John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

يوم الرحيل

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 65 of 130

وفي عشي يوم الأحد الموفي عشرين من الشهر المذكور، وهو أول أبريل، كان مسيرنا الى محلة الأمير العراقي بالزاهر وهو على نحو الميلين من البلد، وقد كمل اكتراؤنا الى الموصل، وهو أمام بغداد بعشرة أيام، عرفنا الله الخير والخيرة بمنه، فأقمنا بالزاهر ثلاثة أيام نجدد العهد كل يوم بالبيت العتيق، ونعيد وداعه.

فلما كان ضحوة يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي الحجة المذكور، أقلعت المحلة على تؤدة ورفق بسبب البطء والتأخر ونزلت على نحو ثمانية اميال من الموضع الذي اقلعت منه بمقربة من بطن مرة، والله كفيل بالسلامة والعصمة بمنه.

فكانت مدة مقامنا بمكة، قدسها الله، من يوم وصولنا اليها، وهو يوم

الخميس الثالث عشر لربيع الآخر من سنة تسع وسبعين، الى اقلاعنا من الزاهر، وهو يوم الخميس الثاني والعشرين لذي الحجة من السنة المذكورة، ثمانية أشهر وثلث شهر، التي هي بحسب الزائد والناقص من الأشهر مئتا يوم اثنتان وخمسة وأربعون يوما سعيدات مباركات، جعلها الله لذاته، وجعل القبول لها موافقا لمرضاته، بمنه، غبنا عن رؤية البيت الكريم فيها ثلاثة أيام: يوم عرفة، وثاني يوم النحر، ويوم الأربعاء الذي هو الحادي والعشرون لذي الحجة، قبل يوم الخميس يوم اقلاعنا من الزاهر، والله لا يجعله آخر العهد بحرمه الكريم بمنه.

ثم أقلعنا من ذلك الموضع اثر صلاة الظهر من يوم الخميس، الى بطن مر، وهو واد خصيب كثير النخل ذو عين فوارة سيالة الماء تسقى منها أرض تلك الناحية.

وعلى هذا الوادي قطر متسع وقرى كثيرة وعيون، ومنه تجلب الفواكه الى مكة، حرسها الله، فأقمنا به يوم الجمعة لسبب عجيب، وذلك أن الملكة خاتون بنت الأمير مسعود ملك الدروب والأرمن وما يلي بلاد الروم، وهي احدى الخواتين الثلاث اللاتي وصلن للحج، مع أمير الحاج أبي المكارم طاشتكين مولى أمير المؤمنين، الموجه كل عام من قبل الخليفة، وله بتولي هذه الخطة نحو الثمانية أعوام أو أزيد، وخاتون هذه اعظم الخواتين قدرا، بسبب سعة مملكة أبيها. والمقصود من ذكر أمرها أنها أسرت من بطن مر ليلة الجمعة الى مكة في خاصة من خدمها وحشمها، فتفقد موضعها يوم الجمعة المذكور، فوجه الأمير ثقات من خاصة أصحابه يستطلعونها في الانصراف، وأقام بالناس منتظرا لها.

فوصلت عتمة يوم السبت، وأجليت في سبب انصراف هذه الملكة المترفة قداح الظنون، وسلت الخواطر على استخراج سرها المكنون، فمنهم من يقول: انها انصرفت أنفة لبعض ما انتقدته على الأمير، ومنهم من قال: ان نوازع الشوق للمجاورة عطفت بها الى المثابة المكرمة، ولا يعلم الغيب الا الله. وكيفما كان الأمر فقد كفى الله العطلة بسببها، وأطلق سبيل الحاج، ولله الحمد على ذلك.

وابو هذه المرأة المذكورة الأمير مسعود، كما ذكرناه، وهو في بسطة من

ملكه واتساع من امرته، على ما حقق عندنا، أكثر من مئة الف فارس، وصهره عليها نور الدين صاحب آمد وما سواها؛ ويركب له أيضا نحو اثني عشر الف فارس. ولخاتون هذه افعال من البر كثيرة في طريق الحاج: منها سقي الماء للسبيل، عينت لذلك نحو الثلاثين ناضحة، ومثلها للزاد، واستجلبت لما تختص به من الكسوة والأزودة وغير ذلك نحو المئة بعير. وأمورها يطول وصفها، وسنها نحو خمسة وعشرين عاما.

ولخاتون الثانية، أم عز الدين صاحب الموصل، زوج قطب الدين بن اتابك أخي نور الدين الذي كان صاحب الشام، رحمه الله، ولهذه أفعال كثيرة من البر.

وخاتون الثالثة ابنة الدقوس صاحب اصبهان من بلاد خراسان، وهي أيضا كبيرة القدر عظيمة الشأن منافسة في افعال البر. وشأنهن جمع عجيب جدا فيما هن بسبيله من الخيل والاحتفال في الأبهة الملوكية.

ثم اقلعنا ظهر يوم السبت الرابع والعشرين لذي الحجة المذكور ونزلنا بمقربة من عسفان، ثم اسرينا اليها نصف الليل وصبحناها بكرة يوم الأحد. وهي في بسيط من الأرض بين جبال، وبها آبار معينة تنسب لعثمان، رضي الله عنه، وشجر المقل فيها كثير، وبها حصن عتيق البنيان، ذو أبراج مشيدة غير معمور، قد أثر فيه القدم، وأوهته قلة العمارة ولزوم الخراب. فاجتزناها بأميال ونزلنا مريحين قائلين.

فلما كان اثر صلاة الظهر أقلعنا الى خليص، فوصلناها عشي النهار. وهي أيضا في بسيط من الارض، كثيرة حدائق النخل، لها جبل فيه حصن مشيد في قنته. وفي البسيط حصن آخر قد أثر فيه الخراب. وبها عين فوارة قد احدثت لها اخاديد في الارض مسربة يستقى منها على أفواه كالآبار، يجدد الناس بها الماء لقلته في الطريق بسبب القحط المتصل، والله يغيث بلاده وعباده.

واصبح الناس بها مقيمين يوم الاثنين لإرواء الإبل واستصحاب الماء.

وبهذه المحلة العراقية ومن انضاف اليها من الخراسانية والمواصلة وسائر جهات

الآفاق من الواصلين صحبة أمير الحاج المذكور جمع لا يحصي عدده الا الله تعالى، يغص بهم البسيط الأفيح، ويضيق عنهم المهمه الصحصاح، فترى الأرض تميد بهم ميدا، وتموج بجميعهم موجا، فتبصر منهم بحرا طامي العباب، ماؤه السراب، وسفنه الركاب، وشرعه الظلائل المرفوعة والقباب، تسير سير السحب المتراكمة، يتداخل بعضها على بعض، ويضرب بعضها جوانب بعض. فتعاين لها تزاحما في البراح المنفسح يهول ويروع، واصطكاكا نبع المحارات فيه بعضه ببعض مقروع، فمن لم يشاهد هذا السفر العراقي لم يشاهد من أعاجيب الزمان ما يحدث به ويتحف السامع بغرابته، والقدرة والقوة لله وحده، وحسبك ان النازل في منزل من منازل هذه المحلة متى خرج عنها لبعض حاجة ولم تكن له دلالة يستدل بها على موضعه ضل وتلف وعاد منشودا في جملة الضوال، وربما اضطرته الحال الى الوصول الى مضرب الأمير ورفع مسألته اليه، فيأمر أحد المنشدين ببريحه والهاتفين بأوامره ممن قد أعد لذلك ان يردفه خلفه على جمل ويطوف به المحلة العجاجة، وهو قد ذكر له اسمه، واسم جماله، واسم البلد الذي هو منه، فيرفع عقيرته بذلك معرفا بهذا الضال ومناديا باسم الجمال وبلده، الى أن يقع عليه، فيؤديه اليه. ولو لم يفعل ذلك لكان آخر عهده بصاحبه الا أن يلتقطه التقاطا أو يقع عليه اتفاقا. فهذا من بعض عجائب شؤون هذه المحلة، وعجائبها أكثر من أن يحيط بها الوصف. ولأهلها من قوة الجدة واليسار ما يعينهم على ما هم بسبيله، والملك بيد الله يؤتيه من يشاء.

ولهؤلاء النسوة الخواتين في كل عام، إذا لم يحججن بأنفسهن، نواضح مسبلة مع الحاج يرسلنها مع ثقات يسقون أبناء السبيل في المواضع المعروف فيها الماء، وفي الطريق كله، وبعرفات، وبالمسجد الحرام، في كل يوم وليلة، فلهن في ذلك أجر عظيم، وما التوفيق الا بالله جل جلاله. فتسمع المنادي على النواضح يرفع صوته بالماء للسبيل، فيهطع اليه المرملون من الزاد والماء بقربهم وأباريقهم فيملأونها، ويقول المنادي في اشادته بصوته: أبقى الله الملكة خاتون، ابنة الملك الذي من أمره كذا، ومن شأنه كذا. ويحليه بحلاه، إعلانا باسمها،

واظهارا لفعلها، واستجلابا للدعاء لها من الناس، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. وقد تقدم تفسير هذه اللفظة خاتون، وأنها عندهم بمنزلة السيدة أو ما يليق بهذا اللفظ الملوكي النسائي.

ومن عجيب هذه المحلة أيضا، على عظمها وكبرها، وكونها وجود دنيا بأسرها، أنها اذا حطت رحالها، ونزلت منزلها، ثم ضرب الأمير طبله للإنذار بالرحيل، ويسمونه الكوس، لم يكن بين استقلال الرواحل بأوقارها ورحالها وركابها الا كلا ولا، فلا يكاد يفرغ الناقر من الضربة الثالثة الا والركائب قد أخذت سبيلها. كل ذلك من قوة الاستعداد، وشدة الاستظهار على الأسفار، والحول والقوة لله وحده، لا اله سواه.

واسراؤها بالليل بمشاعيل موقدة يمسكها الرجالة بأيديهم، فلا تبصر قشاوة من القشاوات الا وأمامها مشعل، فالناس يسيرون منها بين كواكب سيارة توضح غسق الظلماء، وتباهي بها الأرض أنجم السماء. والمرافق الصناعية وغيرها من المصالح الدينية والمنافع الحيوانية كلها موجودة بهذه المحلة غير معدومة، ووصفها يطول، والأخبار عنها لا تنحصر.

فلما كان ظهر يوم الاثنين اثر الصلاة أقلعنا من خليص مرتحلين، وتمادى سيرنا الى العشاء الآخرة، ثم نزلنا ونمنا نومة خفيفة، ثم ضرب الكوس فأقلعنا وأسرينا الى ضحى من النهار، ثم نزلنا مريحين الى أول الظهر من يوم الثلاثاء، ثم أقلعنا من منزلنا ذلك الى واد يعرف بوادي السمك، اسم يكاد يكون واقعا على غير مسمى، فنزلناه مع العشاء الآخرة، وأصبحنا به مقيمين يوم الأربعاء لتجديد حمل الماء، وهو بهذا الوادي في مستنقعات، وربما حفر عليه في الرمل، فأقلعنا منه أول ظهر يوم الأربعاء المذكور، ثم أجزنا مع الليل عقبة محجرة كؤودا ذهب فيها من الجمال كثير. ونزلنا في بسيط من الأرض، ونمنا الى نصف الليل، ثم رحلنا في مهمه افيح بسيط ممتد مد البصر، ورمله منثالة، فمشت الجمال فيها دون مقطرة لانفساح طريقها.

ثم نزلنا مريحين قائلين يوم الخميس التاسع والعشرين من ذي الحجة، وبيننا وبين بدر مقدار مرحلتين، فلما كان أول الظهر رحلنا الى مقربة من بدر فنزلنا بائتين. ثم قمنا قبل نصف الليل فوصلنا بدرا وقد ارتفع النهار. وهي قرية فيها حدائق نخل متصلة، وبها حصن في ربوة مرتفعة، ويدخل اليها على بطن واد بين جبال. وببدر عين فوارة، وموضع القليب الذي كان بإزائه الوقعة الاسلامية التي أعزت الدين وأذلت المشركين، هو اليوم نخيل، وموضع الشهداء خلفه، وجبل الرحمة الذي نزلت فيه الملائكة عن يسار الداخل منها الى الصفراء، وبإزائه جبل الطبول، وهو شبيه كثيب رمل ممتد. وهذه التسمية لإشاعة لهج بها أكثر المسلمين، وذلك أنهم يزعمون أن أصوات الطبول تسمع بها كل يوم جمعة، كأنها آثار انذارات باقية بما سلف من النصر النبوي في ذلك الموضع، والله أعلم بغيبه.

وموضع عريش النبي، صلى الله عليه وسلم، يتصل بسفح؟؟؟ جبل الطبول المذكور، وموضع الوقيعة أمامه. وعند نخيل القليب مسجد، يقال: انه مبرك ناقة النبي، صلى الله عليه وسلم. وصح عندنا، على زعم أحد الأعراب الساكنين ببدر، أنهم يسمعون أصوات الطبول بالجبل المذكور، لكن عين لذلك كل يوم اثنين ويوم خميس. فعجبنا من زعمه كل العجب ولا يعلم حقيقة ذلك الا الله تعالى.

وبين بدر والصفراء بريد، والطريق اليها في واد بين جبال تتصل بها حدائق النخيل، والعيون فيها كثيرة، وهو طريق حسن. وبالصفراء حصن مشيد، ويتصل به حصون كثيرة: منها حصنان يعرفان بالتوأمين، وحصن يعرف بالحسنية، وآخر يعرف بالجديد، الى حصون كثيرة، وقرى متصلة.

شهر محرم سنة ثمانين وخمس مئة

استهل هلاله ليلة السبت بموافقة الرابع عشر لشهر أبريل ونحن مقلعون من

بدر الى الصفراء، فبتنا باستهلاله بهذه البقعة الكريمة: بدر، حيث نصر الله المسلمين وقهر المشركين، والحمد لله على ذلك. وكان نزولنا بالصفراء اثر صلاة العشاء الآخرة. فأصبحنا يوم السبت، مستهل الهلال المذكور، مقيمين مريحين بها، ليتزود الناس منها الماء ويأخذوا نفس استراحة الى الظهر. ومنها الى المدينة المكرمة ان شاء الله ثلاثة أيام، فأقلعنا منها ظهر يوم السبت المذكور، وتمادى السير بنا الى اثر صلاة العشاء الآخرة، والطريق في واد متصل بين جبال، فنزلنا ليلة الأحد، ثم أقلعنا نصف الليل، وتمادى سيرنا الى ضحى من النهار، فنزلنا مريحين قائلين ببئر ذات العلم، ويقال: ان علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قاتل الجن بها، وتعرف أيضا بالروحاء. والبئر المذكورة متناهية بعد الرشاء لا يكاد يلحق قعرها، وهي معينة.

ورحلنا منها اثر صلاة الظهر من يوم الأحد، وتمادى بنا السير الى اثر صلاة العشاء الآخرة، فنزلنا شعب علي، رضي الله عنه، وأقلعنا منه نصف الليل الى تربان، الى البيداء، ومنها تبصر المدينة المكرمة، فنزلنا ضحى يوم الاثنين الثالث لمحرم المذكور بوادي العقيق، وعلى شفيره مسجد ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمدينة من هذا الموضع على خمسة أميال، ومن ذي الحليفة حرم المدينة الى مشهد حمزة الى قباء، وأول ما يظهر للعين منارة مسجدها بيضاء مرتفعة، ثم رحلنا منها اثر صلاة الظهر من يوم الاثنين المذكور، وهو السادس عشر لأبريل، فنزلنا بظاهر المدينة الزهراء، والتربة البيضاء، والبقعة المشرفة بمحمد سيد الأنبياء، صلى الله عليه وسلم صلاة تتصل مع الأحيان والآناء.

وفي عشي ذلك اليوم دخلنا الحرم المقدس لزيارة الروضة المكرمة المطهرة، فوقفنا بإزائها مسلمين، ولترب جنباتها المقدسة مستلمين وصلينا بالروضة التي بين القبر المقدس والمنبر، واستلمنا أعواد المنبر القديمة التي كانت موطئ الرسول، صلى الله عليه وسلم، والقطعة الباقية من الجذع الذي حن اليه، صلى الله عليه وسلم، وهي ملصقة في عمود قائم أمام الروضة الصغيرة التي بين القبر والمنبر، وعن يمينك اذا استقبلت القبلة

فيها، ثم صلينا صلاة المغرب مع الجماعة. وكان من الاتفاق السعيد لنا أن وجدنا بعض فسحة في تلك الحال لاشتغال الناس بإقامة مضاربهم، وترتيب رحالهم، فتمكنا من الغرض المقصود، وفزنا بالمشهد المحمود، وأدينا حق السلام على الصاحبين الضجيعين: صديق الاسلام وفاروقه، وانصرفنا الى رحالنا مسرورين، ولنعمة الله علينا شاكرين. ولم يبق لنا أمل من آمال وجهتنا المباركة ولا وطر الا وقد قضيناه، ولا غرض من أغراضنا المأمولة الا وبلغناه، وتفرغت الخواطر للإياب للوطن، نظم الله الشمل، وتمم علينا الفضل، والحمد لله على ما أولاه وأسداه، وأعاده من جميل صنعه وأبداه، فهو أهل الحمد والشكر ومستحقه لا اله سواه.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com