Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
السرو المائرون
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 40 of 130
ومن لطيف صنع الله، عز وجل، لهم فيه اعتناء كريم منه سبحانه بحرمه الأمين، أن قبائل من اليمن تعرف بالسرو، وهم أهل جبال حصينة باليمن تعرف بالسراة، كأنها مضافة لسراة الرجال، على ما أخبرني به فقيه من أهل اليمن يعرف بابن أبي الصيف، فاشتق الناس لهم هذا الاسم المذكور من اسم بلادهم، وهم قبائل شتى كبجيلة وسواها، يستعدون للوصول الى هذه البلدة المباركة قبل حلولها بعشرة أيام، فيجتمعون بين النية في العمرة وميرة البلد بضروب من الأطعمة كالحنطة وسائر الحبوب الى اللوبياء الى ما دونها، ويجلبون السمن والعسل والزبيب واللوز. فتجمع ميرتهم بين الطعام والإدام والفاكهة.
ويصلون في آلاف من العدد رجالا وجمالا موقرة بجميع ما ذكر. فيرغدون معايس اهل البلد والمجاورين فيه يتقوتون ويدخرون، وترخص الأسعار، وتعم المرافق. فيعد منها الناس ما يكفيهم لعامهم الى ميرة اخرى. ولولا هذه الميرة لكان أهل مكة في شظف من العيش.
ومن العجب في أمر هؤلاء المائرين أنهم لا يبيعون من جميع ما ذكرناه بدينار ولا بدرهم، إنما يبيونه بالخرق والعباءات والشمل، فأهل مكة يعدون لهم من ذلك مع الأقنعة والملاحف المتان وما أشبه ذلك مما يلبسه الأعراب ويبايعونهم به ويشارونهم. ويذكر أنهم متى اقاموا عن هذه الميرة ببلادهم تجدب ويقع الموتان في مواشيهم وانعامهم، وبوصولهم بها تخصب بلادهم وتقع
- البركة أموالهم فمتى في قرب الوقت ووقعت منهم بعض غفلة في التأهب للخروج اجتمع نساؤهم فأخرجنهم. وكل هذا لطف من الله تعالى لحرمة البلد الأمين.
وبلادهم على ما ذكر لنا خصيبة متسعة كثيرة التين والعنب واسعة المحرث وافرة الغلات، وقد اعتقدوا اعتقادا صحيحا أن البركة كلها في هذه الميرة التي يحلبونها، فهم من ذلك في تجارة رابحة مع الله عز وجل.
والقوم عرب صرحاء فصحاء جفاة أصحاء، لم تغذهم الرقة الحضرية ولا هذبتهم السير المدنية ولا سددت مقاصدهم السنن الشرعية، فلا تجد لديهم من أعمال العبادات سوى صدق النية، فهم اذا طافوا بالكعبة المقدسة يتطارحون عليها تطارح البنين على الام المشفقة لائذين بجوارها متعلقين بأستارها فحيثما علقت أيديهم منها تمزق لشدة اجتذابهم لها وانكبابهم عليها. وفي اثناء ذلك تصدع لسنتهم بأدعية تتصدع لها القلوب وتتفجر لها الأعين الجوامد فتصوب. فترى الناس حولهم باسطي ايديهم مؤمنين على أدعيتهم متلقنين لها من السنتهم، على أنهم طول مقامهم لا يتمكن منهم طواف ولا يوجد سبيل الى استلام الحجر.
واذا فتح الباب الكريم فهم الداخلون بسلام، فتراهم في محاولة دخولهم يتسلسلون كأنهم بعض ببعض مرتبطون، يتصل منهم على هذه الصفة الثلاثون والأربعون الى أزيد من ذلك، والسلاسل منهم يتبع بعضهم بعضا، وربما انفصمت بواحد منهم، يميل عن المطلع المبارك الى البيت الكريم. فيقع الكل لوقوعه، فيشاهد الناظر لذلك مرأى يؤدي الى الضحك.
وأما صلاتهم فلم يذكر في مضحكات الأعراب أظرف منها، وذلك أنهم يستقبلون البيت الكريم فيسجدون دون ركوع وينقرون بالسجود نقرا، ومنهم من يسجد السجدة الواحدة ومنهم من يسجد الثنتين والثلاث والاربع ثم يرفعون رؤوسهم من الارض قليلا وأيديهم مبسوطة عليها، ويلتفتون يمينا وشمالا التفات المروع ثم يسلمون أو يقومون دون تسليم ولا جلوس للتشهد، وربما تكلموا في
أثناء ذلك، وربما رفع أحدهم رأسه من سجوده الى صاحبه وصاح به ووصاه بما شاء ثم عاد الى سجوده، الى غير ذلك من أحوالهم الغريبة.
ولا ملبس لهم سوى أزر وسخة أو جلود يستترون بها. وهم مع ذلك أهل بأس ونجدة، لهم القسي العربية الكبار كأنها قسي القطانين لا تفارقهم في أسفارهم، فمتى رحلوا الى الزيارة هاب أعراب الطريق الممسكون للحاج مقدمهم وتجنبوا اعتراضهم وخلوا لهم عن الطريق. ويصحبهم الحجاج الزائرون فيحمدون صحبتهم. وعلى ما وصفنا من أحوالهم فهم أهل اعتقاد للإيمان صحيح، وذكر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، ذكرهم واثنى عليهم خيرا، وقال:
«علموهم الصلاة يعلموكم الدعاء» . وكفى بأن دخلوا في عموم قوله، صلى الله عليه وسلم: «الإيمان يمان» الى غير ذلك من الأحاديث الواردة في اليمن واهله.
وذكر أن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، كان يحترم وقت طوافهم ويتحرى الدخول في جملتهم تبركا بأدعيتهم. فشأنهم عجيب كله.
وشاهدنا منهم صبيا في الحجر قد جلس الى احد الحجاج يعلمه فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص. فكان يقول له: «قل هو الله أحد»
فيقول الصبي: «هو الله أحد» فيعيد عليه المعلم، فيقول له: «ألم تأمرني بأن أقول: هو الله أحد؟
قد قلت» . فكابد في تلقينه مشقة، وبعد لأي ما علقت بلسانه. وكان يقول له: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين»
، فيقول الصبي: «بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله» . فيعيد عليه المعلم، ويقول له: «لا تقل:
والحمد لله انما اقل: الحمد لله» فيقول الصبي: «اذا قلت: بسم الله الرحمن الرحيم، اقول: والحمد لله، للاتصال، واذا لم أقل بسم الله، وبدأت قلت: الحمد لله» فعجبنا من أمره ومن معرفته طبعا بصلة الكلام وفصله دون تعلم.
وأما فصاحتهم فبديعة جدا، ودعاؤهم كثير التخشيع للنفوس، والله يصلح أحوالهم وأحوال جميع عباده بمنه.