John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

ليلة النصف من شعبان

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 47 of 130

وهذه الليلة المباركة، أعني ليلة النصف من شعبان، عند أهل مكة معظمة للأثر الكريم الوارد فيها، فهم يبادرون فيها الى أعمال البر من العمرة والطواف والصلاة أفرادا وجماعة، فينقسمون في ذلك اقساما مباركة؛ فشاهدنا ليلة السبت، التي هي ليلة النصف حقيقة، احتفالا عظيما في الحرم المقدس اثر صلاة العتمة، جعل الناس يصلون فيها جماعات جماعات، تراويح يقرءون فيها بفاتحة الكتاب وبقل هو الله أحد، عشر مرات في كل ركعة الى أن يكملوا خمسين تسليمة بمائة ركعة، قد قدمت كل جماعة اماما، وبسطت الحصر وأوقدت الشمع واشعلت المشاعل وأسرجت المصابيح ومصباح السماء الأزهر الأقمر قد أفاض نوره على الأرض وبسط شعاعه. فتلاقت الأنوار في ذلك الحرم الشريف الذي هو نور بذاته، فيا لك مرأى لا يتخيله المتخيل ولا يتوهمه المتوهم! فأقام الناس تلك الليلة على أقسام: فطائفة التزمت تلك التراويح مع الجماعة وكانت سبع

جماعات أو ثمانيا؛ وطائفة التزمت الحجر المبارك للصلاة على انفراد؛ وطائفة خرجت للاعتمار؛ وطائفة آثرت الطواف على هذا كله، أغلبها المالكية، فكانت من الليالي الشهيرة المأمولة أن تكون من غرر القربات ومحاسنها، نفع الله بها ولا أخلى من بركتها وفضلها وأوصل الى هذه المثابة المقدسة كل شيق اليها بمنه.

وفي تلك الليلة المباركة شاهد احمد بن حسان منا امرا عجيبا هو من غرائب الأحاديث المأثورات في رقة النفوس. وذلك أنه أصابه النوم عند الثلث الباقي من الليل، فأوى الى المصطبة التي تحف بها قبة زمزم مما يقابل الحجر الأسود وباب البيت فاستلقى فيها لينام فاذا بإنسان من العجم قد جلس على المصطبة بإزائه مما يلي رأسه. فجعل يقرأ بتشويق وترقيق، ويتبع ذلك بزفير وشهيق، أحسن قراءة واوقعها في النفوس وأشدها تحريكا للساكن، فامتنع المذكور من المنام استمتاعا بحسن ذلك المسموع وما فيه من التشويق والتخشيع، الى أن قطع القراءة وجعل يقول:

ان كان سوء الفعال أبعدني، ... فحسن ظني اليك قربني

ويردد ذلك بلحن يتصدع له الجماد وينشق عليه الفؤاد. ومضى في ترديد ذلك البيت ودموعه تكف وصوته ترق وتضعف الى أن وقع في نفس أحمد بن حسان المذكور أنه سيغشى عليه؛ فما كان بين اعتراض هذا الخاطر بنفسه وبين وقوع الرجل مغشيا عليه من المصطبة الى الارض الا كلا ولا، وبقي ملقى كأنه لقى لا حراك به. فقام ابن حسان مذعورا لهول ما عاينه مترددا في حياة الرجل أو موته لشدة تلك الوجبة، والموضع من الارض بائن الارتفاع، وقام أحد من كان بازائه نائما، وأقاما متحيرين ولم يقدما على تحريك الرجل ولا على الدنو منه الى أن اجازت امرأة أعجمية، وقالت: هكذا تتركون هذا الرجل على مثل هذا الحال؟ وبادرت الى شيء من ماء زمزم فنضحت به وجهه، ودنا المذكوران منه وأقاماه فعندما أبصرهما زوى وجهه للحين عنهما مخافة أن تثبت له صفة في اعينهما وقام من فوره آخذا الى جهة باب بني شيبة. وبقيا

متعجبين مما شاهداه، وعض ابن حسان بنان الأسف على ما فاته من بركة دعائه اذ لم يمكنه الحال استدعاءه منه، وعلى انه لم تثبت له صورة في نفسه، فكان يتبرك به متى لقيه.

ومقامات هؤلاء الأعاجم في رقة الأنفس وتأثرها وسرعة انفعالها وشدة مجاهداتها في العبادات وطول مثابراتها على أفعال البر وظهور بركاتها مقامات عجيبة شريفة، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

وفي سحر يوم الخميس الثالث عشر من الشهر المذكور كسف القمر وانتهى الكسوف منه الى مقدار ثلثيه، وغاب مكسوفا عند طلوع الشمس، والله يلهمنا الاعتبار بآياته.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com