Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
ذكر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر روضته المقدسة
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 66 of 130
المسجد المبارك مستطيل، وتحفه من جهاته الأربع بلاطات مستديرة به، ووسطه كله صحن مفروش بالرمل والحصى، فالجهة القبيلة منها لها خمس بلاطات مستطيلة من غرب الى شرق، والجهة الجوفية لها أيضا خمس بلاطات على الصفة المذكورة، والجهة الشرقية لها ثلاث بلاطات، والجهة الغربية لها أربع بلاطات.
والروضة المقدسة مع آخر الجهة القبلية مما يلي الشرق؛ وانتظمت من بلاطاته مما يلي الصحن في السعة اثنين ونيفت الى البلاط الثالث بمقدار أربعة أشبار، ولها خمسة أركان بخمس صفحات، وشكلها شكل عجيب، لا يكاد يتأتى تصويره ولا تمثيله، والصفحات الأربع محرفة من القبلة تحريفا بديعا، لا يتأتى لأحد معه استقبالها في صلاته لأنه ينحرف عن القبلة.
وأخبرنا الشيخ الإمام العالم الورع، بقية العلماء، وعمدة الفقهاء، أبو ابراهيم اسحاق بن ابراهيم التونسي، رضي الله عنه، أن عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، اخترع ذلك في تدبير بنائها مخافة أن يتخذها الناس مصلى.
واخذت ايضا من الجهة الشرقية سعة بلاطين فانتظم داخلها من أعمدة الأبلطة
ستة. وسعة الصفحة القبلية منها أربعة وعشرون شبرا، وسعة الصفحة الشرقية ثلاثون شبرا، وما بين الركن الشرقي الى الركن الجوفي صفحة سعتها خمسة وثلاثون شبرا. ومن الركن الجوفي الى الغربي صفحة سعتها أربعة وعشرون شبرا.
وفي هذه الصفحة صندوق آبنوس، مختم بالصندل، مصفح بالفضة، مكوكب بها، هو قبالة رأس النبي، صلى الله عليه وسلم، وطوله خمسة أشبار، وعرضه ثلاثة أشبار، وارتفاعه أربعة أشبار. وفي الصفحة التي بين الركن الجوفي والركن الغربي موضع عليه ستر مسبل، يقال: إنه كان مهبط جبريل، عليه السلام.
فجميع سعة الروضة المكرمة من جميع جهاتها مئتا شبر واثنان وسبعون شبرا.
وهي مؤزرة بالرخام البديع النحت الرائع النعت. وينتهي الإزار منها الى نحو الثلث أو أقل يسيرا، وعليه من الجدار المكرم ثلث آخر، وقد علاه تضميخ المسك والطيب بمقدار نصف شبر، مسودا، مشققا، متراكما مع طول الأزمنة والأيام. والذي يعلوه من الجدار شبابيك عود متصلة بالسمك الأعلى، لأن أعلى الروضة المباركة متصل بسمك المسجد، والى حيز إزار الرخام تنتهي الأستار، وهي لازوردية اللون، مختمة بخواتيم بيض مثمنة ومربعة. وفي داخل الخواتيم دوائر مستديرة ونقط بيض تحف بها، فمنظرها منظر بديع الشكل. وفي اعلاها رسم مائل الى البياض. وفي الصفحة القبلية أمام وجه النبي، صلى الله عليه وسلم، مسمار فضة، هو أمام الوجه الكريم فيقف الناس أمامه للسلام.
والى قدميه، صلى الله عليه وسلم، رأس أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، ورأس عمر الفاروق مما يلي كتفي أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما فيقف المسلم مستدبر القبلة ومستقبل الوجه الكريم، فيسلم ثم ينصرف يمينا الى وجه أبي بكر، ثم الى وجه عمر، رضي الله عنهما. وأمام هذه الصفحة المكرمة نحو العشرين قنديلا معلقة من الفضة، وفيها اثنان من ذهب. وفي جوفي الروضة المقدسة حوض صغير مرخم، في قبلته شكل محراب، قيل: إنه كان بيت فاطمة، رضي الله عنها، ويقال: هو قبرها، والله أعلم بحقيقة ذلك.
وعن يمين الروضة المكرمة المنبر الكريم، ومنه اليها اثنتان وأربعون خطوة،
وهو في الحوض المبارك الذي طوله أربع عشر خطوة، وعرضه ست خطا، وهو مرخم كله، وارتفاعه شبر ونصف، وبينه وبين الروضة الصغيرة، التي بين القبر الكريم والمنبر، وفيها جاء الأثر أنها روضة من رياض الجنة، ثماني خطوات.
وفي هذه الروضة يتزاحم الناس للصلاة، وحق لهم ذلك. وبإزائها لجهة القبلة عمود، يقال: إنه مطبق على بقية الجذع الذي حن للنبي، صلى الله عليه وسلم، وقطعة منه في وسط العمود ظاهرة يقبلها الناس ويبادرون للتبرك بلمسها ومسح خدودهم فيها، وعلى حافتها في القبلة منها الصندوق. وارتفاع المنبر الكريم نحو القامة أو أزيد، وسعته خمسة أشبار، وطوله خمس خطوات، وأدراجه ثمانية، وله باب على هيئة الشباك مقفل يفتح يوم الجمعة، وطوله أربعة أشبار ونصف شبر.
والمنبر مغشى بعود الآبنوس، ومقعد الرسول صلى الله عليه وسلم، من أعلاه ظاهر قد طبق عليه بلوح من الآبنوس غير متصل به يصونه من القعود عليه، فيدخل الناس أيديهم اليه ويتمسحون به تبركا بلمس ذلك المقعد الكريم.
وعلى رأس رجل المنبر اليمنى، حيث يضع الخطيب يده اذا خطب، حلقة فضة مجوفة تشبه حلقة الخياط التي يضعها في اصبعه صفة لا صغرا لأنها أكبر منها، لاعبة تستدير في موضعها، يزعم الناس أنها لعبة الحسن والحسين، رضي الله عنهما، في حال خطبة جدهما، صلوات الله وسلامه عليه.
وطول المسجد الكريم مئة خطوة وست وتسعون خطوة، وسعته مئة وست وعشرون خطوة، وعدد سواريه مئتان وتسعون، وهي أعمدة متصلة بالسمك دون قسي تنعطف عليها، فكأنها دعائم قوائم، وهي من حجر منحوت قطعا قطعا ململمة مثقبة توضع أنثى في ذكر ويفرغ بينهما الرصاص المذاب الى أن تتصل عمودا قائما، وتكسى بغلالة جيار، ويبالغ في صقلها ودلكها فتظهر كأنها رخام أبيض.
والبلاط المتصل بالقبلة من الخمسة بلاطات المذكورة تحف به مقصورة تكتنفه
طولا من غرب الى شرق، والمحراب فيها. ويصلي الإمام في الروضة الصغيرة المذكورة الى جانب الصندوق، وبينها وبين الروضة والقبر المقدس محمل كبير مدهون عليه مصحف كبير في غشاء مقفل عليه هو أحد المصاحف الأربعة التي وجه بها عثمان بن عفان، رضي الله عنه، الى البلاد. وبإزاء المقصورة الى جهة الشرق خزانتان كبيرتان محتويتان على كتب ومصاحف موقوفة على المسجد المبارك.
ويليهما في البلاط الثاني لجهة الشرق أيضا دفة مطبقة على وجه الارض مقفلة هي على سرداب يهبط اليه على ادراج تحت الأرض يفضي الى خارج المسجد الى دار أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وهو كان طريق عائشة اليها. وبإزائها دار عمر بن الخطاب، ودار ابنه عبد الله، رضي الله عنهما. ولا شك أن ذلك الموضع هو موضع الخوخة المفضية لدار أبي بكر التي أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، بإبقائها خاصة.
وأمام الروضة المقدسة أيضا صندوق كبير هو للشمع والأنوار التي توقد أمام الروضة كل ليلة. وفي الجهة الشرقية بيت مصنوع من عود هو موضع مبيت بعض السدنة الحارسين للمسجد المبارك، وسدنته فتيان أحابيش وصقالب ظراف الهيئات نظاف الملابس والشارات، والمؤذن الراتب فيه أحد أولاد بلال، رضي الله عنه. وفي جهة جوف الصحن قبة كبيرة محدثة جديدة تعرف بقبة الزيت هي مخزن لجميع آلات المسجد المبارك وما يحتاج اليه فيه. وبإزائها في الصحن خمسة عشر نخلة. وعلى رأس المحراب، الذي في جدار القبة داخل المقصورة، حجر مربع أصفر قدر شبر في شبر، ظاهر البريق والبصيص، يقال: إنه كان مرآة كسرى، والله أعلم بذلك. وفي أعلاه داخل المحراب مسمار مثبت في جداره فيه شبه حق صغير لا يعرف من أي شيء هو، ويزعم أيضا أنه كان كأس كسرى، والله أعلم بحقيقة ذلك كله.
ونصف جدار القبلة الأسفل رخام، موضوع إزارا على إزار، مختلف الصنعة
واللون، مجزع أبدع تجزيع. والنصف الأعلى من الجدار منزل كله بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء، قد أنتج الصناع فيه نتائج من الصنعة غريبة تضمنت تصاوير أشجار مختلفات الصفات مائلة الأغصان بثمرها. والمسجد كله على تلك الصفة، لكن الصنعة في جدار القبلة احفل. والجدار الناظر الى الصحن من جهة القبلة كذلك، ومن جهة الجوف أيضا. والغربي والشرقي الناظران الى الصحن مجردان أبيضان ومقرنصان قد زينا برسم يتضمن أنواعا من الأصبغة، الى ما يطول وصفه وذكره من الاحتفال في هذا المسجد المبارك المحتوي على التربة الطاهرة المقدسة، وموضعها أشرف، ومحلها أرفع من كل ما تزين به.
وللمسجد المبارك تسعة عشر بابا، لم يبق منها مفتحا سوى أربعة في الغرب:
منها اثنان، يعرف أحدهما بباب الرحمة، والثاني بباب الخشية، وفي الشرق اثنان: يعرف أحدهما بباب جبريل، عليه السلام، والثاني بباب الرجاء. ويقابل باب جبريل، عليه السلام، دار عثمان، رضي الله عنه، وهي التي استشهد بها.
ويقابل الروضة المكرمة، من هذه الجهة الشرقية، روضة جمال الدين الموصلي، رحمه الله، المشهور خبره وأثره، وقد تقدم ذكر مآثره.
وأمام الروضة المكرمة شباك حديد مفتوح الى روضته، تنسم منها روحا وريحانا. وفي القبلة باب صغير واحد مغلق، وفي الجوف أربعة مغلقة، وفي الغرب خمسة مغلقة أيضا، وفي الشرق خمسة أيضا مغلقة؛ فكملت بالأربعة المفتوحة تسعة عشر بابا. وللمسجد المبارك ثلاث صوامع: إحداها في الركن الشرقي المتصل بالقبلة، والاثنتان في ركني الجهة الجوفية صغيرتان كأنهما على هيئة برجين، والصومعة الأولى المذكورة على هيئة الصوامع.