John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

العمرة الرجبية

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 39 of 130

والعمرة الرجبية عندهم أخت الوقفة العرفية، لأنهم يحتفلون لها الاحتفال الذي لم يسمع بمثله ويبادر اليها أهل الجهات المتصلة بها، فيجتمع لها خلق عظيم لا يحصيهم الا الله عز وجل. فمن لم يشاهدها بمكة لم يشاهد مرأى يستهدي ذكره غرابة وعجبا، شاهدنا من ذلك أمرا يعجز الوصف عنه، والمقصود منه الليلة التي يستهل فيها الهلال مع صبيحتها. ويقع الاستعداد لها من قبل ذلك بأيام، فأبصرنا من ذلك ما نصف بعضه على جهة الاختصار. وذلك لأنا عاينا شوارع مكة وأزقتها، من عصر يوم الأربعاء، وهي العشية التي ارتقب فيها الهلال، قد امتلأت هوادج مشدودة على الإبل مكسوة بأنواع كسا الحرير وغيرها من ثياب الكتان الرفيعة بحسب سعة احوال اربابها ووفرهم، كل يتأنق ويحتفل بقدر استطاعته، فأخذوا في الخروج الى التنعيم ميقات المعتمرين، فسالت تلك الهوادج في اباطح مكة وشعابها، والإبل قد زينت تحتها بأنواع التزيين، واشعرت بغير هدي بقلائد رائقة المنظر من الحرير وغيره، وربما فاضت الأستار التي على الهوادج حتى تسحب أذيالها على الأرض.

ومن أغرب ما شاهدناه من ذلك هودج الشريفة جمانة بنت فليتة عمة الأمير مكثر، فإن اذيال سترة كانت تنسحب على الارض انسحابا؛ وغيره من هوادج حرم الامير وحرم قواده، الى غير ذلك من هوادج لم نستطع تقييد عدتها عجزا عن الاحصاء. فكانت تلوح على ظهور الإبل كالقباب المضروبة، فيخيل للناظر

اليها انها محلة قد صربت ابنيتها من كل لون رائق.

ولم يبق ليلة الخميس المذكور بمكة الا من خرج للعمرة من اهلها ومن المجاورين، وكنا في جملة من خرج ابتغاء بركة الليلة العظيمة، فكدنا لا نتخلص الى مسجد عائشة من الزحام وانسداد ثنيات الطريق بالهوادج، والنيران قد اشعلت بحافتي الطريق كله، والشمع يتقد بين أيدي الإبل التي عليها هوادج من يشار اليه من عقائل نساء مكة.

فلما قضينا العمرة وطفنا وجئنا للسعي بين الصفا والمروة، وقد مضى هدء من الليل، أبصرناه كله سرجا ونيرانا وقد غص بالساعين والساعيات على هوادجهن، فكنا لا نتلخص الا بين هوادجهن وبين قوائم الإبل لكثرة الزحام واصطكاك الهوادج بعضها على بعض. فعاينا ليلة هي أغرب ليالي الدنيا، فمن لم يعاين ذلك لم يعاين عجبا يحدث به ولا عجبا يذكره مرأى الحشر يوم القيامة لكثرة الخلائق فيه، محرمين، ملبين، داعين الى الله عز وجل ضارعين، والجبال المكرمة التي بحافتي الطريق تجيبهم بصداها حتى سكتت المسامع، وسكبت من هول تلك المعاينة المدامع، وذابت القلوب الخواشع.

وفي تلك الليلة ملئ المسجد الحرام كله سرجا فتلألأ نورا. وعند ثبوت رؤية الهلال عند الأمير أمر بضرب الطبول والدبادب والبوقات إشعارا بأنها ليلة الموسم.

فلما كانت صبيحة ليلة الخميس خرج الى العمرة في احتفال لم يسمع بمثله انحشد له أهل مكة على بكرة ابيهم، فخرجوا على مراتبهم قبيلة قبيلة وحارة حارة شاكين في الأسلحة فرسانا ورجالة، فاجتمع منهم عدد لا يحصى كثرة، يتعجب المعاين لهم لوفور عددهم، فلو أنهم من بلاد جمة لكانوا عجبا، فكيف وهم من بلد واحد وهذا أدل الدلائل على بركة البلد. فكانوا يخرجون على ترتيب عجيب، فالفرسان منهم يخرجون بخيلهم ويلعبون بالاسلحة عليها، والرجالة يتواثبون ويتثاقفون بالأسلحة في ايديهم حرابا وسيوفا وحجفا وهم يظهرون التطاعن بعضهم لبعض والتضارب بالسيوف والمدافعة بالحجف التي يستجنون بها. واظهروا من الحذق

؟ كل أمر مستغرب. وكانوا يرمون بالحراب الى الهواء ويبادرون اليها لقفا بأيديهم وهي قد تصوبت اسنتها على رؤوسهم وهم في زحام لا يمكن فيه المجال، وربما رمى بعضهم بالسيوف في الهواء فيستلقونها قبضا على قوائمها كأنها لم تفارق أيديهم، الى أن خرج الأمير يزحف بين قواده، وأبناؤه أمامه، وقد قاربوا سن الشباب، والرايات تخفق أمامه، والطبول والدبادب بين يديه، والسكينة تفيض عليه، وقد امتلأت الجبال والطرق والثنيات بالنظارة من جميع المجاورين.

فلما انتهى الى الميقات وقضى غرضه أخذ في الرجوع، وقد ترتب العسكران بين يديه على لعبهم ومرحهم والرجالة على الصفة المذكورة من التجاول. وقد ركب جملة من اعراب البوادي نجبا صهبا لم ير أجمل منظرا منها، وركابها يسابقون الخيل بها، بين يدي الأمير، رافعين أصواتهم بالدعاء له والثناء عليه، الى أن وصل المسجد الحرام، فطاف بالكعبة، والقراء أمامه، والمؤذن الزمزمي يغرد في سطح قبة زمزم رافعا عقيرته بتهنئته بالموسم والثناء عليه والدعاء له على العادة، فلما فرغ من الطواف صلى عند الملتزم ثم جاء الى المقام وصلى خلفه، وقد أخرج له من الكعبة ووضع في قبته الخشبية التي يصلى خلفها. فلما فرغ من صلاته رفعت له القبة عن المقام فاستلمه وتمسح به، ثم أعيدت القبة عليه، وأخذ في الخروج على باب الصفا الى المسعى. وانجفل بين يديه، فسعى راكبا والقواد مطيفون به، والرجالة الحرابة أمامه، فلما فرغ من السعي استلت السيوف أمامه، واحدقت الأشباع به، وتوجه الى منزله على هذه الحالة الهائلة مزحوفا به، وبقي المسعى يومه ذلك يموج بالساعين والساعيات.

فلما كان اليوم الثاني، وهو يوم الجمعة، كان طريق العمرة في العمارة قريبا من امسه، راكبين وماشين، رجالا ونساء والنساء الماشيات المتأجرات كثير يسابقن الرجال في تلك السبيل المباركة، تقبل الله من جميعهم بمنه.

وفي أثناء ذلك يلاقي الرجال بعضهم بعضا فيتصافحون ويتهادون الدعاء

والتغافر بينهم، والنساء كذلك. والكل منهم قد لبس أفخر ثيابه واحتفل احتفال أهل البلاد للأعياد. وأما أهل البلد الأمين فهذا الموسم عيدهم، له يعبأون وله يحتفلون، وفي المباهاة فيه يتنافسون وله يعظمون، وفيه تنفق أسواقهم وصنائعهم، يقدمون النظر في ذلك والأستعداد له بأشهر.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com