Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
تذريعه ومساحته وعدد أبوابه وشمسياته
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 94 of 130
ذرعه في الطول من الشرق الى الغرب مئتا خطوة، وهما ثلاث مئة ذراع، وذرعه في السعة من القبلة الى الجوف مئة خطوة وخمس وثلاثون خطوة، وهي
مئتا ذراع. فيكون تكسيره من المراجع الغربية اربعة وعشرين مرجعا.
وهو تكسير مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غير أن الطول في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من القبلة الى الشمال. وبلاطاته المتصلة بالقبلة ثلاثة مستطيلة من الشرق الى الغرب، سعة كل بلاط منها ثماني عشرة خطوة، والخطوة ذراع ونصف، وقد قامت على ثمانية وستين عمودا، منها أربع وخمسون سارية، وثماني أرجل جصية تتخللها، واثنتان مرخمة ملصقة معها في الجدار الذي يلي الصحن، وأربع أرجل مرخمة أبدع ترخيم، مرصعة بفصوص من الرخام ملونة، قد نظمت خواتيم، وصورت محاريب وأشكالا غريبة، قائمة في البلاط الأوسط، تقل قبة الرصاص مع القبة التي تلي المحراب، سعة كل رجل منها ستة عشر شبرا، وطولها عشرون شبرا، وبين كل رجل ورجل في الطول سبع عشرة خطوة، وفي العرض ثلاث عشرة خطوة فيكون دور كل رجل منها اثنين وسبعين شبرا. ويستدير بالصحن بلاط من ثلاث جهاته: الشرقية والغربية والشمالية؛ سعته عشر خطا، وعدد قوائمه سبع وأربعون: منها أربع عشرة من الجص، وسائرها سوار. فيكون سعة الصحن، حاشا المسقف القبلي والشمالي، مئة ذراع. وسقف الجامع كله من خارج ألواح رصاص.
وأعظم ما في هذا الجامع المبارك قبة الرصاص المتصلة بالمحراب وسطه، سامية في الهواء، عظيمة الاستدارة، قد استقل بها هيكل عظيم هو غارب لها، يتصل من المحراب الى الصحن، وتحته ثلاث قباب: قبة تتصل بالجدار الذي الى الصحن، وقبة تتصل بالمحراب، وقبة تحت قبة الرصاص بينهما. والقبة الرصاصية قد أغضت الهواء وسطه، فإذا استقبلتها ابصرت منظرا رائعا، ومرأى هائلا، يشبهه الناس بنسر طائر، كأن القبة رأسه، والغارب جؤجؤه، ونصف جدار البلاط عن يمين، ونصف الثاني عن شمال، جناحاه. وسعة هذا الغارب من جهة الصحن ثلاثون خطوة، فهم يعرفون الموضع من الجامع بالنسر لهذا التشبيه الواقع عليه. ومن أي جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء منيفة على كل علو كأنها معلقة من الجو.
والجامع المكرم مائل الى الجهة الشمالية من البلد. وعدد شمسياته الزجاجية المذهبة الملونة أربع وسبعون: منها في القبة التي تحت قبة الرصاص عشر، وفي القبة المتصلة بالمحراب مع ما يليها من الجدار أربع عشرة شمسية، وفي طول الجدار عن يمين المحراب ويساره أربع وأربعون، وفي القبة المتصلة بجدار الصحن ست، وفي ظهر الجدار الى الصحن سبع وأربعون شمسية.
وفي الجامع المكرم ثلاث مقصورات: مقصورة الصحابة، رضي الله عنهم، وهي أول مقصورة وضعت في الاسلام، وضعها معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهما، وبإزاء محرابها عن يمين مستقبل القبلة باب حديد، كان يدخل معاوية، رضي الله عنه، الى المقصورة منه الى المحراب. وبإزاء محرابها لجهة اليمين مصلى أبي الدرداء، رضي الله عنه، وخلفها كانت دار معاوية، رضي الله عنه، وهي اليوم سماط عظيم للصفارين، يتصل بطول جدار الجامع القبلي، ولا سماط أحسن منظرا منه ولا أكبر طولا وعرضا. وخلف هذا السماط على مقربة منه دار الخليل برسمه، وهي اليوم مسكونة، وفيها مواضع للكمادين. وطول المقصورة الصحابية المذكورة أربعة وأربعون شبرا، وعرضها نصف الطول.
ويليها لجهة الغرب، في وسط الجامع، المقصورة التي أحدثت عند إضافة النصف المتخذ كنيسة الى الجامع، حسبما تقدم ذكره، وفيها منبر الخطبة ومحراب الصلاة.
وكانت مقصورة الصحابة أولا في نصف الحظ الإسلامي من الكنيسة، وكان الجدار حيث أعيد المحراب في المقصورة المحدثة، فلما أعيدت الكنيسة كلها مسجدا صارت مقصورة الصحابة طرفا في الجانب الشرقي، وأحدثت المقصورة الأخرى وسطا حيث كان جدار الجامع قبل الاتصال. وهذه المقصورة أخرى المحدثة أكبر من الصحابية. وبالجانب الغربي بازاء الجدار مقصورة أخرى هي برسم الحنفية يجتمعون فيها للتدريس وبها يصلون. وبإزائها زاوية محدقة بالأعواد المشرجبة كأنها مقصورة صغيرة. وبالجانب الشرقي زاوية أخرى على هذه الصفة هي كالمقصورة، كان وضعها للصلاة فيها أحد امراء الدولة التركية، وهي
لاصقة بالجدار الشرقي. وبالجامع المكرم عدة زوايا على هذا الترتيب يتخذها الطلبة للنسخ والدرس والانفراد عن ازدحام الناس، وهي من جملة مرافق الطلبة.
وفي الجدار المتصل بالصحن، المحيط بالبلاطات القبيلة، عشرون بابا متصلة بطول الجدار قد علتها قسي جصية مخرمة كلها على هيئة الشمسيات، فتبصر العين من اتصالها أجمل منظر وأحسنه. والبلاط المتصل بالصحن، المحيط بالبلاطات من ثلاث جهات، على أعمدة، وعلى تلك الأعمدة أبواب مقوسة تقلها أعمدة صغار تطيف بالصحن كله.
ومنظر هذا الصحن من أجمل المناظر وأحسنها، وفيه مجتمع أهل البلد، وهو متفرجهم ومتنزههم كل عشية، تراهم فيه ذاهبين وراجعين من شرق الى غرب، من باب جيرون الى باب البريد، فمنهم من يتحدث مع صاحبه، ومنهم من يقرأ، لا يزالون على هذه الحال من ذهاب ورجوع الى انقضاء صلاة العشاء الآخرة ثم ينصرفون، ولبعضهم بالغداة مثل ذلك، وأكثر الاحتفال انما هو بالعشي فيخيل لمبصر ذلك أنها ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم لما يرى من احتفال الناس واجتماعهم، لا يزالون على ذلك كل يوم. وأهل البطالة من الناس يسمونهم الحراثين.
وللجامع ثلاث صوامع: واحدة في الجانب الغربي، وهي كالبرج المشيد، يحتوي على مساكن متسعة وزوايا فسيحة راجعة كلها الى أغلاق يسكنها أقوام من الغرباء أهل الخير، والبيت الأعلى منها كان معتكف أبي حامد الغزالي، رحمه الله، ويسكنه اليوم الفقيه الزاهد أبو عبد الله بن سعيد من أهل قلعة يحصب المنسوبة لهم، وهو قريب لبني سعيد المشتهرين بالدنيا وخدمتها، وثانية بالجانب الغربي على هذه الصفة، وثالثة بالجانب الشمالي على الباب المعروف بباب الناطفيين.
وفي الصحن ثلاث قباب: إحداها في الجانب الغربي منه وهي أكبرها، وهي قائمة على ثمانية أعمدة من الرخام، مستطيلة كالبرج، مزخرفة بالفصوص والأصبغة
الملونة، كأنها الروضة حسنا، وعليها قبة رصاص كأنها التنور العظيم الاستدارة، يقال: إنها كانت مخزنا لمال الجامع، وله مال عظيم من خراجات ومستغلات تنيف على ما ذكر لنا على الثمانية آلاف دينار صورية في السنة، وهي خمسة عشر ألف دينار مؤمنية أو نحوها. وقبة أخرى صغيرة في وسط الصحن مجوفة مثمنة من رخام قد ألصق أبدع إلصاق، قائمة على أربعة أعمدة صغار من الرخام وتحتها شباك حديد مستدير، وفي وسطه أنبوب من الصفر يمج الماء الى علو، فيرتفع وينثني كأنه قضيب لجين، يشره الناس لوضع أفواههم فيه للشرب استظرافا واستحسانا، ويسمونه قفص الماء. والقبة الثالثة في الجانب الشرقي قائمة على ثمانية أعمدة على هيئة القبة الكبيرة لكن أصغر منها.
وفي الجانب الشمالي من الصحن باب كبير يفضي الى مسجد كبير، في وسطه صحن، قد استدار فيه صهريج من الرخام كبير، يجري الماء فيه دائما من صفحة رخام أبيض مثمنة قد قامت وسط الصهريج على رأس عمود مثقوب يصعد الماء منه اليها، ويعرف هذا الموضع بالكلاسة، ويصلي فيه اليوم صاحبنا الفقيه الزاهد المحدث أبو جعفر الفنكي القرطبي، ويتزاحم الناس على الصلاة فيه خلفه التماسا لبركته واستماعا لحسن صوته.
وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يفضي الى مسجد من أحسن المساجد وأبدعها وضعا وأجملها بناء؛ يذكر الشيعة أنه مشهد لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه. وهذا من أغرب مختلقاتهم. ومن العجيب أنه يقابله، في الجهة الغربية في زاوية البلاط الشمالي من الصحن، موضع هو ملتقى آخر البلاط الشمالي مع أول البلاط الغربي، مجلل بستر في أعلاه، وأمامه ستر أيضا منسدل، يزعم أكثر الناس أنه موضع لعائشة، رضي الله عنها، وأنها كانت تسمع الحديث فيه. وعائشة، رضي الله عنها، في دخول دمشق كعلي، رضي الله عنه، لكن لهم في علي، رضي الله عنه مندوحة من القول، وذلك أنهم يزعمون أنه رؤي في المنام مصليا في ذلك الموضع فبنت الشيعة فيه مسجدا. واما الموضع المنسوب لعائشة، رضي الله عنها، فلا مندوحة فيه وإنما ذكرناه لشهرته في الجامع.
وكان هذا الجامع المبارك، ظاهرا وباطنا، منزلا كله بالفصوص المذهبة، مزخرفا بأبدع زخاريف البناء المعجز الصنعة، فأدركه الحريق مرتين، فتهدم وجدد، وذهب أكثر رخامه، فاستحال رونقه، فأسلم ما فيه اليوم قبلته مع الثلاث قباب المتصلة بها. ومحرابه من أعجب المحاريب الاسلامية حسنا وغرابة صنعة، يتقد ذهبا كله. وقد قامت في وسطه محاريب صغار متصلة بجداره تحفها سويريات مفتولات فتل الأسورة كأنها مخروطة، لم ير شيء أجمل منها، وبعضها حمر كأنها مرجان. فشأن قبلة هذا الجامع المبارك، مع ما يتصل من قبابه الثلاث، واشراق شمسياته المذهبة الملونة عليه، واتصال شعاع الشمس بها، وانعكاسه الى كل لون منها، حتى ترتمي الأبصار منه أشعة ملونة، يتصل ذلك بجداره القبلي كله، عظيم لا يلحق وصفه ولا تبلغ العبارة بعض ما يتصوره الخاطر منه، والله يعمره بشهادة الإسلام وكلمته بمنه.
وفي الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف من مصاحف عثمان رضي الله عنه، وهو المصحف الذي وجه به الى الشام وتفتح الخزانة كل يوم إثر الصلاة فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله ويكثر الازدحام عليه.
وله أربعة أبواب: باب قبلي، ويعرف بباب الزيادة، وله دهليز كبير متسع، له أعمدة عظام، وفيه حوانيت للخرزيين وسواهم، وله مرأى رائع، ومنه يفضى الى دار الخيل، وعن يسار الخارج منه سماط الصفارين وهي كانت دار معاوية، رضي الله عنه، وتعرف بالخضراء؛ وباب شرقي، وهو أعظم الأبواب، ويعرف بباب جيرون؛ وباب غربي، ويعرف بباب البريد؛ وباب شمالي، ويعرف بباب الناطفيين.
وللشرقي والغربي والشمالي أيضا من هذه الأبواب دهاليز متسعة، يفضي كل دهليز منها الى باب عظيم، كانت كلها مداخل للكنيسة فبقيت على حالها، وأعظمها منظرا الدهليز المتصل بباب جيرون، يخرج من هذا الباب الى بلاط
طويل عريض قد قامت أمامه خمسة أبواب مقوسة لها ستة اعمدة طوال. وفي وجه اليسار منه مشهد كبير حفيل كان فيه رأس الحسين بن علي، رضي الله عنهما ثم نقل الى القاهرة. وبإزائه مسجد صغير ينسب لعمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه. وبذلك المشهد ماء جار. وقد انتظمت أمام البلاط أدراج ينحدر عليها الى الدهليز، وهو كالخندق العظيم، يتصل الى باب عظيم الارتفاع، ينحسر الطرف دونه سموا، قد حفته أعمدة كالجذوع طولا وكالأطواد ضخامة.
وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قامت عليها شوارع مستديرة، فيها الحوانيت المنتظمة للعطارين وسواهم، وعليها شوارع أخر مستطيلة فيها الحجر والبيوت للكراء مشرفة على الدهليز، وفوقها سطح يبيت به سكان الحجر والبيوت، وفي وسط الدهليز حوض كبير مستدير من الرخام عليه قبة تقلها أعمدة من الرخام، ويستدير بأعلاها طرة من الرصاص واسعة مكشوفة للهواء لم ينعطف عليها تعتيب. وفي وسط الحوض الرخامي أنبوب صفر يزعج الماء بقوة فيرتفع الى الهواء أزيد من القامة لم ... وحوله أنابيب صغار ترمي الماء الى علو فيخرج عنها كقضبان اللجين، فكأنها أغصان تلك الدوحة المائية ومنظرها أعجب وأبدع من أن يلحقه الوصف.
وعن يمين الخارج من باب جيرون، في جدار البلاط الذي أمامه، غرفة، ولها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفر قد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات النهار ودبرت تدبيرا هندسيا، فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازيين مصورين من صفر قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحد منهما: أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب، والثاني تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان، فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار الى الغرفة، وتبصر البازيين يمدان أعناقهما بالبندقتين الى الطاستين ويقذفانهما بسرعة بتدبير عجيب تتخيله الأوهام سحرا، وعند وقوع البندقتين في الطاستين يسمع لهما دوي، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصفر؛
لا يزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار حتى تنغلق الأبواب كلها وتنقضي الساعات، ثم تعود الى حالها الأول. ولها بالليل تدبير آخر، وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة، مدبر ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة، وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عم الزجاجة ضوء المصباح وفاض على الدائرة أمامها شعاعها، فلاحت للأبصار دائرة محمرة، ثم انتقل ذلك الى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتحمر الدوائر كلها، وقد وكل بها في الغرفة متفقد لحالها، درب بشأنها وانتقالها، يعيد فتح الأبواب وصرف الصنج الى موضعها. وهي التي يسميها الناس المنجانة.
ودهليز الباب الغربي فيه حوانيت البقالين والعطارين، وفيه سماط لبيع الفواكه، وفي أعلاه باب عظيم يصعد اليه على أدراج، وله أعمدة سامية في الهواء.
وتحت الأدراج سقايتان مستديرتان: سقاية يمينا، وسقاية يسارا، لكل سقاية خمسة أنابيب ترمي الماء في حوض رخام مستطيل. ودهليز الباب الشمالي فيه زوايا على مصاطب محدقة بالأعواد المشرجبة، وهي محاضر لمعلمي الصبيان.
وعن يمين الخارج في الدهليز خانقة مبنية للصوفية في وسطها صهريج ويقال:
انها كانت دار عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، ولها خبر سيأتي ذكره بعد هذا. والصهريج الذي في وسطها يجري الماء فيه، ولها مطاهر يجري الماء في بيوتها. وعن يمين الخارج أيضا من باب البريد مدرسة للشافعية في وسطها صهريج يجري الماء فيه ولها مطاهر على الصفة المذكورة.
وفي الصحن بين القباب المذكورة عمودان متباعدان يسيرا لهما رأسان من الصفر مستطيلان مشرجبان قد خرما أحسن تخريم، يسرجان ليلة النصف من شعبان فيلوحان كأنهما ثريتان مشتعلتان. واحتفال أهل هذه البلدة لهذه الليلة المذكورة اكثر من احتفالهم ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم.
وفي هذا الجامع المبارك مجتمع عظيم، كل يوم اثر صلاة الصبح، لقراءة سبع من القرآن دائما، ومثله اثر صلاة العصر لقراءة تسمى الكوثرية، يقرءون فيها من سورة الكوثر الى الخاتمة. ويحضر في هذا المجتمع الكوثري كل من لا يجيد حفظ القرآن. وللمجتمعين على ذلك اجراء كل يوم يعيش منه أزيد من خمس مئة انسان. وهذا من مفاخر هذا الجامع المكرم. فلا تخلو القراءة منه صباحا ولا مساء. وفيه حلقات للتدريس للطلبة، وللمدرسين فيها اجراء واسع، وللمالكية زاوية للتدريس في الجانب الغربي، يجتمع فيها طلبة المغاربة، ولهم اجراء معلوم.
ومرافق هذا الجامع المكرم للغرباء وأهل الطلب كثيرة واسعة. وأغرب ما يحدث به أن سارية من سواريه، هي بين المقصورتين القديمة والحديثة، لها وقف معلوم يأخذه المستند اليها للمذاكرة والتدريس. أبصرنا بها فقيها من أهل اشبيلية يعرف بالمرادي. وعند فراغ المجتمع السبعي من القراءة صباحا يستند كل انسان منهم الى سارية ويجلس أمامه صبي يلقنه القرآن. وللصبيان أيضا على قراءتهم جراية معلومة. فأهل الجدة من آبائهم ينزهون أبناءهم عن أخذها وسائرهم يأخذها وهذا من المفاخر الاسلامية.
وللأيتام من الصبيان محضرة كبيرة بالبلد لها وقف كبير، يأخذ منه المعلم لهم ما يقوم به وينفق منه على الصبيان ما يقوم بهم وبكسوتهم؛ وهذا أيضا من أغرب ما يحدث به من مفاخر هذه البلاد.
وتعليم الصبيان للقرآن بهذه البلاد المشرقية كلها انما هو تلقين، ويعلمون الخط في الأشعار وغيرها، تنزيها لكتاب الله عز وجل عن ابتذال الصبيان له بالإثبات والمحو. وقد يكون في أكثر البلاد الملقن على حدة والمكتب على حدة فينفصل من التلقين الى التكتيب، لهم في ذلك سيرة حسنة. ولذلك ما يتأتى لهم حسن الخط، لأن المعلم له لا يشتغل بغيره، فهو يستفرغ جهده في التعليم والصبي في التعلم كذلك، ويسهل عليه لأنه بتصوير يحذو حذوه.
ويستدير بهذا الجامع المكرم أربع سقايات، في كل جانب سقايات، في كل جانب سقاية، كل واحدة
منها كالدار الكبيرة محدقة بالبيوت الخلائية، والماء يجري في كل بيت منها.
وبطول صحنها حوض من الحجر مستطيل تصب فيه عدة أنابيب منتظمة بطوله.
واحدى هذه السقايات في دهليز باب جيرون، وهي أكبرها وفيها من البيوت ما ينيف على الثلاثين، وفيها زائدا على السقاية المستطيلة مع جدارها حوضان كبيران مستديران يكادان يمسكان لسعتهما عرض الدار المحتوية على هذه السقاية، والواحد بعيد من الآخر، ودور كل واحد منهما نحو الأربعين شبرا، والماء نابع فيهما. والثانية في دهليز باب الناطفيين بإزاء المعلمين، والثالثة عن يسار الخارج من باب البريد، والرابعة عن يمين الخارج من باب الزيادة. وهذه ايضا من المرافق العظيمة للغرباء وسواهم. والبلد كله سقايات قلما تخلو سكة من سككه أو سوق من أسواقه، من سقاية، والمرافق به أكثر من أن توصف، والله يبقيه دار اسلام بقدرته.