Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 200 of 840
** [ذكر خروج عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس على ابن أخيه المنصور] **
لما رجع أبو جعفر المنصور من الحج دخل الكوفة، فخطب بأهلها يوم الجمعة، ثم ارتحل منها إلى الأنبار، وقد أخذت له البيعة من أهل العراق وخراسان وسائر البلاد سوى الشام، وقد ضبط عيسى بن موسى بيوت الأموال والحواصل للمنصور حتى قدم، فسلم إليه الأمر، وكتب إلى عبد الله بن علي وهو بدروب الروم يعلمه بوفاة السفاح، فلما بلغه الخبر نادى في الناس: الصلاة جامعة. فاجتمع إليه الأمراء والناس، فقرأ عليهم وفاة السفاح، ثم قام فيهم خطيبا، فذكر أن السفاح كان عهد إليه حين بعثه إلى مروان أن يكون الأمر إليه من بعده، وشهد له بعض أمراء خراسان بذلك، ونهضوا إليه فبايعوه، ورجع إلى حران فتسلمها من نائب المنصور بعد محاصرة أربعين ليلة، وقتل مقاتل
العكي نائبها، فلما بلغ المنصور ما كان من أمر عمه عبد الله بن علي بعث إليه أبا مسلم الخراساني، ومعه جماعة من الأمراء، وقد تحصن عبد الله بن علي بحران، وأرصد عنده مما يحتاج إليه من الأطعمة والسلاح شيئا كثيرا جدا. وسار أبو مسلم وعلى مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعي، ولما تحقق عبد الله بن علي قدوم أبي مسلم إليه خشي من جيش خراسان الذين معه أن لا يناصحوه، فقتل منهم سبعة عشر ألفا، وأراد قتل حميد بن قحطبة، فهرب منه إلى أبي مسلم. وركب عبد الله بن علي، فنزل نصيبين وخندق حول عسكره، وأقبل أبو مسلم، فنزل ناحية، وكتب إلى عبد الله: إني لم أومر بقتالك، وإنما بعثني أمير المؤمنين واليا على الشام فأنا أريدها. فخاف جنود الشام من هذا الكلام وقالوا: إنا نخاف على ذرارينا وأموالنا، فنحن نذهب إليها نمنعهم منه. فقال عبد الله بن علي: ويحكم! والله إنه لم يأت إلا لقتالنا. فأبوا إلا أن يرتحلوا نحو الشام فتحول عبد الله من منزله ذلك، وقصد ناحية الشام، فنهض أبو مسلم، فنزل في موضع عسكر عبد الله، وغور ما حوله من المياه، وكان نزل عبد الله منزلا جيدا جدا، واحتاج عبد الله وأصحابه، فنزلوا في الموضع الذي نزل فيه أبو مسلم فوجدوه منزلا رديئا، ثم أنشأ أبو مسلم القتال، فحاربهم خمسة أشهر أو ستة أشهر، وكان على خيل عبد الله أخوه عبد الصمد بن علي، وعلى ميمنته بكار بن مسلم العقيلي، وعلى ميسرته حبيب بن سويد الأسدي، وعلى ميمنة أبي مسلم الحسن بن قحطبة، وعلى ميسرته أبو نصر خازم بن
خزيمة، وقد جرت بينهم وقعات، وقتل منهم جماعات في أيام نحسات، وقد كان أبو مسلم إذا حمل يرتجز ويقول:
من كان ينوي أهله فلا رجع ... فر من الموت وفي الموت وقع
وكان يعمل له عريش، فيكون فيه إذا التقى الجيشان، فما رأى في جيشه من خلل أرسل فأصلحه. فلما كان يوم الثلاثاء أو الأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة التقوا، فاقتتلوا قتالا شديدا، فمكر بهم أبو مسلم; بعث إلى الحسن بن قحطبة أمير الميمنة، يأمره أن يتحول بمن معه إلا القليل، إلى الميسرة، فلما رأى ذلك أهل الشام انحازوا إلى الميمنة بإزاء الميسرة التي تعمرت، فأرسل حينئذ أبو مسلم إلى القلب أن يحمل بمن بقي في الميمنة على ميسرة أهل الشام، فحطموهم، فجال أهل القلب والميمنة من الشاميين، فحمل الخراسانيون فكانت الهزيمة، وانهزم عبد الله بن علي بعد تلوم، واحتاز أبو مسلم ما كان في معسكرهم من الأموال والحواصل، وأمن أبو مسلم بقية الناس فلم يقتل منهم أحدا، وكتب إلى المنصور بذلك، فأرسل المنصور مولاه أبا الخصيب ليحصي ما وجدوا في معسكر عبد الله، فغضب من ذلك أبو مسلم الخراساني، واستوسقت الممالك لأبي جعفر المنصور في المشارق والمغارب، ومضى عبد الله بن علي وأخوه عبد الصمد على وجوههما، فلما مرا بالرصافة أقام بها عبد الصمد، فلما رجع أبو الخصيب وجده بها، فأخذه مقيدا في الحديد، فأدخله على المنصور، فدفعه إلى عيسى بن موسى، فاستأمن له من المنصور، وقيل: بل استأمن له إسماعيل بن علي. وأما عبد الله بن علي، فإنه ذهب إلى أخيه سليمان بن علي بالبصرة، فأقام
عنده زمانا مختفيا، ثم علم به المنصور، فبعث إليه فسجنه، فلبث في السجن تسع سنين، ثم سقط عليه البيت الذي هو فيه فمات، كما سيأتي بيانه في موضعه، إن شاء الله تعالى.
** [ذكر مهلك أبي مسلم الخراساني] **
في هذه السنة ذكر أن أبا مسلم لما نفر الناس من الحجيج سبق الناس بمرحلة، فلما جاءه خبر السفاح في الطريق، كتب إلى أبي جعفر المنصور يعزيه في الخليفة، ولم يهنئه بالخلافة، ولا رجع إليه، فغضب المنصور من ذلك مع ما كان مضمرا له من السوء، فقال لأبي أيوب: اكتب إليه كتابا غليظا. فلما بلغه الكتاب بعث يهنئه بالخلافة، وانقمع من ذلك، وقال بعض الأمراء لأبي جعفر: إنا نرى من المصلحة أن لا تجامعه في الطريق; فإن معه من الجنود من لا يخالفه وهم له أهيب، وليس معك أحد. فأخذ برأيه، ثم كان من أمره في مبايعته لأبي جعفر المنصور ما ذكرناه، ثم بعثه إلى عمه عبد الله بن علي فكسره، كما تقدم، وقد بعث في غبون ذلك الحسن بن قحطبة لأبي أيوب كاتب رسائل المنصور يشافهه ويخبره بأن أبا مسلم يتهم في أبي جعفر المنصور; فإنه إذا جاءه الكتاب منه يقرؤه ثم يلوي شدقيه، ويرمي بالكتاب إلى أبي نصر، ويضحكان استهزاء، فقال أبو أيوب: إن تهمة أبي مسلم عندنا أظهر من هذا.
ولما بعث أبو جعفر مولاه أبا الخصيب يقطين; ليحتاط على ما أصيب من معسكر عبد الله من الأموال والجواهر الثمينة وغيرها، غضب أبو مسلم، فشتم أبا جعفر، وهم بأبي الخصيب أن يقتله، حتى كلم فيه وقيل له: إنما هو رسول. فتركه، ورجع أبو الخصيب، فأخبر المنصور بما كان، وبما هم به أبو مسلم من قتله، فغضب المنصور، وخشي أن يذهب أبو مسلم إلى خراسان فيشق عليه تحصيله بعد ذلك، فكتب إليه مع يقطين: إني قد وليتك الشام ومصر، وهما خير من خراسان فابعث إلى مصر من شئت، وأقم أنت بالشام; لتكون أقرب إلى أمير المؤمنين، إذا أراد لقاءك كنت منه قريبا. فغضب أبو مسلم من ذلك، وقال: قد ولاني الشام ومصر، ولي خراسان! فإذا أذهب إليها، وأستخلف على الشام ومصر. فكتب إلى المنصور بذلك، فقلق المنصور من ذلك كثيرا، ورجع أبو مسلم من الشام قاصدا خراسان، وهو عازم على مخالفة المنصور، فخرج المنصور من الأنبار إلى المدائن، وكتب إلى أبي مسلم بالمصير إليه، فكتب إليه أبو مسلم وهو على الزاب عازم على الدخول إلى خراسان: إنه لم يبق لأمير المؤمنين عدو إلا أمكنه الله منه، وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان أن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت، حريون بالسمع والطاعة غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإن أرضاك ذلك فأنا كأحسن عبيدك، وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ضنا بنفسي. فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إلى أبي مسلم: قد فهمت كتابك، وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة ملوكهم، الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، وإنما راحتهم في انتثار نظام الجماعة، فلم سويت نفسك بهم، وأنت في طاعتك
ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر على ما أنت به؟! وليس مع الشريطة التي أوجبت منك سمع ولا طاعة، وقد حمل أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكن إليها إن أصغيت إليها، وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك; فإنه لم يجد بابا يفسد به نيتك أوكد عنده وأقرب من ظنه من الباب الذي فتحه عليك.
ويقال: إن أبا مسلم كتب إلى المنصور: أما بعد; فإني اتخذت رجلا إماما ودليلا على ما افترض الله على خلقه، وكان في محلة العلم نازلا، وفي قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا، فاستجهلني بالقرآن، فحرفه عن مواضعه طمعا في قليل قد نعاه الله إلى خلقه، فكان كالذي دلي بغرور، وأمرني أن أجرد السيف، وأرفع الرحمة، ولا أقبل المعذرة، ولا أقيل العثرة، ففعلت توطيدا لسلطانكم حتى عرفكم الله من كان يجهلكم، ثم استنقذني الله بالتوبة، فإن يعف عني فقدما عرف به ونسب إليه، وإن يعاقبني فبما قدمت يداي، وما الله بظلام للعبيد. ذكره المدائني عن شيوخه.
وبعث المنصور إليه جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي - وكان واحد أهل زمانه - في جماعة من الأمراء، وقد كان المنصور قال له: كلم أبا مسلم
بألين كلام تقدر عليه، وقل له: إنه يريد رفعك، وعلو قدرك، والإطلاق لك. فإن جاء بهذا فذاك، وإن أبى أن يرجع فقل: إنه يقول: هو بريء من العباس، إن شققت العصا وذهبت على وجهك هذا ليدركنك بنفسه وليلين قتالك دون غيره، ولو خضت البحر الخضم لخاضه خلفك حتى يدركك فيقتلك أو يموت قبل ذلك. ولا تقل له هذا حتى تيأس من رجوعه بالتي هي أحسن، فلما قدم عليه أمراء المنصور بحلوان دخلوا عليه ولاموه فيما هو فيه من منابذة أمير المؤمنين، ورغبوه في الرجوع إليه، فشاور ذوي الرأي من أمرائه، فكل نهاه عن الرجوع إليه، وأشاروا بأن يقيم في الري فتكون خراسان تحت حكمه، وجنوده طوع له، فإن استقام له الخليفة وإلا كان في عز ومنعة من الجند. فأرسل أبو مسلم إلى أمراء المنصور، فقال لهم: ارجعوا إلى صاحبكم، فلست ألقاه. فلما استيأسوا منه قالوا له ذلك الكلام الذي كان المنصور أمرهم به. فلما سمع ذلك كسره جدا، وقال: قوموا عني الساعة.
وكان أبو مسلم قد استخلف على خراسان أبا داود خالد بن إبراهيم، فكتب إليه المنصور في غيبة أبي مسلم حين اتهمه: إن ولاية خراسان لك ما بقيت. فكتب أبو داود إلى أبي مسلم حين بلغه ما عزم عليه من منابذة الخليفة: إنه ليس لنا منابذة خلفاء بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارجع إلى إمامك سامعا مطيعا. فزاده ذلك كسرا أيضا، فبعث إليهم أبو مسلم: إني سأبعث إليه أبا إسحاق،
وهو ممن أثق به. فبعثه إليه فأكرمه، ووعده بنيابة خراسان إن هو رده. فلما رجع إليه أبو إسحاق قال له: ما وراءك؟ قال: رأيتهم معظمين لك يعرفون قدرك. فغره ذلك، وعزم على الذهاب إلى الخليفة، فاستشار أميرا يقال له: نيزك. فنهاه، فصمم على الذهاب، فلما رآه نيزك عازما على الذهاب تمثل نيزك بقول الشاعر:
ما للرجال مع القضاء محالة ... ذهب القضاء بحيلة الأقوام
ثم قال له: احفظ عني واحدة. قال: وما هي؟ قال: إذا دخلت عليه فاقتله، ثم بايع من شئت بالخلافة; فإن الناس لا يخالفونك. وكتب أبو مسلم إلى المنصور يعلمه بقدومه عليه.
قال أبو أيوب كاتب الرسائل: فدخلت على المنصور وهو في خباء شعر بالرومية جالسا على مصلاه بعد العصر، وبين يديه كتاب، فألقاه إلي فإذا هو كتاب أبي مسلم إليه، ثم قال الخليفة: والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه. قال أبو أيوب: فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. وبت تلك الليلة لا يأتيني نوم، وفكرت في هذه الواقعة، وقلت: إن دخل أبو مسلم خائفا ربما يبدو أنه يبدر منه شيء إلى الخليفة، والمصلحة أن يدخل آمنا ليتمكن منه الخليفة. فلما أصبحت طلبت رجلا من الأمراء، وقلت له: هل لك أن تتولى مدينة كسكر; فإنها مغلة في هذه
السنة؟ فقال: ومن لي بذلك؟ فقلت له: فاذهب إلى أبي مسلم، فتلقه في الطريق، فاطلب منه أن يوليك تلك البلد; فإن أمير المؤمنين يريد أن يوليه ما وراء بابه ويستريح لنفسه. واستأذنت المنصور له أن يذهب إلى أبي مسلم، فأذن له، وقال له: سلم عليه، وقل له: إنا بالأشواق إليه. فسار ذلك الرجل - وهو سلمة بن سعيد بن جابر - إلى أبي مسلم، فأخبره باشتياق الخليفة إليه فسره ذلك وانشرح، وإنما هو غرور ومكر به، فلما سمع أبو مسلم بذلك عجل السير، فلما قرب من المدائن أمر الخليفة القواد والأمراء أن يتلقوه، وكان دخوله على المنصور من آخر ذلك اليوم، وقد أشار أبو أيوب على المنصور أن يؤخر قتله في ساعته هذه إلى الغد، فقبل ذلك منه، فلما دخل أبو مسلم على المنصور من العشي، قال: اذهب فأرح نفسك، وادخل الحمام، فإذا كان الغد فأتني. فخرج من عنده، وجاءه الناس يسلمون عليه، فلما كان الغد طلب الخليفة بعض الأمراء، فقال له: كيف بلائي عندك؟ قال: والله يا أمير المؤمنين، لو أمرتني أن أقتل نفسي لقتلتها. قال: فكيف بك إذا أمرتك بقتل أبي مسلم؟ قال: فوجم ساعة، ثم قال له أبو أيوب: ما لك لا تتكلم؟ فقال قولة ضعيفة: أقتله. ثم اختار له من عيون الحرس أربعة، فحرضهم الخليفة على قتله، وقال: كونوا من وراء الرواق، فإذا صفقت فاخرجوا عليه فاقتلوه. ثم أرسل الخليفة إلى أبي مسلم رسلا تترى; يتبع بعضهم بعضا، فأقبل أبو مسلم فدخل دار الخلافة، ثم دخل على الخليفة وهو يبتسم، فلما وقف بين يديه جعل المنصور يعاتبه في الذي صنع
واحدة واحدة، فيعتذر عن ذلك كله فيما كان اعتمده من الأمور التي تسرع فيها. ثم قال: يا أمير المؤمنين، أرجو أن تكون نفسك قد طابت علي. فقال: والله ما زادني هذا إلا غضبا عليك. ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى، فخرج عثمان وأصحابه، فضربوه بالسيوف حتى قتلوه، ولفوه في عباءة، ثم أمر بإلقائه في دجلة، وكان آخر العهد به، وكان مقتله في يوم الأربعاء لأربع بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة.
وكان من جملة ما عاتبه به المنصور أنه قال: كتبت إلي مرات تبدأ بنفسك، وأرسلت تخطب عمتي أمينة، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس. إلى غير ذلك. فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين، لا يقال هذا لي وقد سعيت في أمركم بما علمه كل أحد. فقال: ويلك! لو قامت في ذلك أمة سوداء لأتمه الله; لجدنا وحظنا. ثم قال: والله لأقتلنك. فقال: استبقني يا أمير المؤمنين لأعدائك. فقال: وأي عدو لي أعدى منك؟! ثم أمر بقتله فقتل، كما ذكرنا، فقال له بعض الأمراء: يا أمير المؤمنين، الآن صرت خليفة. ويقال: إن المنصور أنشد عند ذلك:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
وذكر القاضي ابن خلكان أن المنصور لما عزم على قتل أبي مسلم تحير في أمره; هل يستشير أحدا في ذلك أو يستبد هو برأيه; لئلا يشيع وينتشر، ثم إنه استشار واحدا من نصحائه في قتل أبي مسلم فقال: يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] . فقال له: لقد أودعتها أذنا واعية. ثم عزم على ذلك.
** [ترجمة أبي مسلم الخراساني] **
وهذه ترجمة أبي مسلم الخراساني
هو عبد الرحمن بن مسلم، أبو مسلم صاحب دولة - ويقال: دعوة - بني العباس، وكان يقال له: أمين آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الخطيب البغدادي: عبد الرحمن بن مسلم بن سنفيرون بن أسفنديار، أبو مسلم المروزي، صاحب الدولة العباسية، يروي عن أبي الزبير وثابت البناني وإبراهيم وعبد الله ابني محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. زاد ابن عساكر في شيوخه محمد بن علي، وعبد الرحمن بن حرملة، وعكرمة مولى ابن عباس. قال ابن عساكر: روى عنه إبراهيم بن
ميمون الصائغ، وبشر والد مصعب بن بشر، وعبد الله بن شبرمة، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن منيب المروزي، وقديد بن منيع صهر أبي مسلم.
قال الخطيب: وكان فاتكا، شجاعا، ذا رأي وعقل وتدبير وحزم. وقتله أبو جعفر المنصور بالمدائن.
وقال أبو نعيم الأصبهاني في " تاريخ أصبهان ": كان اسمه عبد الرحمن بن عثمان بن يسار. قيل: إنه ولد بأصبهان. وروى عن السدي وغيره.
وقال بعض الحفاظ: كان اسم أبي مسلم - صاحب الدعوة - إبراهيم بن عثمان بن يسار بن شيدوس بن جودرن، من ولد بزرجمهر، وكان يكنى أبا إسحاق، وولد بأصبهان، ونشأ بالكوفة، وكان أبوه أوصى إلى عيسى بن موسى السراج، فحمله إلى الكوفة، وهو ابن سبع سنين، فلما بعثه إبراهيم بن محمد إلى خراسان قال له: غير اسمك وكنيتك. فتسمى بعبد الرحمن بن مسلم، واكتنى بأبي مسلم، فسار إلى خراسان وهو ابن تسع عشرة سنة
راكبا على حمار بإكاف، وأعطاه إبراهيم بن محمد نفقة من عنده، فرحل إلى خراسان وهو كذلك، ثم آل به الحال حتى صارت له خراسان بأزمتها وحذافيرها، وذكر بعضهم أنه في مروره إلى خراسان عدا رجل في بعض الخانات على حماره، فهلب ذنبه، فلما تمكن أبو مسلم وحكم على ذلك الموضع، جعله دكا، فكان بعد ذلك خرابا لا يسكن. وذكر بعضهم أنه أصابه سباء في صغره، وأنه اشتراه بعض دعاة بني العباس بأربعمائة درهم، وأن إبراهيم بن محمد الإمام استوهبه أو اشتراه، فانتمى إليه، وزوجه إبراهيم بن محمد، حين بعثه إلى خراسان، بنت أبي النجم عمران بن إسماعيل الطائي، أحد دعاة بني العباس، وأصدقها عنه أربعمائة درهم، فولد لأبي مسلم بنتان; إحداهما أسماء، أعقبت، وفاطمة، ولم تعقب.
وقد ذكرنا فيما سلف من السنين، كيفية استقلال أبي مسلم بأمور خراسان في سنة تسع وعشرين ومائة، ونشره دعوة بني العباس.
وقد كان ذا هيبة وصرامة وإقدام وتسرع; روى ابن عساكر من طريق مصعب بن بشر، عن أبيه قال: قام رجل إلى أبي مسلم وهو يخطب، فقال: ما هذا السواد الذي أرى عليك؟ فقال: حدثني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل» مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء. وهذه ثياب الهيبة، وثياب الدولة. يا غلام، اضرب عنقه.
وروى من حديث عبد الله بن منيب، عنه، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد هوان قريش أهانه الله» .
وقد كان إبراهيم بن ميمون الصائغ من أصحابه وجلسائه في زمن الدعوة، وكان يعده إذا ظهر أن يقيم الحدود والعدل، فلما تمكن أبو مسلم ما زال إبراهيم بن ميمون يلح عليه في القيام بما وعده به حتى أحرجه، فضرب عنقه بعدما قال له: هلا كنت تنكر على نصر بن سيار وهو يعمل أواني الخمر من الذهب فيبعثها إلى بني أمية؟ ! فقال له: إن أولئك لم يعدوني من أنفسهم ما وعدتني أنت. وقد رأى بعضهم في المنام لإبراهيم منازل عالية في الجنة; بصبره على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رحمه الله.
وقد ذكرنا ما اعتمده أبو مسلم في أيام السفاح من الطاعة الأكيدة له، والمبادرة إلى أوامره، وامتثال مراسيمه، ثم لما صار الأمر إلى المنصور استخف به واحتقره، ومع هذا كسر عمه عبد الله بن علي حين دعا إلى نفسه بالشام، فاستنقذها منه وردها إلى حكم المنصور، ثم شمخت نفسه على المنصور، وهم بقلعه، ففطن لذلك المنصور مع ما كان مبطنا له من البغضة، وقد سأل أخاه السفاح غير مرة أن يقتله فيصدف عن ذلك، وذكرنا أيضا ما كان من أمر أبي مسلم والمنصور من المراسلات والمكاتبات، حين استوحش منه المنصور واتهمه بسوء النية، وما زال يراسله ويستدعيه ويخدعه ويماكره حتى استحضره
فقتله، كما قدمنا بيانه.
قال بعضهم: كتب المنصور إلى أبي مسلم: أما بعد، فإنه يرين على القلوب، وتطبع عليها المعاصي، فقع أيها الطائر، وأفق أيها السكران، وانتبه أيها الحالم، فإنك مغرور بأضغاث أحلام كاذبة، وفي برزخ دنيا قد غرت من قبلك، وسم بها سوالف القرون، {هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا} [مريم: 98] . وإن الله لا يعجزه من هرب، ولا يفوته من طلب، ولا تغتر بمن معك من شيعتي وأهل دعوتي، فكأنهم قد صاولوك، إن أنت خلعت الطاعة، وفارقت الجماعة، بدا لك من الله ما لم تكن تحتسب، مهلا مهلا، احذر البغي أبا مسلم; فإنه من بغى واعتدى تخلى الله منه، ونصر عليه من يصرعه لليدين والفم، واحذر أن تكون سنة في الذين قد خلوا من قبل، فقد قامت الحجة، وأعذرت إليك وإلى أهل طاعتي فيك. قال الله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين} [الأعراف: 175]
[الأعراف: 175] . فأجابه أبو مسلم: أما بعد; فقد قرأت كتابك، فرأيتك فيه للصواب مجانبا، وعن الحق حائدا، إذ تضرب فيه الأمثال على غير أشكالها، وتضرب فيه
آيات منزلة من الله للكافرين، وما يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وإنني والله ما انسلخت من آيات الله، ولكنني يا عبد الله بن محمد كنت رجلا متأولا فيكم من القرآن آيات أوجبت لكم بها الولاية والطاعة، فأتممت بأخوين لك من قبلك، ثم بك من بعدهما، فكنت لهما شيعة متدينا، أحسبني هاديا، وأخطأت في التأويل، وقديما أخطأ المتأولون، وقد قال الله تعالى {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} [الأنعام: 54] . وكتب إليه أبو مسلم: إن أخاك السفاح ظهر في صورة مهدي، وكان ضالا; أمرني أن أجرد السيف، وأقتل بالظنة، وأقدم بالشبهة، وأرفع الرحمة ولا أقيل العثرة، فوترت أهل الدنيا في طاعتكم، وتوطئة سلطانكم حتى عرفكم من كان جهلكم، ثم إن الله سبحانه تداركني منه بالندم، واستنقذني بالتوبة، فإن يعف عني ويصفح فإنه كان للأوابين غفورا، وإن يعاقبني فبذنوبي، وما ربك بظلام للعبيد.
فكتب إليه أبو جعفر: أما بعد، أيها المجرم العاصي، فإن أخي كان إمام هدى، يدعو إلى الله على بينة من الله، فأوضح لك السبيل، وحملك على المنهج، فلو بأخي اقتديت ما كنت عن الحق حائدا، وعن الشيطان وأمره صادرا، ولكنه لم يسنح لك أمران إلا كنت لأرشدهما تاركا، ولأغواهما موافقا، تقتل قتل الفراعنة، وتبطش بطش الجبابرة، وتحكم بالجور حكم
المفسدين، ثم من خبري أيها الفاسق أني قد وليت موسى بن كعب خراسان، وأمرته بالمقام بنيسابور، فإن أردت خراسان لقيك بمن معه من قوادي وشيعتي، وأنا موجه للقائك أقرانك، فاجمع كيدك وأمرك غير مسدد ولا موفق، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل.
ولم يزل المنصور يراسله تارة بالرغبة وتارة بالرهبة، ويستخف أحلام من حوله من الأمراء والرسل الذين يبعث بهم أبو مسلم، حتى حسنوا له في رأيه القدوم على أبي جعفر سوى أمير معه يقال له: نيزك. فإنه لم يوافق على ذلك، فلما رأى أبا مسلم قد انصاع معهم قال:
ما للرجال مع القضاء محالة ... ذهب القضاء بحيلة الأقوام
وأشار عليه، كما تقدم، بأن يبدر إلى قتل الخليفة إن أمكنه، فما أمكنه كما تقدم، وذلك أن أبا مسلم لما قدم المدائن تلقاه الأمراء عن أمر الخليفة، فما وصل إلا آخر النهار، وقد أشار أبو أيوب كاتب الرسائل على الخليفة أن لا يقتله يومه هذا، فلما وقف بين يدي الخليفة أكرمه وعظمه، وأظهر احترامه، وقال: اذهب الليلة فأذهب عنك وعثاء السفر، ثم ائتني من الغد. فلما كان الغد أرصد له من الأمراء من يقتله، منهم; عثمان بن نهيك، وشبيب بن
واج، وأرسل إليه رسلا تترى ليقدم عليه ويقال: بل أقام أياما يظهر له أبو جعفر الإكرام والاحترام، ثم بدا له منه الوحشة، فخاف أبو مسلم، واستشفع بعيسى بن موسى، وقال: إني أخافه على نفسي. فقال: لا بأس عليك، فانطلق فأنا آت وراءك، وأنت في ذمتي حتى آتيك - ولم يكن مع عيسى بن موسى خبر بما يريد به الخليفة - فجاء أبو مسلم يستأذن على الخليفة فقالوا له: اجلس هاهنا; فإن أمير المؤمنين يتوضأ. فجلس وهو يود أن يطول مجلسه ليجيء عيسى بن موسى فأبطأ، وأذن له الخليفة فدخل عليه، فجعل يعاتبه في أشياء صدرت منه، فيعتذر عنها جيدا، حتى قال له: فلم قتلت سليمان بن كثير، وفلانا وفلانا؟ قال: لأنهم عصوني وخالفوا أمري. فغضب عند ذلك المنصور، وقال: ويحك! أنت تقتل إذا عصيت، وأنا لا أقتلك وقد عصيتني؟! وصفق بيديه، وكانت الإشارة بينه وبين أولئك المرصدين لقتله، فتبادروا إليه ليقتلوه، فضربه أحدهم فقطع حمائل سيفه، فقال: يا أمير المؤمنين، استبقني لأعدائك. فقال: وأي عدو أعدى لي منك؟ ثم زجرهم المنصور، فقطعوه قطعا قطعا، ولفوه في عباءة، ودخل عيسى بن موسى على إثر ذلك، فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا أبو مسلم. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال له المنصور: احمد الله; فإنك هجمت على نعمة، ولم تهجم على نقمة. ففي
ذلك يقول أبو دلامة:
أبا مسلم ما غير الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد
أبا مسلم خوفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوفتني الأسد الورد
وذكر ابن جرير أن المنصور تقدم إلى عثمان بن نهيك وشبيب بن واج وأبي حنيفة حرب بن قيس وآخر من الحرس أن يكونوا قريبا منه، فإذا دخل عليه أبو مسلم، وخاطبه وضرب بإحدى يديه على الأخرى فليقتلوه، فلما دخل أبو مسلم على المنصور قال له: ما فعل السيفان اللذان أصبتهما من عبد الله بن علي؟ فقال: هذا أحدهما. قال: أرنيه. فناوله السيف، فوضعه المنصور تحت ركبته، ثم قال له: ما حملك على أن كتبت إلى أبي العباس - يعني السفاح - تنهاه عن الموات، أردت أن تعلمنا الدين؟! قال: إنني ظننت أن أخذه لا يحل، فلما جاءني كتابه علمت أن أمير المؤمنين وأهل بيته معدن العلم. قال: فلم تقدمت علي في طريق الحج؟ قال: كرهت اجتماعنا على الماء، فيضر ذلك بالناس، فتقدمت التماس الرفق. قال: فلم لا رجعت إلي حين أتاك خبر موت أبي العباس؟ قال: كرهت التضييق على الناس، وعرفت أنا نجتمع بالكوفة، وليس عليك مني خلاف. قال: فجارية عبد الله بن علي أردت أن تتخذها لنفسك؟ قال: لا، ولكني خفت أن تضيع فحملتها في قبة، ووكلت بها من يحفظها. ثم قال له: ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك، والكاتب
إلي تخطب أمينة بنت علي، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس؟ ! هذا كله ويد المنصور في يده يعركها ويقبلها ويعتذر، ثم قال له: فما حملك على مراغمتي ودخولك إلى خراسان؟ قال: خفت أن يكون دخلك مني شيء، فقلت: آتي خراسان، وأكتب إليك بعذري. قال: فلم قتلت سليمان بن كثير وكان من نقبائنا ودعاتنا قبلك؟ قال: أراد خلافي. فقال: ويحك! وأنت أردت خلافي وعصيتني، قتلني الله إن لم أقتلك. ثم ضربه بعمود الخيمة، وخرج إليه أولئك، فضربه عثمان فقطع حمائل سيفه وضربه شبيب فقطع رجله واعتوره بقيتهم، والمنصور يصيح: ويحكم! اضربوا، قطع الله أيديكم. ثم ذبحوه وقطعوه قطعا قطعا، ثم ألقي في دجلة. ويروى أن المنصور لما قتل أبا مسلم وقف عليه فقال: رحمك الله أبا مسلم، بايعتنا وبايعناك، وعاهدتنا وعاهدناك، ووفيت لنا ووفينا لك، وإنا بايعناك على أن لا يخرج علينا أحد في هذه الأيام إلا قتلناه، فخرجت علينا فقتلناك، وحكمنا عليك حكمك على نفسك. ويقال: إنه قال: الحمد لله الذي أراني يومك يا عدو الله.
قال ابن جرير: وقال المنصور عند ذلك:
زعمت أن الدين لا يقتضى ... فاستوف بالكيل أبا مجرم
سقيت كأسا كنت تسقي بها
أمر في الحلق من العلقم
وقد خطب المنصور الناس بعد قتل أبي مسلم فقال: أيها الناس، لا تنفروا أطراف النعمة بقلة الشكر، فتحل بكم النقمة، ولا تسروا غش الأئمة; فإن أحدا لا يسر منكم شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه، وطوالع نظره، وإنا لن نجهل حقوقكم ما عرفتم حقنا، ولا ننسى الإحسان إليكم ما ذكرتم فضلنا، ومن نازعنا هذا القميص أوطأنا أم رأسه خبيء هذا الغمد، وإن أبا مسلم بايع على أنه من نكث بيعتنا وأظهر غشنا لنا فقد أباحنا دمه، ونكث، وغدر، وفجر، وكفر، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا، وإن أبا مسلم أحسن مبتدئا وأساء معقبا، وأخذ من الناس بنا أكثر مما أعطانا، ورجح قبيح باطنه على حسن ظاهره، وعلمنا من خبث سريرته وفساد نيته ما لو علم اللائم لنا فيه، لعذرنا في قتله، وعنفنا في إمهاله، وما زال ينقض بيعته ويخفر ذمته حتى أحل لنا عقوبته، وأباحنا دمه، فحكمنا فيه حكمه في غيره، ولم يمنعنا الحق له من إمضاء الحق فيه، وما أحسن ما قال النابغة الذبياني للنعمان - يعني ابن المنذر: -
فمن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادلله على الرشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبة
تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد
وقد روى البيهقي عن الحاكم، بسنده أن عبد الله بن المبارك سئل عن أبي مسلم; أكان خيرا أم الحجاج؟ فقال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيرا من أحد، ولكن كان الحجاج شرا منه.
وقد اتهمه بعضهم على الإسلام، ورموه بالزندقة، ولم أر فيما ذكروه ما يدل على ذلك، بل على أنه كان ممن يخاف الله من ذنوبه، وقد ادعى التوبة مما كان سفك من الدماء في إقامة الدولة العباسية. والله أعلم بأمره.
وقد روى الخطيب عنه أنه قال: ارتديت الصبر، وآثرت الكتمان، وحالفت الأحزان والأشجان، وسامحت المقادير والأحكام حتى بلغت غاية همتي، وأدركت نهاية بغيتي. ثم أنشأ يقول:
قد نلت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
ما زلت أضربهم بالسيف فانتبهوا ... من رقدة لم ينمها قبلهم أحد
طفقت أسعى عليهم في ديارهم ... والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا
ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد
وقد كان قتله بالمدائن يوم الأربعاء لسبع خلون - وقيل: لخمس بقين.
وقيل: لأربع. وقيل: لليلتين بقيتا - من شعبان من هذه السنة. أعني سنة سبع وثلاثين ومائة.
وقال بعضهم: كان ابتداء ظهوره في رمضان من سنة تسع وعشرين ومائة، وقتل في شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة. وزعم بعضهم أنه قتل ببغداد في سنة أربعين، وهذا غلط من قائله; فإن بغداد لم تكن بنيت بعد، وقد رد هذا القول أبو بكر الخطيب في " تاريخه ". والله أعلم.
ثم إن المنصور شرع في تأليف أصحاب أبي مسلم بالأعطية والرغبة والرهبة، واستدعى أبا إسحاق، وكان من أعز أصحاب أبي مسلم عنده، وكان على شرطته، وهم بضرب عنقه، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما أمنت قط إلا في هذا اليوم، وما من مرة كنت أدخل عليه إلا تحنطت ولبست أكفاني. ثم كشف عن ثيابه التي تلي جسده فإذا هو محنط، وعليه أدراع أكفان، فرق له المنصور، وأطلقه.
وذكر ابن جرير أن أبا مسلم قتل في حروبه وما كان يتعاطاه لأجل دولة
بني العباس، ستمائة ألف صبرا. وقد قال للمنصور وهو يعاتبه على ما كان يصنعه: يا أمير المؤمنين، لا يقال لي مثل هذا بعد بلائي وما كان مني. فقال: يا ابن الخبيثة، والله لو كانت أمة مكانك لأجزأت عنك، إنما عملت ما عملت في دولتنا وبريحنا، لو كان ذلك إليك لما قطعت فتيلا.
ولما قتله المنصور لف في كساء وهو مقطع إربا إربا، فدخل عيسى بن موسى الذي كان وعده أن يلحقه ليشفع فيه، فقال: يا أمير المؤمنين، أين أبو مسلم؟ قال: قد كان هاهنا آنفا. فقال: يا أمير المؤمنين، قد عرفت طاعته ونصيحته، ورأي إبراهيم الإمام فيه. فقال له: يا أنوك، والله ما أعلم في الأرض عدوا أعدى لك منه، ها هو ذاك في البساط. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! فقال له المنصور: خلع الله قلبك! وهل كان لكم ملك أو سلطان أو أمر أو نهي مع أبي مسلم؟
ثم استدعى المنصور برءوس الأمراء، فجعل يستشيرهم في قتل أبي مسلم قبل أن يعلموا بقتله، فكلهم يشير بقتله، ومنهم من إذا تكلم أسر كلامه لئلا ينقل عنه إلى أبي مسلم، فلما أطلعهم الخليفة على قتله أفرحهم ذلك، وأظهروا سرورا كثيرا، ثم خطب المنصور الناس عامة بذلك كما قدمناه.
ثم كتب الخليفة إلى نائب أبي مسلم على أمواله وحواصله بكتاب
على لسان أبي مسلم، وختم عليه بخاتم أبي مسلم، أن يقدم بجميع ما عنده من الحواصل والأموال، فلما وصل الكتاب إلى نائبه وعليه الخاتم بكماله مطبوعا استراب في الأمر، وقد كان أبو مسلم تقدم إليه: إني إذا بعثت إليك كتابي، فإنما أختم بنصف الفص على الكتاب، فإذا جاءك الخاتم بكماله فلا تقبل. فامتنع نائبه من قبول ذلك الكتاب والانقياد له، فأرسل المنصور إليه من قبضه له، وقتل ذلك الرجل.
وكتب المنصور إلى أبي داود خالد بن إبراهيم بإمرة خراسان كما وعده قبل ذلك عوضا عن أبي مسلم الخراساني. ولله الأمر.
وفي هذه السنة خرج سنباذ يطلب بدم أبي مسلم الخراساني، وقد كان سنباذ هذا مجوسيا تغلب على قومس وأصبهان والري، وتسمى بفيروز أصبهبذ، فبعث إليه أبو جعفر المنصور جيشا هم عشرة آلاف فارس عليهم جهور بن مرار العجلي، فالتقوا بين همذان والري على طرف المفازة،
فهزم جهور لسنباذ، وقتل من أصحابه ستين ألفا، وسبى ذراريهم ونساءهم، وقتل سنباذ بعد ذلك، فكانت أيامه سبعين يوما. وأخذ ما كان استحوذ عليه من أموال أبي مسلم التي كانت بالري.
وخرج في هذه السنة أيضا رجل يقال له: ملبد. في ألف من الخوارج بالجزيرة، فجهز له المنصور جيوشا متعددة كثيفة، فكلها تنفر من ملبد، ثم قاتله حميد بن قحطبة نائب الجزيرة فهزمه ملبد، وتحصن منه حميد في بعض الحصون، ثم صالحه حميد بن قحطبة على مائة ألف، فدفعها إليه، وقبلها ملبد، وانقلع عنه.
وحج بالناس في هذه السنة عم الخليفة إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس. قاله الواقدي. وكان نائب الموصل، وعلى نيابة الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة سليمان بن علي، وعلى الجزيرة حميد بن قحطبة، وعلى مصر صالح بن علي، وعلى خراسان أبو داود خالد بن إبراهيم، وعلى الحجاز زياد بن عبد الله.
ولم يكن للناس في هذه السنة صائفة; لشغل الخليفة بسنباذ.
ومن مشاهير من توفي في هذه السنة أبو مسلم الخراساني وقد تقدمت ترجمته، ويزيد بن أبي زياد أحد المتكلم فيهم، كما ذكرنا في " التكميل ".