John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

مدينة حران حفظها الله

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 85 of 130

بلد لا حسن لديه، ولا ظل يتوسط برديه، قد اشتق من اسمه هواؤه، فلا يألف البرد ماؤه، ولا تزال تتقد بلفح الهجير ساحاته وأرجاؤه، ولا تجد فيه مقيلا، ولا تتنفس منه الا نفسا ثقيلا، قد نبذ بالعراء، ووضع في وسط الصحراء، فعدم رونق الحضارة، وتعرت أعطافه من ملابس النضارة.

أستغفر الله! كفى بهذا البلد شرفا وفضلا أنه البلدة العتيقة المنسوبة لأبينا إبراهيم، صلى الله عليه وسلم، وله بقبليها بنحو ثلاثة فراسخ مشهد مبارك فيه عين جارية كان مأوى له ولسارة، صلوات الله عليهما، ومتعبدا لهما. ببركة هذه النسبة قد جعل الله هذه البلدة مقرا للصالحين المتزهدين، ومثابة للسائحين المتبتلين. لقينا من أفرادهم الشيخ أبا البركات حيان بن عبد العزيز حذاء مسجده المنسوب اليه. وهو يسكن منه في زاوية بناها في قبلته، وتتصل بها في آخر الجانب زاوية لابنه عمر قد التزمها وأشبه طريقة أبيه فما ظلم، وتعرفت منه شنشنة أعرفها من أخزم. فوصلنا الى الشيخ وهو قد نيف على الثمانين، فصافحنا ودعا لنا وأمرنا بلقاء ابنه عمر المذكور، فملنا اليه ولقيناه، ودعا لنا، ثم ودعناهما وانصرفنا مسرورين بلقاء رجلين من رجال الآخرة.

ولقينا أيضا بمسجد عتيق الشيخ الزاهد سلمة، فلقينا رجلا من الزهاد الأفراد فدعا لنا وسألنا، وودعناه وانصرفنا. وبالبلد سلمة آخر يعرف بالمكشوف الرأس، لا يغطي رأسه تواضعا لله عز وجل حتى عرف بذلك، وصلنا الى منزله فأعلمنا أنه خرج للبرية سائحا.

وبهذه البلدة كثير من أهل الخير، وأهلها هينون معتدلون، محبون للغرباء مؤثرون للفقراء. وأهل هذه البلاد من الموصل لديار بكر وديار ربيعة الى الشام على هذا السبيل من حب الغرباء واكرام الفقراء؛ وأهل قراها كذلك. فما يحتاج الفقراء الصعاليك معهم زادا، لهم في ذلك مقاصد في الكرم مأثورة.

وشأن أهل هذه الجهات في هذا السبيل، عجيب، والله ينفعهم بما هم عليه.

وأما عبادهم وزهادهم والسائحون في الجبال منهم فأكثر من أن يقيدهم الإحصاء، والله ينفع المسلمين ببركاتهم وصوالح دعواتهم، بمنه وكرمه.

ولهذه البلدة المذكورة أسواق حفيلة الانتظام، عجيبة الترتيب، مسقفة كلها بالخشب. فلا يزال أهلها في ظل ممدود، فتخترقها كأنك تخترق دارا كبيرة الشوارع، قد بني عند كل ملتقى أربع سكك أسواق منها قبة عظيمة مرفوعة مصنوعة من الجص هي كالمفرق لتلك السكك. ويتصل بهذه الأسواق جامعها فالكرم، وهو عتيق مجدد قد جاء على غاية الحسن، وله صحن كبير فيه ثلاث الباب مرتفعة على سوار رخام، وتحت كل قبة بئر عذبة، وفي الصحن أيضا قبة رابعة عظيمة قد قامت على سوار من الرخام دور كل سارية تسعة أشبار، وفي وسط القبة عمود من الرخام عظيم الجرم دوره خمسة عشر شبرا.

وهذه القبة من بنيان الروم، وأعلاها مجوف كأنه البرج المشيد، يقال:

انه كان مخزنا لعدتهم الحربية، والله أعلم. والجامع المكرم سقف بجوائز الخشب والحنايا، وخشبه عظام طوال لسعة البلاط، وسعته خمس عشرة خطوة، وهو خمسة أبلطة، وما رأينا جامعا أوسع حنايا منه. وجداره المتصل بالصحن، الذي عليه المدخل اليه، مفتح كله أبوابا، عددها تسعة عشر بابا: تسعة يمينا،

وتسعة شمالا، والتاسع عشر منها باب عظيم وسط هذه الأبواب، يمسك قوسه من أعلى الجدار الى أسفله، بهي المنظر، جميل الوضع، كأنه باب من أبواب المدن الكبار. ولهذه الأبواب كلها أغلاق من الخشب البديع الصنعة والنقش، تنطبق عليها على شبه أبواب مجالس القصور. فشاهدنا من حسن بناء هذا الجامع وحسن ترتيب أسواقه المتصلة به مرأى عجيبا قلما يوجد في المدن مثل انتظامه.

ولهذه البلدة مدرسة ومارستان، وهي بلدة كبيرة، وسورها متين حصين مبني بالحجارة المنحوتة المرصوص بعضها على بعض في نهاية من القوة. وكذلك بنيان الجامع المكرم. ولها قلعة حصينة مما يلي الجهة الشرقية منها منقطعة عنها بفضاء واسع بينهما، ومنقطعة أيضا عن سورها بحفير عظيم يستدير بها قد شيدت حافاته بالحجارة المركومة، فجاء في نهاية الوثاقة والقوة. وسور القلعة وثيق الحصانة. ولهذه البلدة نهير مجراه بالجهة الشرقية أيضا منها بين سورها وجبانتها، ومصبه من عين هي على بعد من البلد.

والبلد كثير الخلق، واسع الرزق، ظاهر البركة، كثير المساجد، جم المرافق، على أحفل ما يكون من المدن. وصاحبه مظفر الدين بن زين الدين، وطاعته الى صلاح الدين وهذه البلاد كلها من الموصل الى نصيبين الى الفرات، المعروفة بديار ربيعة، وحدها من نصيبين الى الفرات مع ما يلي الجنوب من الطريق وديار بكر التي تليها في الجانب الجوفي كآمد وميافارقين وغيرها مما يطول ذكره ليس في ملوكها من يناهض صلاح الدين، فهم الى طاعته وان كانوا مستبدين، وفضله يبقي عليهم، ولو شاء نزع الملك منهم لفعله بمشيئة الله.

فكان نزولنا ظاهر البلد بشرقيه على نهيره المذكور، وأقمنا مريحين يوم الاثنين ويوم الثلاثاء بعده، وإثر الظهر منه كان اجتماعنا بسلمة المكشوف الرأس الذي فاتنا لقاؤه يوم الاثنين، فلقيناه بمسجد، فرأينا رجلا عليه سيما الصالحين وسمت المحبين مع طلاقة وبشر، وكرم لقاء وبر، فآنسنا ودعا لنا، وودعناه وانصرفنا حامدين لله عز وجل على ما من به علينا من لقاء أوليائه الصالحين وعباده المقربين.

وفي ليلة الاربعاء التاسع لربيع المذكور كان رحيلنا بعد تهويم ساعة، فأسرينا الى الصباح ونزلنا مريحين بتل عبدة، وهو موضع عمارة، وهذا التل مشرف متسع كأنه المائدة المنصوبة، وفيه أثر بناء قديم، وبهذا الموضع ماء جار. وكان رحيلنا منه عند المغرب، واسرينا الليل كله، واجتزنا على قرية تعرف بالبيضاء فيها خان كبير جديد، وهو نصف الطريق من حران الى الفرات، ويقابلها على اليمين من الطريق، في استقبالك الفرات الى الشام، مدينة سروج التي شهر ذكرها الحريري بنسبة أبي زيد اليها، وفيها البساتين والمياه المطردة حسبما وصفها به في مقاماته.

فكان وصولنا الى الفرات ضحوة النهار، وعبرنا في الزوارق المقلة المعدة للعبور الى قلعة جديدة على الشط تعرف بقلعة نجم، وحولها ديار بادية، وفيها سويقة يوجد فيها المهم من علف وخبز، فأقمنا بها يوم الخميس العاشر لربيع الأول المذكور مريحين خلال ما تكمل القافلة بالعبور. واذا عبرت الفرات حصلت في حد الشام وسرت في طاعة صلاح الدين الى دمشق.

والفرات حد بين ديار الشام وديار ربيعة وبكر. وعن يسار الطريق، في استقبالك الفرات الى الشام، مدينة الرقة، وهي على الفرات، وتليها رحبة مالك بن طوق وتعرف برحبة الشام، وهي من المدن الشهيرة، ثم رحلنا منها عند مضي ثلث الليل الأول وأسرينا ووصلنا

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com