Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة خمس وستين]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 128 of 840
** [المطالبة بثأر الحسين ممن قتله] **
ففيها اجتمع إلى سليمان بن صرد نحو من سبعة عشر ألفا، كلهم يطلبون الأخذ بثأر الحسين ممن قتله.
وقد خطبهم سليمان بن صرد حين خرجوا من الكوفة في ربيع الأول من هذه السنة بالنخيلة، فحرضهم على الجهاد في ذلك، فقال: من كان خرج منكم لطلب الدنيا ذهبها وحريرها فليس معنا من ذلك شيء، وإنما معنا سيوف على عواتقنا، ورماح في أكفنا، وزاد يكفينا حتى نلقى عدونا. فأجابوه إلى السمع والطاعة والحالة هذه، ثم أشار عليهم سليمان بن صرد بقصد عبيد الله بن زياد، فأشار بعضهم بمقاتلة من بالكوفة من رءوس القبائل من قتلة الحسين كعمر بن سعد بن أبي وقاص وأضرابه، فامتنع سليمان بن صرد إلا أن يذهبوا إلى عبيد الله بن زياد ; فإنه هو الذي جهز إليه الجيوش، وألب الناس عليه، وامتنع من قبول ما طلبه منه، وقال: ليس له إلا السيف، وها هو قد أقبل من الشام قاصدا
العراق. فصمم الناس معه على هذا الرأي.
فلما أزمعوا على ذلك بعث عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد أمراء الكوفة من جهة ابن الزبير إلى سليمان بن صرد يقولان له: إنا نحب أن تكون أيدينا واحدة على ابن زياد. وأنهم يريدون أن يبعثوا معهم جيشا ليقويهم على ما قصدوا له، وبعثوا إليه البريد أن ينتظرهم حتى يقدموا عليه، فتهيأ سليمان بن صرد لقدومهم عليه في رءوس الأمراء، وجلس في أبهته، والجيوش محدقة به، وأقبل عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة في أشراف أهل الكوفة من غير قتلة الحسين ; لئلا يطمعوا فيهم، وكان عمر بن سعد بن أبي وقاص في هذه الأيام كلها لا يبيت إلا في قصر الإمارة عند عبد الله بن يزيد خوفا على نفسه، فلما اجتمع الأميران عند سليمان بن صرد قالا له وأشارا عليه أن لا يذهبوا حتى تكون أيديهم كلهم واحدة على قتال عدوهم ابن زياد، ويجهزوا معهم جيشا آخر ; فإن أهل الشام جمع كثير وجم غفير، وهم يحاجفون عن ابن زياد، فامتنع سليمان بن صرد من قبول قولهما وقال: إنا قد
خرجنا لأمر لا نرجع عنه، ولا نتأخر فيه. فانصرف الأميران راجعين إلى الكوفة، وانتظر سليمان بن صرد وأصحابه أصحابهم الذين كانوا قد واعدوهم من أهل البصرة وأهل المدائن أن يقدموا عليهم النخيلة في هذه السنة، فلم يقدموا عليهم ولا واحد منهم، فقام سليمان بن صرد في أصحابه خطيبا، وحرضهم على الذهاب لما خرجوا له، وقال: لو قد سمع إخوانكم بمسيركم للحقوكم سراعا. فخرج سليمان وأصحابه من النخيلة يوم الجمعة لخمس مضين من ربيع الأول، سنة خمس وستين، فسار بهم مراحل، ما يتقدمون مرحلة إلى نحو الشام إلا تخلف عنه طائفة من الناس الذين معه، فلما مروا بقبر الحسين صاحوا صيحة رجل واحد وتباكوا، وباتوا عنده ليلة، وظلوا يوما يدعون ويترحمون عليه، ويستغفرون له ويترضون عنه، ويتمنون أن لو كانوا ماتوا معه شهداء.
قلت: لو كان هذا العزم والاجتماع قبل وصول الحسين إلى تلك المنزلة لكان أنفع له وأنصر من اجتماعهم لنصرته بعد أربع سنين.
ولما أرادوا الانصراف جعل لا يسير أحد منهم حتى يأتي القبر فيترحم عليه، ويستغفر له، حتى جعلوا يزدحمون عليه أشد من ازدحامهم عند الحجر الأسود، ثم ساروا قاصدين الشام، فلما اجتازوا بقرقيسيا تحصن منهم زفر بن الحارث، فبعث إليه سليمان بن صرد: إنا لم نأت لقتالكم فأخرج إلينا سوقا، فإنا إنما نقيم عندكم يوما أو بعض يوم. فأمر زفر بن الحارث أن يخرج السوق إليهم،
وأمر للرسول إليه - وهو المسيب بن نجبة الفزاري - بفرس وألف درهم. فقال: أما المال فلا، وأما الفرس فنعم. وبعث زفر بن الحارث إلى سليمان بن صرد ورءوس الأمراء الذين معه، إلى كل واحد عشرين جزورا وطعاما وعلفا كثيرا، ثم خرج زفر بن الحارث فشيعهم، وساير سليمان بن صرد وقال له: إنه قد بلغني أن أهل الشام قد وجهوا إليكم جيشا كثيفا وعددا كثيرا مع حصين بن نمير، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وأدهم بن محرز الباهلي، وربيعة بن المخارق الغنوي، وجبلة بن عبد الله الخثعمي. فقال سليمان بن صرد: على الله توكلنا، وعليه فليتوكل المتوكلون. ثم عرض عليهم زفر بن الحارث أن يدخلوا مدينته أو يكونوا عند بابها، فإن جاءهم أحد كان معهم عليه، فأبوا أن يقبلوا شيئا من ذلك، وقالوا: قد عرض علينا أهل بلدنا مثل ذلك فامتنعنا. قال: فإذا أبيتم ذلك فبادروهم إلى عين الوردة، فيكون الماء والمدينة والأسواق خلف ظهوركم، وما بيننا وبينكم فأنتم آمنون منه. ثم أشار عليهم بما يعتمدونه في حال القتال، فأثنى عليه سليمان بن صرد والناس خيرا، ثم رجع عنهم، وسار سليمان بن صرد فبادر إلى عين الوردة، فنزل غربيها، وأقام هناك خمسا قبل وصول أعدائه إليه.
** [وقعة عين وردة] **
واستراح سليمان وأصحابه واطمأنوا، فلما اقترب قدوم أهل الشام إليهم خطب سليمان أصحابه، فرغبهم في الآخرة، وزهدهم في الدنيا، وحثهم على الجهاد، وقال: إن قتلت فالأمير عليكم المسيب بن نجبة، فإن قتل فعبد الله بن سعد بن نفيل، فإن قتل فعبد الله بن وال، فإن قتل فرفاعة بن شداد. ثم بعث بين يديه المسيب بن نجبة في أربعمائة فارس، فأغاروا على جيش شرحبيل بن ذي الكلاع وهم غارون، فقتلوا منهم جماعة وجرحوا آخرين، واستاقوا نعما، وأتى الخبر إلى عبيد الله بن زياد، فأرسل بين يديه الحصين بن نمير فصبح سليمان بن صرد وجيشه فتواقفوا في يوم الأربعاء لثمان بقين من جمادى الأولى، وحصين بن نمير قائم في اثني عشر ألفا، وقد تهيأ كل من الفريقين لصاحبه، فدعا الشاميون أصحاب سليمان إلى الدخول في طاعة مروان بن الحكم، ودعا أصحاب سليمان الشاميين إلى أن يسلموا إليهم عبيد الله بن زياد فيقتلوه عن الحسين، وامتنع كل من الفريقين أن يجيب إلى ما دعا إليه الآخر، فاقتتلوا قتالا شديدا عامة يومهم إلى الليل، وكانت الدائرة فيه للعراقيين على الشاميين، فلما أصبحوا أصبح ابن ذي الكلاع، وقد وصل إلى الشاميين في ثمانية آلاف فارس، وقد أنبه وشتمه عبيد الله بن زياد، فاقتتل الناس في هذا اليوم
قتالا لم ير الشيب والمرد مثله قط، لا يحجز بينهم إلا أوقات الصلوات إلى الليل، فلما أصبح الناس من اليوم الثالث وصل إلى الشاميين أدهم بن محرز في عشرة آلاف، وذلك في يوم الجمعة، فاقتتلوا قتالا شديدا إلى حين ارتفاع الضحى، ثم استدار أهل الشام بأهل العراق وأحاطوا بهم من كل جانب، فخطب سليمان بن صرد الناس، وحرضهم على الجهاد، فاقتتل الناس قتالا عظيما جدا، ثم ترجل سليمان بن صرد وكسر جفن سيفه، ونادى: يا عباد الله، من أراد الرواح إلى الجنة، والتوبة من ذنبه، والوفاء بعهده فليأت إلي. فترجل معه ناس كثيرون وكسروا جفون سيوفهم، وحملوا حتى صاروا في وسط القوم، وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة حتى خاضوا في الدماء، وقتل سليمان بن صرد، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع، ثم وثب، ثم وقع، ثم وثب، ثم وقع، فأخذ الراية المسيب بن نجبة، فقاتل بها قتالا شديدا، وهو يقول:
قد علمت ميالة الذوائب ... واضحة اللبات والترائب
أني غداة الروع والتغالب ... أشجع من ذي لبدة مواثب
قطاع أقران مخوف الجانب
ثم قتل، رحمه الله، فقضى في ذلك الموقف نحبه، ولحق صحبه، فأخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل، فقاتل قتالا شديدا أيضا وهو يقول:
رحم الله أخوي، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا. وحمل حينئذ ربيعة بن المخارق على أهل العراق حملة منكرة، وتبارز هو وعبد الله بن سعد بن نفيل، ثم اتحدا فحمل ابن أخي ربيعة على عبد الله بن سعد فقتله، ثم احتمل عمه، فأخذ الراية عبد الله بن وال، فحرض الناس على الجهاد، وجعل يقول: الرواح إلى الجنة. وذلك بعد العصر، وحمل بالناس ففرق من كان حوله، ثم قتل، وكان من الفقهاء المفتين، قتله أدهم بن محرز الباهلي أمير الحرب ساعتئذ من جهة الشاميين، فأخذ الراية رفاعة بن شداد، فانحاز بالناس، وقد دخل الظلام، ورجع الشاميون إلى رحالهم، وانشمر رفاعة بمن بقي معه راجعا إلى بلاده، فلما أصبح الشاميون إذا العراقيون قد كروا راجعين إلى بلادهم، فلم يبعثوا وراءهم طلبا ولا أحدا، فقطع رفاعة بمن معه الخابور ومر على قرقيسيا، فبعث إليهم زفر بن الحارث الطعام والعلف والأطباء فأقاموا ثلاثا حتى استراحوا ثم رحلوا، فلما وصلوا إلى هيت إذا سعد بن حذيفة بن اليمان قد أقبل بمن معه من أهل المدائن قاصدين إلى نصرتهم، فلما أخبروه بما كان من أمرهم، وما حل بهم، ونعوا إليه أصحابهم ترحموا عليهم واستغفروا لهم وتباكوا على إخوانهم، وانصرف أهل المدائن إليها، ورجع راجعة أهل الكوفة إليها، وقد قتل منهم خلق كثير وجم غفير، وإذا المختار بن أبي عبيد كما هو في السجن لم يخرج منه بعد، فكتب إلى رفاعة بن شداد يعزيه فيمن قتل
منهم ويترحم عليهم، ويغبطهم بما نالوا من الشهادة وجزيل الثواب، ويقول: مرحبا بالذين أعظم الله أجورهم، ورضي عنهم، والله ما خطا منهم أحد خطوة إلا كان ثواب الله له فيها أعظم من الدنيا وما فيها، وإن سليمان قد قضى ما عليه، وتوفاه الله وجعل روحه في أرواح النبيين والشهداء والصالحين، وبعد فأنا الأمير المأمون، قاتل الجبارين والمفسدين إن شاء الله، فأعدوا واستعدوا وأبشروا، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والطلب بدماء أهل البيت. وذكر كلاما كثيرا في هذا المعنى، وقد كان قبل قدومهم أخبر الناس بهلاكهم عن رئيه الذي كان يأتي إليه من الشياطين، فإنه قد كان يأتيه شيطان فيوحي إليه قريبا مما كان يوحي شيطان مسيلمة إليه. وكان جيش سليمان بن صرد وأصحابه يسمى بجيش التوابين.
وقد كان سليمان بن صرد الخزاعي أبو مطرف الكوفي صحابيا جليلا نبيلا عابدا زاهدا، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في " الصحيحين " وغيرهما، وشهد مع علي صفين، وكان أحد من كان يجتمع الشيعة في داره لبيعة الحسين، وكتب إلى الحسين فيمن كتب بالقدوم إلى العراق، فلما قدمها تخلوا عنه، وقتل بكربلاء، ورأى هؤلاء أنهم كانوا سببا في قدومه، وأنهم خذلوه حتى قتل هو وأهل بيته، فندموا على ما فعلوا، ثم اجتمعوا في هذا الجيش،
وسموا جيشهم جيش التوابين، وسموا سليمان بن صرد أمير التوابين، فقتل سليمان، رضي الله عنه، في هذه الوقعة بعين وردة، سنة خمس وستين. وقيل: سنة سبع وستين. والأول أصح. وكان عمره يوم قتل ثلاثا وتسعين سنة، رحمه الله.
وأما المسيب بن نجبة بن ربيعة الفزاري، فإنه قدم مع خالد بن الوليد من العراق وشهد فتح دمشق، ثم عاد إلى العراق وشهد مع علي صفين وغيرها، وكان أحد الكبار الذين خرجوا يطلبون بدم الحسين، رضي الله عنه، وحمل رأسه ورأس سليمان بن صرد إلى مروان بن الحكم بعد الوقعة، وكتب أمراء الشاميين إلى عبد الملك بن مروان بما فتح الله عليهم، وأظفرهم من عدوهم، فخطب الناس، وأعلمهم بما كان من أمر الجنود ومن قتل من أهل العراق، وقد قال: أهلك الله رءوس الضلال ; سليمان بن صرد وأصحابه. وعلق الرءوس بدمشق. وكان مروان بن الحكم قد عهد بالأمر من بعده إلى ولديه ; عبد الملك، ثم عبد العزيز، وأخذ بيعة الأمراء على ذلك في هذه السنة. قاله ابن جرير وغيره.
وفيها دخل مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد الأشدق إلى الديار المصرية،
فأخذاها من يد نائبها الذي كان لعبد الله بن الزبير، وهو عبد الرحمن بن جحدم، وكان سبب ذلك أن مروان قصدها، فخرج إليه نائبها ابن جحدم، فقابله مروان ليقاتله، فاشتغل به، وخلص عمرو بن سعيد بطائفة من الجيش من وراء عبد الرحمن بن جحدم، فدخل مصر، فملكها، وهرب عبد الرحمن ودخل مروان إلى مصر، فملكها وجعل عليها ولده عبد العزيز بن مروان.
وفيها بعث ابن الزبير أخاه مصعبا ليفتح له الشام، فبعث إليه مروان عمرو بن سعيد، فتلقاه إلى فلسطين، فهرب منه مصعب بن الزبير، وكر راجعا، ولم يظفر بشيء، واستقر ملك الشام ومصر لمروان.
وفيها جهز مروان جيشين ; أحدهما مع حبيش بن دلجة القيني ليأخذ له المدينة، وكان من أمره ما سنذكره، والآخر مع عبيد الله بن زياد إلى العراق
لينتزعه من نواب ابن الزبير، فلما كانوا ببعض الطريق لقوا جيش التوابين مع سليمان بن صرد، وكان من أمرهم ما ذكرناه عند عين الوردة ; قتلوا أكثر أصحاب سليمان بن صرد معه واستمروا ذاهبين فلما كانوا بالجزيرة بلغهم موت مروان بن الحكم، وكانت وفاته في شهر رمضان من هذه السنة، وكان سبب موته أنه تزوج بأم خالد امرأة يزيد بن معاوية، وهي أم هاشم بنت هاشم بن عتبة بن ربيعة، وإنما أراد مروان بتزويجه إياها ليصغر ابنها خالدا في أعين الناس، فإنه قد كان في نفوس كثير من الناس منه أن يملكوه بعد أخيه معاوية، فتزوج أمه ليصغر أمره، فبينما هو ذات يوم داخل إلى عند مروان، إذ جعل مروان يتكلم فيه عند جلسائه، فلما جلس قال له فيما خاطبه به: يابن الرطبة الاست. فذهب خالد إلى أمه، فأخبرها بما قال له، فقالت: اكتم ذلك، ولا تعلمه أنك أعلمتني بذلك. فلما دخل عليها مروان قال لها: هل ذكرني خالد عندك بسوء؟ فقالت له: وما عساه يقول لك وهو يحبك ويعظمك. ثم إن مروان رقد عندها، فلما أخذه النوم عمدت إلى وسادة، فوضعتها على وجهه، وتحاملت عليها هي وجواريها حتى مات غما، وكان ذلك في ثالث شهر رمضان سنة خمس وستين بدمشق، وله من العمر ثلاث وستون سنة. وقيل: إحدى وستون وقيل: إحدى وثمانون سنة. وكانت إمارته تسعة أشهر. وقيل: عشرة أشهر إلا ثلاثة أيام.
** [ترجمة مروان بن الحكم جد خلفاء بني أمية الذين كانوا بعده] **
وهذه ترجمة مروان بن الحكم جد خلفاء بني أمية الذين كانوا بعده
هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، أبو عبد الملك، ويقال: أبو الحكم. ويقال: أبو القاسم. وهو صحابي عند طائفة كثيرة ; لأنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه في حديث صلح الحديبية، وفي رواية في " صحيح البخاري "، عن مروان والمسور بن مخرمة، الحديث بطوله. وروى عن عمر، وعثمان، وكان كاتبه، وعلي، وزيد بن ثابت، وبسرة بنت صفوان الأسدية، وكانت حماته. وقال الحاكم أبو أحمد: كانت خالته. ولا منافاة بين كونها حماته وخالته. وروى عنه ابنه عبد الملك، وسهل بن سعد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومجاهد وغيرهم.
قال الواقدي ومحمد بن سعد: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يحفظ عنه شيئا، وكان عمره ثماني سنين حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين. وقد كان مروان من سادات قريش وفضلائها.
روى ابن عساكر وغيره أن عمر بن الخطاب خطب امرأة إلى أمها، فقال: إن جريرا البجلي يخطب إليكم أسلم، وهو سيد شباب المشرق، ومروان بن الحكم، وهو سيد شباب قريش، وعبد الله بن عمر، وهو من قد علمتم، وعمر. فقالت المرأة: أجاد يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قالت: قد زوجناك يا أمير المؤمنين.
وقد كان عثمان بن عفان يكرمه ويعظمه، وكان كاتب الحكم بين يديه، ومن تحت رأسه جرت قضية الدار، وبسببه حصر عثمان فيها، وألح عليه أولئك أن يسلمه إليهم، فامتنع عثمان أشد الامتناع، وقد قاتل مروان يوم الدار قتالا شديدا، وقتل بعض أولئك الخوارج، وكان على الميسرة يوم الجمل، ويقال: إنه رمى طلحة بسهم في ركبته، فقتله. فالله أعلم.
وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: كان علي يوم الجمل حين انهزم الناس يكثر السؤال عن مروان، فقيل له في ذلك، فقال: إنه تعطفني عليه رحم ماسة، وهو سيد من شباب قريش.
وقال ابن المبارك، عن جرير بن حازم، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، أنه قال لمعاوية: من ترى لهذا الأمر من بعدك؟ فقال: وأما القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، الشديد في حدود الله،
فمروان بن الحكم. وقد استنابه على المدينة غير مرة، يعزله ثم يعيده إليها، وأقام للناس الحج في سنين متعددة.
وقال حنبل عن الإمام أحمد قال: يقال: إنه كان عند مروان قضاء، وكان يتبع قضاء عمر بن الخطاب.
وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول وذكر مروان يوما، فقال: قال مروان: قرأت كتاب الله منذ أربعين سنة، ثم أصبحت فيما أنا فيه من هراقة الدماء وهذا الشأن.
وقال إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد وغيره قال: كان مروان إذا ذكر الإسلام قال:
بنعمة ربي لا بما قدمت يدي ... ولا ببراتي إنني كنت خاطئا
وقال الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سالم أبي النضر، أنه قال: شهد مروان جنازة، فلما صلى عليها انصرف، فقال أبو هريرة: أصاب قيراطا وحرم قيراطا. فأخبر بذلك مروان، فأقبل يجري قد بدت ركبتاه، فقعد
حتى أذن له.
وروى المدائني عن إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، أن مروان كان أسلف علي بن الحسين حين رجع إلى المدينة بعد مقتل أبيه ستة آلاف دينار، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه عبد الملك أن لا يسترجع من علي بن الحسين شيئا، فبعث إليه عبد الملك بذلك، فامتنع من قبولها، فألح عليه فقبلها.
وقال الشافعي: أنبأنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن الحسن والحسين كانا يصليان خلف مروان ولا يعيدانها، ويعتدان بها.
وقد روى عبد الرزاق عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: أول من قدم الخطبة على الصلاة يوم العيد مروان، فقال له رجل: خالفت السنة. فقال له مروان: إنه قد ترك ما هنالك. فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» ".
قالوا: ولما كان نائبا بالمدينة كان إذا وقعت معضلة جمع من عنده من الصحابة، فاستشارهم فيها. قالوا: وهو الذي جمع الصيعان، فأخذ بأعدلها، فنسب إليه الصاع، فقيل: صاع مروان.
وقال الزبير بن بكار: حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثني علي بن أبي علي اللهبي، عن إسماعيل بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: خرج أبو هريرة من عند مروان، فلقيه قوم قد خرجوا من عنده فقالوا: إنه أشهدنا الآن على مائة رقبة أعتقها الساعة. قال: فغمز أبو هريرة يدي، وقال: يا أبا سعيد، يك من كسب طيب خير من مائة رقبة. قال الزبير: اليك: الواحد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا بلغ بنو أبي فلان ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا، ودين الله دخلا، وعباد الله خولا» ".
ورواه أبو يعلى، عن زكريا بن يحيى زحمويه، عن صالح بن عمر، عن مطرف، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين اتخذوا دين الله دخلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا» ". وقد رواه الطبراني، عن أحمد بن عبد الوهاب، عن أبي المغيرة، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن راشد بن سعد، عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إذا بلغ بنو أمية أربعين رجلا» ". وذكره، وهذا منقطع. ورواه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة من قوله: «إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا» فذكره.
ورواه البيهقي وغيره من حديث ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن ابن موهب، عن معاوية وعبد الله بن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباد الله خولا، وكتاب الله دغلا، فإذا بلغوا ستة وتسعين وأربعمائة كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة» ". «وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عبد الملك بن مروان فقال: " أبو الجبابرة الأربعة» ". وهذه الطرق كلها ضعيفة.
وروى أبو يعلى وغيره، من غير وجه عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن بني الحكم ينزون على منبره ويرقون، فأصبح كالمتغيظ، وقال: " رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة ". فما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا بعد ذلك حتى مات» . ورواه الثوري، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب مرسلا، وفيه: فأوحي إليه: إنما هي دنيا أعطوها. فقرت عينه. وهي قوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] . يعني بلاء للناس وهذا مرسل، وسنده إلى سعيد ضعيف. وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة موضوعة، فلهذا أضربنا صفحا عن إيرادها لعدم صحتها.
وقد كان أبوه الحكم من أكبر أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أسلم يوم الفتح،
وقدم الحكم المدينة ثم طرده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، ومات بها، ومروان كان أكبر الأسباب في حصار عثمان، لأنه زور على لسانه كتابا إلى مصر بقتل أولئك الوفد، ولما كان متوليا على المدينة لمعاوية كان يسب عليا كل جمعة على المنبر، وقال له الحسن بن علي: لقد لعن الله أباك الحكم وأنت في صلبه على لسان نبيه، فقال: " «لعن الله الحكم وما ولد» " والله أعلم.
وقد تقدم أن حسان بن مالك بن بحدل لما قدم عليه مروان أرض الجابية، أعجبه إتيانه إليه، فبايعه، وبايع له أهل الأردن على أنه إذا انتظم له الأمر نزل عن الإمرة لخالد بن يزيد، ويكون لمروان إمرة حمص، ولعمرو بن سعيد نيابة دمشق.
وكانت البيعة لمروان يوم الاثنين للنصف من ذي القعدة سنة أربع وستين. قاله الليث بن سعد وغيره.
وقال الليث: وكانت وقعة مرج راهط في ذي الحجة، من هذه السنة بعد عيد النحر بيومين.
قالوا: فغلب الضحاك بن قيس، واستوسق له ملك الشام ومصر، فلما
استقر ملكه في هذه البلاد بايع من بعده لولده عبد الملك، ثم من بعده لولده عبد العزيز - والد عمر بن عبد العزيز - وترك البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية ; لأنه كان لا يراه أهلا للخلافة، ووافقه على ذلك حسان بن مالك، وإن كان خالا لخالد بن يزيد، وهو الذي قام بأعباء بيعة عبد الملك، ثم إن أم خالد دبرت أمر مروان فسمته، ويقال: بل وضعت على وجهه وهو نائم وسادة، فمات مخنوقا، ثم إنها أعلنت الصراخ هي وجواريها وصحن: مات أمير المؤمنين فجأة. فقام من بعده ولده عبد الملك بن مروان في الخلافة، كما سنذكره.
وقال عبد الله بن أبي مذعور: حدثني بعض أهل العلم قال: كان آخر ما تكلم به مروان: وجبت الجنة لمن خاف النار. وكان نقش خاتمه: العزة لله.
وقال الأصمعي: حدثنا عدي بن أبي عمارة، عن أبيه، عن حرب بن زياد قال: كان نقش خاتم مروان بن الحكم آمنت بالعزيز الرحيم.
وكانت وفاته بدمشق عن إحدى - وقيل: ثلاث - وستين سنة.
وقال أبو معشر وغير واحد: كان عمره يوم توفي إحدى وثمانين سنة.
وقال خليفة: حدثني الوليد بن هشام، عن أبيه، عن جده قال: مات
مروان بدمشق لثلاث خلون من شهر رمضان سنة خمس وستين، وهو ابن ثلاث وستين وصلى عليه ابنه عبد الملك، وكانت ولايته تسعة أشهر وثمانية عشر يوما. وقال غيره: عشرة أشهر.
وقال ابن أبي الدنيا وغيره: كان قصيرا، أحمر الوجه، أوقص، دقيق العنق، كبير الرأس واللحية، وكان يلقب: خيط باطل.
قال الحافظ ابن عساكر: وذكر سعيد بن كثير بن عفير، أن مروان مات حين انصرف من مصر بالصنبرة، ويقال: بلد. وقد قيل: إنه مات بدمشق، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير.
** [خلافة عبد الملك بن مروان] **
بويع له بالخلافة في حياة أبيه، فلما مات أبوه في ثالث رمضان من هذه السنة، أعني سنة خمس وستين، جددت له البيعة بدمشق ومصر وأعمالها، فاستقرت يده على ما كانت يد أبيه عليه، وقد كان أبوه قبل وفاته بعث بعثين ; أحدهما مع عبيد الله بن زياد إلى العراق لينتزعها من نواب ابن الزبير، فلقي في طريقه جيش التوابين مع سليمان بن صرد عند عين الوردة، فكان من أمرهم ما تقدم، من ظفره بهم، وقتله أميرهم وأكثرهم. والبعث الآخر مع حبيش بن دلجة إلى المدينة ليرتجعها من نائب ابن الزبير، فسار نحوها، فلما انتهى إليها هرب نائبها جابر بن الأسود بن عوف، وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، فجهز نائب البصرة من قبل ابن الزبير، وهو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، جيشا من البصرة إلى ابن دلجة ليخرجوه من المدينة فلما سمع بذلك حبيش بن دلجة سار إليهم، وبعث ابن الزبير عباس بن سهل بن سعد نائبا على المدينة، وأمره أن يسير في طلب حبيش، فسار في طلبهم حتى لحقهم بالربذة، فرمى يزيد بن سياه حبيشا بسهم فقتله، وقتل بعض أصحابه، وهزم الباقون، وتحصن منهم خمسمائة في المدينة، ثم نزلوا على حكم عباس بن سهل، فقتلهم صبرا، ورجع فلهم إلى الشام.
قال ابن جرير: ولما دخل يزيد بن سياه الأسواري قاتل حبيش بن دلجة إلى
المدينة مع عباس بن سهل كان عليه ثياب بياض وهو راكب برذونا أشهب، فما لبث أن اسودت ثيابه ودابته مما يتمسح الناس به ومن كثرة ما صبوا عليه من الطيب.
وقال ابن جرير: وفي هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة.
وفيها قتل نافع بن الأزرق، وهو رأس الخوارج ورأس أهل البصرة، مسلم بن عبيس فارس أهل البصرة، ثم قتله ربيعة السليطي، وقتل بينهما نحو خمسة أمراء، وقتل في وقعة الخوارج قرة بن إياس المزني أبو معاوية، وهو من الصحابة. ولما قتل نافع بن الأزرق رأست الخوارج عليهم عبيد الله بن ماحوز، فسار بهم إلى المدائن فقتلوا أهلها، ثم غلبوا على الأهواز وغيرها، وجبوا الأموال وأتتهم الأمداد من اليمامة والبحرين، ثم ساروا إلى أصفهان، وعليها عتاب بن ورقاء الرياحي، فالتقاهم فهزمهم، ولما قتل أمير الخوارج ابن ماحوز، كما سنذكر، أقاموا عليهم قطري بن الفجاءة أميرا.
ثم أورد ابن جرير قصة قتالهم مع أهل البصرة بمكان يقال له: دولاب. وكانت الدولة للخوارج على أهل البصرة، وخاف أهل البصرة من الخوارج أن
يدخلوا البصرة، فبعث ابن الزبير فعزل نائبها عبد الله بن الحارث، المعروف بببة، بالحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المعروف بالقباع، وأرسل ابن الزبير المهلب بن أبي صفرة الأزدي على عمل خراسان، فلما وصل إلى البصرة قالوا له: إن قتال الخوارج لا يصلح إلا لك. فقال: إن أمير المؤمنين قد بعثني على خراسان، ولست أعصي أمره. فاتفق أهل البصرة مع أميرهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على أن كتبوا كتابا على لسان ابن الزبير إلى المهلب يأمره فيه بالمسير للخوارج ليكفهم عن الدخول إلى البصرة، فلما قرئ عليه الكتاب اشترط على أهل البصرة أن يقوي جيشه من بيت مالهم، وأن يكون له ما غلب عليه من أموال الخوارج، فأجابوه إلى ذلك، ويقال: إنهم كتبوا بذلك إلى ابن الزبير، فأمضى لهم ذلك وسوغه. فسار إليهم المهلب، وكان شجاعا بطلا صنديدا، فلما التقى هو والخوارج أقبلوا إليه يزفون في عدة لم ير مثلها من الدروع والزرود والخيول والسلاح، وذلك أن لهم مدة يأكلون تلك النواحي، وقد صار لهم تحمل عظيم مع شجاعة لا تدانى، وإقدام لا يسامى، وقوة لا تبارى، وسبق إلى حومة الوغى لا يجارى، فلما تواقف الناس بمكان يقال له: سلى وسلبرى. اقتتلوا قتالا شديدا، وصبر كل من الفريقين صبرا باهرا، وكان المهلب في نحو من ثلاثين ألفا، ثم إن الخوارج حملوا حملة منكرة، فانهزم أصحاب المهلب لا يلوي والد على ولد، ولا يلتفت أحد إلى أحد، ووصل إلى البصرة فلهم، وأما المهلب فإنه سبق المنهزمين، فوقف لهم بمكان مرتفع من الأرض، وجعل ينادي: إلي عباد الله. فاجتمع إليه من جيشه ثلاثة آلاف من الفرسان الشجعان، فقام فيهم خطيبا، فقال في خطبته: أما بعد، أيها الناس، فإن الله تعالى ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون، وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون،
ولعمري ما بكم الآن من قلة، وأنتم فرسان أهل المصر وأهل النصر، وما أحب أن أحدا ممن انهزم معكم الآن، ولو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا. ثم قال: عزمت على كل رجل منكم إلا أخذ عشرة أحجار معه، ثم امشوا بنا إلى عسكرهم ; فإنهم الآن آمنون، وقد خرجت خيولهم في طلب إخوانكم، فوالله إني لأرجو أن لا ترجع إليهم خيلهم حتى تستبيحوا عسكرهم، وتقتلوا أميرهم. ففعل الناس ذلك، فزحف بهم المهلب بن أبي صفرة على عسكر الخوارج، فقتل منهم خلقا كثيرا نحوا من سبعة آلاف، وقتل عبيد الله بن الماحوز في جماعة كثيرة من الأزارقة، واحتاز من أموالهم شيئا كثيرا، وقد أرصد المهلب خيولا بينه وبين الذين يرجعون من طلب أهل البصرة، فجعلوا يقتطعون دون قومهم، وانهزم فلهم إلى كرمان وأرض أصبهان، وأقام المهلب بالأهواز حتى قدم مصعب بن الزبير إلى البصرة، وعزل عنها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، كما سيأتي قريبا.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة وجه مروان بن الحكم قبل مهلكه ابنه محمدا إلى الجزيرة، وذلك قبل مسيره إلى مصر. قلت: محمد بن مروان هذا هو والد مروان الحمار، وهو مروان بن محمد بن مروان، وهو آخر خلفاء بني أمية، ومن يده استلب الخلافة العباسيون كما سيأتي.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة عزل ابن الزبير أخاه عبيدة عن إمرة المدينة، وولاها أخاه مصعبا، وذلك أن عبيدة خطب الناس، فقال في خطبته:
وقد رأيتم ما صنع الله بقوم صالح في ناقة قيمتها خمسمائة درهم. فلما بلغت أخاه قال: إن هذا لهو التكلف وعزله، فسمي مقوم الناقة.
قال ابن جرير: وفي آخرها عزل ابن الزبير عن الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي، وولى عليها عبد الله بن مطيع الذي كان أمير المهاجرين يوم الحرة، لما خلعوا يزيد.
قال ابن جرير: في هذه السنة كان الطاعون الجارف بالبصرة.
وقال ابن الجوزي في " المنتظم ": كان في سنة أربع وستين، وقد قيل: إنما كان في سنة تسع وستين. وهذا هو المشهور الذي ذكره شيخنا الذهبي وغيره، وكان معظم ذلك بالبصرة، وكان ذلك في ثلاثة أيام، فمات في أول يوم منه من أهل البصرة سبعون ألفا، وفي اليوم الثاني منه أحد وسبعون ألفا، وفي اليوم الثالث منه ثلاثة وسبعون ألفا، وأصبح الناس في اليوم الرابع موتى إلا قليلا من آحاد الناس، حتى ذكر أن أم الأمير بها ماتت، فلم يوجد لها من يحملها، حتى استأجروا لها أربعة أنفس.
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدثنا عبيد الله، ثنا أحمد بن عصام،
حدثني معدي، عن رجل يكنى أبا النفيل، وكان قد أدرك زمن الطاعون، قال: كنا نطوف في القبائل وندفن الموتى، فلما كثروا لم نقو على الدفن، فكنا ندخل الدار، وقد مات أهلها، فنسد بابها. قال: فدخلنا دارا ففتشناها، فلم نجد فيها أحدا حيا فسددنا بابها، فلما مضت الطواعين كنا نطوف ننزع تلك السدد عن الأبواب، ففتحنا سدة الباب الذي كنا فتشناه، فإذا نحن بغلام في وسط الدار طري دهين، كأنما أخذ ساعتئذ من حجر أمه. قال: ونحن وقوف على الغلام نتعجب منه فدخلت كلبة من شق في الحائط، فجعلت تلوذ بالغلام، والغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها. قال معدي: وأنا رأيت ذلك الغلام في مسجد البصرة، وقد قبض على لحيته.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة بني عبد الله بن الزبير الكعبة البيت الحرام - يعني أكمل بناءها - وأدخل فيها الحجر، وجعل لها بابين، يدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر.
قال ابن جرير: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثني عبد العزيز بن خالد بن رستم الصنعاني أبو محمد، حدثني زياد بن جيل، أنه كان بمكة يوم كان عليها ابن الزبير، فسمعه يقول: حدثتني أمي أسماء بنت أبي بكر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: " لولا قرب عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على
أساس إبراهيم، فأزيد في الكعبة من الحجر ". قال: فأمر ابن الزبير فحفروا فوجدوا قلاعا أمثال الإبل، فحركوا منها صخرة، فبرقت برقة فقال: أقروها على أساسها. فبناها ابن الزبير، وجعل لها بابين، يدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر» .
قلت: هذا الحديث له طرق متعددة عن عائشة في الصحاح والحسان والمسانيد، وموضوع سياق طرق ذلك في كتاب " الأحكام " إن شاء الله تعالى.
وذكر ابن جرير في هذه السنة حروبا جرت بين عبد الله بن خازم بخراسان، وبين الحريش بن هلال القريعي، يطول تفصيلها.
قال: وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان على المدينة مصعب بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن مطيع، وعلى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي.