Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
عيد رمضان
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 51 of 130
فلما كان صبيحتها وقضى الناس صلاة الفجر، لبس الناس أثواب عيدهم وبادروا لأخذ مصافهم لصلاة العيد بالمسجد الحرام، لأن السنة جرت بالصلاة فيه دون مصلى يخرج الناس اليه، رغبة في شرف البقعة وفضل بركتها وفضل صلاة الامام خلف المقام ومن يأتم به. فأول من بكر الشيبيون، وفتحوا باب الكعبة المقدسة، وأقام زعيمهم جالسا في العتبة المقدسة، وسائر الشيبيين داخل الكعبة الى ان أحسوا بوصول الأمير مكثر فنزلوا اليه، وتلقوه بمقربة من باب النبي، صلى الله عليه وسلم، فانتهى الى البيت المكرم، وطاف حوله أسبوعا، والناس قد احتفلوا لعيدهم، والحرم قد غص بهم، والمؤذن الزمزمي فوق سطح القبة على العادة رافعا صوته بالثناء عليه والدعاء له متناوبا في ذلك مع اخيه.
فلما اكمل الامير الاسبوع عمد الى مصطبة قبة زمزم، مما يقابل الركن الأسود، فقعد بها، وبنوه عن يمينه ويساره، ووزيره وحاشيته وقوف على رأسه وعاد الشيبيون لمكانهم من البيت المكرم يلحظهم الناس بأبصار خاشعة للبيت غابطة لمحلهم منه ومكانهم من حجابته وسدانته، فسبحان من خصهم بالشرف في
خدمته. وحضر الأمير من خاصته شعراء أربعة، فأنشدوه واحدا اثر واحد الى أن فرغوا من انشادهم.
وفي اثناء ذلك تمكن وقت الصلاة، وكان ضحى من النهار، فأقبل القاضي الخطيب يتهادى بين رايتيه السوداوين، والفرقعة المتقدمة ذكرها أمامه، وقد صك الحرم صوتها، وهو لابس ثياب سواده، فجاء الى المقام الكريم، وقام الناس للصلاة، فلما قضوها رقي المنبر، وقد ألصق الى موضعه المعين له كل جمعة، من جدار الكعبة المكرمة، حيث الباب الكريم شارعا، فخطب خطبة بليغة، والمؤذنون قعود دونه في أدراج المنبر، فعند افتتاحه فصول الخطبة بالتكبير يكبرون بتكبيره، الى أن فرغ من خطبته.
وأقبل الناس بعضهم على بعض بالمصافحة والتسليم والتغافر والدعاء مسرورين جذلين فرحين بما آتاهم الله من فضله، وبادروا الى البيت الكريم فدخلوا بسلام آمنين مزدحمين عليه فوجا فوجا. فكان مشهدا عظيما وجمعا بفضل الله تعالى مرحوما، جعله الله ذخيرة للمعاد، كما جعل ذلك العيد الشريف في العمر أفضل الاعياد، بمنه وكرمه، انه ولي ذلك والقادر عليه. واخذ الناس عند انتشارهم من مصلاهم وقضاء سنة السلام بعضهم على بعض في زيارة الجبانة بالمعلى تبركا باحتساب الخطا اليها، والدعاء بالرحمة لمن فيها من عباد الله الصالحين من الصدر الأول وسواه، رضي الله عن جميعهم، وحشرنا في زمرتهم، ونفعنا بمحبتهم.
فالمرء، كما قال، صلى الله عليه وسلم، مع من أحب.