع على الطريق كالمصطبة يعلوه حجر آخر مسند فيه نقش دائر الرسم يقال إنه الموضع الذي قعد فيه النبي، صلى الله عليه وسلم، مستريحا عند مجيئه من العمرة.

فيتبرك الناس بتقبيله ومسح الخدود فيه، وحق ذلك لهم، ويستندون إليه لتنال اجسامهم بركة لمسه. ثم بعد هذا الموضع بمقدار غلوة تلقى على قارعة الطريق، من جهة اليسار للمتوجه إلى العمرة، قبرين قد علتهما أكوام من الصخر عظام، يقال إنهما قبرا أبي لهب وامرأته، لعنهما الله، فما زال الناس في القديم إلى هلم جرا يتخذون سنة رجمهما بالحجارة حتى علاهما من ذلك جبلان عظيمان.

ثم تسير منها بمقدار ميل وتلقى الزاهر، وهو مبتنى على جانبي الطريق، يحتوي على دار وبساتين، والجميع ملك أحد المكيين، وقد أحدث في المكان مطاهر وسقاية للمعتمرين. وعلى جانب الطريق دكان مستطيل تصف عليه كيزان الماء ومراكن مملؤة للوضوء، وهي القصاري الصغار.

وفي الموضع بئر عذبة يملأ منها المطاهر المذكورة فيجد المعتمرون فيها مرفقا كبيرا للطهور والوضوء والشرب. فصاحبها على سبيل معمورة بالاجر والثواب.

وكثير من الناس المتاجرين من يعينه على ما هو بسبيله. وقيل: ان له من ذلك فائدا كبيرا.

وعن جانبي الطريق في هذا الموضع جبال أربعة: جبلان من هنا، وجبلان من هنا، عليها اعلام من الحجارة، وذكر لنا أنها الجبال المباركة التي جعل

ابراهيم، عليه السلام، عليها أجزاء الطير ثم دعاهن حسبما حكى الله، عز وجل، سؤاله إياه جل وتعالى أن يريه كيف يحيي الموتى. وحول تلك الجبال الأربعة جبال غيرها، وقيل: ان التي جعل ابراهيم عليها الطير سبعة منها، والله أعلم.

وعند إجازتك الزاهر المذكور تمر بالوادي المعروف بذي طوى الذي ذكر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، نزل فيه عند دخوله مكة، وكان ابن عمر، رضي الله عنهما، يغتسل فيه وحينئذ يدخلها. وحوله آبار تعرف بالشبيكة، وفيه مسجد يقال انه مسجد ابراهيم، عليه السلام، فتأمل بركة هذا الطريق ومجموع الآيات التي فيه والآثار المقدسة التي اكتنفته.

وتجيز الوادي الى مضيق تخرج منه الى الأعلام التي وضعت حجزا بين الحل والحرام، فما داخلها الى مكة حرم وما خارجها حل، وهي كالأبراج مصفوفة كبار وصغار واحد بازاء آخر، وعلى مقربة منه تأخذ من أعلى الجبل الذي يعترض عن يمين الطريق في التوجه الى العمرة، وتشق الطريق الى أعلى الجبل عن يساره، ومنه ميقات المعتمرين، وفيها مساجد مبنية بالحجارة يصلي المعتمرون فيها ويحرمون منها.

ومسجد عائشة، رضي الله عنها، خارج هذه الأعلام بمقدار غلوتين، واليه يصل المالكيون ومنه يحرمون. وأما الشافعيون فيحرمون من المساجد التي حول الأعلام المذكورة. وامام مسجد عائشة، رضي الله عنها، مسجد ينسب لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه.

ومن عجيب ما عرض علينا بباب بني شيبة المذكور عتب من الحجارة العظام طوال كأنها مصاطب صفت أمام الأبواب الثلاثة المنسوبة لبني شيبة، ذكر لنا أنها الأصنام التي كانت قريش تعبدها في جاهليتها، وكبيرها هبل بينها، قد كبت على وجوهها، تطؤها الأقدام وتمتهنها بأنعلتها العوام، ولم تغن عن أنفسها فضلا عن عابديها شيئا، فسبحان المنفرد بالوحدانية لا اله سواه. والصحيح في أمر تلك الحجارة أن النبي، صلى الله عليه وسلم.

أمر يوم فتح مكة بكسر الأصنام واحراقها. وهذا الذي نقل الينا غير صحيح وانما تلك التي على الباب حجارة منقولة وعني القوم بتشبيهها الى الأصنام لعظمها.

ومن جبال مكة المشهورة، بعد جبل أبي قبيس، جبل حراء، وهو في الشرق على مقدار فرسخ أو نحوه مشرف على منى، وهو مرتفع في الهواء عالي القنة، وهو جبل مبارك، كان النبي، صلى الله عليه وسلم، كثيرا ما ينتابه ويتعبد فيه، واهتز تحته فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: «اسكن حراء، فيما عليك الا نبي وصديق وشهيد» ، وكان معه أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما. ويروى: «أثبت فما عليك الا نبي وصديق وشهيدان» ، وكان عثمان، رضي الله عنه، معهم، واول آية نزلت من القرآن على النبي، صلى الله عليه وسلم، في الجبل المذكور وهو آخذ من الغرب الى الشمال، ووراء طرفه الشمالي جبانة الحجون التي تقدم ذكرها. وسور مكة انما كان من جهة المعلى وهو مدخل الى البلد، ومن جهة المسفل وهو مدخل ايضا اليه.

ومن جهة باب العمرة وسائر الجوانب جبال لا يحتاج معها الى سور. وسورها اليوم منهدم الا آثاره الباقية وأبوابه القائمة.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com