Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
مناسك الحج
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 52 of 130
وفي يوم السبت التاسع عشر منه، والثالث لفبرير، صعدنا الى منى لمشاهدة المناسك المعظمة بها ولمعاينة منزل اكتري لنا فيها اعدادا لمقام بها أيام التشريق، ان شاء الله، فألفيناها تملأ النفوس بهجة وانشراحا، مدينة عظيمة الآثار،
واسعة الاختطاط، عتيقة الوضع، قد درست الى منازل يسيرة متخذة للنزول تحف بجانبي طريق كأنه ميدان انبساطا وانفساحا، ممتد الطول.
فأول ما يلقى المتوجه اليها عن يساره، وبمقربة منها، مسجد البيعة المباركة، التي كانت أول بيعة في الاسلام، عقدها العباس، رضي الله عنه، للنبي، صلى الله عليه وسلم، على الانصار، حسب المشهور من ذلك.
ثم يفضى منه الى جمرة العقبة، وهي اول منى للمتوجه من مكة وعن يسار المار اليها، وهي على قارعة الطريق مرتفعة للمتراكم فيها من حصى الجمرات.
ولولا آيات الله البينات فيها لكانت كالجبال الرواسي لما يجتمع فيها على تعاقب الدهور وتوالي الازمنة، لكن الله، عز وجل، فيها سر كريم من اسراره الخفيات، لا اله سواه. وعليها مسجد مبارك، وبها علم منصوب شبه أعلام الحرم التي ذكرناها، فيجعلها الرامي عن يمينه مستقبلا مكة، شرفها الله، ويرمي بها سبع حصيات، وذلك يوم النحر اثر طلوع الشمس، ثم ينحر أو يذبح ويحلق، والمحلق حولها، والمنحر في كل موضع من منى، لان منى كلها منحر، كما قال، صلى الله عليه وسلم. وقد حل له كل شيء الا النساء والطيب حتى يطوف طواف الافاضة. وبعد هذه الجمرة العقبية موضع الجمرة الوسطى، ولها أيضا علم منصوب، وبينهما قدر الغلوة، ثم بعدها يلقى الجمرة الأولى ومسافتها منها كمسافة الأخرى.
وفي وقت الزوال من ثاني يوم النحر ترمى في الأولى سبع حصيات، وفي الوسطى كذلك، وفي العقبة كذلك، فتلك احدى وعشرون حصاة. وفي اليوم الثالث من يوم النحر، في الوقت بعينه، كذلك على الترتيب المذكور، فتلك اثنتان واربعون حصاة في اليومين وسبع رميت في العقبة يوم النحر وقت طلوع الشمس، كما ذكرناه، وهي المحللات للحاج ما حرم عليه سوى النساء والطيب، فتلك تكملة تسع وأربعين جمرة.
وفي إثر ذلك ينفصل الحاج إلى مكة من ذلك اليوم. واختصر في هذا الزمان
إحدى وعشرون كانت ترمى في اليوم الرابع على الترتيب المذكور، وذلك لاستعجال الحاج خوفا من العرب الشعبيين إلى غير ذلك من محذورات الفتن المغيرات لآثار السنن، فمضى العمل اليوم على تسع وأربعين حصاة، وكانت في القديم سبعين، والله يهب القبول لعباده.
والصادر من عرفات إلى منى أول ما يلقى الجمرة الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة. وفي يوم النحر تكون جمرة العقبة اولى منفردة بسبع حصيات، حسبما تقدم ذكره، ولا يشترك معها سواها في ذلك اليوم، ثم في اليومين بعده ترجع الآخرة على الترتيب حسبما وصفناه، بحول الله عز وجل.
وبعد الجمرة الأولى يعرج عن الطريق يسيرا ويلقى منحر الذبيح، صلى الله عليه وسلم، حيث فدي بالذبح العظيم. وعلى الموضع المبارك مسجد مبني، وهو بمقربة من سفح ثبير. وفي موضع المنحر المذكور حجر قد الصق بالجدار المبني فيه أثر قدم صغيرة، يقال: إنه أثر قدم الذبيح، صلى الله عليه وسلم، عند تحركه، فلان الحجر له بقدرة الله، عز وجل، إشفاقا وحنانا. فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله.
ويفضى من ذلك إلى مسجد الخيف المبارك، وهو آخر منى في توجهك، أعني من المعمورة منها بالبنيان. وأما الآثار القديمة فآخذة إلى أبعد غاية أمام المسجد. وهذا المسجد المبارك متسع الساحة كأكبر ما يكون من الجوامع.
والصومعة وسط رحبة المسجد. وله في القبلة أربعة بلاطات يشملها سقف واحد.
وهو من المساجد الشهيرة بركة وشرف بقعة. وكفى بما ورد في الأثر الكريم من أن بقعته الطاهرة مدفن كثير من الأنبياء، صلوات الله عليهم.
وبمقربة منه عن يمين المار في الطريق، حجر كبير مسند إلى صفح الجبل مرتفع عن الأرض يظل ما تحته، ذكر أن النبي، صل الله عليه وسلم، قعد تحته مستظلا ومس رأسه المكرم فيه فلان له حتى أثر فيه تأثيرا بقدر دور الرأس.
فيبادر الناس لوضع رؤوسهم في ذلك الموضع تبركا واستجارة لها بموضع مسه
الرأس المكرم أن لا تمسها النار بقدرة الله، عز وجل.
فلما قضينا معاينة هذه المشاهد الكريمة أخذنا في الانصراف مستبشرين بما وهبنا الله من فضله في مباشرتها. ووصلنا إلى مكة قريب الظهر، والحمد لله على ما من به.
وفي يوم الأحد بعده، وهو الموفي عشرين لشوال، صعدنا إلى الجبل المقدس حراء وتبركنا بمشاهدة الغار في أعلاه الذي كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يتعبد فيه، وهو أول موضع نزل فيه الوحي عليه، صلى الله عليه وسلم، ورزقنا شفاعته، وحشرنا في زمرته، وأماتنا على سنته ومحبته، بمنه وكرمه، لا رب سواه.
وفي ضحوة يوم الثلاثاء الثاني والعشرين منه، وهو السادس من فبرير، اجتمع الناس كافة للاستسقاء تجاه الكعبة المعظمة بعد أن ندبهم القاضي إلى ذلك وحرضهم على صيام ثلاثة أيام قبله. فاجتمعوا في هذا اليوم الرابع المذكور وقد أخلصوا النيات لله عز وجل، وبكر الشيبيون ففتحوا الباب المكرم من البيت العتيق، ثم أقبل القاضي بين رايتيه السوداوين لابسا ثياب البياض، واخرج مقام الخليل ابراهيم، صلى الله عليه وسلم، وعلى نبينا، ووضع على عتبة باب البيت المكرم، واخرج مصحف عثمان، رضي الله عنه، من خزانته، ونشر بازاء المقام المطهر، فكانت دفته الواحدة عليه والثانية على الباب الكريم. ثم نودي في الناس بالصلاة جامعة، فصلى القاضي بهم خلف موضع المقام المتخذ مصلى ركعتين، قرأ في إحداهما ب «سبح اسم ربك الاعلى» ، وفي الثانية بالغاشية، ثم صعد المنبر، وقد الصق الى موضعه المعهود من جدار الكعبة المقدسة، فخطب خطبة بليغة والى فيها الاستغفار ووعظ الناس وذكرهم وخشعهم وحضهم على التوبة والإنابة لله عز وجل، حتى نزفت دمعها العيون واستنفدت ماءها الشؤون وعلا الضجيج وارتفع الشهيق والنشيج، وحول رداءه، وحول الناس أرديتهم اتباعا للسنة.
ثم انفض الجميع راجين رحمة الله عز وجل غير قانطين منها، والله يتلافى
عباده بلطفه وكرمه. وتمادى استسقاؤه بالناس ثلاثة أيام متوالية، على الصفة المذكورة، وقد نال الجهد من أهل الحجاز وأضر بهم القحط وأهلك مواشيهم الجدب، لم يمطروا في الربيع ولا الخريف ولا الشتاء إلا مطرا طلا غير كاف ولا شاف، والله عز وجل لطيف بعباده، غير مؤاخذهم بجرائمهم، إنه الحنان المنان، لا رب سواه.
وفي يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال صعدنا إلى جبل ثور لمعاينة الغار المبارك الذي أوى إليه النبي، صلى الله عليه وسلم، مع صاحبه الصديق، رضي الله عنه، حسبما جاء في محكم التنزيل العزيز، وقد تقدم ذكر هذا الغار وصفته أولا في هذا التقييد. وولجناه من الموضع الذي يعسر الولوج منه على البعض من الناس تبركا بمس بشرة البدن بموضع مسه الجسم المبارك، قدسه الله؛ لأن مدخل النبي، صلى الله عليه وسلم، كان منه. وكان لأحد الصاعدين إليه ذلك اليوم من المصريين موقف خجلة وفضيحة، وذلك أنه رام الولوج فيه على ذلك الموضع الضيق فلم يقدر بحيلة وعاود ذلك مرارا فلم يستطع حتى استوقف الناس ما عاينوه من ذلك وبكوا له إشفاقا ولجأوا إلى الله عز وجل في الدعاء، فلم يغن ذلك شيئا، وكان فيهم من هو اضخم منه فيسر الله عليه. وطال تعجب الناس منه واعتبارهم.
وأعلمنا بعد انفصالنا في ذلك اليوم بأن هذا الموقف المخجل وقع لثلاثة أناس في ذلك اليوم بعينه، عصمنا الله من مواقف الفضيحة في الدنيا والآخرة.
وهذا الجبل صعب المرتقى جدا، يقطع الأنفاس تقطيعا، لا يكاد يبلغ منتهاه إلا وقد ألقى بالأيدي إعياء وكلالا. وهو من مكة على مقدار ثلاثة أميال، وعلى ذلك القدر هو جبل حراء منها، والله تعالى لا يخلينا من بركة هذه المشاهد بمنه وكرمه.
وطول الغار ثمانية عشر شبرا، وسعته أحد عشر شبرا في الوسط منه، وفي حافتيه ثلثا شبر، وعلى الوسط منه يكون الدخول، وسعة الباب الثاني المتسع
مدخله خمسة أشبار أيضا، لأن له بابين، حسبما ذكرناه أولا.
وفي يوم الجمعة بعده وصل السرو اليمنيون في عدد كثير مؤملين زيارة قبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، وجلبوا ميرة إلى مكة على عادتهم، فاستبشر الناس بقدومهم استبشارا كثيرا، حتى إنهم أقاموه عوض نزول المطر، ولطائف الله لسكان حرمه الشريف واسعة، إنه سبحانه لطيف بعباده لا إله سواه.