Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة أربع وستين]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 127 of 840
** [حصار ابن الزبير لمكة] **
ففيها في أول المحرم منها سار مسلم بن عقبة - بعد فراغه من حرب أهل المدينة - إلى مكة قاصدا قتال ابن الزبير ومن التف عليه من الأعراب على مخالفة يزيد بن معاوية، واستخلف عليها روح بن زنباع، فلما بلغ ثنية هرشى بعث إلى رءوس الأجناد فجمعهم، فقال: إن أمير المؤمنين عهد إلي إن حدث بي حدث الموت أن أستخلف عليكم حصين بن نمير السكوني، ووالله لو كان الأمر لي ما فعلت. ثم دعا به فقال: انظر يابن بردعة الحمار فاحفظ ما أوصيك به. ثم أمره إذا وصل مكة أن يناجز ابن الزبير قبل ثلاث، ثم قال: اللهم إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله أحب إلي من قتلي أهل المدينة ولا أرجى عندي في الآخرة، وإن دخلت النار بعد ذلك إني لشقي. ثم مات، قبحه الله، ودفن بالمشلل. فيما قاله
الواقدي.
وسار حصين بن نمير بالجيش نحو مكة، فانتهى إليها لأربع بقين من المحرم فيما قاله الواقدي. وقيل: لسبع مضين منه. وقد تلاحق بابن الزبير جماعات ممن بقي من أشراف أهل المدينة وانضاف إليه أيضا نجدة بن عامر الحنفي من أهل اليمامة في طائفة من أهلها ; ليمنعوا البيت من أهل الشام، فنزل حصين بن نمير ظاهر مكة، وخرج إليه ابن الزبير في أهل مكة ومن التف معه، فاقتتلوا ذلك اليوم قتالا شديدا، وتبارز المنذر بن الزبير ورجل من أهل الشام فقتل كل واحد منهما صاحبه، وحمل أهل الشام حملة صادقة، فانكشف أهل مكة، وعثرت بغلة عبد الله بن الزبير به، فكر عليه المسور بن مخرمة ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف وطائفة، فقاتلوا دونه حتى قتلوا جميعا، وصابرهم ابن الزبير حتى الليل، فانصرفوا عنه، ثم اقتتلوا في بقية شهر المحرم وصفرا بكماله، فلما كان يوم السبت ثالث ربيع الأول سنة أربع وستين، نصبوا المجانيق على الكعبة، ورموها حتى بالنار، فاحترق جدار البيت في يوم السبت - هكذا قال الواقدي - وهم يقولون:
خطارة مثل الفنيق المزبد ... نرمي بها أعواد هذا المسجد
وجعل عمرو بن حوطة السدوسي يقول:
كيف ترى صنيع أم فروه ... تأخذهم بين الصفا والمروه
وأم فروة اسم المنجنيق، وقيل: إنما احترقت ; لأن أهل المسجد جعلوا يوقدون النار وهم حول الكعبة، فعلقت النار في بعض أستار الكعبة، فسرت إلى أخشابها وسقوفها فاحترقت. وقيل: إنما احترقت لأن ابن الزبير سمع التكبير على بعض جبال مكة في ليلة ظلماء، فظن أنهم أهل الشام، فرفعت نار على رمح لينظروا من هؤلاء الذين على الجبل، فأطارت الريح شررة من رأس الرمح إلى ما بين الركن اليماني والأسود من الكعبة، فعلقت في أستارها وأخشابها، فاحترقت واسود الركن، وانصدع في ثلاثة أمكنة منه.
واستمر الحصار إلى مستهل ربيع الآخر، وجاء الناس نعي يزيد بن معاوية، وأنه قد مات لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين، وهو ابن خمس أو ثمان أو تسع وثلاثين سنة، فكانت ولايته ثلاث سنين وستة أو ثمانية أشهر، فحينئذ خمدت الحرب وطفئت نار الفتنة، ويقال: إنهم مكثوا يحاصرون ابن الزبير بعد موت يزيد أربعين ليلة. ويذكر أن ابن الزبير
علم بموت يزيد قبل أهل الشام، فنادى فيهم: يا أهل الشام، قد أهلك الله طاغيتكم، فمن أحب منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فليفعل، ومن أحب أن يرجع إلى شامه فليرجع. فلم يصدق الشاميون أهل مكة فيما أخبروهم به، حتى جاء ثابت بن قيس بن المنقع بالخبر اليقين. ويذكر أن حصين بن نمير دعاه ابن الزبير ليحدثه بين الصفين، فاجتمعا حتى اختلفت رءوس فرسيهما، وجعلت فرس حصين تنفر ويكفها، فقال له ابن الزبير: ما لك؟ فقال: إن الحمام تحت رجلي فرسي تأكل من الروث، فأكره أن أطأ حمام الحرم. فقال له: تفعل هذا وأنت تقتل المسلمين؟ ! فقال له حصين: فأذن لنا فلنطف بالكعبة ثم نرجع إلى بلادنا. فأذن لهم فطافوا.
وذكر ابن جرير أن حصينا وابن الزبير اتعدا ليلة أن يجتمعا، فاجتمعا بظاهر مكة، فقال له حصين: إن كان هذا الرجل قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الأمر بعده، فهلم فارحل معي إلى الشام، فوالله لا يختلف عليك اثنان.
فيقال: إن ابن الزبير لم يثق منه بذلك، وأغلظ له في المقال، فنفر منه ابن نمير، وقال: أنا أدعوه إلى الخلافة، وهو يغلظ لي في المقال؟ ! ثم كر بالجيش راجعا إلى الشام، وقال: أعده بالملك ويتواعدني بالقتل؟ ! ثم ندم ابن الزبير على ما كان منه إليه من الغلظة، فبعث إليه يقول له: أما الشام فلست آتيه، ولكن خذ لي البيعة على من هناك، فإني أؤمنكم وأعدل فيكم، فبعث إليه يقول له: إن من يبتغيها من أهل هذا البيت بالشام لكثير. فرجع فاجتاز بالمدينة، فطمع فيه أهلها وأهانوهم إهانة بالغة، وأكرمهم علي بن الحسين، وأهدى لحصين بن نمير قتا وعلفا، وارتحلت بنو أمية مع الجيش إلى الشام، فرجعوا إليه وقد استخلف بدمشق معاوية بن يزيد بن معاوية عن وصية من أبيه له بذلك. والله سبحانه أعلم بالصواب.
** [ترجمة يزيد بن معاوية] **
وهذه ترجمة يزيد بن معاوية
هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أمير المؤمنين أبو خالد الأموي، ولد سنة خمس أو ست أو سبع وعشرين بالماطرون، وقيل: ببيت رأس. وبويع له بالخلافة في حياة أبيه أن يكون ولي
العهد من بعده، ثم أكد ذلك بعد موت أبيه في النصف من رجب سنة ستين، فاستمر متوليا إلى أن توفي في الرابع عشر من ربيع الأول سنة أربع وستين. وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن دلجة بن قنافة بن عدي بن زهير بن حارثة الكلبي.
روى عن أبيه معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» ". وحديثا آخر في الوضوء. وعنه ابنه خالد وعبد الملك بن مروان، وقد ذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة، وهي العليا، وقال: له أحاديث. وكان كثير اللحم، عظيم الجسم، كثير الشعر، جميلا طويلا، ضخم الهامة، مخدد الأصابع غليظها، مجدرا.
وكان أبوه قد طلق أمه وهي حامل به، فرأت في المنام أنه خرج من قبلها قمر، فقصت رؤياها على أمها فقالت: إن صدقت رؤياك لتلدن من يبايع له بالخلافة. وجلست أمه ميسون يوما تمشطه وهو صبي صغير، وأبوه معاوية مع زوجته الحظية عنده في المنظرة، وهي فاختة بنت قرظة، فلما فرغت من مشطه نظرت إليه، فأعجبها فقبلت بين عينيه، فقال معاوية عند ذلك:
إذا مات لم تفلح مزينة بعده ... فنوطي عليه يا مزين التمائما
وانطلق يزيد يمشي وفاختة تتبعه بصرها، ثم قالت: لعن الله سواد ساقي أمك. فقال معاوية: أما والله إنه لخير من ابنك عبد الله - وهو ولده منها، وكان أحمق - فقالت فاختة: لا والله، ولكنك تؤثر هذا عليه. فقال: سوف أبين لك ذلك حتى تعرفيه قبل أن تقومي من مجلسك هذا. ثم استدعى بابنها عبد الله فقال له: إنه قد بدا لي أن أعطيك كل ما تسألني في هذا المجلس. فقال: حاجتي أن تشتري لي كلبا فارها وحمارا. فقال: يا بني، أنت حمار ويشترى لك حمار؟ ! قم فاخرج. ثم قال لأمه: كيف رأيت؟ ثم استدعى بيزيد فقال: إني قد بدا لي أن أعطيك كل ما تسألني في مجلسك هذا، فسلني ما بدا لك. فخر يزيد ساجدا، ثم قال حين رفع رأسه: الحمد لله الذي بلغ أمير المؤمنين هذه المدة، وأراه في هذا الرأي، حاجتي أن تعقد لي العهد من بعدك، وتوليني العام صائفة المسلمين، وتأذن لي في الحج إذا رجعت، وتوليني الموسم، وتزيد أهل الشام عشرة دنانير لكل رجل، وتجعل ذلك بشفاعتي، وتفرض لأيتام بني جمح، وأيتام بني سهم، وأيتام بني عدي. فقال: ما لك ولأيتام بني عدي؟ فقال: لأنهم حالفوني وانتقلوا إلى داري. فقال معاوية: قد فعلت ذلك كله. وقبل وجهه. ثم قال لابنة قرظة: كيف رأيت؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، أوصه بي فأنت أعلم به مني. ففعل وفي رواية أن يزيد لما قال له أبوه: سلني
حاجتك. قال له يزيد: أعتقني من النار أعتق الله رقبتك منها. قال: وكيف؟ قال: لأني وجدت في الأثر أنه من تقلد أمر الأمة ثلاثة أيام حرمه الله على النار، فاعهد إلي بالأمر من بعدك. ففعل.
وقال العتبي: رأى معاوية ابنه يزيد يضرب غلاما له، فقال له: سوأة لك، أتضرب من لا يستطيع أن يمتنع عليك؟ ! والله لقد منعتني القدرة من ذوي الإحن، وإن أحق من عفا لمن قدر.
قلت: وقد ثبت في " الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أبا مسعود يضرب غلاما له، فقال له: «اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه ".»
قال العتبي: وقدم زياد بأموال عظيمة وبسفط مملوء جوهرا على معاوية، فسر بذلك معاوية، فقام زياد فصعد المنبر، ثم افتخر بما يفعله بأرض العراق من تمهيد الممالك لمعاوية، فقام يزيد فقال: إن تفعل ذلك يا زياد فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى قريش، ومن القلم إلى المنابر، ومن زياد بن عبيد إلى حرب بن أمية. فقال له معاوية: اجلس فداك أبي وأمي.
وعن عطاء بن السائب وغيره قال: غضب معاوية على ابنه يزيد فهجره،
فقال له الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين، أولادنا ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم سماء ظليلة وأرض ذليلة، إن غضبوا فأرضهم، وإن طلبوا فأعطهم، ولا تكن عليهم ثقلا فيملوا حياتك ويتمنوا موتك. فقال معاوية: لله درك يا أبا بحر، يا غلام، ائت يزيد فأقرئه مني السلام، وقل له: إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمائة ألف درهم، ومائة ثوب. فقال يزيد: من عند أمير المؤمنين؟ فقال: الأحنف. فقال يزيد: لا جرم، لأقاسمنه. فبعث إلى الأحنف بخمسين ألفا وخمسين ثوبا.
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، ثنا ابن عائشة، عن أبيه قال: كان يزيد في حداثته صاحب شراب يأخذ مأخذ الأحداث، فأحس معاوية بذلك، فأحب أن يعظه في رفق، فقال: يا بني، ما أقدرك على أن تصير إلى حاجتك من غير تهتك يذهب بمروءتك وقدرك. ثم قال: يا بني إني منشدك أبياتا، فتأدب بها واحفظها. فأنشده:
انصب نهارا في طلاب العلا ... واصبر على هجر الحبيب القريب
حتى إذا الليل أتى بالدجى ... واكتحلت بالغمض عين الرقيب
فباشر الليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب
كم فاسق تحسبه ناسكا ... قد باشر الليل بأمر عجيب
غطى عليه الليل أستاره ... فبات في أمن وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفة ... يشفى بها كل عدو غريب
قلت: وهذا كما جاء في الحديث: " من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله عز وجل ".
وروى الواقدي والمدائني أن عبد الله بن عباس وفد إلى معاوية، فأمر معاوية ابنه يزيد أن يأتيه فيعزيه في الحسن بن علي فلما دخل على ابن عباس رحب به وأكرمه، وجلس بين يديه، فأراد ابن عباس أن يرفع مجلسه، فأبى وقال: إنما أجلس مجلس المعزي لا المهني. ثم ذكر الحسن، فقال: رحم الله أبا محمد أوسع الرحمة وأفسحها، وأعظم الله أجرك وأحسن عزاءك، وعوضك من مصابك ما هو خير لك ثوابا وخير عقبى. فلما نهض يزيد من عنده قال ابن عباس: إذا ذهب بنو حرب ذهب حلماء الناس. ثم أنشد متمثلا:
مغاض عن العوراء لا ينطقونها ... وأهل وراثات الحلوم الأوائل
وقد كان يزيد أول من غزا مدينة قسطنطينية في سنة تسع وأربعين، في قول يعقوب بن سفيان. وقال خليفة بن خياط: سنة خمسين. ثم حج بالناس في هذه السنة بعد مرجعه من أرض الروم.
وقد ثبت في الصحيح «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أول جيش يغزو مدينة
قيصر مغفور لهم. وهو الجيش الثاني الذين رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه عند أم حرام بنت ملحان، مثل الملوك على الأسرة، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: " أنت من الأولين» يعني من الجيش الأول الذين رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الملوك على الأسرة، يركبون ثبج البحر، فكان أمير الأولى أبوه معاوية. حين غزا قبرس، ففتحها في سنة سبع وعشرين أيام عثمان بن عفان، وكانت معهم أم حرام، فماتت هنالك بقبرس، ثم كان أمير الجيش الثاني ابنه يزيد بن معاوية، ولم تدرك أم حرام جيش يزيد هذا. وذلك من أكبر دلائل النبوة. كما تقدم بيانه.
وقد أورد الحافظ ابن عساكر هاهنا الحديث الذي رواه محاضر، عن الأعمش عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ".» الحديث. وكذلك رواه عبد الله بن شفيق، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
ثم أورد من طريق حماد بن سلمة، عن أبي محمد، عن زرارة بن أوفى قال: القرن عشرون ومائة سنة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قرن فكان آخره موت يزيد بن معاوية.
قال أبو بكر بن عياش: ثم حج بالناس يزيد بن معاوية في سنة إحدى وخمسين وثنتين وخمسين وثلاث وخمسين.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو كريب، ثنا رشدين، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن معاوية قال ليزيد ابنه: كيف تراك فاعلا إن وليت؟ قال: يمتع الله بك. قال: لتخبرني. قال: كنت والله يا أبه عاملا فيهم عمل عمر بن الخطاب. فقال معاوية: سبحان الله! يا سبحان الله! ! والله يا بني لقد جهدت على سيرة عثمان بن عفان، فما أطقتها.
وقال الواقدي: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى قال: قال معاوية ليزيد وهو يوصيه عند الموت: يا يزيد، اتق الله فقد وطأت لك هذا الأمر، ووليت من ذلك ما وليت، فإن يك خيرا فأنا أسعد به، وإن كان غير ذلك شقيت به، فارفق بالناس، وأغمض عما بلغك من قول تؤذى به وتنتقص به، وطأ عليه يهنك عيشك، وتصلح لك رعيتك، وإياك والمناقشة وحمل الغضب، فإنك تهلك نفسك ورعيتك، وإياك وجفوة أهل الشرف، واستهانتهم، والتكبر عليهم، لن لهم لينا بحيث لا يرون
منك ضعفا ولا خورا، وأوطئهم فراشك، وقربهم إليك، وأدنهم منك، فإنهم يعلمون لك حقك، ولا تهنهم ولا تستخف بحقهم فيهينوك ويستخفوا بحقك ويقعوا فيك، فإذا أردت أمرا فادع أهل السن والتجربة من أهل الخير من المشايخ وأهل التقوى، فشاورهم ولا تخالفهم، وإياك والاستبداد برأيك ; فإن الرأي ليس في صدر واحد، وصدق من أشار عليك إذا حملك على ما تعرف، ثم أطعه فيما أشار به، واخزن ذلك عن نسائك وخدمك، وشمر إزارك، وتعاهد جندك، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، لا تدع لهم فيك مقالا ; فإن الناس نزاع إلى الشر، واحضر الصلاة، فإنك إذا فعلت ما أوصيك به عرف الناس لك حقك، وعظمت مملكتك، وعظمت في أعين الناس، واعرف شرف أهل المدينة ومكة ; فإنهم أصلك وعشيرتك، واحفظ لأهل الشام شرفهم ; فإنهم أنصارك وحماتك وجندك الذين بهم تصول، وتنتصر على أعدائك، وتصل إلى أهل طاعتك، واكتب إلى أهل الأمصار بكتاب تعدهم فيه منك المعروف ; فإن ذلك ينشط آمالهم، وإن وفد عليك وافد من الكور كلها فأحسن إليهم وأكرمهم ; فإنهم لمن وراءهم، ولا تسمعن قول قاذف ولا ماحل ; فإني رأيتهم وزراء سوء.
ومن وجه آخر أن معاوية قال ليزيد: إن لي خليلا من أهل المدينة فأكرمه. قال: ومن هو؟ قال: عبد الله بن جعفر فلما وفد بعد موت معاوية على يزيد أضعف جائزته التي كان معاوية يعطيه إياها، وكانت جائزته على معاوية ستمائة
ألف، فأعطاه يزيد ألف ألف، فقال له: بأبي أنت وأمي. فأعطاه ألف ألف أخرى. فقال له ابن جعفر: والله لا أجمع أبوي لأحد بعدك. ولما خرج ابن جعفر من عند يزيد - وقد أعطاه ألفي ألف - رأي على باب يزيد بخاتي مبركات، قد قدم عليها هدية من خراسان، فرجع عبد الله بن جعفر إلى يزيد، فسأله منها ثلاث بخاتي ليركب عليها إلى الحج والعمرة، وإذا وفد إلى الشام على يزيد. فقال يزيد للحاجب: ما هذه البخاتي التي على الباب؟ - ولم يكن شعر بها - فقال: يا أمير المؤمنين، هذه أربعمائة بختية جاءتنا من خراسان تحمل أنواع الألطاف - وكان عليها أنواع من الأموال كلها - فقال: اصرفها إلى أبي جعفر بما عليها. فكان عبد الله بن جعفر يقول: أتلومونني على حسن الرأي في هذا؟ ! يعني يزيد.
وقد كان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم والحلم والفصاحة والشعر والشجاعة وحسن الرأي في الملك، وكان ذا جمال، حسن المعاشرة وكان فيه أيضا إقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات في بعض الأوقات.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، ثنا حيوة، حدثني بشير بن أبي عمرو الخولاني، أن الوليد بن قيس حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يكون خلف من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة ; مؤمن ومنافق وفاجر ".»
قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به. تفرد به أحمد.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير بن حرب، ثنا الفضل بن دكين، ثنا كامل أبو العلاء، سمعت أبا صالح، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «تعوذوا بالله من سنة سبعين، ومن إمارة الصبيان» ".
وروى الزبير بن بكار عن عبد الرحمن بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أنه قال في يزيد بن معاوية:
لست منا وليس خالك منا ... يا مضيع الصلاة للشهوات
قال: وزعم بعض الناس أن هذا الشعر لموسى بن يسار، ويعرف بموسى شهوات. وروي عن عبد الله بن الزبير، أنه سمع جارية له تغني بهذا البيت فضربها، وقال: قولي:
أنت منا وليس خالك منا ... يا مضيع الصلاة للشهوات
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحكم بن موسى، ثنا يحيى بن حمزة، عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي عبيدة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لا يزال هذا الأمر قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية» ".
وحدثنا الحكم، ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن مكحول، عن
أبي عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية يقال له: يزيد» ". وهذا منقطع بين مكحول وأبي عبيدة، بل معضل.
وقد رواه ابن عساكر من طريق صدقة بن عبد الله الدمشقي، عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لا يزال أمر هذه الأمة قائما بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له: يزيد» ". ثم قال: وهو منقطع أيضا بين مكحول وأبي ثعلبة.
وقال أبو يعلى: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن عوف، عن خالد بن أبي المهاجر، عن أبي العالية قال: كنا مع أبي ذر بالشام، فقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «أول من يغير سنتي رجل من بني أمية» ".
ورواه ابن خزيمة عن بندار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن عوف، حدثنا مهاجر بن أبي مخلد، حدثني أبو العالية، حدثني أبو مسلم، عن أبي ذر، فذكر نحوه، وفيه قصة، وهي أن أبا ذر كان في غزاة، عليهم يزيد بن أبي سفيان فاغتصب يزيد من رجل جارية، فاستعان الرجل بأبي ذر على يزيد
أن يردها عليه، فأمره أبو ذر أن يردها عليه، فتلكأ، فذكر أبو ذر له الحديث فردها، وقال يزيد لأبي ذر: نشدتك بالله أهو أنا؟ قال: لا. وكذا رواه البخاري في " التاريخ " وأبو يعلى عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب. ثم قال البخاري: والحديث معلول، ولا يعرف أن أبا ذر قدم الشام زمن عمر بن الخطاب. قال: وقد مات يزيد بن أبي سفيان زمن عمر، فولى مكانه أخاه معاوية.
وقال عباس الدوري: سألت ابن معين: أسمع أبو العالية من أبي ذر؟ قال: لا، إنما يروى عن أبي مسلم عنه. قلت: فمن أبو مسلم هذا؟ قال: لا أدري.
وقد أورد ابن عساكر أحاديث في ذم يزيد بن معاوية، كلها موضوعة، لا يصح شيء منها، وأجود ما ورد ما ذكرناه ; على ضعف أسانيده وانقطاع بعضه. والله أعلم.
وقال الحسن بن أبي الحسن: ما أفسد أمر الناس إلا اثنان ; عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصاحف يوم صفين، فحملت على رءوس الأسنة، فحكم الخوارج، وقالوا: لا حكم إلا لله. فلا يزال هذا التحكيم إلى
يوم القيامة، والآخر المغيرة بن شعبة ; فإنه كان عامل معاوية على الكوفة فكتب إليه معاوية يقول: إذا قرأت كتابي فأقبل معزولا. فأبطأ على معاوية في القدوم، فلما قدم عليه قال له معاوية: ما أبطأك عني؟ قال: أمر كنت أوطئه وأهيئه. قال: وما هو؟ قال: البيعة ليزيد من بعدك. قال: وقد فعلت ذلك؟ قال: نعم. فقال: ارجع إلى عملك. فلما خرج المغيرة من عنده، قال له أصحابه: ما وراءك؟ قال: وضعت رجل معاوية في غرز غي لا يزال فيه إلى يوم القيامة. قال الحسن: فمن أجل ذلك بايع هؤلاء أبناءهم، ولولا ذلك لكانت شورى بين المسلمين إلى يوم القيامة.
وقيل: إن معاوية قيل له: ننشدك الله فيمن نستخلف على المسلمين فقال: لم يبق إلا ابني وأبناؤهم وابني أحق.
قال الحارث بن مسكين عن مسكين، عن سفيان، عن شبيب عن غرقدة، عن المستظل قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قد علمت ورب الكعبة متى تهلك العرب ; إذا ساسهم من لم يدرك الجاهلية ولم يكن له قدم في الإسلام.
قلت: يزيد بن معاوية أكثر ما نقم عليه في عمله شرب الخمر وإتيان بعض الفواحش، فأما قتل الحسين فإنه - كما قال جده أبو سفيان يوم أحد - لم يأمر بذلك، ولم يسؤه. وقد قدمنا أنه قال: لو كنت أنا لم أفعل معه ما
فعله ابن مرجانة. يعني عبيد الله بن زياد، وقال للرسل الذين جاءوا برأسه: قد كان يكفيكم من الطاعة دون هذا. ولم يعطهم شيئا، وأكرم آل بيت الحسين، ورد عليهم جميع ما فقد لهم وأضعافه، وردهم إلى المدينة في تجمل وأبهة عظيمة، وقد ناح أهله في منزله على الحسين مع آله - حين كانوا عندهم - ثلاثة أيام.
وقيل: إن يزيد فرح بقتل الحسين أول ما بلغه، ثم ندم على ذلك. فقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: إن يونس بن حبيب الجرمي حدثه قال: لما قتل ابن زياد الحسين وبني أبيه، بعث برءوسهم إلى يزيد، فسر بقتلهم أولا، وحسنت بذلك منزلة ابن زياد عنده، ثم لم يلبث إلا قليلا حتى ندم، فكان يقول: وما كان علي لو احتملت الأذى وأنزلته في داري وحكمته فيما يريده، وإن كان علي في ذلك وكف ووهن في سلطاني ; حفظا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورعاية لحقه وقرابته. ثم يقول: لعن الله ابن مرجانة فإنه أخرجه واضطره، وقد كان سأله أن يخلي سبيله أو يأتيني أو يكون بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله تعالى، فلم يفعل، وأبى عليه وقتله، فبغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، فأبغضني البر والفاجر بما استعظم الناس من قتلي حسينا، ما لي ولابن مرجانة، لعنه الله، وغضب عليه.
ولما خرج أهل المدينة عن طاعته وخلعوه، وولوا عليهم ابن مطيع وابن حنظلة لم يذكروا عنه - وهم أشد الناس عداوة له - إلا ما ذكروه عنه من شربه الخمر وإتيانه بعض القاذورات، لم يتهموه بزندقة كما يقذفه بذلك بعض الروافض، بل قد كان فاسقا، والفاسق لا يجوز خلعه ; لما يؤدي ذلك إليه من الفتنة ووقوع الهرج، كما وقع زمن الحرة، فإنه بعث إليهم من يردهم إلى الطاعة، وأنظرهم ثلاثة أيام، فلما لم يرجعوا قاتلهم، وقد كان في هذا كفاية، ولكنه تجاوز الحد في أمره أمير الحرب أن يبيح المدينة ثلاثة أيام، حتى وقع بسبب ذلك خطأ كبير وفساد عريض.
وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب وجماعات أهل بيت النبوة ممن لم ينقض العهد، ولا بايع أحدا بعد بيعته ليزيد ; كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن علية، حدثني صخر بن جويرية، عن نافع قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله، ثم تشهد، ثم قال: أما بعد، فإنا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان» ". وإن من أعظم الغدر - إلا أن
يكون الإشراك بالله - أن يبايع رجل رجلا على بيع الله ورسوله ثم ينكث بيعته، فلا يخلعن أحد منكم يزيد، ولا يشرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون الصيلم بيني وبينه.
وقد رواه مسلم والترمذي، من حديث صخر بن جويرية، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف المدائني، عن صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره مثله.
قال: ومشى عبد الله بن مطيع وأصحابه إلى محمد ابن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد، فأبى، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب. فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده، فرأيته مواظبا على الصلاة، متحريا للخير، يسأل عن الفقه، ملازما للسنة. قالوا: فإن ذلك كان منه تصنعا لك. فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلي الخشوع؟ ! أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم يكن رأيناه. فقال لهم: قد أبى الله ذلك على أهل الشهادة، فقال: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] . ولست من أمركم في شيء. قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك، فنحن نوليك أمرنا. قال: ما أستحل القتال على ما تريدونني
عليه تابعا ولا متبوعا. قالوا: فقد قاتلت مع أبيك. قال جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه. فقالوا: فمر ابنيك أبا هاشم والقاسم بالقتال معنا. قال: لو أمرتهما قاتلت. قالوا: فقم معنا مقاما تحض الناس فيه على القتال. قال: سبحان الله! آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه؟ ! إذا ما نصحت لله في عباده. قالوا: إذا نكرهك. قال: إذا آمر الناس بتقوى الله، وألا يرضوا المخلوق بسخط الخالق. وخرج إلى مكة.
وقال أبو القاسم البغوي: ثنا مصعب الزبيري، ثنا ابن أبي حازم، عن هشام، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن ابن عمر دخل وهو معه على ابن مطيع، فلما دخل عليه قال: مرحبا بأبي عبد الرحمن، ضعوا له وسادة. فقال: إنما جئتك لأحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «من نزع يدا من طاعة فإنه يأتي يوم القيامة لا حجة له، ومن مات مفارق الجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية» ". وهكذا رواه مسلم من حديث هشام بن سعد، عن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر به، وتابعه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه. وقد رواه الليث عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، فذكره.
وقال أبو جعفر الباقر: لم يخرج أحد من آل أبي طالب ولا من بني عبد المطلب أيام الحرة، ولما قدم مسلم بن عقبة المدينة أكرم أبي وأدنى مجلسه، وأعطاه كتاب أمان.
وروى المدائني، أن مسلم بن عقبة بعث روح بن زنباع إلى يزيد ببشارة
الحرة، فلما أخبره بما وقع قال: واقوماه. ثم دعا الضحاك بن قيس الفهري فقال له: ترى ما لقي أهل المدينة، فما الرأي الذي يجبرهم؟ قال: الطعام والأعطية. فأمر بحمل الطعام إليهم، وأفاض عليهم أعطيته. وهذا خلاف ما ذكره كذبة الروافض عنه من أنه شمت بهم وشفى بقتلهم، وأنه أنشد - إما ذكرا وإما أثرا - شعر ابن الزبعرى المتقدم ذكره.
وقال أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان بن بسام: حدثني محمد بن القاسم، سمعت الأصمعي يقول: سمعت هارون الرشيد ينشد ليزيد بن معاوية:
إنها بين عامر بن لؤي ... حين تنمي وبين عبد مناف
ولها في المطيبين جدود ... ثم نالت مكارم الأخلاف
بنت عم النبي أكرم من يم ... شي بنعل على التراب وحافي
لن تراها على التبذل والغل ... ظة إلا كدرة الأصداف
وقال الزبير بن بكار: أنشدني عمي مصعب ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان:
آب هذا الهم فاكتنعا ... وأمر النوم فامتنعا
راعيا للنجم أرقبه ... فإذا ما كوكب طلعا
حام حتى إنني لأرى ... أنه بالغور قد وقعا
ولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا
نزهة حتى إذا بلغت ... نزلت من جلق بيعا
في قباب وسط دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا
ومن شعره أيضا:
وقائلة لي حين شبهت وجهها ... ببدر الدجى يوما وقد ضاق منهجي
تشبهني بالبدر هذا تناقص ... بقدري ولكن لست أول من هجي
ألم تر أن البدر عند كماله ... إذا بلغ التشبيه عاد كدملج
فلا فخر إن شبهت بالبدر مبسمي ... وبالسحر أجفاني وبالليل مدعجي
وذكر الزبير بن بكار، عن أبي محمد الجزري قال: كانت بالمدينة جارية
مغنية يقال لها: سلامة. من أحسن النساء وجها، وأتمهن عقلا وأحسنهن حديثا، قد قرأت القرآن، وروت الشعر وقالته، وكان عبد الرحمن بن حسان والأحوص بن محمد يجلسان إليها، فعلقت الأحوص، وصدت عن عبد الرحمن، فترحل ابن حسان إلى يزيد بن معاوية فامتدحه، ودله على سلامة وجمالها وحسنها وفصاحتها، وقال: لا تصلح إلا لك يا أمير المؤمنين، وأن تكون من سمارك. فأرسل يزيد، فاشتريت له، وحملت إليه، فوقعت منه موقعا عظيما، وفضلها على جميع من عنده، ورجع عبد الرحمن إلى المدينة فمر بالأحوص، فوجده مهموما، فأراد أن يزيده إلى ما به فقال:
يا مبتلى بالحب مفدوحا ... لاقى من الحب تباريحا
أفحمه الحب فما ينثني ... إلا بكأس الحب مصبوحا
وصار ما يعجبه مغلقا ... عنه وما يكره مفتوحا
قد حازها من أصبحت عنده ... ينال منها الشم والريحا
خليفة الله فسل الهوى ... وعز قلبا منك مجروحا
قال: فأمسك الأحوص عن جوابه، ثم غلبه وجده عليها، فرحل إلى يزيد، فامتدحه، فلما قدم عليه أكرمه وقربه وحظي عنده، فدست إليه سلامة خادما، وأعطته مالا على أن يدخله عليها، فأخبر الخادم يزيد بذلك، فقال: امض لرسالتها. ففعل وأدخل الأحوص عليها، وجلس يزيد في مكان يراهما ولا
يريانه، فلما بصرت الجارية بالأحوص بكت إليه وبكى إليها، وأمرت فألقي له كرسي، فقعد عليه، وجعل كل واحد منهما يشكو إلى صاحبه شدة الشوق، فلم يزالا يتحدثان إلى السحر، ويزيد يسمع كلامهما من غير أن يكون بينهما ريبة، حتى إذا هم الأحوص بالخروج قال:
أمسى فؤادي في هم وبلبال ... من حب من لم أزل منه على بال
فقالت:
صحا المحبون بعد النأي إذ يئسوا ... وقد يئست وما أصحو على حال
فقال:
من كان يسلو بيأس عن أخي ثقة ... فعنك سلام ما أمسيت بالسالي
فقالت:
والله والله لا أنساك يا شجني ... حتى تفارق مني الروح أوصالي
فقال:
والله ما خاب من أمسى وأنت له ... يا قرة العين في أهل وفي مال
قال: ثم ودعها وخرج، فأخذه يزيد، ودعا بها فقال: أخبراني عما كان في ليلتكما واصدقاني. فأخبراه وأنشداه ما قالا، فلم يخرما حرفا، ولا غيرا شيئا مما سمعه. فقال لها يزيد: أتحبينه؟ قالت: إي والله يا أمير المؤمنين:
حبا شديدا جرى كالروح في جسدي ... فهل يفرق بين الروح والجسد
فقال له: أتحبها؟ فقال: إي والله يا أمير المؤمنين:
حبا شديدا تليدا غير مطرف ... بين الجوانح مثل النار يضطرم
فقال يزيد: إنكما لتصفان حبا شديدا، خذها يا أحوص فهي لك. ووصله صلة سنية. فرجع بها الأحوص إلى الحجاز وهو قرير العين.
وقد روي أن يزيد كان قد اشتهر بالمعازف وشرب الخمر والغناء والصيد واتخاذ الغلمان والقيان والكلاب والنطاح بين الكباش والدباب والقرود، وما من يوم إلا يصبح فيه مخمورا، وكان يشد القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به، ويلبس القرد قلانس الذهب، وكذلك الغلمان، وكان يسابق بين الخيل، وكان إذا مات القرد حزن عليه. وقيل: إن سبب موته أنه حمل قردة وجعل ينقزها فعضته. وذكروا عنه غير ذلك. والله أعلم بصحة ذلك.
وقال عبد الرحمن بن أبي مذعور: حدثني بعض أهل العلم قال: آخر ما تكلم به يزيد بن معاوية: اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبه، ولم أرده، واحكم بيني وبين عبيد الله بن زياد. وكان نقش خاتمه: آمنت بالله العظيم.
مات يزيد بحوارين من قرى دمشق في رابع عشر ربيع الأول، وقيل: يوم الخميس للنصف منه. سنة أربع وستين، وكانت ولايته بعد موت أبيه في منتصف رجب سنة ستين، وكان مولده في سنة خمس - وقيل: سنة ست. وقيل: سبع - وعشرين. ومع هذا فقد اختلف في سنه ومبلغ أيامه في الإمارة على أقوال كثيرة، وإذا تأملت ما ذكرته لك من هذه التحديدات انزاح عنك الإشكال من هذا الخلاف، فإن منهم من قال: جاوز الأربعين حين مات. فالله أعلم. وقد حمل إلى دمشق وصلى عليه ابنه معاوية بن يزيد أمير
المؤمنين، ودفن بمقابر الباب الصغير، وفي أيامه وسع النهر المسمى بيزيد، في ذيل جبل قاسيون، وكان جدولا صغيرا، فوسعه أضعاف ما كان يجري فيه من الماء.
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: حدثنا أبو الفضل محمد بن محمد بن الفضل بن المظفر العبدي قاضي البحرين من لفظه وكتبه لي بخطه قال: رأيت يزيد بن معاوية في النوم، فقلت له: أنت قتلت الحسين؟ فقال: لا. فقلت: له: هل غفر الله لك؟ قال: نعم، وأدخلني الجنة. قلت: فالحديث الذي يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى معاوية يحمل يزيد فقال: «رجل من أهل الجنة يحمل رجلا من أهل النار» ؟ فقال: ليس بصحيح. قال ابن عساكر: وهو كما قال، فإن يزيد بن معاوية لم يولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما ولد بعد العشرين من الهجرة.
وقال أبو جعفر بن جرير:
** [ذكر أولاد يزيد بن معاوية وعددهم] **
فمنهم معاوية بن يزيد بن معاوية يكنى أبا ليلى، وهو الذي يقول فيه الشاعر:
إني أرى فتنة قد حان أولها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
وخالد بن يزيد، يكنى أبا هاشم، كان يقال: إنه أصاب علم الكيمياء. وأبو سفيان، وأمهم أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وقد تزوجها بعد يزيد مروان بن الحكم وهي التي يقول فيها الشاعر:
انعمي أم خالد ... رب ساع لقاعد
وعبد الله بن يزيد، ويقال له: الأسوار. وكان من أرمى العرب، وأمه أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر وهو الذي يقول فيه الشاعر:
زعم الناس أن خير قريش ... كلهم حين يذكر الأسوار
وعبد الله الأصغر، وأبو بكر، وعتبة، وعبد الرحمن، والربيع، ومحمد، لأمهات أولاد شتى.
** [إمارة معاوية بن يزيد بن معاوية] **
أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو يزيد. ويقال: أبو ليلى القرشي الأموي. وأمه أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، بويع له بعد موت أبيه، وكان ولي عهده من بعده في رابع عشر ربيع الأول سنة أربع وستين، وكان رجلا صالحا ناسكا، ولم تطل مدته. قيل: إنه مكث في الملك أربعين يوما. وقيل: عشرين يوما. وقيل: شهرين. وقيل: شهرا ونصف شهر. وقيل: ثلاثة أشهر وقيل: وعشرين يوما. وقيل أربعة أشهر. فالله أعلم.
وكان في مدة ولايته مريضا، لم يخرج إلى الناس، وكان الضحاك بن قيس هو الذي يصلي بالناس، ويسد الأمور. ومات معاوية بن يزيد هذا عن إحدى وعشرين سنة وقيل: ثلاث وعشرين سنة وثمانية عشر يوما. وقيل: تسع عشرة سنة. وقيل: عشرين سنة. وقيل: ثلاث وعشرين سنة. وقيل: إنما عاش ثماني عشرة سنة. وقيل: خمس عشرة سنة. فالله أعلم. وصلى عليه أخوه خالد، وقيل: عثمان بن عنبسة. وقيل: الوليد بن عتبة. وهذا هو الصحيح، فإنه أوصى إليه
بذلك، وشهد دفنه مروان بن الحكم، وكان الضحاك بن قيس هو الذي يصلي بالناس بعده حتى استقر الأمر لمروان بالشام، ودفن بمقابر باب الصغير بدمشق. ولما حضرته الوفاة قيل له: ألا توصي؟ فقال: لا أتزود مرارتها وأترك حلاوتها لبني أمية. وكان، رحمه الله، أبيض شديد البياض، كثير الشعر، كبير العينين، جعد الشعر، أقنى الأنف، مدور الرأس، جميل الوجه دقيقه، حسن الجسم.
قال أبو زرعة الدمشقي: معاوية وعبد الرحمن وخالد إخوة، وكانوا من صالحي القوم. وقال فيه بعض الشعراء، وهو عبد الله بن همام السلولي:
تلقاها يزيد عن أبيه ... فدونكها معاوي عن يزيدا
أديروها بني حرب عليكم ... ولا ترموا بها الغرض البعيدا
ويروى أن معاوية بن يزيد هذا نادى في الناس: الصلاة جامعة. ذات يوم، فاجتمع الناس، فقال لهم فيما قال: يا أيها الناس، إني قد وليت أمركم وأنا ضعيف عنه، فإن أحببتم تركتها لرجل قوي، كما تركها الصديق لعمر، وإن شئتم تركتها شورى في ستة منكم كما تركها عمر بن الخطاب وليس فيكم من هو صالح لذلك، وقد تركت لكم أمركم، فولوا عليكم من يصلح لكم. ثم نزل
ودخل منزله، فلم يخرج منه حتى مات، رحمه الله تعالى. ويقال: إنه سقي. ويقال: إنه طعن.
وقد حضر مروان دفنه، فلما فرغ منه قال مروان: أتدرون من دفنتم؟ قالوا: نعم معاوية بن يزيد. فقال مروان: هو أبو ليلى الذي قال فيه أزنم الفزاري:
إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
قالوا: كان الأمر كما قال. وذلك أن أبا ليلى توفي عن غير عهد منه إلى أحد فتغلب على الحجاز عبد الله بن الزبير، وعلى دمشق وأعمالها مروان بن الحكم، وبايع أهل خراسان سلم بن زياد حتى يتولى على الناس خليفة، فسار فيهم سلم سيرة حسنة أحبوه عليها، ثم أخرجوه من بين أظهرهم، وخرج القراء والخوارج بالبصرة، وعليهم نافع بن الأزرق، وطردوا عنهم عبيد الله بن زياد - بعد ما كانوا بايعوه عليهم - حتى يصير للناس إمام، فذهب إلى الشام بعد فصول يطول ذكرها، وقد بايعوا بعده عبد الله بن الحارث بن نوفل المعروف بببة، وأمه هند بنت أبي سفيان، وقد جعل على شرطة البصرة هميان بن عدي السدوسي، فبايعه الناس في مستهل جمادى الآخرة، سنة أربع وستين، وقد قال الفرزدق:
وبايعت أقواما وفيت بعهدهم ... وببة قد بايعته غير نادم
فأقام فيهم أربعة أشهر، ثم لزم بيته، فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير، فكتب ابن الزبير إلى أنس بن مالك يأمره أن يصلي بالناس، فصلى بهم شهرين، ثم كان ما سنذكره. وخرج نجدة بن عامر الحنفي باليمامة، وخرج بنو ماحوز في الأهواز وفارس وغير ذلك، على ما سيأتي تفصيله قريبا. إن شاء الله تعالى.
** [إمارة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه] وعند ابن حزم وطائفة أنه أمير المؤمنين آنذاك **
قد قدمنا أنه لما مات يزيد أقلع الجيش عن مكة، وهم الذين كانوا يحاصرون ابن الزبير وهو عائذ بالبيت، مع أميرهم حصين بن نمير السكوني ورجعوا عن مكة إلى الشام واستفحل أمر عبد الله بن الزبير بالحجاز وما والاها، وبايعه الناس بعد يزيد بيعة عامة هناك، واستناب على المدينة أخاه عبيدة بن الزبير، وأمره بإجلاء بني أمية عن المدينة، فأجلاهم فرحلوا إلى الشام، وفيهم مروان وابنه عبد الملك، ثم بعث أهل البصرة إلى ابن الزبير بعد حروب جرت بينهم وفتن كثيرة يطول استقصاؤها، غير أنهم في أقل من ستة أشهر أقاموا عليهم نحوا من أربعة أمراء من بينهم، ثم اضطربت أمورهم، ثم بعثوا إلى ابن الزبير، وهو بمكة يجلبونه إلى أنفسهم، فكتب إلى أنس بن مالك ليصلي بهم.
وبعث ابن الزبير إلى أهل الكوفة عبد الله بن يزيد الأنصاري على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله على الخراج، واستوثق له المصران جميعا، وأرسل إلى أهل مصر فبايعوه. واستناب عليها عبد الرحمن بن جحدم، وأطاعت له الجزيرة. وبعث على البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وبعث إلى اليمن فبايعوه، وإلى خراسان فبايعوه، وإلى الضحاك بن قيس بالشام فبايع، وقيل: إن أهل دمشق وأعمالها من بلاد الأردن لم يبايعوه ; لأنهم بايعوا مروان بن الحكم لما رجع الحصين بن نمير من مكة إلى الشام، وكان قد التف على عبد الله بن الزبير جماعة من الخوارج يدافعون عنه ; منهم نافع بن الأزرق وعبد الله بن إباض، وجماعة من رءوسهم، فلما استقر أمره في الخلافة قالوا فيما بينهم: إنكم قد أخطأتم ; لأنكم قاتلتم مع هذا الرجل، ولم تعلموا رأيه في عثمان بن عفان. وكانوا ينتقصون عثمان، فاجتمعوا إليه فسألوه عن عثمان، فأجابهم فيه بما يسوءهم، وذكر لهم ما كان متصفا به من الإيمان والتصديق، والعدل والإحسان والسيرة الحسنة، والرجوع إلى الحق إذا تبين له، فعند ذلك نفروا عنه، وفارقوه، وقصدوا بلاد العراق وخراسان، فتفرقوا فيها بأبدانهم وأديانهم ومذاهبهم
ومسالكهم المختلفة المنتشرة، التي لا تنضبط ولا تنحصر ; لأنها مفرعة على الجهل وقوة النفوس، والاعتقاد الفاسد، ومع هذا استحوذوا على كثير من البلدان والكور، حتى انتزعت منهم بعد ذلك، على ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله.
** [ذكر بيعة مروان بن الحكم] **
وكان سبب ذلك أن حصين بن نمير لما رجع من أرض الحجاز، وارتحل عبيد الله بن زياد من البصرة إلى الشام، وانتقلت بنو أمية من المدينة إلى الشام، اجتمعوا إلى مروان بن الحكم بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية، وقد كان عزم على أن يبايع لابن الزبير بدمشق، وقد بايع أهلها الضحاك بن قيس على أن يصلح بينهم ويقيم لهم أمرهم حتى تجتمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والضحاك يريد أن يبايع لابن الزبير، وقد بايع لابن الزبير النعمان بن بشير بحمص، وبايع له زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين، وبايع له ناتل بن قيس بفلسطين، وأخرج منها روح بن زنباع الجذامي، فلم يزل عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير بمروان بن الحكم، حتى ثنوه عن رأيه، وحذروه من دخول سلطان ابن الزبير وملكه إلى
الشام وقالوا له: أنت شيخ قريش وسيدها، فأنت أحق بهذا الأمر. والتف عليه هؤلاء كلهم مع قومه بني أمية ومع أهل اليمن، فوافقهم، وجعل يقول: ما فات شيء. وكتب حسان بن مالك بن بحدل الكلبي إلى الضحاك بن قيس يثنيه عن المبايعة لابن الزبير، ويعرفه أيادي بني أمية عنده وإحسانهم إليه، ويذكر فضلهم وشرفهم، وقد بايع حسان بن مالك أهل الأردن لبني أمية، وهو يدعو إلى ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية، وبعث إلى الضحاك بذلك، وأمره أن يقرأ كتابه على أهل دمشق يوم الجمعة على المنبر، وبعث بالكتاب مع رجل يقال له: ناغضة بن كريب الطابخي. وقيل: هو من بني كلب. وقال له: إن لم يقرأه هو على الناس فاقرأه أنت. وأعطاه نسخة به، فسار إلى الضحاك، فأمره بقراءة الكتاب، فلم يقبل، فقام ناغضة فقرأه على الناس، فصدقه جماعة من أمراء الناس، وكذبه آخرون، وثارت فتنة عظيمة بين الناس، فقام خالد بن يزيد بن معاوية - وهو شاب حدث - على درجتين من المنبر، فسكن الناس، ونزل الضحاك فصلى بالناس الجمعة، وأمر الضحاك بن قيس بأولئك الذين صدقوا ناغضة أن يسجنوا، فثارت قبائلهم، فأخرجوهم من السجن، واضطرب أهل دمشق في ابن الزبير وبني أمية، وكان اجتماع الناس ووقوفهم بعد صلاة الجمعة بباب الجيرون، فسمي هذا اليوم يوم جيرون.
قال المدائني: وقد أراد الناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان على أن يتولى
عليهم فأبى، وهلك في تلك الليالي، ثم إن الضحاك بن قيس صعد منبر المسجد الجامع، فخطبهم به، ونال من يزيد بن معاوية، فقام إليه شاب من بني كلب، فضربه بعصا كانت معه والناس جلوس متقلدي سيوفهم، فقام بعضهم إلى بعض، فاقتتلوا في المسجد قتالا شديدا ; فقيس ومن لف لفيفها يدعون إلى ابن الزبير وينصرون الضحاك بن قيس، وبنو كلب يدعون إلى بني أمية وإلى البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية، ويتعصبون ليزيد وأهل بيته، فنهض الضحاك بن قيس، فدخل دار الإمارة وأغلق الباب، ولم يخرج إلى الناس من يوم السبت لصلاة الفجر، ثم أرسل إلى بني أمية، فجمعهم إليه فدخلوا عليه، وفيهم مروان بن الحكم، وعمرو بن سعيد بن العاص، وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية.
قال المدائني: فاعتذر إليهم مما كان منه، واتفق معهم أن يركب معهم إلى حسان بن مالك الكلبي، فيتفقوا على رجل يرتضونه من بني أمية للإمارة، فركبوا جميعا إليه، فبينما هم يسيرون إلى الجابية لقصد حسان، إذ جاء ثور بن معن بن الأخنس في قومه قيس، فقال له: إنك دعوتنا إلى بيعة ابن الزبير فأجبناك، وأنت ذاهب إلى هذا الأعرابي ليستخلف ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية، فقال له الضحاك: فما الرأي؟ قال: الرأي أن نظهر ما كنا نسر، وأن ندعو إلى طاعة ابن الزبير ونقاتل عليها. فمال الضحاك بمن معه، فرجع إلى دمشق فأقام بها بمن معه من الجيش من قيس ومن لف لفيفها، وبعث إلى أمراء الأجناد، وبايع الناس لابن الزبير، وكتب بذلك إلى ابن الزبير يعلمه بذلك،
فذكره ابن الزبير لأهل مكة وشكره على صنيعه، وكتب إليه بنيابة الشام، وقيل: بل بايع الناس لنفسه بالخلافة. فالله أعلم أي ذلك كان.
والذي ذكره المدائني أنه إنما دعا إلى بيعة ابن الزبير أولا، ثم حسن له عبيد الله بن زياد أن يدعو إلى نفسه، وذلك مكر منه به، فدعا الضحاك إلى نفسه ثلاثة أيام، فنقم الناس عليه ذلك، وقالوا: دعوتنا إلى البيعة لرجل فبايعناه، ثم خلعته من غير سبب ولا عذر، ودعوت إلى نفسك! فرجع إلى البيعة لابن الزبير، فسقط بذلك عند الناس، وذلك الذي أراد عبيد الله بن زياد.
وكان اجتماع عبيد الله بن زياد به بعد اجتماعه بمروان وتحسينه له أن يدعو إلى نفسه، ثم فارقه ليخدع له الضحاك، فنزل عنده بدمشق، وجعل يركب إليه في كل يوم، ثم أشار ابن زياد على الضحاك أن يخرج من دمشق إلى الصحراء ويدعو بالجيوش إليه ليكون أمكن له، فركب الضحاك إلى مرج راهط، فنزل بمن معه من الجنود، وعند ذلك اجتمعت بنو أمية ومن تبعها بالأردن، واجتمع إليهم من هنالك من قوم حسان بن مالك من بني كلب.
ولما رأى مروان بن الحكم ما انتظم من البيعة لابن الزبير، وما استوسق له من الملك، عزم على الرحيل إليه ليبايعه وليأخذ منه أمانا لبني أمية، فسار حتى بلغ أذرعات فلقيه عبيد الله بن زياد مقبلا من العراق، فصده عن ذلك، وهجن رأيه، واجتمع إليه عمرو بن سعيد بن العاص، وحصين بن نمير، وابن زياد، وأهل اليمن وخلق، فقالوا لمروان: أنت كبير قريش ورئيسها، وخالد بن يزيد غلام، وعبد الله بن الزبير كهل، وإنما يقرع الحديد بعضه ببعض، فلا تباره بهذا الغلام، وارم بنحرك في نحره، ونحن نبايعك، ابسط يدك. فبسط يده، فبايعوه
بالجابية في يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة، سنة أربع وستين. قاله الواقدي.
فلما تمهد له الأمر سار بمن معه نحو الضحاك بن قيس، فالتقيا بمرج راهط، فغلبه مروان بن الحكم، وقتله وقتل من قيس مقتلة لم يسمع بمثلها، على ما سيأتي تفصيله في أول سنة خمس وستين. فإن الواقدي وغيره قالوا: إنما كانت هذه الوقعة في المحرم من أول سنة خمس وستين.
وفي رواية محمد بن سعد، عن الواقدي وغيره قالوا: إنما كانت في أواخر هذه السنة.
وقال الليث بن سعد، والواقدي، والمدائني، وأبو سليمان بن زبر، وأبو عبيدة وغير واحد: كانت وقعة مرج راهط للنصف من ذي الحجة سنة أربع وستين. والله سبحانه وتعالى أعلم.
** [وقعة مرج راهط ومقتل الضحاك بن قيس الفهري رضي الله عنه] **
قد تقدم أن الضحاك كان نائب دمشق لمعاوية بن أبي سفيان، وكان يصلى عنه إذا اشتغل أو غاب، ويقيم الحدود، ويسد الأمور، فلما مات معاوية قام بأعباء بيعة يزيد ابنه، ثم لما مات يزيد بايع الناس لمعاوية بن يزيد، فلما مات معاوية بن يزيد بايعه أهل دمشق حتى يجتمع الناس على إمام، فلما اتسعت البيعة لابن الزبير عزم على المبايعة له، فخطب الناس يوما وتكلم في يزيد بن معاوية وذمه، فقامت فتنة في المسجد الجامع، حتى اقتتل الناس فيه بالسيوف، فسكن الناس، ثم دخل دار الإمارة من الخضراء، وأغلق عليه الباب، ثم اتفق مع بني أمية على أن يركبوا إلى حسان بن مالك بن بحدل وهو بالأردن، فيجتمعوا عنده على من يراه أهلا للإمارة على الناس، وكان حسان يريد أن يبايع لابن أخته خالد بن يزيد، ويزيد ابن ميسون، وميسون بنت بحدل، فلما ركب الضحاك معهم انخذل بأكثر الجيش، فرجع إلى دمشق، فامتنع بها، وبعث إلى أمراء الأجناد، فبايعهم لابن الزبير، وسار بنو أمية ومعهم مروان بن الحكم، وعمرو بن سعيد، وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية، حتى اجتمعوا بحسان بن مالك بن بحدل بالجابية، وليس لهم قوة طائلة بالنسبة إلى الضحاك بن قيس، فعزم مروان على الرحيل إلى ابن الزبير ليبايعه، ويأخذ أمانا منه لبني أمية، فإنه كان قد أمر
بإجلائهم عن المدينة، فسار حتى وصل إلى أذرعات، فلقيه عبيد الله بن زياد مقبلا من العراق، فاجتمع به، ومعه حصين بن نمير، وعمرو بن سعيد بن العاص، فحسنوا له أن يدعو إلى نفسه ; فإنه أحق بذلك من ابن الزبير الذي قد فارق الجماعة، وخلع ثلاثة من الخلفاء، فلم يزالوا بمروان حتى أجابهم إلى ذلك، وقال له عبيد الله بن زياد: وأنا أذهب لك إلى الضحاك إلى دمشق، فأخدعه لك وأخذل أمره. فسار إليه وجعل يركب إليه كل يوم، ويظهر له الود والنصيحة والمحبة، ثم حسن له أن يدعو إلى نفسه، ويخلع ابن الزبير، فإنك أحق بالأمر منه ; لأنك لم تزل في الطاعة مشهورا بالأمانة، وابن الزبير خارج عن الناس. فدعا الضحاك الناس إلى نفسه ثلاثة أيام، فلم يصعد معه، فرجع إلى الدعوة لابن الزبير، ولكن انحط بها عند الناس، ثم قال له ابن زياد: إن من يطلب ما تطلب لا ينزل المدن والحصون، وإنما ينزل الصحراء، ويدعو بالجنود. فبرز الضحاك إلى مرج راهط فنزله، وأقام عبيد الله بن زياد بدمشق ومروان وبنو أمية بتدمر، وخالد وعبد الله عند خالهم حسان بالجابية، فكتب ابن زياد إلى مروان يأمره أن يظهر دعوته، فدعا إلى نفسه، وتزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية، وهي أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، فعظم أمره
وبايعه الناس، واجتمعوا عليه، وسار إلى مرج راهط نحو الضحاك بن قيس، وركب إليه عبيد الله بن زياد وأخوه عباد بن زياد، حتى اجتمع مع مروان ثلاثة عشر ألفا، وبدمشق من جهته يزيد بن أبي النمس، وقد أخرج عامل الضحاك منها، وهو يمد مروان بالسلاح والرجال وغير ذلك - ويقال: كان نائبه على دمشق يومئذ عبد الرحمن بن أم الحكم - وجعل مروان على ميمنته عبيد الله بن زياد، وعلى ميسرته عمرو بن سعيد بن العاص، وبعث الضحاك إلى النعمان بن بشير، فأمده النعمان بأهل حمص عليهم شرحبيل بن ذي الكلاع، وركب إليه زفر بن الحارث الكلابي في أهل قنسرين، فكان الضحاك في ثلاثين ألفا، على ميمنته زياد بن عمرو العقيلي، وعلى ميسرته زكريا بن شمر الهلالي، فتصافوا، وتقاتلوا بالمرج عشرين يوما، يلتقون في كل يوم فيقتتلون قتالا شديدا، ثم أشار عبيد الله بن زياد على مروان أن يدعوهم إلى الموادعة خديعة ; فإن الحرب خدعة، وأنت وأصحابك على الحق، وهم على الباطل. فنودي في الناس بذلك، ثم غدر أصحاب مروان، فمالوا يقتلونهم قتلا شديدا، وصبر أصحاب الضحاك صبرا بليغا، فقتل الضحاك بن قيس في المعركة، قتله رجل يقال له: زحمة بن عبد الله. من بني كلب، طعنه بحربة، فأنفذه ولم يعرفه. وصبر
مروان وأصحابه صبرا شديدا حتى فر أولئك بين يديه، فنادى: لا يتبع مدبر. ثم جيء برأس الضحاك، ويقال: إن أول من بشره بقتله روح بن زنباع الجذامي. واستقر ملك الشام بيد مروان بن الحكم. وروي أنه بكى على نفسه يوم مرج راهط، فقال: أبعد ما كبرت وضعفت صرت إلى أن أقتل الناس بالسيوف على الملك؟ !
قلت: ولم تطل مدته في الملك إلا تسعة أشهر على ما سنذكره.
وقد كان الضحاك بن قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك، أبو أنيس الفهري، أحد الصحابة على الصحيح، وقد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه أحاديث عدة، وروى عنه جماعة من التابعين، وهو أخو فاطمة بنت قيس وكانت أكبر منه بعشر سنين، وكان أبو عبيدة بن الجراح عمه. حكاه ابن أبي حاتم. وزعم بعضهم أنه لا صحبة له، وقال الواقدي: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه قبل البلوغ. وفي رواية عن الواقدي أنه قال: ولد الضحاك قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين.
وقد شهد فتح دمشق وسكنها وله بها دار عند حجر الذهب، مما يلي نهر بردى، وكان على أهل دمشق يوم صفين مع معاوية. ولما أخذ معاوية الكوفة استنابه بها في سنة أربع وخمسين.
وقد روى البخاري في " التاريخ " أن الضحاك قرأ سورة " ص " في الصلاة بالناس بالكوفة، فسجد فيها فلم يتابعه علقمة وأصحاب ابن مسعود في السجود.
ثم استنابه معاوية عنده على دمشق، فلم يزل عنده حتى مات معاوية، وتولى ابنه يزيد، ثم ابن ابنه معاوية بن يزيد ثم صار أمره إلى ما ذكرنا.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، أنبأنا علي بن زيد، عن الحسن، أن الضحاك بن قيس كتب إلى قيس بن الهيثم حين مات يزيد بن معاوية: سلام عليك، أما بعد، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، فتنا كقطع الدخان، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع أقوام خلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا قليل» ". وإن يزيد بن معاوية قد مات، وأنتم إخواننا وأشقاؤنا فلا تسبقونا حتى نختار لأنفسنا.
وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريق ابن قتيبة، عن العباس بن الفرج الرياشي، عن يعقوب بن إسحاق بن بويه، عن حماد بن زيد قال: دخل الضحاك بن قيس على معاوية فقال معاوية:
تطاولت للضحاك حتى رددته ... إلى حسب في قومه متقاصر
فقال الضحاك: قد علم قومنا أننا أحلاس الخيل. فقال: صدقت، أنتم أحلاسها ونحن فرسانها. يريد: أنتم راضة وساسة، ونحن الفرسان. وأرى أصله من الحلس، وهو كساء يكون تحت البردعة، أي يلزم ظهورها، كما يلزم الحلس ظهر البعير.
وروى أيضا أن مؤذن دمشق قال للضحاك بن قيس: والله أيها الأمير إني لأحبك في الله. فقال له الضحاك: ولكني والله أبغضك في الله. قال: ولم؟ أصلحك الله. قال: لأنك تتراءى في أذانك، وتأخذ أجرا على تعليمك.
قتل الضحاك، رحمه الله، يوم مرج راهط، وذلك للنصف من ذي الحجة، سنة أربع وستين. قاله الليث بن سعد، وأبو عبيد، والواقدي، وابن زبر، والمدائني.
** [قتل النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري] **
وفيها قتل النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري
وأمه عمرة بنت
رواحة، وكان أول مولود ولد بالمدينة بعد الهجرة للأنصار، في جمادى الأولى سنة ثنتين من الهجرة، «فأتت به أمه تحمله إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه وبشرها بأنه يعيش حميدا، ويقتل شهيدا، ويدخل الجنة» ، فعاش في خير وسعة، وولي نيابة الكوفة لمعاوية تسعة أشهر، ثم سكن الشام، وولي قضاءها بعد فضالة بن عبيد، وفضالة بعد أبي الدرداء. وناب بحمص لمعاوية، وهو الذي رد آل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بأمر يزيد له في ذلك، وهو الذي أشار على يزيد بالإحسان إليهم وقال: عاملهم بما كان يعاملهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رآهم على هذه الحالة. فرق لهم يزيد، وأحسن إليهم وأكرمهم، وأمر بإكرامهم، ثم لما كانت وقعة مرج راهط وقتل الضحاك بن قيس، وكان النعمان قد أمده بأهل حمص عدا عليه أهل حمص فقتلوه بقرية يقال لها: ييرين. قتله رجل يقال له: خالد بن خلي الكلاعي. وقيل: خلي بن داود. وهو جد خالد بن خلي، وقد رثته ابنته حميدة بنت النعمان فقالت:
ليت ابن مرنة وابنه ... كانوا لقتلك واقية
وبني أمية كلهم ... لم تبق منهم باقية
جاء البريد بقتله ... يا للكلاب العاوية
يستفتحون برأسه ... دارت عليهم ثانية
فلأبكين مسرة ... ولأبكين علانية
ولأبكينك ما حييت ... مع السباع العادية
وقيل: إن أعشى همدان قدم على النعمان بن بشير وهو على حمص وهو مريض، فقال له النعمان: ما أقدمك؟ قال: لتصلني وتحفظ قرابتي وتقضي ديني. فقال: والله ما عندي، ولكني سائلهم لك شيئا. ثم قام فصعد المنبر، ثم قال: يا أهل حمص، إن هذا ابن عمكم من العراق، وهو يسترفدكم شيئا فما ترون؟ فقالوا: احتكم في أموالنا. فأبى عليهم، فقالوا: قد حكمنا من أموالنا، كل رجل دينارين - وكانوا في الديوان عشرين ألف رجل - فعجلها له النعمان من بيت المال أربعين ألف دينار، فلما خرجت أعطياتهم أسقط من عطاء كل رجل منهم دينارين.
ومن كلام النعمان، رضي الله عنه، قوله: إن الهلكة كل الهلكة أن تعمل بالسيئات في زمان البلاء.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو اليمان، ثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي رواحة يزيد بن أيهم، عن الهيثم بن مالك الطائي، سمعت النعمان بن بشير على المنبر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" «إن للشيطان مصالي وفخوخا، وإن من مصاليه وفخوخه البطر بنعم الله، والفخر بعطاء الله، والكبر على عباد الله، واتباع الهوى في غير ذات الله» ".
ومن أحاديثه الصحاح الحسان ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله تعالى محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» ". رواه البخاري ومسلم.
وقال أبو مسهر: كان النعمان بن بشير على حمص عاملا لابن الزبير، فلما تمرون أهل حمص خرج النعمان هاربا، فاتبعه خالد بن خلي الكلاعي فقتله.
قال أبو عبيدة وغير واحد: في هذه السنة.
وقد روى محمد بن سعد بأسانيده أن معاوية تزوج امرأة جميلة جدا، فبعث إحدى امرأتيه ميسون أو فاختة ; لتنظر إليها. فلما رأتها أعجبتها جدا، ثم
رجعت إليه فقال: كيف رأيتيها؟ قالت: بديعة الجمال، غير أني رأيت تحت سرتها خالا أسود، وإني أحسب أن زوجها يقتل ويلقى رأسه في حجرها. فطلقها معاوية، وتزوجها النعمان بن بشير فلما قتل ألقي في حجر امرأته هذه.
وقال أبو سليمان بن زبر: قتل بسلمية سنة ست وستين. وقال غيره: سنة خمس وستين. وقيل: سنة ستين. والصحيح ما ذكرناه.
وفيها توفي المسور بن مخرمة بن نوفل، صحابي صغير، أصابه حجر المنجنيق بمكة، وهو قائم يصلى في الحجر.
** [من أحداث سنة أربع وستين هجرية] **
وفي هذه السنة - أعنى سنة أربع وستين - جرت حروب كثيرة وفتن منتشرة ببلاد المشرق
واستحوذ على بلاد خراسان رجل يقال له عبد الله بن خازم. وقهر عمالها وأخرجهم منها، وذلك بعد موت يزيد وابنه معاوية، قبل أن يستقر ملك ابن الزبير على تلك النواحي، وجرت بين عبد الله بن خازم هذا وبين عمرو بن مرثد حروب يطول ذكرها وتفصيلها، اكتفينا بذكرها إجمالا ; إذ لا يتعلق بتفصيلها كبير فائدة، وهي حروب فتنة وقتال بغاة بعضهم في بعض، وبالله المستعان.
وقال الواقدي: وفي هذه السنة - بعد موت معاوية بن يزيد - بايع أهل خراسان سلم بن زياد بن أبيه، وأحبوه حتى إنهم سموا باسمه في تلك السنة أكثر من ألف غلام مولود، ثم نكثوا واختلفوا، فخرج عنهم سلم، وترك عليهم المهلب بن أبي صفرة.
وفيها اجتمع ملأ الشيعة على سليمان بن صرد بالكوفة، وتواعدوا النخيلة ; ليأخذوا بثأر الحسين بن علي، رضي الله عنه، وما زالوا في ذلك مجدين، وعليه عازمين، من بعد مقتل الحسين بكربلاء في العاشر من المحرم سنة إحدى وستين، وقد ندموا على ما كان منهم من بعثهم إليه، فلما حصل ببلادهم خذلوه وتخلوا عنه ولم ينصروه.
فجادت بوصل حين لا ينفع الوصل
فاجتمعوا في دار سليمان بن صرد وهو صحابي جليل، وكان رءوس القائمين في ذلك خمسة ; سليمان بن صرد الصحابي، والمسيب بن نجبة الفزاري أحد كبار أصحاب علي، وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وعبد الله بن وال التيمي، ورفاعة بن شداد البجلي، وكلهم من أصحاب علي، رضي الله عنه، فاجتمعوا كلهم بعد خطب ومواعظ على تأمير سليمان بن صرد عليهم، فتعاهدوا وتعاقدوا، وتواعدوا النخيلة ; أن يجتمع من يستجيب لهم إلى ذلك الموضع بها في سنة خمس وستين، ثم جمعوا من أموالهم وأسلحتهم شيئا كثيرا وأعدوه لذلك.
وكتب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان، وهو بالمدائن يدعوه إلى ذلك، فاستجاب له، ودعا إليه سعد من أطاعه من أهل المدائن فبادروا إليه بالاستجابة والقبول، وتمالئوا عليه وتواعدوا النخيلة في التاريخ المذكور. وكتب سعد إلى سليمان بذلك، ففرح أهل الكوفة من موافقة أهل المدائن لهم على ذلك، وتنشطوا لأمرهم الذي تمالئوا عليه، فلما مات يزيد بن معاوية وابنه معاوية بعده بقليل، طمعوا في الأمر، واعتقدوا أن أهل الشام قد ضعفوا، ولم يبق من يقيم لهم أمرا، فغدوا إلى سليمان، واستشاروه في الظهور وأن يخرجوا إلى النخيلة قبل الأجل، فمنعهم من ذلك حتى يأتي الأجل الذي واعدوا إخوانهم فيه. ثم هم في الباطن يعدون السلاح والقوة، ولا يشعر بهم جمهور الناس، وحينئذ عمد جمهور أهل الكوفة إلى عمرو بن حريث نائب عبيد الله بن زياد على الكوفة، فأخرجوه من القصر، واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الملقب دحروجة، فبايع لعبد الله بن الزبير، فهو يسد الأمور حتى تأتي نواب ابن الزبير، فلما كان يوم الجمعة لثمان بقين من رمضان من هذه السنة - أعني سنة أربع وستين - قدم أميران إلى الكوفة من جهة ابن الزبير ; أحدهما عبد الله بن يزيد الخطمي على الحرب والثغر، والآخر إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي على الخراج، وقد كان قدم قبلهما إلى
الكوفة بجمعة واحدة للنصف من هذا الشهر المختار بن أبي عبيد - وهو المختار الثقفي الكذاب - فوجد الشيعة قد التفت على سليمان بن صرد، وعظموه تعظيما زائدا، وهم معدون للحرب، فلما استقر المختار عندهم، دعا في الباطن إلى إمامة محمد ابن الحنفية، ولقبه المهدي، فاتبعه كثير من الشيعة، وفارقوا سليمان بن صرد وصارت الشيعة فرقتين ; الجمهور منهم مع سليمان يريدون الخروج على الناس للأخذ بثأر الحسين، وفرقة أصحاب المختار يريدون الخروج للدعوة إلى إمامة محمد ابن الحنفية وذلك عن غير أمر ابن الحنفية ورضاه، وإنما يتقولون عليه ليروجوا على الناس به، وليتوصلوا إلى أغراضهم الفاسدة، وجاءت العين الصافية إلى عبد الله بن يزيد الخطمي نائب ابن الزبير بما تمالأ عليه فرقتا الشيعة على اختلافهما ; من الخروج على الناس والدعوة إلى ما يريدون، وأشار من أشار عليه بأن يبادر إليهم، ويحتاط عليهم، ويبعث الشرط والمقاتلة فيقمعهم عما هم مجمعون عليه من إرادة الشر والفتنة، فقام خطيبا في الناس، وذكر في خطبته ما بلغه عن هؤلاء القوم، وما أجمعوا عليه من الأمر، وأن منهم من يريد الأخذ بثأر الحسين، ولقد علموا أني لست ممن قتله، وإني والله لممن أصيب بقتله، رحمه الله ولعن قاتله، وإني لا أتعرض لأحد قبل أن يبدأني بالشر، وإن كان هؤلاء يريدون الأخذ بثأر الحسين، فليعمدوا إلى عبيد الله بن زياد،. فإنه هو الذي قتل الحسين وخيار أهله ; فليأخذوا منه بالثأر ; ولا يخرجوا بسيوفهم على أهل بلدهم، فيكون فيه حتفهم واستئصالهم. فقام إبراهيم بن محمد بن طلحة الأمير الآخر فقال: أيها الناس، لا يغرنكم من أنفسكم كلام هذا المداهن، إنا والله قد استيقنا أن قوما يريدون الخروج علينا،
ولنأخذن الوالد بالولد والولد بالوالد، والحميم بالحميم، والعريف بما في عرافته، حتى يدينوا بالحق ويذلوا للطاعة. فوثب إليه المسيب بن نجبة الفزاري فقطع عليه كلامه، فقال: يابن الناكثين أتهددنا بسيفك وغشمك؟ ! أنت والله أذل من ذلك، إنا لا نلومك على بغضنا وقد قتلنا أباك وجدك، وإنا لنرجو أن نلحقك بهما قبل أن تخرج من هذا القصر. وساعد المسيب بن نجبة بعض أصحابه، ورد عن إبراهيم بن محمد بن طلحة جماعة من العمال، وجرت فتنة وشر كثير في المسجد، فنزل عبد الله بن يزيد الخطمي عن المنبر، وحاولوا أن يوقعوا بين الأميرين، فلم يتفق لهم ذلك، ثم ظهرت الشيعة أصحاب سليمان بن صرد بالسلاح، وأظهروا ما كان في أنفسهم من الخروج على الناس، وركبوا مع سليمان بن صرد فقصدوا نحو الجزيرة، فكان من أمرهم ما سنذكره.
وأما المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب فإنه قد كان بغيضا إلى الشيعة من يوم طعن الحسن، وهو ذاهب إلى الشام بأهل العراق، فلجأ إلى المدائن، فأشار المختار على عمه، وهو نائب المدائن بأن يقبض على الحسن ويبعثه إلى معاوية، فيتخذ بذلك عنده اليد البيضاء، فامتنع عمه من ذلك، فأبغضته الشيعة بسبب ذلك، فلما كان من أمر مسلم بن عقيل ما كان، وقتله ابن زياد، كان المختار يومئذ بالكوفة، فبلغ ابن زياد أنه يقول: لأقومن بنصرة مسلم، ولآخذن بثأره.
فأحضره بين يديه، وضرب عينه بقضيب كان بيده فشترها، وأمر بسجنه، فلما بلغ أخته سجنه بكت وجزعت عليه، وكانت تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب، فكتب ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يشفع عنده في إخراج المختار من السجن، فبعث يزيد إلى ابن زياد أن ساعة وقوفك على هذا الكتاب تخرج المختار بن أبي عبيد من السجن، فلم يمكن ابن زياد غير ذلك، فأخرجه وقال له: إن وجدتك بالكوفة بعد ثلاثة أيام ضربت عنقك. فخرج المختار إلى الحجاز وهو يقول: والله لأقطعن أنامل عبيد الله بن زياد ولأقتلن بالحسين بن علي عدد من قتل على دم يحيى بن زكريا. فلما استفحل أمر عبد الله بن الزبير بمكة بايعه المختار بن أبي عبيد، وكان من كبار الأمراء عنده، ولما حاصره الحصين بن نمير وأهل الشام قاتل المختار دونه أشد القتال، فلما بلغه موت يزيد بن معاوية واضطراب أهل العراق، نقم على ابن الزبير في بعض الأمر، وخرج من الحجاز، فقصد الكوفة فدخلها في يوم جمعة، والناس يتهيئون للصلاة، فجعل لا يمر بملأ من الناس إلا سلم، وقال: أبشروا بالنصر والظفر بالأعداء. ودخل المسجد فصلى إلى سارية هنالك، حتى أقيمت الصلاة، ثم صلى من بعد الصلاة حتى صليت العصر، ثم انصرف فسلم عليه الناس، وأقبلوا إليه وعليه وعظموه، وجعل يدعو إلى إمامه المهدي محمد ابن الحنفية، ويظهر الانتصار لأهل البيت، وأنه بصدد أن يقيم شعارهم، ويظهر منارهم، ويستوفي ثأرهم، ويقول للناس الذين قد اجتمعوا على سليمان بن صرد من الشيعة، وقد خشي أن يبادروا إلى الخروج مع سليمان، فجعل يخذلهم ويستميلهم إليه، ويقول لهم: إني
قد جئتكم من قبل ولي الأمر، ومعدن الفضل، ووصي الوصي، والإمام المهدي، بأمر فيه الشفاء، وكشف الغطاء، وقتل الأعداء، وتمام النعماء، وأن سليمان بن صرد يرحمنا الله وإياه، إنما هو عشمة من العشم، وشن بال، ليس بذي تجربة للأمور، ولا له علم بالحروب، إنما يريد أن يخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم، وإني إنما أعمل على مثل قد مثل لي، وأمر قد بين لي، فيه عز وليكم، وقتل عدوكم، وشفاء صدوركم، فاسمعوا مني وأطيعوا أمري، ثم أبشروا وتباشروا، فإني لكم بكل ما تأملون وتحبون كفيل. فالتف عليه خلق كثير من الشيعة، ولكن الجمهور منهم مع سليمان بن صرد، فلما خرجوا مع سليمان إلى النخيلة قال عمر بن سعد بن أبي وقاص وشبث بن ربعي وغيرهما لعبد الله بن يزيد نائب الكوفة: إن المختار بن أبي عبيد أشد عليكم من سليمان بن صرد. فبعث إليه الشرط فأحاطوا بداره، فأخذه فذهب به إلى السجن مقيدا. وقيل: بغير قيد. فأقام به مدة ومرض فيه.
قال أبو مخنف: فحدثني يحيى بن أبي عيسى أنه قال: دخلت إليه مع حميد بن مسلم الأزدي نعوده ونتعاهده، فسمعته يقول: أما ورب البحار، والنخيل والأشجار، والمهامه والقفار، والملائكة الأبرار، والمصطفين الأخيار،
لأقتلن كل جبار، بكل لدن خطار، ومهند بتار، وجموع من الأنصار، ليسوا بميل أغمار، ولا بعزل أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدين، وجبرت صدع المسلمين، وشفيت غليل صدور المؤمنين، وأدركت ثأر أولاد النبيين، لم أبك على زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا دنا. قال: وكان كلما أتيناه وهو في السجن يردد علينا هذا القول حتى خرج.
** [ذكر هدم الكعبة وبنائها في أيام ابن الزبير] **
قال أبو جعفر بن جرير: وفي هذه السنة هدم ابن الزبير الكعبة ; وذلك لأنه مال جدارها مما رميت به من حجارة المنجنيق، فهدم الجدران حتى وصل إلى أساس إبراهيم، وكان الناس يطوفون ويصلون من وراء ذلك، وجعل الحجر الأسود في تابوت في سرقة من حرير، وادخر ما كان في الكعبة من حلي وثياب وطيب عند الخزان، حتى أعاد ابن الزبير بناءها على ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يبنيها عليه من الشكل.
وقال الواقدي: لما أراد ابن الزبير هدم البيت شاور الناس في هدمها، فأشار عليه جابر بن عبد الله وعبيد بن عمير بذلك، وقال ابن عباس: أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم حتى يتهاون الناس بحرمتها، ولكن أرى أن تصلح ما وهى منها، وتدع بيتا أسلم الناس عليه، وأحجارا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها. فقال ابن الزبير: لو احترق بيت أحدكم ما رضي حتى يجدده، فكيف ببيت ربكم؟ ! ثم إن ابن الزبير استخار الله ثلاثة أيام، ثم غدا في اليوم الرابع، فبدأ ينقض الركن إلى الأساس، فلما وصلوا إلى الأساس
وجدوا أصلا بالحجر مشبكا كأصابع اليدين، فدعا ابن الزبير خمسين رجلا وأشهدهم على ذلك، ثم بنى البيت وأدخل الحجر فيه، وجعل للكعبة بابين موضوعين بالأرض ; باب يدخل منه وباب يخرج منه، ووضع الحجر الأسود بيده، وشده بفضة ; لأنه كان قد تصدع، وجعل طول الكعبة سبعة وعشرين ذراعا، وكان طولها سبعة عشر ذراعا فاستقصره، وزاد في وسع الكعبة عشرة أذرع، ولطخ جدرانها بالمسك، وسترها بالديباج، ثم اعتمر من مساجد عائشة، وطاف بالبيت، وصلى وسعى، وأزال ما كان حول البيت وفي المسجد من الحجارة والزبالة، وما كان حولها من الدماء، وكانت الكعبة قد وهت من أعلاها إلى أسفلها من حجارة المنجنيق، واسود الركن، وانصدع الحجر الأسود من النار التي كانت حول الكعبة.
وكان سبب تجديد ابن الزبير لها ما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من المسانيد والسنن، من طرق، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة ولأدخلت فيها الحجر، فإن قومك
قصرت بهم النفقة، ولجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا، يدخل الناس من أحدهما ويخرجون من الآخر، ولألصقت بابها بالأرض، فإن قومك رفعوا بابها ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا» ". فبناها ابن الزبير على ذلك كما أخبرته به خالته عائشة أم المؤمنين، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجزاه الله خيرا. ثم لما غلبه الحجاج بن يوسف في سنة ثلاث وسبعين، كما سيأتي، وقتله وصلبه هدم الحائط الشمالي وأخرج الحجر كما كان أولا، وأدخل الحجارة التي هدمها إلى جوف الكعبة فرضها فيها، فارتفع الباب، وسد الغربي، وتلك آثاره إلى الآن، وذلك بأمر عبد الملك بن مروان له في ذلك، ولم يكن بلغه الحديث، فلما بلغه الحديث بعد ذلك قال: وددنا أنا تركناه وما تولى من ذلك.
وقد هم المهدي بن المنصور العباسي أن يعيدها على ما بناها ابن الزبير، واستشار الإمام مالك بن أنس في ذلك، فقال: إني أكره أن يتخذها الملوك ملعبة. يعني يتلاعبون في بنائها بحسب آرائهم، فهذا يرى رأي ابن الزبير، وهذا يرى رأي عبد الملك بن مروان. والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير وكان
عامله على المدينة أخوه عبيدة، وعلى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي، وعلى قضائها سعيد بن نمران، وامتنع شريح أن يحكم في زمان الفتنة، وعلى البصرة عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم. وكان في أواخر هذه السنة وقعة مرج راهط، كما قدمنا، وقد استقر ملك الشام لمروان بن الحكم بن أبي العاص، وذلك بعد ظفره بالضحاك بن قيس وقتله له في الوقعة، كما ذكرنا. وقيل: إن فيها دخل مروان مصر وأخذها من نائبها الذي من جهة ابن الزبير، وهو عبد الرحمن بن جحدم. واستقرت يد مروان على الشام ومصر وأعمالها.