Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثنتي عشرة ومائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 175 of 840
فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة فافتتح حصونا من ناحية ملطية.
وفيها سارت الترك من اللان فلقيهم الجراح بن عبد الله الحكمي فيمن معه من أهل الشام وأذربيجان فاقتتلوا قبل أن يتكامل إليه جيشه، فاستشهد الجراح، رحمه الله، وجماعة معه بمرج أردبيل وأخذ العدو أردبيل. فلما بلغ ذلك هشام بن عبد الملك بعث سعيد بن عمرو الحرشي في جيش سريعا، فلحق الترك وهم يسيرون بأسارى المسلمين إلى نحو ملكهم خاقان، فاستنقذ منهم من كان معهم من المسلمين ومن أهل الذمة أيضا، وقتل في الترك مقتلة عظيمة جدا، وأسر منهم خلقا كثيرا، فقتلهم صبرا، وشفى ما كان تغلث من القلوب، ولم يكتف هشام بن عبد الملك بذلك حتى أرسل أخاه مسلمة بن عبد الملك في أثر الترك فسار إليهم في برد شديد وشتاء عظيم، فوصل إلى باب الأبواب، واستخلف عنده أميرا، وسار هو بمن معه في طلب الأتراك وملكهم خاقان، وكان من أمره معهم ما سنذكره، ونهض أمير خراسان في طلب الأتراك أيضا في جيش كثيف، فوصل إلى نهر بلخ ووجه إليهم سرية ; ثمانية عشر ألفا، وأخرى عشرة آلاف يمنة ويسرة،
وجاشت الترك فأتوا سمرقند، فكتب أميرهم إليه يعلمه بهم، وأنه لا يقدر على صون سمرقند منهم، ومعهم ملكهم الأعظم خاقان، فالغوث الغوث. فسار الجنيد مسرعا في جيش كثيف نحو سمرقند، حتى وصل إلى شعب سمرقند، وبقي بينه وبينها أربعة فراسخ، فصبحه خاقان في جمع عظيم، فحمل خاقان على مقدمة الجنيد فانحازوا إلى العسكر، والترك تتبعهم من كل جانب، فتراءى الجمعان والمسلمون يتغدون، ولا يشعرون بانهزام مقدمتهم وانحيازها إليهم، فنهضوا إلى السلاح، واصطفوا على منازلهم، وذلك في مجال واسع، ومكان بارز فالتقوا، فحملت الترك على الميمنة، وفيها بنو تميم والأزد فقتل منها ومن غيرهم خلق كثير ممن أراد الله كرامته بالشهادة، وقد برز بعض شجعان المسلمين لجماعة من شجعان الترك فقتلهم، فناداه ترجمان الملك: إن صرت إلينا جعلناك فيمن يرفض الصنم الأعظم فنعبدك. فقال: ويحكم! إنما أقاتلكم على أن تعبدوا الله وحده لا شريك له. ثم قاتلهم حتى قتل، رحمه الله.
ثم تناخى المسلمون، وتداعت الأبطال والشجعان من كل مكان، وصبروا وصابروا، وحملوا على الترك حملة رجل واحد فهزمهم الله عز وجل، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم عطفت الترك عليهم، فقتلوا من المسلمين خلقا حتى لم يبق سوى ألفين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقتل يومئذ سودة بن أبجر واستأسروا من المسلمين جماعة كثيرة، فحملوهم إلى الملك خاقان، فأمر بقتلهم عن آخرهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذه الوقعة يقال لها: وقعة الشعب. وقد بسطها ابن جرير جدا.
** [ممن توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ رجاء بن حيوة الكندي
أبو المقدام ويقال: أبو نصر. وهو تابعي جليل، كبير القدر ثقة فاضل عادل، وزير صدق لخلفاء بني أمية وكان مكحول إذا سئل يقول: سلوا شيخنا وسيدنا رجاء بن حيوة. وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة، ووثقوه في الرواية، وله روايات وكلام حسن، رحمه الله. ### $ شهر بن حوشب الأشعري الحمصي،
ويقال: إنه دمشقي. تابعي جليل، روى عن مولاته أسماء بنت يزيد بن السكن وغيرها، وحدث عنه جماعة من ثقات التابعين وغيرهم، وكان عالما عابدا ناسكا، لكن تكلم فيه جماعة بسبب أخذه خريطة من بيت المال بغير إذن ولي الأمر، فعابوه ونزكوا عرضه، وتركوا حديثه، وأنشدوا فيه الشعر، منهم شعبة وغيره. ويقال: إنه سرق غيرها. فالله أعلم. وقد وثقه جماعات آخرون وقبلوا روايته وأثنوا عليه وعلى عبادته ودينه واجتهاده، وقالوا: لا يقدح في روايته ما أخذه من بيت المال إن صح عنه. وقد كان واليا عليه متصرفا فيه. فالله أعلم.
قال الواقدي: توفي شهر في هذه السنة. أعني سنة اثنتي عشرة ومائة. وقيل: قبلها بسنة. وقيل: سنة مائة. فالله أعلم.