John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

بعض مشاهدها

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 35 of 130

مكة، شرفها الله، كلها مشهد كريم، كفاها شرفا ما خصها الله به من مثابة بيته العظيم وما سبق لها من دعوة الخليل ابراهيم وانها حرم الله وأمنه، وكفاها أنها منشأ النبي، صلى الله عليه وسلم، الذي آثره الله بالتشريف والتكريم وابتعثه بالآيات والذكر الحكيم، فهي مبدأ نزول الوحي والتنزيل وأول مهبط الروح الأمين جبريل، وكانت مثابة أنبياء الله ورسله الاكرمين، وهي أيضا مسقط رؤوس جماعة من الصحابة القرشيين المهاجرين الذين جعلهم الله مصابيح الدين ونجوما للمهتدين.

فمن مشاهدها التي عايناها قبة الوحي، وهي في دار خديجة أم المؤمنين، رضي الله عنها، وبها كان ابتناء النبي، صلى الله عليه وسلم، بها، وقبة صغيرة

أيضا في الدار المذكورة فيها كان مولد فاطمة الزهراء، رضي الله عنها، وفيها أيضا ولدت سيدي شباب أهل الجنة: الحسن والحسين، رضي الله عنهما، وهذه المواضع المقدسة المذكورة مغلقة مصونة قد بنيت بناء يليق بمثلها.

ومن مشاهدها الكريمة أيضا مولد النبي، صلى الله عليه وسلم، والتربة الطاهرة التي هي أول تربة مست جسمه الظاهر، بني عليها مسجد لم ير أحفل بناء منه، أكثره ذهب منزل به. والموضع المقدس الذي سقط فيه، صلى الله عليه وسلم، ساعة الولادة السعيدة المباركة التي جعلها الله رحمة للأمة أجمعين محفوف بالفضة. فيا لها تربة شرفها الله بأن جعلها مسقط أطهر الأجسام ومولد خير الأنام، صلى الله عليه وعلى آله وأهله وأصحابه الكرام وسلم تسليما.

يفتح هذا الموضع المبارك فيدخله الناس كافة متبركين به في شهر ربيع الأول ويوم الاثنين منه، لأنه كان شهر مولد النبي، صلى الله عليه وسلم، وفي اليوم المذكور ولد، صلى الله عليه وسلم، وتفتح المواضع المقدسة المذكورة كلها. وهو يوم مشهود بمكة دائما.

ومن مشاهدها الكريمة أيضا دار الخيزران، وهي الدار التي كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يعبد الله فيها سرا مع الطائفة الكريمة المبادرة للإسلام من أصحابه، رضي الله عنهم، حتى نشر الله الإسلام منها على يدي الفاروق عمر ابن الخطاب، رضي الله عنه، وكفى بهذه الفضيلة.

ومن مشاهدها أيضا دار أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وهي اليوم دارسة الأثر، ويقابلها جدار فيه حجر مبارك يتبرك الناس بلمسه، يقال:

إنه كان يسلم على النبي، صلى الله عليه وسلم، متى اجتاز عليه. وذكر انه جاء يوما، صلى الله عليه وسلم، الى دار ابي بكر، رضي الله عنه فنادى به ولم يكن حاضرا فأنطق الله عز وجل الحجر المزكور، وقال: يا رسول الله ليس بحاضر. وكانت احدى آياته المعجزات، صلى الله عليه وسلم.

ومن مشاهدها قبة بين الصفا والمروة تنسب لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وفي وسطها بئر يقال انه كان يجلس فيها للحكم، رضي الله عنه.

والصحيح في هذه القبة انها قبة حفيده عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، وبإزاء داره المنسوبة اليه، وفيها كان يجلس للحكم ايام توليه مكة. كذلك حكى لنا أحد أشياخنا الموثوقين. ويقال ان البئر كانت في القديم فيها، ولا بئر فيها الآن لانا دخلناها فالفيناها مسطحة، وهي حفيلة الصنعة.

وكانت بمقربة من الدار التي نزلنا فيها دار جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، ذي الجناحين.

وبجهة المسفل، وهو آخر البلد، مسجد منسوب لأبي بكر الصديق، رضي الله عنه، يحف به بستان حسن فيه النخيل والرمان وشجر العناب، وعاينا فيه شجر الحناء. وأمام المسجد بيت صغير فيه محراب، يقال: انه كان مختبأ له، رضي الله عنه، من المشركين الطالبين له.

وعلى مقربة من دار خديجة، رضي الله عنها، المذكورة، وفي الزقاق الذي الدار المكرمة فيه مصطبة فيها متكأ يقصد الناس اليها ويصلون فيها ويتمسحون بأركانها، لأن في موضعها كان موضع قعود النبي، صلى الله عليه وسلم.

ومن الجبال التي فيها أثر كريم ومشهد عظيم الجبل المعروف بأبي ثور، وهو في الجهة اليمنية من مكة على مقدار فرسخ او ازيد. وفيه الغار الذي آوى اليه النبي، صلى الله عليه وسلم، مع صاحبه الصديق، رضي الله عنه، حسبما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز. وقرأت في كتاب أخبار مكة لابي الوليد الازرقي:

إن الجبل نادى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: الي يا محمد! الي يا محمد! فقد آويت قبلك نبيا. وخص الله، عز وجل، نبيه فيه بايات فمنها أنه، صلى الله عليه وسلم، دخل مع صاحبه على شق فيه ثلثا شبر وطوله ذراع، فلما اطمأنا فيه، أمر الله العنكبوت فأتخذت عليه بيتا، والحمام فصنعت عليه عشا وفرخت فيه. فانتهى المشركون اليه بدليل قصاص للأثر مستاف أخلاق الطريق، فوقف لهم على الغار وقال: ههنا انقطع الاثر، فاما صعد بصاحبكم من ههنا الى السماء أو غيض به في الارض. ورأوا العنكبوت ناسجة على فم

الغار والحمام مفرخة فيه، فقالوا: ما دخل هنا أحد. فأخذوا في الانصراف.

فقال الصديق، رضي الله عنه. يا رسول الله! لو ولجوا علينا من فم الغار ما كنا نصنع؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لو ولجوا علينا منه كنا نخرج من هناك، وأشار بيده المباركة الى الجانب الآخر من الغار، ولم يكن فيه شق، فانفتح للحين فيه باب، بقدرة الله عز وجل، وهو سبحانه قدير على ما يشاء.

وأكثر الناس ينتابون هذا الغار المبارك ويتجنبون دخوله من الباب الذي احدث الله عز وجل فيه، ويرومون دخوله من الشق الذي دخل النبي، صلى الله عليه وسلم، منه تبركا به. فيمتد المحاول لذلك على الارض ويبسط خده بإزاء الشق ويولج يديه ورأسه أولا ثم يعالج ادخال سائر جسده. فمنهم من يتأتى له ذلك بحسب قضافة بدنه، ومنهم من يتوسط بدنه فم الغار فيعضه فيروم الدخول أو الخروج فلا يقدر فينشب ويلاقي مشقة وصعوبة، حتى يتناول بالجذاب العنيف من ورائه.

فالعقلاء من الناس يجتنبونه لهذا السبب، ولا سيما ويتصل به سبب آخر مخجل فاضح، وذلك أن عوام الناس يزعمون أن الذي لا يسع عليه ويمتسك فيه ولا يلجه ليس لرشدة «1» . جرى هذا الخبر على السنتهم حتى عاد عندهم قطعا على صحته لا يشكون. فبحسب المنتشب فيه المتعذر ولوجه عليه ما يكسوه هذا الظن الفاضح المخجل، زائدا الى ما يكابده بدنه من اللز في ذلك المضيق واشرافه منه على المنية توجعا وانقطاع نفس وبرح ألم. فالبعض من الناس يقولون في مثل: ليس يصعد جبل أبي ثور الاثور.

وعلى مقربة من هذا الغار في الجبل بعينه عمود منقطع من الجبل، قد قام شبه الذراع المرتفعة بمقدار شبه القامة، وانبسط له في أعلاه شبه الكف، خارجا عن الذراع، كأنه القبة المبسوطة، بقدرة الله عز وجل، يستظل تحتها نحو

العشرين رجلا، وتسمى قبة جبريل، صلى الله عليه وسلم.

ومما يجب أن يثبت ويؤثر، لبركة معاينته وفضل مشاهدته: أن في يوم الجمعة التاسع عشر من جمادى الأولى، وهو التاسع من شتنبر، أنشأ الله بحرية فتشاءمت فانهلت عينا غديقة، كما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وذلك أثر صلاة العصر ومع العشي من اليوم المذكور، فجاءت بمطر جود. وتبادر الناس الى الحجر فوقفوا تحت الميزاب المبارك متجردين عن ثيابهم، يتلقون الماء الذي يصبه الميزاب برءوسهم وأيديهم وأفواههم مزدحمين عليه ازدحاما عظيما، أحدث ضوضاء عظيمة، كل يحرص على أن ينال جسمه من رحمة الله نصيبا، ودعاؤهم قد علا، ودموع أهل الخشوع منهم تسيل، فلا تسمع الا ضجيج دعاء، أو نشيج بكاء. والنساء قد وقفن خارج الحجر ينظرن بعيون دوامع، وقلوب خواشع، يتمنين ذلك الموقف لو ظفرن به.

وكان بعض الحجاج المتأجرين المشفقين يبل ثوبه بذلك الماء المبارك ويخرج اليهن ويعصره في أيدي البعض منهن، فيتلقينه شربا ومسحا على الوجوه والأبدان.

وتمادت تلك السحابة المباركة الى قريب المغرب، وتمادى الناس على تلك الحال من الازدحام على تلقي ماء الميزاب بالايدي والوجوه والافواه، وربما رفعوا الاواني ليقع فيها. فكانت عشية عظيمة استشعرت النفوس فيها الفوز بالرحمة ثقة بفضله وكرمه ولما اقترن بها من القرائن المباركة، فمنها: أنها كانت عشية الجمعة وفضل اليوم فضله، والدعاء فيها يرجى من الله تعالى قبوله، لما ورد فيها من الأثر الصحيح، وأبواب السماء تفتح عند نزول المطر. وقد وقف الناس تحت الميزاب، وهو من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء، وطهرت أبدانهم رحمة الله النازلة من سمائه الى سطح بيته العتيق الذي هو حيال البيت المعمور، وكفى بهذا المجتمع الكريم والمنتظم الشريف، جعلنا الله ممن طهر فيه من أرجاس الذنوب، واختص من رحمة الله تعالى

بذنوب، ورحمته سبحانه واسعة تسع عباده المذنبين، انه غفور رحيم.

وذكروا أن الامام أبا حامد الغزالي دعا الله عز وجل بدعوات، وهو في حرمه الكريم، في رغبات رفعها الى الله جل وتعالى، فأعطي بعضا ومنع بعضا. وكان مما منع نزول المطر وقت مقامه بمكة، وكان تمنى أن يغتسل به تحت الميزاب ويدعو الله عز وجل عند بيته الكريم في الساعة التي أبواب سمائه فيها مفتوحة فمنع ذلك واجيب دعاؤه في سائر ما سأله. فله الحمد وله الشكر على ما أنعم به علينا. ولعل عبدا من عباده الصالحين الوافدين على بيته الكريم خصه الله بهذه الكرامة، فدخلنا، جميع المذنبين، في شفاعته، والله ينفعنا بدعاء المخلصين من عباده ولا تجعلنا ممن شقي بدعائه، إنه منعم كبير.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com