Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
تراويح رمضان
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 50 of 130
وهذا الشهر المبارك قد ذكرنا اجتهاد المجاورين للحرم الشريف في قيامه وصلاة تراويحه وكثرة الأئمة فيه، وكل وتر من الليالي العشر الاواخر يختم فيها القرآن. فأولها ليلة احدى وعشرين، ختم فيها احد أبناء أهل مكة، وحضر الختمة القاضي وجماعة من الأشياخ. فلما فرغوا منها قام الصبي فيهم خطيبا، ثم استدعاهم ابو الصبي المذكور الى منزله الى طعام وحلوى قد أعدهما واحتفل فيهما.
ثم بعد ذلك ليلة ثلاث وعشرين، وكان المختتم فيها أحد أبناء المكيين ذوي اليسار، غلاما لم يبلغ سنه الخمس عشرة سنة، فاحتفل أبوه لهذه الليلة احتفالا بديعا. وذلك أنه أعد له ثريا مصنوعة من الشمع مغصنة، قد انتظمت أنواع الفواكه الرطبة واليابسة، وأعد لها شمعا كثيرا، ووضع في وسط الحرم مما يلي باب بني شيبة شبيه المحراب المربع من أعواد مشرجبة، قد أقيم على قوائم اربع، وربطت في اعلاه عيدان نزلت منها قناديل وأسرجت في أعلاها مصابيح ومشاعيل وسمر دائر المحراب كله بمسامير حديدة الأطراف غرز فيها الشمع، فاستدار بالمحراب كله. وأوقدت الثريا المغصنة ذات الفواكه، وأمعن الاحتفال في هذا كله. ووضع بمقربة من المحراب منبر مجلل بكسوة مجزعة مختلفة الألوان.
وحضر الإمام الطفل فصلى التراويح وختم، وقد انحشد أهل المسجد الحرام اليه رجالا ونساء، وهو في محرابه لا يكاد يبصر من كثرة شعاع الشمع المحدق به.
ثم برز من محرابه رافلا في أفخر ثيابه بهيبة امامية وسكينة غلامية، مكحل
العينين، مخضوب الكفين الى الزندين، فلم يستطع الخلوص الى منبره من كثرة الزحام، فأخذه أحد سدنة تلك الناحية في ذراعه حتى القاه على ذروة منبره، فاستوى مبتسما وأشار على الحاضرين مسلما. وقعد بين يديه قراء، فابتدروا القراءة على لسان واحد. فلما أكملوا عشرا من القرآن، قام الخطيب فصدع بخطبة تحرك لها اكثر النفوس من جهة الترجيع لا من جهة التذكير والتخشيع، وبين يديه في درجات المنبر نفر يمسكون أتوار الشمع في ايديهم ويرفعون أصواتهم بيا رب يا رب، عند كل فصل من فصول الخطبة يكررون ذلك، والقراء يبتدرون القراءة في اثناء ذلك، فيسكت الخطيب الى أن يفرغوا ثم يعود لخطبته. وتمادى فيها متصرفا في فنون من التذكير.
وفي أثنائها اعترضه ذكر البيت العتيق، كرمه الله، فحسر عن ذراعيه مشيرا اليه، وأردفه بذكر زمزم والمقام فأشار اليهما بكلتا اصبعيه ثم ختمها بتوديع الشهر المبارك وترديد السلام عليه، ثم دعا للخليفة ولكل من جرت العادة بالدعاء له من الأمراء، ثم نزل، وانفض ذلك الجمع العظيم، وقد استظرف ذلك الخطيب واستنبل وان لم تبلغ الموعظة من النفوس ما أمل، والتذكرة اذا خرجت من اللسان لم تتعد مسافة الآذان.
ثم ذكر أن المعينين من ذلك الجمع، كالقاضي وسواه، خصوا بطعام حفيل وحلوى على عادتهم في مثل هذا المجتمع. وكانت لأبي الخطيب في تلك الليلة نفقة واسعة في جميع ما ذكر.
ثم كانت ليلة خمس وعشرين، فكان المختتم فيها الإمام الحنفي، وقد أعد ابنا لذلك سنه نحو من سن الخطيب الأول المذكور. فكان احتفال الإمام الحنفي لابنه في هذه الليلة عظيما، أحضر فيها من ثريات الشمع اربعا مختلفات الصنعة:
منها مشجرة مغصنة مثمرة بأنواع الفواكه الرطبة واليابسة، ومنها غير مغصنة.
فصففت أمام حطيمه وتوج الحطيم بخشب وألواح وضعت أعلاه وجلل ذلك كله سرجا ومشاعيل وشمعا، فاستنار الحطيم كله حتى لاح في الهواء كالتاج العظيم من النور. وأحضر الشمع في أتوار الصفر، ووضع المحراب العودي المشرجب،
فجلل دائره الاعلى كله شمعا، وأحدق الشمع في الأتوار به، فاكتنفته هالات من نور، ونصب المنبر قبالته مجللا أيضا بالكسوة الملونة. واحتفل الناس لمشاهدة هذا المنظر النير أعظم من الاحتفال الاول. فختم الصبي المذكور ثم برز من محرابه الى منبره يسحب أذيال الحفر في أثواب رائقة المنظر، فتسور منبره وأشار بالسلام على الحاضرين وأبتدأ خطبته بسكينة ولين ولسان على حالة الحياء مبين. فكأن الحال على طفولتها كانت أوقر من الاولى وأخشع، والموعظة أبلغ، والتذكرة أنفع.
وحضر القراء بين يديه على الرسم الاول. وفي أثناء فصول الخطبة يبتدرون القراءة فيسكت خلال اكمالهم الآية التي انتزعوها من القرآن ثم يعود الى خطبته وبين يديه في درجات المنبر طائفة من الخدمة يمسكون اتوار الشمع بأيديهم ومنهم من يمسك المجمرة تسطع بعرف العود الرطب الموضوع فيها مرة بعد أخرى. فعند ما يصل الى فصل من تذكير أو تخشيع يرفعون أصواتهم بيا رب يا رب يكررونها ثلاثا أو أربعا، وربما جاراهم في النطق بعض الحاضرين، الى أن فرغ من خطبته ونزل. وجرى الامام اثره على الرسم من الاطعام لمن حضر من أعيان المكان اما باستدعائهم الى منزله تلك الليلة أو بتوجيه ذلك الى منازلهم.
ثم كانت ليلة سبع وعشرين، وهي ليلة الجمعة بحساب يوم الاحد، فكانت الليلة الغراء، والختمة الزهراء، والهيبة الموفورة الكهلاء، والحالة التي تمكن عند الله تعالى في القبول والرجاء. وأي حالة توازي شهود ختم القرآن ليلة سبع وعشرين من رمضان خلف المقام الكريم وتجاه البيت العظيم؟ وانها لنعمة تتضاءل لها النعم تضاؤل سائر البقاع للحرم.
ووقع النظر والاحتفال لهذه الليلة المباركة قبل ذلك بيومين أو ثلاثة، وأقيمت ازاء حطيم إمام الشافعية خشب عظام بائنة الارتفاع موصول بين كل ثلاث منها بأذرع من الاعواد الوثيقة، فاتصل منها صف كاد يمسك نصف الحرم
عرضا ووصلت بالحطيم المذكور، ثم عرضت بينها ألواح طوال مدت على الأذرع المذكورة، وعلت طبقة منها طبقة أخرى حتى استكملت ثلاث طبقات، فكانت الطبقة العليا منها خشبا مستطيلة مغروزة كلها مسامير محددة الأطراف لاصقا بعضها ببعض كظهر الشيهم نصب عليها الشمع، والطبقتان تحتها الواح مثقوبة ثقبا متصلا وضعت فيها زجاجات المصابيح ذوات الأنابيب المنبعثة من أسافلها.
وتدلت من جوانب هذه الألواح والخشب ومن جميع الأذرع المذكورة قناديل كبار وصغار وتخللها أشباه الاطباق المبسوطة من الصفر قد انتظم كل طبق منها ثلاث سلاسل تقلها في الهواء وخرقت كلها ثقبا ووضعت فيها الزجاجات ذوات الأنابيب من أسفل تلك الأطباق الصفرية لا يزيد منها أنبوب على أنبوب في القد. وأوقدت فيها المصابيح، فجاءت كأنها موائد ذوات أرجل كثيرة تشتعل نورا، ووصلت بالحطيم الثاني الذي يقابل الركن الجنوبي من قبة زمزم خشب على الصفة المذكورة اتصلت الى الركن المذكور، وأوقد المشعل الذي في رأس فحل القبة المذكورة، وصففت طرة شباكها شمعا مما يقابل البيت المكرم. وحف المقام الكريم بمحراب من الأعواد المشرجبة المخرمة محفوفة الأعلى بمسامير حديدة الأطراف، على الصفة المذكورة، جللت كلها شمعا.
ونصب عن يمين المقام ويساره شمع كبير الجرم، في أتوار تناسبها كبرا، وصفت تلك الأتوار على الكراسي التي يصرفها السدنة مطالع عند الإيقاد، وجلل جدار الحجر المكرم كله شمعا في اتوار من الصفر فجاءت كأنها دائرة نور ساطع، واحدقت بالحرم المشاعيل. وأوقد جميع ما ذكر.
وأحدق بشرفات الحرم كلها صبيان مكة، وقد وضعت بيد كل منهم كرة من الخرق المشبعة سليطا، فوضعوها متقدة في رؤوس الشرفات. وأخذت كل طائفة منهم ناحية من نواحيها الاربعة فجعلت كل طائفة تباري صاحبتها في سرعة ايقادها. فيخيل للناظر أن النار تشب من شرفة الى شرفة لخفاء أشخاصهم وراء الضوء المرتمي الأبصار. وفي اثناء محاولتهم لذلك يرفعون أصواتهم بيا رب يا رب على لسان واحد، فيرتج الحرم لأصواتهم.
فلما كمل ايقاد الجميع بما ذكر كاد يعشي الأبصار شعاع تلك الانوار، فلا تقع لمحة طرف الا على نور يشغل حاسة البصر عن استمالة النظر. فيتوهم المتوهم، لهول ما يعاينه من ذلك، أن تلك الليلة المباركة نزهت لشرفها عن لباس الظلماء فزينت بمصابيح السماء.
وتقدم القاضي فصلى فريضة العشاء الآخرة ثم قام وابتدأ بسورة القدر.
وكان أئمة الحرم في الليلة قبلها قد انتهوا في القراءة اليها. وتعطل في تلك الساعة سائر الأئمة من قراءة التراويح، تعظيما لختمة المقام، وحضروا متبركين بمشاهدتها.
وقد كان المقام المطهر أخرج من موضعه المستحدث في البيت العتيق، حسبما تقدم الذكر أولا له، فيما سلف من هذا التقييد، ووضع في محله الكريم المتخذ مصلى مستورا بقبته التي يصلي الناس خلفها. فختم القاضي بتسليمتين وقام خطيبا مستقبل المقام والبيت العتيق. فلم يتمكن من سماع الخطبة للازدحام وضوضاء العوام.
فلما فرغ من خطبته عاد الأئمة لإقامة تراويحهم، وانفض الجمع ونفوسهم قد استطارت خشوعا، وأعينهم قد سالت دموعا، والأنفس قد أشعرت من فضل تلك الليلة المباركة رجاء مبشرا بمن الله تعالى بالقبول، ومشعرا أنها ولعلها ليلة القدر المشرف ذكرها في التنزيل، والله، عز وجل، لا يخلي الجميع من بركة مشاهدتها وفضل معاينتها، انه كريم منان، لا اله سواه.
ثم ترتبت قراءة أئمة المقام الخمسة المذكورين أولا، بعد هذه الليلة المذكورة، بآيات ينتزعونها من القرآن على اختلاف السور، تتضمن التذكير والتحذير والتبشير، بحسب اختيار كل واحد منهم. ورسم طوافهم اثر كل تسليمتين باق على حاله، والله ولي القبول من الجميع.
ثم كانت ليلة تسع وعشرين منه، فكان المختتم فيها سائر أئمة التراويح ملتزمين رسم الخطبة اثر الختمة، والمشار اليه منهم المالكي، فتقدم باعداد اعواد بإزاء محرابه نصبها ستة على هيئة دائرة محراب مرتفعة عن الأرض بدون
القامة يعترض على كل اثنين منها عود مبسوط، فأدير بالشمع أعلاها وأحدق اسفلها ببقايا شمع كثير قد تقدم ذكره عند اول الشهر المبارك واحدق أيضا داخل تلك الدائرة شمع آخر متوسط، فكان منظرا مختصرا ومشهدا عن احتفال المباهاة منزها موقرا، رغبة في احتفال الأجر والثواب ومناسبة لموضع هيئة المحراب؛ نصبت للشمع فيه عوضا من الأتوار أثافي من الأحجار. فجاءت الحال غريبة في الاختصار، خارجة عن محفل التعاظم والاستكبار، داخلة مدخل التواضع والاستصغار.
واحتفل جميع المالكية للختمة، فتناوبها أئمة التراويح، فقضوا صلاتهم سراعا عجالا، كاد يلتقي طرفاها خفوقا واستعجالا. ثم تقدم احدهم فعقد حبوته بين تلك الاثافي وصدع بخطبة منتزعة من خطبة الصبي ابن الإمام الحنفي فأرسلها معادة الى الاسماع ثقيلا لحنها على الطباع، ثم انفض الجمع، وقد جمد في شؤونه الدمع، واختطف للحين من أثافيه ذلك الشمع، أطلقت عليه أيدي الانتهاب، ولم يكن في الجماعة من يستحى منه أو يهاب. وعند الله تعالى في ذلك الجزاء والثواب، انه سبحانه الكريم الوهاب.
وانتهت ليالي الشهر ذاهبة عنا بسلام، جعلنا الله ممن طهر فيها من الآثام، ولا أخلانا من فضل القبول ببركة صومه في جوار الكعبة البيت الحرام، وختم الله لنا ولجميع أهل الملة الحنفية بالوفاة على الإسلام، وأوزعنا حمدا يحق هذه النعمة وشكرا، وجعلها للمعاد لنا ذخرا، ووفانا عليها ثوابا من لديه وأجرا يرجى بفضله وكرمه، انه لا يضيع لديه ايام اتخذ لصيامها ماء زمزم فطرا، انه الحنان المنان، لا رب سواه.
شهر شوال
استهل هلاله ليلة الثلاثاء السادس عشر من ينير، يمن الله مطلعه، ورزقنا بركته، وهذا الشهر المبارك هو فاتحة أشهر الحج المعلومات، وبعده تتصل
ثلاثة الأشبر الحرم المباركات. وكانت ليلة استهلال هلاله من الليالي الحفيلة في المسجد الحرام، زاده الله تكريما؛ جرى الرسم في ايقاد مشاعله وثرياته وشمعه على الرسم المذكور ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم، وأوقدت الصوامع من الأربع جهات من الحرم، وأوقد سطح المسجد الذي في أعلى جبل أبي قبيس.
وأقام المؤذن ليلته تلك في أعلى سطح قبة زمزم مهللا ومكبرا ومسبحا وحامدا.
وأكثر الأئمة تلك الليلة أحيا، وأكثر الناس على مثل تلك الحال بين طواف وصلاة وتهليل وتكبير، يقبل الله من جميعهم، انه سميع الدعاء كفيل بالرجاء، سبحانه لا اله سواه.