Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
بعض أحوال البلد
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 97 of 130
لهذه البلدة ثمانية ابواب. باب شرقي، وهو شرقي وفيه منارة بيضاء يقال:
ان عيسى، عليه السلام، ينزل فيها، لما جاء في الأثر انه ينزل بالمنارة البيضاء شرقي دمشق، ويلي هذا الباب باب توما، وهو أيضا في حيز الشرق؛ ثم باب السلامة، ثم باب الفراديس، وهو شمالي؛ ثم باب الفرج، ثم باب النصر، وهو غربي؛ ثم باب الجابية كذلك؛ ثم باب الصغير، وهو بين الغرب والقبلة.
والمسجد الجامع مائل الى الجهة الشمالية من البلد، والأرباض به مطيفة الا من جهة
الشرق مع ما يتصل بها من القبلة يسيرا. والأرباض كبار، والبلد ليس بمفرط الكبر، وهو مائل للطول، وسككه ضيقة مظلمة، وبناؤه طين وقصب، طبقات بعضها فوق بعض، ولذلك ما يسرع الحريق اليه، وهو كله ثلاث طبقات، فيحتوي من الخلق على ما تحتوي ثلاث مدن، لأنه أكثر بلاد الدنيا خلقا، وحسنه كله خارج لا داخل.
وفي داخل البلد كنيسة لها عند الروم شأن عظيم، تعرف بكنيسة مريم، ليس بعد بيت المقدس عندهم أفضل منها. وهي حفيلة البناء، تتضمن من التصاوير أمرا عجيبا تبهت الأفكار، وتستوقف الأبصار، ومرآها عجيب، وهي بأيدي الروم، ولا اعتراض عليهم فيها.
وبهذه البلدة نحو عشرين مدرسة، وبها مارستانان قديم وحديث، والحديث أحفلهما واكبرهما، وجرايته في اليوم نحو الخمسة عشر دينارا، وله قومة بأيديهم الأزمة المحتوية على اسماء المرضى وعلى النفقات التي يحتاجون اليها في الأدوية والأغذية وغير ذلك، والأطباء يبكرون اليه في كل يوم ويتفقدون المرضى ويأمرون بإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية حسبما يليق بكل انسان منهم. والمارستان الآخر على هذا الرسم، لكن الاحتفال في الجديد أكثر.
وهذا القديم هو غربي الجامع المكرم. وللمجانين المعتقلين أيضا ضرب من العلاج، وهم في سلاسل موثقون، نعوذ بالله من المحنة وسوء القدر. وتندر من بعضهم النوادر الظريفة، حسبما كنا نسمع به. ومن أعجب ما حدثت به من ذلك: أن رجلا كان يعلم القرآن، وكان يقرأ عليه أحد أبناء وجوه البلد ممن أوتي مسحة جمال، واسمه نصر الله، وكان المعلم يهيم به، فزاد كلفه حتى اختبل وأدي الى المارستان، واشتهرت علته وفضيحته بالصبي، وربما كان يدخله أبوه اليه، فقيل له: اخرج، وعد لما كنت عليه من القرآن. فقال متماجنا تماجن المجانين: وأي قراءة بقيت لي؟ ما بقي في حفظي من القرآن شيء سوى:
«إذا جاء نصر الله»
فضحك منه، ومن قوله. ونسأل الله العافية له ولكل
مسلم، فلم يزل كذلك حتى توفي سمح الله له.
وهذه المارستانات مفخر عظيم من مفاخر الإسلام، والمدارس كذلك. ومن أحسن مدارس الدنيا منظرا مدرسة نور الدين، رحمه الله، وبها قبره، نوره الله. وهي قصر من القصور الأنيقة، ينصب فيها الماء في شاذروان وسط نهر عظيم ثم يمتد الماء في ساقية مستطيلة الى ان يقع في صهريج كبير وسط الدار.
فتحار الأبصار في حسن ذلك المنظر، فكل من يبصره يجدد الدعاء لنور الدين، رحمه الله. وأما الرباطات التي يسمونها الخوانق فكثيرة، وهي برسم الصوفية.
وهي قصور مزخرفة، يطرد في جميعها الماء على احسن منظر يبصر.
وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد، لأنهم قد كفاهم الله مؤن الدنيا وفضولها، وفرغ خواطرهم لعبادته من الفكرة في اسباب المعايش، وأسكنهم في قصور تذكرهم قصور الجنان. فالسعداء الموفقون منهم قد حصل لهم بفضل الله تعالى نعيم الدنيا والآخرة. وهم على طريقة شريفة، وسنة في المعاشرة عجيبة، وسيرتهم في التزام رتب الخدمة غريبة، وعوائدهم من الاجتماع للسماع المشوق جميلة، وربما فارق منهم الدنيا في تلك الحالات المنفعل المثابر رقة وتشوقا. وبالجملة فأحوالهم كلها بديعة، وهم يرجون عيشا طيبا هنيئا.
ومن أعظم ما شاهدناه لهم موضع يعرف بالقصر، وهو صرح عظيم مستقل في الهواء، في اعلاه مساكن لم ير اجمل اشرافا منها، وهو من البلد بنصف الميل، له بستان عظيم يتصل به، وكان متنزها لاحد ملوك الاتراك. فيقال:
انه كان فيه احدى الليالي على راحة، فاجتاز به قوم من الصوفية، فهريق عليهم من النبيذ الذي كانوا يشربونه في ذلك القصر. فرفعوا الأمر لنور الدين، فلم يزل حتى استوهبه من صاحبه ووقفه برسم الصوفية مؤبدا لهم. فطال العجب من السماحة بمثله، وبقي أثر الفضل فيه مخلدا لنور الدين، رحمه الله.
ومناقب هذا الرجل الصالح كبيرة، وكان من الملوك الزهاد. وتوفي في شوال
سنة تسع وستين وخمس مئة، واستولى بعده على الأمر صلاح الدين، وهو على طريقة من الفضل شهيرة، وشأنه في الملوك كبير، وله الأثر الباقي شرفه من ازالة المكوس بطريق الحجاز، ودفعه عوضا عنها لصاحب الحجاز. وكانت الأيام قد استمرت قديما بهذه الضريبة اللعينة الى أن محا الله رسمها على يدي هذا الملك العادل، أصلحه الله.
ومن مناقب نور الدين، رحمه الله تعالى، أنه كان عين للمغاربة الغرباء، الملتزمين زاوية المالكية بالمسجد الجامع المبارك، أوقافا كثيرة، منها طاحونتان وسبعة بساتين وارض بيضاء وحمام ودكانان بالعطارين. وأخبرني احد المغاربة الذين كانوا ينظرون فيه، وهو أبو الحسن علي بن سردال الجياني المعروف بالأسود: أن هذا الوقف المغربي يغل، اذا كان النظر فيه جيدا، خمس مئة دينار في العام. وكان له، رحمه الله، بجانبهم فضل كبير، نفعه الله بما أسلف من الخير، وهيأ ديارا موقوفة لقراء كتاب الله عز وجل يسكنونها.