John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

ذكر المشاهد المكرمة التي ببقيع الغرقد

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 67 of 130

فأول ما نذكر من ذلك مسجد حمزة، رضي الله عنه، وهو بقبلي الجبل

المذكور، والجبل جوفي المدينة، وهو على مقدار ثلاثة أميال. وعلى قبره، رضي الله عنه، مسجد مبني. والقبر برحبة جوفي المسجد، والشهداء، رضي الله عنهم، بإزائه، والغار الذي أوى اليه النبي، صلى الله عليه وسلم، بإزاء الشهداء أسفل الجبل. وحول الشهداء تربة حمراء هي التربة التي تنسب الى حمزة ويتبرك الناس بها.

وبقيع الغرقد شرقي المدينة، تخرج اليه على باب يعرف بباب البقيع، وأول ما تلقى عن يسارك عند خروجك، من الباب المذكور، مشهد صفية عمة النبي، صلى الله عليه وسلم، أم الزبير بن العوام، رضي الله عنه، وأمام هذه التربة قبر مالك بن أنس الإمام المدني، رضي الله عنه، وعليه قبة صغيرة مختصرة البناء.

وأمامه قبر السلالة الطاهرة إبراهيم ابن النبي، صلى الله عليه وسلم، وعليه قبة بيضاء. وعلى اليمين منها تربة ابن لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، اسمه عبد الرحمن الأوسط، وهو المعروف بأبي شحمة، وهو الذي جلده أبوه الحد، فمرض ومات، رضي الله عنهما. وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب، رضي الله عنه، وعبد الله بن جعفر الطيار، رضي الله عنه. وبإزائهم روضة فيها أزواج النبي، صلى الله عليه وسلم، وبإزائها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي، صلى الله عليه وسلم، ويليها روضة العباس بن عبد المطلب والحسن بن علي، رضي الله عنهما، وهي قبة مرتفعة في الهواء على مقربة من باب البقيع المذكور وعن يمين الخارج منه ورأس الحسن الى رجلي العباس، رضي الله عنهما، وقبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع الصاق، مرصعة بصفائح الصفر، ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة، وأجمل منظر. وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم ابن النبي، صلى الله عليه وسلم. ويلي هذه القبة العباسية بيت ينسب لفاطمة بنت الرسول، صلى الله عليه وسلم، ويعرف ببيت الحزن، يقال: إنه الذي أوت اليه والتزمت فيه الحزن على موت أبيها المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وفي آخر البقيع قبر عثمان الشهيد المظلوم ذي النورين، رضي الله عنه، وعليه قبة صغيرة مختصرة. وعلى مقربة منه مشهد فاطمة ابنة أسد أم علي، رضي

الله عنها وعن بنيها.

ومشاهد هذا البقيع أكثر من أن تحصى لأنه مدفن الجمهور الأعظم من الصحابة المهاجرين والأنصار، رضي الله عنهم أجمعين. وعلى قبر فاطمة المذكورة مكتوب: «ما ضم قبر أحد كفاطمة بنت أسد» رضي الله عنها وعن بنيها.

وقباء قبلي المدينة، ومنها اليها نحو الميلين. وكانت مدينة كبيرة متصلة بالمدينة المكرمة. والطريق اليها بين حدائق النخل المتصلة. والنخيل محدق بالمدينة من جهاتها، وأعظمها جهة الغرب. والمسجد المؤسس على التقوى بقباء مجدد، وهو مربع مستوى الطول والعرض، وفيه مئذنة طويلة بيضاء تظهر على بعد، وفي وسطه مبرك الناقة بالنبي، صلى الله عليه وسلم، وعليه حلق قصير شبه روضة صغيرة يتبرك الناس بالصلاة فيه. وفي صحنه، مما يلي القبلة، شبه محراب على مصطبة، هو أول موضع ركع فيه النبي، صلى الله عليه وسلم. وفي قبلته محاريب وله باب واحد من جهة الغرب، وهو سبعة بلاطات في الطول، ومثلها في العرض.

وفي قبلة المسجد دار لبني النجار، وهي دار أبي أيوب الأنصاري. وفي الغرب من المسجد رحبة فيها بئر، وبإزائها على الشفير حجر متسع شبيه البيلة يتوضأ الناس فيه. ويلي دار بني النجار دار عائشة، رضي الله عنها، وبإزائها دار عمر ودار فاطمة ودار أبي بكر، رضي الله عنهم، وبإزائها بئر أريس حيث تفل النبي، صلى الله عليه وسلم، فعاد ماؤها عذبا بعد ما كان أجاجا، وفيه وقع خاتمة من يد عثمان، رضي الله عنه، والحديث مشهور.

وفي آخر القرية تل مشرف يعرف بعرفات، يدخل اليه على دار الصفة حيث كان عمار وسلمان وأصحابهما المعروفون بأهل الصفة. وسمي ذلك التل عرفات لأنه كان موقف النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم عرفة، ومنه زويت له الأرض فأبصر الناس في عرفات. وآثار هذه القرية المكرمة ومشاهدها كثيرة لا تحصى.

وللمدينة المكرمة أربعة أبواب، وهي تحت سورين، في كل سور باب يقابله

آخر، الواحد منها كله حديد، ويعرف باسمه باب الحديد؛ ويليه باب الشريعة ثم باب القبلة، وهو مغلق؛ ثم باب البقيع، وقد تقدم ذكره. وقبل وصولك سور المدينة من جهة الغرب بمقدار غلوة تلقى الخندق الشهير ذكره الذي صنع النبي، صلى الله عليه وسلم، عند تحزب الأحزاب.

وبينه وبين المدينة، عن يمين الطريق، العين المنسوبة للنبي، صلى الله عليه وسلم، وعليها حلق عظيم مستطيل، ومنبع العين وسط ذلك الحلق كأنه الحوض المستطيل. وتحته سقايتان مستطيلتان باستطالة الحلق. وقد ضرب بين كل سقاية وبين الحوض المذكور بجدار، فحصل الحوض محدقا بجدارين. وهو يمد السقايتين المذكورتين، ويهبط إليهما على أدراج عددها نحو الخمسة والعشرين درجا. وماء هذه العين المباركة يعم أهل الأرض فضلا عن أهل المدينة، فهي لتطهر الناس واستقائهم وغسل أثوابهم. والحوض المذكور لا يتناول فيه غير الاستقاء خاصة صونا له ومحافظة عليه. وبمقربة منه، مما يلي المدينة، قبة حجر الزيت، يقال: إن الزيت رشح للنبي، صلى الله عليه وسلم، من ذلك الحجر. ولجهة الجوف منه بئر بضاعة، وبإزائها لجهة اليسار جبل الشيطان حيث صرخ، لعنة الله، يوم أحد، حين قال: قتل نبيكم.

وعلى شفير الخندق المذكور حصن يعرف بحصن العزاب، وهو خرب، قيل: إن عمر، رضي الله عنه، بناه لعزاب المدينة. وأمامه، لجهة الغرب على البعد، بئر رومة التي اشترى نصفها عثمان، رضي الله عنه، بعشرين ألفا.

وفي طريق أحد مسجد علي، رضي الله عنه، ومسجد سلمان، رضي الله عنه ومسجد الفتح الذي أنزلت فيه على النبي، صلى الله عليه وسلم سورة الفتح.

وللمدينة المكرمة سقاية ثالثة داخل باب الحديد يهبط اليها على ادراج وماؤها معين. وهي بمقربة من الحرم الكريم. وبقبلي هذا الحرم المكرم دار امام دار الهجرة مالك بن أنس، رضي الله عنه. ويطيف بالحرم كله شارع مبلط بالحجر المنحوت المفروش.

فهذا ذكر ما تمكن على الاستعجال من آثار المدينة المكرمة ومشاهدها على جهة الاقتضاب والاختصار، والله ولي التوفيق.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com