Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
مدينة منبج
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 86 of 130
مع الصباح من يوم الجمعة الحادي عشر لربيع المذكور، والثاني والعشرين ليونيه.
مدينة منبج
بلدة فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، يحف بها سور عتيق ممتد الغاية والانتهاء، جوها صقيل ومجتلاها جميل، ونسيمها أرج النشر عليل، نهارها يندى ظله، وليلها كما قيل فيه: سحر كله؛ تحف بغربيها وبشرقيها بساتين ملتفة
الأشجار، مختلفة الثمار. والماء يطرد فيها، ويتخلل جميع نواحيها، وخصص الله داخلها بآبار معينة، شهدية العذوبة، سلسبيلية المذاق، تكون في كل دار منها البئر والبئران. وارضها أرض كريمة، تستنبط مياها كلها. وأسواقها وسككها فسيحة متسعة، ودكاكينها وحوانيتها كأنها الخانات والمخازن اتساعا وكبرا، وأعالي أسواقها مسقفة.
وعلى هذا الترتيب أسواق أكثر مدن هذه الجهات، لكن هذه البلدة تعاقبت عليها الأحقاب، حتى أخذ منها الخراب. كانت من مدن الروم العتيقة، ولهم فيها من البناء آثار تدل على عظم اعتنائهم بها. ولها قلعة حصينة في جوفيها تنقطع عنها وتنحاز منها. ومدن هذه الجهات كلها لا تخلو من القلاع السلطانية وأهلها أهل فضل وخير، سنيون شافعيون، وهي مطهرة بهم من أهل المذاهب المنحرفة، والعقائد الفاسدة، كما تجده في الأكثر من هذه البلاد، فمعاملاتهم صحيحة، وأحوالهم مستقيمة، وجادتهم الواضحة في دينهم من اعتراض بنيات الطريق سليمة.
فكان نزولنا خارجها، في أحد بساتينها، وأقمنا يوما مريحين ثم رحلنا نصف الليل، ووصلنا بزاعة ضحوة يوم السبت الثاني عشر لربيع المذكور.