Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 249 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
فيها خرج علي بن عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبي الخصيب إلى نسا، فقاتله بها، وسبى نساءه وذراريه، واستقامت خراسان.
وحج بالناس فيها أمير المؤمنين هارون الرشيد، ومعه ابناه محمد الأمين وعبد الله المأمون، فبلغ جملة ما أعطى لأهل الحرمين ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار، وذلك أنه كان يعطي، ثم يذهب الناس من بعده إلى ولده الأمين فيعطي، ثم يذهبون إلى ولده عبد الله المأمون فيعطي.
وكان إلى الأمين ولاية الشام والعراق، وإلى المأمون من همذان إلى بلاد المشرق. ثم بايع الرشيد لولده القاسم من بعد أخويه، ولقبه المؤتمن، وولاه الجزيرة والثغور والعواصم، وكان الباعث له على ذلك أن ابنه القاسم هذا كان في حجر عبد الملك بن صالح، فلما بايع الرشيد لولديه الأمين والمأمون كتب إليه:
يا أيها الملك الذي ... لو كان نجما كان سعدا
اعقد لقاسم بيعة ... واقدح له في الملك زندا
الله فرد واحد ... فاجعل ولاة العهد فردا
ففعل الرشيد ذلك، وقد حمده قوم على ذلك، وذمه آخرون، ولم ينتظم للقاسم هذا أمر، بل اخترمته الأقدار عن بلوغ الأوطار.
ولما قضى الرشيد حجه ومناسكه أحضر من معه من الأمراء والوزراء، وأحضر وليي العهد; محمدا الأمين وعبد الله المأمون، وأشهد على كل منهما السمع والطاعة لأخيه، وألا ينازعه ما ولاه الله من ذلك، وكتب بمضمون ذلك صحيفة، وكتب فيها الأمراء والوزراء خطوطهم بالشهادة عليها بذلك، وأراد الرشيد أن يعلقها في الكعبة فسقطت، فقيل: هذا الأمر سريع انتقاضه. وكذا وقع كما سيأتي بيانه.
وقد قال إبراهيم الموصلي في عقد هذه البيعة في الكعبة:
خير الأمور مغبة ... وأحق أمر بالتمام
أمر قضى أحكامه الر ... حمن في البلد الحرام
وقد أطال القول في هذا المقام أبو جعفر ابن جرير وتبعه ابن الجوزي في كتابه " المنتظم " أيضا.
** [ذكر من توفي فيها من الأعيان] **
### $ أصبغ بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم أبو زبان في رمضان منها. ### $ وحسان بن إبراهيم، قاضي كرمان عن مائة سنة.
### $ سلم الخاسر الشاعر، وهو سلم بن عمرو بن حماد بن عطاء، وإنما قيل له: الخاسر. لأنه باع مصحفا واشترى به ديوان شعر لامرئ القيس. وقيل للأعشى. وقيل: طنبورا: وقيل: لأنه أنفق مائتي ألف في صناعة الأدب. وقد كان شاعرا مطبقا، له قدرة على الإنشاء على حرف واحد، فمن ذلك قوله لموسى الهادي:
موسى المطر ... غيث بكر
ثم انهمر ... كم اعتسر
ثم ايتسر ... وكم قدر
ثم غفر ... عدل السير
باقي الأثر ... خير البشر
فرع مضر ... بدر بدر
لمن نظر ... هو الوزر
لمن حضر ... والمفتخر
لمن غبر ... والمجتبر
لمن عثر
وذكر الخطيب البغدادي أنه كان على طريقة غير مرضية من المجون والفسق، وأنه كان من تلاميذ بشار بن برد، وأن نظمه أحسن من نظم بشار، فمما غلب
فيه بشارا قول بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
فقال سلم:
من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور
فغضب بشار وقال: أخذ معاني فكساها ألفاظا أخف من ألفاظي.
وقد حصل له من الخلفاء والبرامكة نحو من أربعين ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك. ولما مات ترك ستة وثلاثين ألف دينار فأودعها عند أبي السمراء الغساني، فغنى إبراهيم الموصلي الرشيد يوما فأطربه، فقال له: سل. فقال: يا أمير المؤمنين، أسألك شيئا لا أرزؤك. قال: وما هو؟ فذكر له وديعة سلم الخاسر، وأنه لم يترك وارثا، فأمر له بها. ويقال: إنها كانت خمسين ألف دينار. ### $ العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عم الرشيد، كان من سادات قريش، ولي إمارة الجزيرة في أيام الرشيد، وقد أطلق له الرشيد في يوم خمسة آلاف ألف درهم، وإليه تنسب العباسية، وبها دفن وعمره خمس وستون سنة، وصلى عليه الأمين. ### $ يقطين بن موسى، كان أحد الدعاة إلى دولة بني العباس، وكان داهية ذا رأي، وقد احتال مرة حيلة عظيمة وذلك حين حبس مروان الحمار إبراهيم بن
محمد بحران، فتحيرت الشيعة العباسية فيمن يكون ولي الأمر من بعده، فذهب يقطين هذا إلى مروان، فوقف بين يديه في صورة تاجر فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد بعت بضاعة من رجل ولم أقبض ثمنها منه حتى أخذته رسلك فحبسوه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجمع بيني وبينه لأطالبه بمالي؟ قال: نعم. فأرسل به إليه مع غلام، فلما رآه قال: يا عدو الله، إلى من تركت بعدك آخذ مالي منه؟ فقال: إلى ابن الحارثية. يعني أخاه عبد الله السفاح، فرجع يقطين إلى الدعاة إلى بني العباس، فأعلمهم بما قال، فبايعوا السفاح، وكان ما قد كان.