John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

منشأ الإسلام

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 56 of 130

وفي يوم الأربعاء التاسع والعشرين من ذي القعدة المذكور دخلنا دار الخيزران التي كان منها منشأ الاسلام، وهي بإزاء الصفا ويلاصقها بيت صغير عن يمين الداخل اليها كان مسكن بلال، رضي الله عنه، ويدخل اليها على حلق كبير شبيه الفندق قد أحدقت به البيوت للكراء من الحاج. والدار المكرمة دار صغيرة يجدها الداخل الى الحلق المذكور عن يساره، وهي مجددة البناء، أنفق

في بنائها جمال الدين، المذكور أثره الكريم في هذا المكتوب، نحو الألف دينار، نفعه الله بما أسلفه من العمل الصالح. وعن يمين الداخل الدار المباركة باب يدخل منه الى قبة كبيرة بديعة البناء، فيها مقعد النبي، صلى الله عليه وسلم، والصخرة التي كان اليها مستنده، وعن يمينه موضع أبي بكر الصديق، وعن يمين أبي بكر موضع علي بن أبي طالب، والصخرة التي كان اليها مستنده هي داخلة في الجدار كشبه المحراب. وفي هذه الدار كان اسلام عمر بن الخطاب ومنها ظهر الاسلام على يديه، وأعزه الله به، نفعنا الله ببركة هذه المشاهد المكرمة والآثار المعظمة، وأماتنا على محبة الذين شرفت بهم ونسبت اليهم، صلوات الله عليهم أجمعين.

شهر ذي الحجة

استهل هلاله ليلة الخميس بموافقة الخامس عشر من مارس. وكان للناس في ارتقابه أمر عجيب، وشأن من البهتان غريب، ونطق من الزور كاد يعارضه من الجماد فضلا عن غيره رد وتكذيب؛ وذلك انهم ارتقبوه ليلة الخميس الموفي ثلاثين، والأفق قد تكاثف نوءه وتراكم غيمه الى ان علته مع المغيب بهض حمرة من الشفق، فطمع الناس في فرجه من الغيم لعل الأبصار تلتقطه فيها، فبينما هم كذلك اذ كبر أحدهم، فكبر الجم الغفير لتكبيره ومشوا قياما ينتظرون ما لا يبصرون ويشيرون الى ما يتخيلون حرصا منهم على أن تكون الوقفة بعرفات يوم الجمعة، كأن الحج لا يرتبط الا بهذا اليوم بعينه، فاختلقوا شهادات زورية، ومشت منهم طائفة من المغاربة، أصلح الله أحوالهم، ومن أهل مصر وأربابها، فشهدوا عند القاضي برؤيته، فردهم أقبح رد وجرح شهاداتهم أسوأ تجريح وفضحهم في تزييف أقوالهم أخزى فضيحة، وقال: «يا للعجب! لو أن أحدهم يشهد برؤيته الشمس تحت ذلك الغيم الكثيف النسج لما قبلته، فكيف برؤية هلال هو ابن تسع وعشرين ليلة!»

وكان ايضا مما حكي من قوله: تشوشت المغارب، وتعرضت شعرة من الحاجب، فأبصروا خيالا ظنوه هلالا. وكان لهذا القاضي جمال الدين، في أمر هذه الشهادة الزورية مقام من التوقف والتحري، حمده له أهل التحصيل وشكره عليه ذوو العقول، وحق لهم ذلك، فإنها مناسك الحج للمسلمين عظيمة، أتوا لها من كل فج عميق. فلو تسومح فيها بطل السعي، وفال الرأي، والله يرفع الالتباس والبأس بمنه.

فلما كانت ليلة الجمعة المذكورة ظهر الهلال أثناء فرج السحاب وقد اكتسى نورا من الثلاثين ليلة، فزعقت العامة زعقات هائلة وتنادت بوقفة الجمعة، وقالت:

الحمد لله الذي لم يخيب سعينا، ولا ضيع قصدنا. كأنهم قد صح عندهم أن الوقفة اذا لم تكن توافق يوم الجمعة ليست مقبولة، ولا الرحمة فيها من الله مرجوة مأمولة؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ثم إنهم يوم الجمعة المذكور اجتمعوا الى القاضي فأدوا شهادات بصحة الرؤية تبكي الحق وتضحك الباطل، فردها وقال: يا قوم حتام هذا التمادي في الشهوة، والام تستنون في طرق الهفوة؟ وأعلمهم أنه قد استأذن الأمير مكثرا في ان يكون الصعود الى عرفات صبيحة يوم الجمعة فيقفوا عشية بها، ثم يقفوا صبيحة يوم السبت بعده ويبيتوا ليلة الأحد بمزدلفة، فان كانت الوقفة يوم الجمعة فما عليهم في تأخير المبيت بمزدلفة بأس، اذ هو جائز عند أئمة المسلمين، وان كانت يوم السبت فبها ونعمت. وأما أن يقع القطع بها يوم الجمعة فتغرير بالمسلمين وافساد لمناسكهم، لأن الوقفة يوم التروية عند الأئمة غير جائزة، كما أنها عندهم جائزة يوم النحر. فشكر جميع من حضر للقاضي هذا المنزع من التحقيق ودعوا له، وأظهر من حضر من العامة الرضى بذلك وانصرفوا عن سلام، والحمد لله على ذلك.

وهذا الشهر المبارك هو ثالث الأشهر الحرم، وعشره الأولى مجتمع الامم وموسم الحج الاعظم، شهر العج والثج، وملتقى وفود الله من كل أوب وفج،

مصاب الرحمة والبركات، ومحل الموقف الاعظم بعرفات، جعلنا الله ممن فاز فيه بالحسنات، وتعرى به من ملابس الاوزار والسيئات، بمنه وكرمه، انه أهل التقوى، وأهل المغفرة، والامير العراقي منتظر لكشف هذا الإلباس عن الناس في أمر الهلال لعله قد اتضح له اليقين فيه، ان شاء الله.

وفي سائر هذه الايام كلها الى هلم جرا تصل رفاق من السرو اليمنيين وسائر حجاج الآفاق لا يحصي عددها الا محصي آجالها وأرزاقها، لا إله سواه. فمن الآيات البينات أن يسع هذا الجمع العظيم هذا البلد الامين الذي هو بطن واد سعته غلوة أو دونها. ولو أن المدن العظيمة حمل عليها هذا الجمع لضاقت عنه. وما هذه البلدة المكرمة فيما تختص به من الآيات البينات في اتساعها لهذا البشر المعجز احصاؤه الا كما شبهتها العلماء حقيقة بأنها تتسع لوفودها اتساع الرحم لمولودها.

وكذلك عرفات وسائر المشاهد المعظمة بهذا البلد الحرام، عظم الله حرمته ورزقنا الرحمة فيه بكرمه وفضله.

ومن أول هذا الشهر المبارك ضربت دبادب الأمير بكرة وعشية وفي أوقات الصلوات كأنها إشعار بالموسم، ولا يزال كذلك الى يوم الصعود الى عرفات، عرفنا الله بها القبول والرحمة.

وفي يوم الاثنين الخامس أو الرابع من هذا الشهر وصل الأمير عثمان بن علي صاحب عدن، خرج منها فارا أمام سيف الاسلام المتوجه الى اليمن وركب البحر في جلاب كثيرة مشحونة بأحوال عظيمة واموال لا تحصى كثرة لأنه طال مقامه في تلك الولاية واتسع كسبه. وعند خروجه من البحر بموضع يعرف بالصر ... لحقت جلبه حراريق الأمير سيف الاسلام فأخذت جميع ما فيها من الأثقال، وكان قد استصحب الخف النفيس الخطير مع نفسه الى البر وهو في جملة من رجاله وعبيده، فسلم به، ووصل مكة بعير موقرة متاعا ومالا دخلت الى أعين الناس الى داره التي ابتناها بها بعد أن قدم نفيس ذخائره وناض ماله وجملة رقيقه وخدمه ليلا.

وبالجملة فحاله لا توصف كثرة واتساعا، والذي انتهب له أكثر، لأنه كان في ولايته يوصف بسوء السيرة مع التجار، وكانت المنافع التجارية كلها راجعة اليه، والذخائر الهندية المجلوبة كلها واصلة الى يديه، فاكتسب سحتا «1» عظيما، وحصل على كنوز قارونية، لكن حوادث الأيام قد ابتدأت بالخسف به، ولا يدري حال أمره مع صلاح الدين لم يكون، والدنيا مفنية محبيها، وآكلة بنيها، وثواب الله خير ذخيرة، وطاعته أشرف غنيمة، لا إله سواه.

وبقيت الشهادة مضطربة في أمر هذا الهلال المبارك الميمون الى أن تواصلت الأخبار برؤيته ليلة الخميس الذي يوافق الخامس عشر من مارس، شهد بذلك ثقات من أهل الزهد والورع يمنيون وسواهم من الواصلين من المدينة المكرمة لكن بقي القاضي على ثباته وتوقفه في القبول وارجاء الامر الى وصول المبشر المعلم بوصول الأمير العراقي ليتعرف من قبله ما عند أمير الحاج في ذلك.

فلما كان يوم الأربعاء السابع من الشهر المذكور وصل المبشر، وكانت نفوس أهل مكة قد أوجست خيفة لبطئه حذرا من حقد الخليفة على اميرهم مكثر لمذموم فعل صدر عنه. فكان وصول هذا البشير أمانا وتسكينا للنفوس الشاردة، فوصل مبشرا ومؤنسا، واعلم برؤية الهلال ليلة الخميس المذكور.

وتواترت الأنباء بذلك، فصح الأمر عند القاضي بذلك صحة أوجبت خطبته في ذلك اليوم على ما جرت به العادة في اليوم السابع من ذي الحجة اثر صلاة الظهر، علم الناس فيها مناسكهم، ثم أعلمهم أن غدهم هو يوم الصعود الى منى، وهو يوم التروية، وأن وقفتهم يوم الجمعة، وأن الأثر الكريم فيها عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأنها تعدل سبعين وقفة، ففضل هذه الوقفة في الأعوام كفضل يوم الجمعة على سائر الأيام.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com