Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 199 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
فيها قدم أبو مسلم من خراسان على السفاح بالعراق وذلك بعد استئذانه الخليفة في القدوم، فكتب إليه أن يقدم في خمسمائة من الجند، فكتب إليه: إني قد وترت الناس، وإني أخشى من قلة الخمسمائة. فكتب إليه أن اقدم في ألف. فقدم في ثمانية آلاف فرقهم، وأخذ معه من الأموال والتحف والهدايا شيئا كثيرا، ولما قدم لم يكن معه سوى ألف من الجند، فتلقاه القواد الكبراء إلى ظاهر البلد، فلما دخل على السفاح أكرمه وعظمه واحترمه وأنزله قريبا منه، وكان يأتي إلى الخدمة كل يوم، واستأذن الخليفة في الحج، فأذن له، وقال: لولا أني كنت عينت إمرة الحج لأبي جعفر لأمرتك. وكان ما بين أبي جعفر وأبي مسلم خرابا، وذلك لما رأى من الجفوة منه حين قدم عليه نيسابور في البيعة للسفاح وللمنصور من بعده، فحقد عليه أبو جعفر، وأشار على السفاح بقتله، وحين قدم حرضه على قتله أيضا، فقال له السفاح: قد علمت بلاءه معنا وخدمته لنا. فقال له أبو جعفر: يا أمير المؤمنين، إنما ذلك بدولتنا، والله لو أرسلت سنورا لسمعوا له وأطاعوا، وإنك إن لم تتغد به تعشى بك هو. فقال له: كيف السبيل إلى ذلك؟ قال: إذا دخل عليك فحادثته جئت أنا من ورائه فضربته بالسيف. قال: فكيف بمن معه؟ قال: هم أذل وأقل. فأذن له في قتله، فلما
دخل أبو مسلم على السفاح ندم على ما كان أذن لأخيه فيه، فبعث إليه الخادم يقول له: إن ذاك الذي بينك وبينه قد ندم عليه، فلا تفعله. فلما جاءه الخادم وجده محتبيا بالسيف، متهيئا لما يريد من قتل أبي مسلم فلما نهاه عن ذلك غضب أبو جعفر غضبا شديدا.
وفي هذه السنة حج بالناس أبو جعفر المنصور عن ولاية أخيه السفاح وسار معه إلى الحجاز أبو مسلم الخراساني عن أمر الخليفة وإذنه له في الحج في هذا العام، فلما رجعا من الحج فكانا «بذات عرق» جاء الخبر إلى أبي جعفر - وكان يسير قبل أبي مسلم بمرحلة - بموت أبي العباس السفاح فكتب إلى أبي مسلم أن قد حدث أمر، فالعجل العجل. فلما استعلم أبو مسلم الخبر عجل السير وراءه، فلحقه إلى الكوفة فكانت بيعة المنصور على ما سيأتي بيانه وتفصيله قريبا، إن شاء الله تعالى.
** [ترجمة أبي العباس السفاح وذكر وفاته] **
وهذه ترجمة أبي العباس السفاح وذكر وفاته
هو عبد الله السفاح - ويقال له: المرتضى. و: القائم أيضا - ابن محمد الإمام بن علي السجاد بن عبد الله الحبر بن العباس ذي الرأي بن عبد المطلب شيبة الحمد بن هاشم عمرو بن عبد مناف بن قصي، أبو العباس القرشي الهاشمي
أمير المؤمنين وأمه ريطة - ويقال: رائطة - بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الديان الحارثي، كان مولد السفاح بالحميمة من أرض الشراة من أرض البلقاء بالشام ونشأ بها حتى طلب أخوه إبراهيم، فقتله مروان الحمار بحران، فانتقلوا إلى الكوفة، وبويع له بالخلافة بعد مقتل أخيه في حياة مروان يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول، ويقال: في جمادى سنة ثنتين وثلاثين ومائة، كما تقدم.
وتوفي بالجدري بالأنبار يوم الأحد الحادي عشر - وقيل: الثالث عشر - من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة. وكان عمره ثلاثا - وقيل: ثنتين. وقيل: إحدى - وثلاثين سنة. وقيل: ثمانيا وعشرين سنة. قاله غير واحد. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر.
وكان أبيض جميلا طويلا، أقنى الأنف، جعد الشعر، حسن اللحية، حسن الوجه، فصيح الكلام، حسن الرأي، جيد البديهة، دخل عليه في أول ولايته عبد الله بن حسن بن حسن بن علي، ومعه مصحف وعند السفاح وجوه بني هاشم من أهل بيته وغيرهم، فقال له: يا أمير المؤمنين، أعطنا حقنا الذي
جعله الله لنا في هذا المصحف. قال: فأشفق الحاضرون أن يعجل السفاح بشيء أو يعيا بجوابه، فيبقى ذلك سبة عليه وعليهم، فأقبل السفاح عليه غير مغضب ولا منزعج، فقال: إن جدك عليا وكان خيرا مني وأعدل، ولي هذا الأمر، فأعطى جديك الحسن، والحسين - وكانا خيرا منك - شيئا قد أعطيتكه وزدتك عليه، فما كان هذا جزائي منك. قال: فما رد عليه عبد الله بن حسن جوابا، وتعجب الناس من سرعة جوابه وحدته وجودته على البديهة.
وقد ورد في حديث ذكره - رحمه الله - فقال الإمام أحمد في " مسنده ": حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن الأعمش، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج عند انقطاع من الزمان، وظهور من الفتن رجل يقال له: السفاح. فيكون إعطاؤه المال حثيا» . وكذا رواه زائدة، وأبو معاوية عن الأعمش به. وهذا الحديث في إسناده عطية العوفي وقد تكلموا فيه. وفي كون المراد بهذا المذكور السفاح نظر. والله أعلم. وقد ذكرنا، فيما تقدم عند زوال دولة بني أمية أخبارا وآثارا في مثل هذا المعنى.
وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن مسلمة بن محمد بن هشام
، أخبرني محمد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثني داود بن عيسى عن أبيه، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس - وهو والد السفاح - قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من النصارى، فقال له عمر بن عبد العزيز: من تجدون الخليفة بعد سليمان؟ قال له النصراني: أنت. قال: فأقبل عمر بن عبد العزيز علي، فقال: وهي في ثيابك يا أبا عبد الله. قال محمد بن علي: فلما كان بعد ذلك جعلت ذلك النصراني في بالي، فرأيته يوما، فأمرت غلامي أن يحبسه علي، وذهبت به إلى منزلي، فسألته عما يكون بعد في خلفاء بني أمية فذكرهم واحدا واحدا، وتجاوز عن مروان بن محمد، قلت: ثم من؟ قال: ثم ابنك ابن الحارثية. قال: وكان إذ ذاك حملا.
ووفد عليه أهل المدينة فبادروا إلى تقبيل يده، وترك ذلك عمران بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع العدوي وإنما حياه بالخلافة، وهنأه بها فقط. وقال: والله يا أمير المؤمنين، لو كانت تزيدك رفعة وتزيدني وسيلة إليك، ما سبقني إليها أحد من هؤلاء، وإني لغني عما لا أجر فيه. ثم جلس. قال: فوالله ما نقصه ذلك من حظ أصحابه.
وذكر القاضي المعافى بن زكريا أن السفاح بعث رجلا ينادي بهذين البيتين في عسكر مروان بن محمد ليلا، ثم رجع، وهما هذان:
يا آل مروان إن الله مهلككم ... ومبدل أمنكم خوفا وتشريدا
لا عمر الله من أنسالكم أحدا ... وبثكم في بلاد الخوف تطريدا
وروى الخطيب البغدادي أن السفاح نظر يوما في المرآة - وكان من أجمل الناس وجها - فقال: اللهم لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك: أنا الخليفة الشاب. ولكني أقول: اللهم عمرني طويلا في طاعتك ممتعا بالعافية. فما استتم كلامه حتى سمع غلاما يقول لآخر: الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام. فتطير من كلامه، وقال: حسبي الله، لا قوة إلا بالله، عليه توكلي، وبه أستعين. فمات بعد شهرين وخمسة أيام.
وذكر محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي أن الرشيد أمر ابنه أن يسمع من إسحاق بن عيسى بن علي ما يرويه عن أبيه في قصة السفاح، فأخبره عن أبيه عيسى أنه دخل على السفاح يوم عرفة بكرة فوجده صائما، فأمره أن يحادثه في يومه هذا، ثم يختم ذلك بفطره عنده. قال: فحادثته حتى أخذه النوم، فقمت عنه، وقلت: أقيل في منزلي، ثم أجيء بعد ذلك. فذهبت فنمت قليلا ثم قمت، فأقبلت إلى داره، فإذا على بابه بشير من أهل السند ببيعتهم للخليفة وتسليم الأمور إلى نوابه. قال: فحمدت الله تعالى الذي وفقني
لأن أجيئه ببشارة، ثم دخلت الدار، فإذا آخر معه البشارة بفتح إفريقية فحمدت الله أيضا، ودخلت عليه فبشرته بذلك وهو يسرح لحيته بعد الوضوء، فسقط المشط من يده، ثم قال: سبحان الله! كل شيء بائد سواه، نعيت والله نفسي ; حدثني إبراهيم الإمام، عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه يقدم علي في مدينتي هذه وافدان ; وافد السند، والآخر وافد إفريقية بسمعهم وطاعتهم وبيعتهم، فلا يمضي بعد ذلك ثلاثة أيام حتى أموت. قال: وقد أتاني الوافدان، فأعظم الله أجرك يا عم في ابن أخيك. فقلت: كلا يا أمير المؤمنين، إن شاء الله. قال: بلى إن شاء الله، لئن كانت الدنيا حبيبة إلي، فصحة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي منها، والله ما كذبت ولا كذبت. ثم نهض فدخل منزله، وأمرني بالجلوس، فلما جاء المؤذن يعلمه بوقت الظهر خرج الخادم يأمرني أن أصلي عنه، وكذلك العصر والمغرب والعشاء، كل ذلك يخرج الخادم فيأمرني أن أصلي عنه، وبت هناك، فلما كان وقت السحر خرج الخادم بكتاب معه يأمرني أن أصلي عنه العيد، ثم أرجع إلى داره، وفيه يقول: يا عم، إذا مت فلا تعلم الناس بموتي حتى تقرأ عليهم هذا الكتاب فيبايعوا لمن فيه. قال: فصليت بالناس، ثم رجعت إليه فإذا ليس به بأس مما أنكره، ثم دخلت عليه من آخر النهار، فإذا هو على حاله غير أنه قد خرجت في وجهه حبتان صغيرتان، ثم كثرتا، ثم صار في وجهه حب صغار بيض - يقال: إنه جدري - ثم بكرت
إليه في اليوم الثاني من أيام التشريق فإذا هو قد هجر وذهبت عنه معرفتي ومعرفة غيري، فرجعت إليه بالعشي، فإذا هو قد انتفخ حتى صار مثل الزق، وتوفي في اليوم الثالث من أيام التشريق، فسجيته كما أمرني، وخرجت إلى الناس، فقرأت عليهم الكتاب، فإذا فيه: من عبد الله أمير المؤمنين، إلى الرسول والأولياء وجماعة المسلمين: سلام عليكم، أما بعد، فقد قلد أمير المؤمنين الخلافة عليكم بعد وفاته أخاه، فاسمعوا له وأطيعوا، وقد قلد الخلافة من بعد عبد الله عيسى بن موسى إن كان. قال: فاختلف الناس في قوله: إن كان. قيل: إن كان أهلا لها. وقال آخرون: إن كان حيا. وهذا القول الثاني هو الصواب. ذكره الخطيب وابن عساكر مطولا، وهذا ملخص منه، وفيه ذكر الحديث المرفوع، وهو منكر جدا.
وذكر ابن عساكر أن الطبيب لما دخل عليه أخذ بيده، فأنشأ السفاح يقول عند ذلك:
انظر إلى ضعف الحرا ... ك وذله بيد السكون
ينبئك أن بيانه ... هذا مقدمة المنون
فقال له الطبيب: أنت صالح. فأنشأ يقول:
يبشرني بأني ذو صلاح ... يبين له وبي داء دفين
لقد أيقنت أني غير باق ... ولا شك إذا وضح اليقين
قال بعض أهل العلم: كان آخر ما تكلم به أبو العباس السفاح حين حضره الموت: الملك لله الحي القيوم، ملك الملوك، وجبار الجبابرة. وكان نقش خاتمه: الله ثقة عبد الله.
وكان موته بالجدري في يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجة، سنة ست وثلاثين ومائة بالأنبار العتيقة، عن ثلاث وثلاثين سنة. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر على أشهر الأقوال. وصلى عليه عمه عيسى بن علي ودفن في قصر الإمارة من الأنبار، وترك تسع جباب وأربعة أقمصة وخمس سراويلات وأربع طيالسة وثلاثة مطارف خز. وقد ترجمه ابن عساكر فذكر بعض ما أوردناه.
** وممن توفي فيها من الأعيان: **
### $$$$ الخليفة السفاح كما تقدم وأشعث بن سوار، وجعفر بن ربيعة، وحصين بن عبد الرحمن، وربيعة الرأي،
وزيد بن أسلم، وعبد الملك بن عمير، وعبيد الله بن أبي جعفر، وعطاء بن السائب. وقد ذكرنا تراجمهم في كتابنا " التكميل ". ولله الحمد والمنة.
** [خلافة أبي جعفر المنصور] **
قد تقدم أن السفاح مات وأخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالحجاز، فأخذ البيعة له بالعراق عمه عيسى بن علي، وبلغه خبر موت أخيه السفاح وهو راجع بذات عرق فعجل السير، وكان معه أبو مسلم الخراساني، فبايعه أبو مسلم في الطريق وعزاه في أخيه أمير المؤمنين السفاح، فبكى أبو جعفر المنصور عند ذلك، فقال له أبو مسلم: أتبكي وقد جاءتك الخلافة؟! فأنا أكفيكها إن شاء الله. فسري عن المنصور، وأمر زياد بن عبيد الله
أن يرجع إلى مكة واليا عليها، وكان السفاح قد عزله عنها بالعباس بن عبد الله بن معبد بن عباس، وأقر بقية النواب على أعمالهم حتى انسلخت هذه السنة، وقد كان عبد الله بن علي قدم على السفاح الأنبار، فأمره على الصائفة، فركب في جيوش عظيمة إلى بلاد الروم، فلما كان ببعض الطريق بلغه موت السفاح، فكر راجعا إلى حران ودعا إلى نفسه، وزعم أن السفاح كان عهد إليه حين بعثه إلى الشام أن يكون ولي العهد من بعده، فالتفت عليه جيوش عظيمة، وكان من أمره ما سنذكره في السنة الآتية، إن شاء الله تعالى.