John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

زيادة ماء زمزم

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 46 of 130

وفي يوم الجمعة الثاني من ذلك اليوم أصبح بالحرم امر عجيب وذلك أنه لم

يبق بمكة صبي الا وصبحه واجتمعوا كلهم في قبة زمزم، وينادون بلسان واحد:

هللوا وكبروا يا عباد الله؛ فيهلل الناس ويكبرون. وربما دخل معهم من عرض العامة من ينادي معهم بندائهم. والناس والنساء يزدحمون على قبة البئر المباركة لأنهم يزعمون، بل يقطعون قطعا جهليا لا قطعا عقليا، أن ماء زمزم يفيض ليلة النصف من شعبان.

وكانوا على ظن من هلال الشهر، لأنه قيل: انه رؤي ليلة الجمعة في جهة اليمن. فبكر الناس الى القبة، وكان فيها من الازدحام ما لم يعهد مثله، ومقصد الناس في ذلك التبرك بذلك الماء المبارك الذي قد ظهر فيضه، والسقاة فوق التنور يستقون ويفيضون على رؤوس الناس الماء بالدلاء قذفا؛ فمنهم من يصيبه في وجهه ومنهم من يصيبه في رأسه الى غير ذلك. وربما تمادى لشدة نفوذه من أيديهم، والناس مع ذلك يستزيدون ويبكون، والنساء من جهة اخرى يساجلنهم بالبكاء ويطارحنهم بالدعاء، والصبيان يضجون بالتهليل والتكبير؛ فكان مرأى هائلا مسموعا رائعا، لم يتخلص للطائفين بسببه طواف ولا للمصلين صلاة لعلو تلك الأصوات واشتغال الأسماع والأذهان بها. ودخل الى القبة المذكورة أحدنا ذلك اليوم فكابد من لز الزحام عنتا ومشقة، فسمع الناس يقولون: زاد الماء سبع اذرع. فجعل يقصد الى من يتوسم فيه بعض عقل ونظر من ذوي السبال البيض فيسأله عن ذلك، فيقول وأدمعه تسيل: نعم زاد الماء سبع أذرع، لا شك في ذلك، فيقول: أعن خبرة وحقيقة؟ فيقول: نعم.

ومن العجيب أن كان منهم من قال: انه بكر سحر يوم الجمعة المذكور فألفى الماء قد قارب التنور بنحو القامة. فيا عجبا لهذا الاختراع الكاذب، نعوذ بالله من الفتنة! وكان من الاتفاق أن اعتنينا بهذا الأمر لغلبة الاستفاضة التي سمعناها في ذلك واستمرارها مع سوالف الأزمنة عند عوام أهل مكة فتوجه منا ليلة الجمعة من أدلى دلوه في البئر المباركة الى أن ضرب في صفح الماء وانتهى الحبل الى حافة

التنور وعقد فيه عقدا يصح عندنا القياس به في ذلك. فلما كان في صبيحتها وتنادى الناس بالزيادة، الزيادة الظاهرة، خلص أحدنا في ذلك الزحام على صعوبة ومعه من استصحب الدلو وأدلاه فوجد القياس على حاله لم ينقص ولم يزد، بل كان من العجب أن عاد للقياس ليلة السبت فألفاه قد نقص يسيرا لكثرة ما امتاح الناس منه ذلك اليوم. فلو امتيح من البحر لظهر النقص فيه، فسبحان من خص به من البركة ووضع فيه من المنفعة.

وفي صبيحة يوم السبت الخامس عشر منه تتبعنا هذا القياس استبراء لصحة الحال فوجدناه على ما كان عليه، ولو أن لافظا يلفظ ذلك اليوم بأنه لم يزد لصب في البئر صبا أو لداسته الاقدام حتى تذيبه، نعوذ بالله من غلبات العوام واعتدائها وركوبها جوامح أهوائها.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com