John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

دار خديجة، رضوان الله عليها

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 55 of 130

ودخلت أيضا في اليوم المذكور دار خديجة الكبرى، رضوان الله عليها، وفيها قبة الوحي، وفيها أيضا مولد فاطمة، رضي الله عنها. وهو بيت صغير مائل للطول. والمولد شبه صهريج صغير وفي وسطه حجر أسود. وفي البيت المذكور مولد الحسن والحسين ابنيها، رضي الله عنهما، ومسقط شلو الحسن ولاصق بمسقط شلو الحسين وعليهما حجران مائلان الى السواد كأنهما علامتان للمولدين المباركين الكريمين. ومسحنا الخدود في هذه المساقط المكرمة المخصوصة بمس بشرات المواليد الكرام، رضوان الله عليهم.

وفي الدار المكرمة أيضا مختبأ النبي، صلى الله عليه وسلم، شبيه القبة، وفيه مقعد في الأرض عميق شبيه الحفرة داخل في الجدار قليلا وقد خرج عليه من الجدار حجر مبسوط كأنه يظل المقعد المذكور، قيل: إنه كان الحجر الذي كان غطى النبي، صلى الله عليه وسلم، عند اختبائه في الموضع المذكور، صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين. وعلى كل واحد من هذه الموالد المذكورة قبة

خشب صغيرة تصون الموضع غير ثابتة فيه. فاذا جاء المبصر لها نحاها ولمس الموضع الكريم وتبرك به ثم أعادها عليه.

وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر المذكور نفذ أمر الأمير مكثر بالقبض على زعيم الشيبيين محمد بن اسماعيل وانتهاب منزله وصرفه عن حجابة البيت الحرام، طهره الله، وذلك لهنات نسبت اليه لا تليق بمن نيطت به سدانة البيت العتيق: «ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم» ، أعاذنا الله من سوء القضاء، ونفوذ سهام الدعاء، بمنه.

وفي هذه الأيام السالفة من الشهر المذكور توالى مجيء السرويين اليمنيين في رفاق كثيرة بالميرة من الطعام وسواه وضروب الإدام والفواكه اليابسة فأرغدوا البلد؛ ولولاهم لكان من اتصال الجدب وغلاء السعر في جهد ومشقة، فهم رحمة لهذا البلد الامين. ثم توجهوا الى الزيارة المباركة، الى التربة المباركة، طيبة مدفن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ووصلوا في أسرع مدة، قطعوا الطريق من مكة الى المدينة في يسير أيام، ومن صحبهم من الحاج حمد صحبتهم. وفي أثناء مغيبهم وصلت طوائف أخر منهم للحج خاصة لضيق الوقت عن الزيارة فأقاموا بمكة، ووصل الزوار منهم فضاق بهم المتسع.

فلما كان يوم الاثنين السابع والعشرين من الشهر المذكور فتح البيت العتيق، وتولى فتحه من الشيبيين ابن عم الشيبي المعزول، وهو أمثل طريقة منه على ما يذكر. فازدحم السرو للدخول على العادة، فجاءوا بأمر لم يعهد فيما سلف، يصعدون أفواجا حتى يغص الباب الكريم بهم فلا يستطيعون تقدما ولا تأخرا الى ان يلجوا على أعظم مشقة ثم يسرعون الخروج، فيضيق الباب الكريم بهم، فتتحدر الفوج منهم على المصعد وفوج أخرى صاعدة فيلتقيان وقد ارتبط بعضهم الى بعض، فربما حمل المنحدرون في صدور الصاعدين، وربما وقف الصاعدون للمنحدرين وتضاغطوا الى ان يميلوا فيقع البعض على البعض. فيعاين النظارة منهم مرأى هائلا: فمنهم سليم، وغير سليم، وأكثرهم انما ينحدرون وثبا على

الرءوس والأعناق.

ومن أعجب ما شاهدناه في يوم الاثنين المذكور أن صعد بعض من الشيبيين أثناء ذلك الزحام يرومون الدخول الى البيت الكريم فلم يقدروا على التخلص فتعلقوا بأستار حافتي عضادتي الباب ثم ان احدهم تمسك بإحدى الشرائط القنبية الممسكة للأستار الى أن علا الرءوس والأعناق فوطئها ودخل البيت، فلم يجد موطئا لقدمه سواها لشدة تراصهم وتراكمهم وانضمام بعضهم الى بعض. وهذا الجمع الذي وصل منهم في هذا العام لم يعهد قط مثله فيما سلف من الأعوام، ولله القدرة المعجزة، لا اله سواه.

وفي هذا اليوم المذكور الذي هو السابع والعشرون من ذي القعدة شمرت أستار الكعبة المقدسة الى نحو قامة ونصف من الجدر من الجوانب الأربعة، ويسمون ذلك احراما لها، فيقولون: أحرمت الكعبة. وبهذا جرت العادة دائما في الوقت المذكور من الشهر. ولا تفتح من حين احرامها الا بعد الوقفة.

فكأن ذلك التشمير ايذان بالتشمير للسفر وايذان بقرب وقت وداعها المنتظر، لا جعله الله آخر وداع، وقضى لنا اليها بالعودة وتيسير سبيل الاستطاعة بعزته وقدرته.

وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين قبل هذا اليوم المذكور كان دخولنا الى البيت الكريم على حال اختلاس وانتهاز فرصة أوجدت بعض فرجة من الزحام، فدخلناه دخول وداع اذ لا يتمكن دخوله بعد ذلك لترادف الناس عليه ولا سيما الاعاجم الواصلون مع الأمير العراقي، فانهم يظهرون من التهافت عليه والبدار اليه والازدحام فيه ما ينسي أحوال السرو اليمنيين لفظاظتهم وغلظتهم، فلا يتمكن لاحد منهم النظر فضلا عن غير ذلك، والله عز وجل لا يجعله آخر العهد ببيته الكريم ويرزقنا العود اليه على خير وعافية بمنه ولطيف صنعه.

وفي يوم احرام الكعبة المذكور اقلعت من موضع المقام المقدس القبة الخشبيه التي كانت عليه ووضعت عوضها قبة الحديد اعدادا للاعاجم المذكورين، لانها

لو لم تكن حديدا لاكلوها اكلا فضلا عن غير ذلك، لما هم عليه من صحة النفوس شوقا الى هذه المشاهد المقدسة وتطارحهم بأجرامهم عليها، والله ينفعهم بنياتهم، بمنه وكرمه.

وفي يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور جاء زعيم الشيبيين المعزول يتهادى بين بنيه زهوا واعجابا ومفتاح الكعبة المقدسة بيده قد أعيد اليه، ففتح الباب الكريم وصعد مع بنيه السطح المبارك الأعلى بأمراس من القنب غليظة يوثقونها في أوتاد الحديد المضروبة في السطح ويرسلونها الى الأرض فيربط فيها شبيه محمل من العود ويجلس فيه أحد سدنة البيت من الشيبيين، فيصعد به على بكرة معدة لذلك في أعلى السطح المذكور، فيتولى خياطة ما مزقته الريح من الأستار، فسألنا عن كيفية صرف هذا الشيبي المعزول الى خطته على صحة الهنات المنسوبة اليه، فأعلمنا أنه صودر عليها بخمس مئة دينار مكية استقرضها ودفعها. فطال التعجب من ذلك والاعتبار، وتحققنا أن إظهار القبض عليه لم يكن غيرة ولا أنفة على حرمات الله المنتهكة على يديه، مع كونها في خطة دونها الخلافة رفعة، والحال تشبه بعضها بعضا، «وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض»

، والى الله المشتكى من فساد ظهر حتى في اشرف بقاع الارض، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com