John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[كتاب مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر شيء من البشارات بذلك] — تتمة ٣

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 36 of 840

وقال البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا بيان وإسماعيل قالا: سمعنا قيسا يقول: «سمعت خبابا يقول: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر الوجه، فقال: " قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، ما يخاف إلا الله عز وجل ".» زاد بيان «والذئب على غنمه» وفي

رواية: «ولكنكم تستعجلون ".» انفرد به البخاري دون مسلم. وقد روى من وجه آخر عن خباب وهو مختصر من هذا. والله أعلم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان. ح وابن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب عن خباب قال: «شكونا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - شدة الرمضاء، فما أشكانا.» يعني في الصلاة، وقال ابن جعفر: فلم يشكنا. وقال أيضا: حدثنا سليمان بن داود حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت سعيد بن وهب يقول: سمعت خبابا يقول: «شكونا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - شدة الرمضاء، فلم يشكنا.» قال شعبة: يعني في الظهر. ورواه مسلم والنسائي والبيهقي من حديث أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن وهب عن خباب قال: «شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء. زاد البيهقي: في وجوهنا وأكفنا، فلم يشكنا.» وفي رواية «: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في الرمضاء، فلم يشكنا.» ورواه ابن

ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع عن الأعمش عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب العبدي عن خباب قال: «شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء، فلم يشكنا.» والذي يقع لي والله أعلم أن هذا الحديث مختصر من الأول، وهو أنهم شكوا إليه - صلى الله عليه وسلم - ما يلقون من المشركين من التعذيب بحر الرمضاء، وأنهم يسحبونهم على وجوههم فيتقون بأكفهم، وغير ذلك من أنواع العذاب، كما تقدم عن ابن إسحاق وغيره، وسألوا منه - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو الله لهم على المشركين، أو يستنصر عليهم، فوعدهم ذلك ولم ينجزه لهم في الحالة الراهنة، وأخبرهم عمن كان قبلهم ; أنهم كانوا يلقون من العذاب ما هو أشد مما أصابهم، ولا يصرفهم ذلك عن دينهم، ويبشرهم أن الله سيتم هذا الأمر، ويظهره، ويعليه، وينشره، وينصره في الأقاليم والآفاق، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ; ولهذا قال: «شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء في وجوهنا وأكفنا، فلم يشكنا» أي لم يدع لنا في الساعة الراهنة، فمن استدل بهذا الحديث على عدم الإبراد أو على وجوب مباشرة المصلي بالكف، كما هو أحد قولي الشافعي ففيه نظر. والله أعلم.

** [باب مجادلة المشركين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإقامته الحجة الدامغة عليهم] ، واعترافهم في أنفسهم بالحق، وإن أظهروا المخالفة ; عنادا وحسدا، وبغيا، وجحودا **

قال إسحاق بن راهويه: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس «أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه، فقال: يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا. قال: لم؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له. قال: وماذا أقول؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا

بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه. فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر ; يأثره عن غيره فنزلت: {ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا} [المدثر: 11] » الآيات. [المدثر: 11 - 13] هكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن أبي عبد الله محمد بن علي الصنعاني بمكة، عن إسحاق به. وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلا. وفيه أنه قرأ عليه {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} [النحل: 90]

وقال البيهقي: عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس «أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا

تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قول بعضكم بعضا. فقيل: يا أبا عبد شمس فقل: وأقم لنا رأيا نقوم به. فقال: بل أنتم، فقولوا وأنا أسمع. فقالوا: نقول: كاهن. فقال: ما هو بكاهن ; فقد رأيت الكهان، فما هو بزمزمة الكهان. فقالوا: نقول: مجنون. فقال: ما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون، وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. فقال نقول: شاعر. فقال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر برجزه، وهزجه، وقريضه، ومقبوضه، ومبسوطه، فما هو بالشعر قالوا فنقول: هو ساحر. قال: ما هو بساحر، قد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه، ولا بعقده. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لمغدق، وإن فرعه لجنى، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول لأن تقولوا: ساحر. فتقولوا: هو ساحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره، وأنزل الله في الوليد قوله: {ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا} [المدثر: 11] الآيات. وفي أولئك النفر

قوله: {الذين جعلوا القرآن عضين فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} [الحجر: 91] » [الحجر: 91 - 93]

قلت: وفي ذلك قال الله تعالى إخبارا عن جهلهم وقلة عقلهم: {بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون} [الأنبياء: 5] . فحاروا ماذا يقولون فيه، فكل شيء يقولونه باطل ; لأن من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ، قال الله تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا} [الفرقان: 9]

وقال الإمام عبد بن حميد في " مسنده ": حدثني أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر عن الأجلح، هو ابن عبد الله الكندي عن الذيال بن حرملة الأسدي عن جابر بن عبد الله قال: «اجتمع قريش يوما، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه، فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: أنت يا أبا الوليد. فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى

نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك ; فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى، أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت، فلنزوجك عشرا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " فرغت؟ ". قال: نعم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم {كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون} [فصلت: 3] إلى أن بلغ {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} [فصلت: 13] فقال عتبة: حسبك حسبك، ما عندك غير هذا؟ قال: " لا ". فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته. قالوا: فهل أجابك؟ فقال: نعم. ثم قال: لا والذي نصبها بنية، ما فهمت شيئا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟ ! قال: لا والله، ما فهمت شيئا مما قال، غير ذكر الصاعقة.»

وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم عن الأصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين عن محمد بن فضيل عن الأجلح به. وفيه كلام، وزاد: «وإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك، فكنت رأسنا ما بقيت. وعنده: أنه لما قال له: {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} [فصلت: 13] أمسك عتبة على فيه، وناشده الرحم أن يكف عنه، ولم يخرج إلى أهله، واحتبس عنهم. فقال أبو جهل: يا معشر قريش، والله ما نرى عتبة إلا صبأ إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، انطلقوا بنا إليه. فأتوه، فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمد، وأعجبك أمره، فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد. فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمدا أبدا، وقال: لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا، ولكني أتيته وقص عليهم القصة فأجابني بشيء والله ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة، قرأ بسم الله الرحمن الرحيم {حم - تنزيل من الرحمن الرحيم} [فصلت: 1 - 2] حتى بلغ {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} [فصلت: 13] فأمسكت بفيه، وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب.»

ثم قال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم عن محمد بن كعب قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا حليما قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى هذا فأكلمه فأعرض عليه أمورا، لعله يقبل بعضها ويكف عنا؟ قالوا: بلى يا أبا الوليد. فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المال، والملك، وغير ذلك. وقال زياد عن ابن إسحاق: «فقال عتبة: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيدون ويكثرون فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت

به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا أبا الوليد أسمع ". قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا، سودناك علينا، حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه، لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا، حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل، حتى يداوى منه. أو كما قال له. حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمع منه، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أفرغت يا أبا الوليد؟ ". قال: نعم. قال: " فاسمع مني ". قال: أفعل. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " بسم الله الرحمن الرحيم {حم - تنزيل من الرحمن الرحيم - كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون} [فصلت: 1 - 3] فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها، فلما سمع بها عتبة أنصت لها، وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليهما ; ليسمع منه، حتى انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السجدة فسجدها، ثم قال: " سمعت يا أبا الوليد؟ ". قال: سمعت. قال: " فأنت وذاك ". ثم قام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلسوا إليه، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني والله قد سمعت قولا

ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب، فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم» . ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعرا قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة.

وقال البيهقي: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أخبرنا أبو قتيبة سلمة بن الفضل الآدمي بمكة، حدثنا أبو أيوب أحمد بن بشر الطيالسي حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا المثنى بن زرعة عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: «لما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عتبة بن ربيعة {حم تنزيل من الرحمن الرحيم} [فصلت: 1] أتى أصحابه، فقال لهم: يا قوم، أطيعوني في هذا الأمر اليوم، واعصوني فيما بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي كلاما مثله، وما دريت ما أرد عليه.» وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه.

ثم روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار

عن يونس عن ابن إسحاق حدثني الزهري قال: حدثت «أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا. ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة. ثم انصرفوا، فلما كانت الليلة الثالثة، أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقالوا: لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها. فقال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ; أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نسمع به أبدا، ولا نصدقه. فقام عنه الأخنس بن شريق»

ثم قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس حدثنا أحمد حدثنا يونس عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن المغيرة بن شعبة قال: «إن أول يوم عرفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني كنت أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي جهل: " يا أبا الحكم هلم إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله ". فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت، فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك. فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقبل علي فقال: والله إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن يمنعني شيء ; إن بني قصي، قالوا: فينا الحجابة. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا السقاية. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا الندوة. فقلنا: نعم. ثم قالوا فينا اللواء. فقلنا: نعم. ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكت الركب، قالوا: منا نبي. والله لا أفعل.»

وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثنا محمد بن خالد حدثنا أحمد بن خالد

حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق قال: «مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي جهل وأبي سفيان وهما جالسان، فقال أبو جهل: هذا نبيكم يا بني عبد شمس. قال أبو سفيان: وتعجب أن يكون منا نبي! فالنبي يكون فيمن أقل منا وأذل. فقال أبو جهل: عجب أن يخرج غلام من بين شيوخ نبيا. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمع فأتاهما، فقال: " أما أنت يا أبا سفيان فما لله ورسوله غضبت، ولكنك حميت للأصل، وأما أنت يا أبا الحكم فوالله لتضحكن قليلا، ولتبكين كثيرا ". فقال: بئسما تعدني يا ابن أخي من نبوتك.» هذا مرسل من هذا الوجه، وفيه غرابة.

وقول أبي جهل لعنه الله، كما قال الله تعالى مخبرا عنه وعن أضرابه: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا} [الفرقان: 41]

[الفرقان: 41 - 42]

وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «نزلت هذه الآية ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوار بمكة: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} [الإسراء: 110] . قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله، ومن جاء به. قال: فقال الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - {ولا تجهر بصلاتك} [الإسراء: 110] أي بقراءتك، فيسمع المشركون، فيسبوا القرآن، {ولا تخافت بها} [الإسراء: 110] عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن، حتى يأخذوه عنك {وابتغ بين ذلك سبيلا} [الإسراء: 110] »

وهكذا رواه صاحبا " الصحيح " من حديث أبي بشر جعفر بن أبي وحشية به.

وقال محمد بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جهر بالقرآن، وهو يصلي، تفرقوا عنه، وأبوا أن يستمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله بعض ما يتلو وهو يصلي استرق السمع دونهم ; فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع، ذهب خشية أذاهم، فلم يستمع، فإن خفض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا، فأنزل الله تعالى {ولا تجهر بصلاتك} [الإسراء: 110] فيتفرقوا عنك {ولا تخافت بها} [الإسراء: 110] فلا يسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به {وابتغ بين ذلك سبيلا} [الإسراء: 110] »

** [باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله من مكة إلى أرض الحبشة] فرارا بدينهم من الفتنة **

قد تقدم ذكر أذية المشركين للمستضعفين من المؤمنين، وما كانوا يعاملونهم به من الضرب الشديد، والإهانة البالغة، وكان الله عز وجل قد حجزهم عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومنعه بعمه أبي طالب كما تقدم تفصيله، ولله الحمد والمنة.

وروى الواقدي أن خروجهم إليها في رجب سنة خمس من البعثة، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب، فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة، وهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية،

وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة العنزي وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم. ويقال: حاطب بن عمرو وسهيل بن بيضاء وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين. قال ابن جرير: وقال آخرون: بل كانوا اثنين وثمانين رجلا، سوى نسائهم وأبنائهم وعمار بن ياسر. فشك، فإن كان فيهم كانوا ثلاثة وثمانين رجلا.

وقال محمد بن إسحاق: فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله عز وجل، ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة ; فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه.» فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض الحبشة ; مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام فكان أول من خرج من

المسلمين عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وكذا روى البيهقي من حديث يعقوب بن سفيان عن عباس العنبري عن بشار بن موسى عن الحسن بن زياد البرجمي حدثنا قتادة قال: إن أول من هاجر إلى الله تعالى بأهله عثمان بن عفان رضي الله عنه، سمعت النضر بن أنس يقول: سمعت أبا حمزة يعني أنس بن مالك يقول «خرج عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبرهما، فقدمت امرأة من قريش، فقالت: يا محمد، قد رأيت ختنك ومعه امرأته. قال: " على أي حال رأيتهما؟ ". قالت: رأيته قد حمل امرأته على حمار من هذا الدبابة، وهو يسوقها. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " صحبهما الله، إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام ".»

قال ابن إسحاق: وأبو حذيفة بن عتبة وزوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو وولدت له بالحبشة محمد بن أبي حذيفة والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة وولدت له بها زينب وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة، حليف آل الخطاب، وهو من بني عنز بن وائل وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم العامري وامرأته أم كلثوم،

بنت سهيل بن عمرو، ويقال: حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر وهو أول من قدمها فيما قيل وسهيل بن بيضاء فهؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة، فيما بلغني. قال ابن هشام: وكان عليهم عثمان بن مظعون فيما ذكر بعض أهل العلم.

قال ابن إسحاق: ثم خرج جعفر بن أبي طالب ومعه امرأته أسماء بنت عميس، وولدت له بها عبد الله بن جعفر وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة.

وقد زعم موسى بن عقبة أن الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة، كانت حين دخل أبو طالب ومن حالفه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الشعب، وفي هذا نظر. والله أعلم. وزعم أن خروج جعفر بن أبي طالب إنما كان في الهجرة الثانية إليها، وذلك بعد عود بعض من كان خرج أولا حين بلغهم أن المشركين أسلموا وصلوا فلما قدموا مكة وكان فيمن قدم عثمان بن مظعون فلم يجدوا ما أخبروا به من إسلام المشركين صحيحا، فرجع من رجع منهم، ومكث آخرون بمكة، وخرج آخرون من المسلمين إلى أرض الحبشة. وهي الهجرة الثانية، كما سيأتي بيانه.

قال موسى بن عقبة: وكان جعفر بن أبي طالب فيمن خرج ثانيا، وما ذكره ابن إسحاق من خروجه في الرعيل الأول أظهر. كما سيأتي بيانه. والله أعلم. لكنه كان في زمرة ثانية من المهاجرين أولا، وهو المقدم عليهم، والمترجم عنهم عند النجاشي وغيره كما سنورده مبسوطا، ثم إن ابن إسحاق سرد الخارجين صحبة جعفر رضي الله عنهم، وهم ; عمرو بن سعيد بن العاص وامرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث بن شق الكناني، وأخوه خالد وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد الخزاعي وولدت له بها سعيدا وأمة التي تزوجها بعد ذلك الزبير فولدت له عمرا وخالدا. قال: وعبد الله بن جحش بن رئاب وأخوه عبيد الله ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وقيس بن عبد الله، من بني أسد بن خزيمة وامرأته بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وهو من موالي آل سعيد بن العاص. قال ابن هشام: وهو من دوس. قال: وأبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس حليف آل عتبة بن ربيعة وسنتكلم معه في هذا وعتبة بن غزوان ويزيد بن زمعة بن الأسود وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد وطليب بن عمير بن وهب بن أبي كثير بن عبد وسويبط بن سعد بن حرملة وجهم بن قيس

العبدري ومعه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بن خزيمة، وولداه عمرو بن جهم وخزيمة بن جهم وأبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة وعامر بن أبي وقاص أخو سعد والمطلب بن أزهر بن عبد عوف الزهري وامرأته رملة بنت أبي عوف بن صبيرة وولدت له بها عبد الله وعبد الله بن مسعود وأخوه عتبة والمقداد بن الأسود والحارث بن خالد بن صخر التيمي وامرأته ريطة بنت الحارث بن جبيلة وولدت له بها موسى وعائشة، وزينب، وفاطمة وعمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة وشماس بن عثمان بن الشريد المخزومي قال: وإنما سمي شماسا لحسنه، وأصل اسمه عثمان بن عثمان وهبار بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي وأخوه عبد الله وهشام بن أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وسلمة بن هشام بن المغيرة وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة ومعتب بن عوف بن عامر ويقال له: عيهامة وهو من حلفاء بني مخزوم. قال: وقدامة وعبد الله أخوا عثمان بن مظعون والسائب بن عثمان بن مظعون وحاطب بن الحارث بن معمر ومعه امرأته فاطمة بنت المجلل، وابناه

منها محمد والحارث وأخوه حطاب وامرأته فكيهة بنت يسار، وسفيان بن معمر بن حبيب وامرأته حسنة، وابناه منها جابر وجنادة وابنها من غيره وهو شرحبيل بن عبد الله أحد الغوث بن مزاحم بن تميم وهو الذي يقال له: شرحبيل بن حسنة وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح وخنيس بن حذافة بن قيس بن عدي وعبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم وهشام بن العاص بن وائل بن سعيد وقيس بن حذافة بن قيس بن عدي وأخوه عبد الله وأبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي وإخوته الحارث ومعمر والسائب وبشر وسعيد أبناء الحارث بن قيس بن عدي وأخو بشر بن الحارث بن قيس بن عدي لأمه، وهو سعيد بن عمرو التميمي وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم بن سعيد بن سهم وحليف لبني سهم، وهو محمية بن جزء الزبيدي ومعمر بن عبد الله العدوي وعروة بن عبد العزى وعدي بن نضلة بن عبد العزى وابنه النعمان وعبد الله بن مخرمة العامري وعبد الله بن سهيل بن عمرو وسليط بن عمرو وأخوه السكران ومعه زوجته سودة بنت زمعة، ومالك بن زمعة وامرأته عمرة بنت السعدي، وحاطب بن عمرو العامري

وحليفهم سعد بن خولة وهو من اليمن وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري وسهيل بن بيضاء وهي أمه واسمها دعد بنت جحدم بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر وهو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث وعمرو بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث وعياض بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة ويقال: بل ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة وعثمان بن عبد غنم بن زهير وسعد بن عبد قيس بن لقيط وأخوه الحارث الفهريون.

قال ابن إسحاق: فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها ثلاثة وثمانين رجلا، إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه.

قلت: وذكر ابن إسحاق أبا موسى الأشعري فيمن هاجر من مكة إلى

أرض الحبشة غريب جدا.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى سمعت حديجا أخا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قال «بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلا، فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مظعون وأبو موسى فأتوا النجاشي وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه، وعن شماله، ثم قالا له: إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا. قال: فأين هم؟ قالا: في أرضك، فابعث إليهم. فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه. فسلم ولم يسجد. فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا لله عز وجل. قال: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسولا، ثم أمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله عز وجل، وأمرنا بالصلاة والزكاة. قال عمرو: فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم. قال: فما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه؟ قالوا: نقول كما قال الله، هو كلمة الله وروحه، ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد. قال: فرفع عودا من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما

يزيدون على الذي نقول فيه ما يسوى هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي نجد في الإنجيل، وأنه الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه، وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرا، وزعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استغفر له حين بلغه موته.» وهذا إسناد جيد قوي، وسياق حسن. وفيه ما يقتضي أن أبا موسى كان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة، إن لم يكن ذكره مدرجا من بعض الرواة. والله أعلم.

وقد روي عن أبي إسحاق السبيعي من وجه آخر ; فقال الحافظ أبو نعيم في " الدلائل ": حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن زكريا الغلابي حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا إسرائيل (ح) وحدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن زكريا حدثنا الحسن بن علويه القطان حدثنا عباد بن موسى الختلي حدثنا إسماعيل بن جعفر حدثنا إسرائيل (ح) وحدثنا أبو أحمد حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه حدثنا إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي فبلغ ذلك قريشا، فبعثوا عمرو بن العاص

وعمارة بن الوليد وجمعوا للنجاشي هدية، وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية، فقبلها، وسجدا له، ثم قال عمرو بن العاص: إن ناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا، وهم في أرضك. قال لهم النجاشي: في أرضي؟ ! قالا: نعم. فبعث إلينا. فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد، أنا خطيبكم اليوم. فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره، والقسيسون جلوس سماطين وقد قال لهم عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك فلما انتهينا، بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك. فقال جعفر: لا نسجد إلا لله عز وجل. فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث فينا رسولا، وهو الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام قال: {من بعدي اسمه أحمد} [الصف: 6] فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر. فأعجب النجاشي قوله، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص قال: أصلح الله الملك، إنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم. فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله ; هو روح الله وكلمته، أخرجه من العذراء البتول، التي لم يقربها بشر، ولم يفرضها ولد. فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه، فقال:

يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ولا وزن هذه، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم. وأمر لنا بطعام وكسوة، وقال: ردوا على هذين هديتهما. وكان عمرو بن العاص رجلا قصيرا، وكان عمارة رجلا جميلا، وكانا أقبلا في البحر، فشربا، ومع عمرو امرأته، فلما شربا، قال عمارة لعمرو: مر امرأتك فلتقبلني. فقال له عمرو: ألا تستحي؟ ! فأخذ عمارة عمرا فرمى به في البحر، فجعل عمرو يناشد عمارة حتى أدخله السفينة، فحقد عليه عمرو في ذلك، فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلفك عمارة في أهلك. فدعا النجاشي بعمارة فنفخ في إحليله فطار مع الوحش»

وهكذا رواه الحافظ البيهقي في " الدلائل "، من طريق أبي علي الحسن بن سلام السواق عن عبيد الله بن موسى فذكر بإسناده مثله إلى قوله: فأمر لنا بطعام وكسوة. قال: وهذا إسناد صحيح، وظاهره يدل على أن أبا موسى كان بمكة، وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، والصحيح عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى أنهم بلغهم مخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم باليمن، فخرجوا مهاجرين في بضع وخمسين رجلا في سفينة، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بأرض الحبشة،

فوافقوا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عندهم، فأمرهم جعفر بالإقامة، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن خيبر. قال: فأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي فأخبر عنه. قال: ولعل الراوي وهم في قوله: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننطلق. والله أعلم.

وهكذا رواه البخاري في باب هجرة الحبشة: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة حدثنا بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال: «بلغنا مخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن باليمن، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فأقمنا معه حتى قدمنا، فوافقنا النبي - صلى الله عليه وسلم - حين افتتح خيبر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لكم أنتم أهل السفينة هجرتان ".» وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب وأبي عامر عبد الله بن براد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى كلاهما عن أبي أسامة به. ورواه في مواضع أخر مطولا. والله أعلم

وأما قصة جعفر مع النجاشي فإن الحافظ ابن عساكر رواها في ترجمة

جعفر بن أبي طالب من " تاريخه " من رواية نفسه ومن رواية عمرو بن العاص وعلى يديهما جرى الحديث. ومن رواية ابن مسعود كما تقدم، وأم سلمة كما سيأتي ; فأما رواية جعفر فإنها عزيزة جدا ; رواها ابن عساكر عن أبي القاسم السمرقندي عن أبي الحسين بن النقور عن أبي طاهر المخلص عن أبي القاسم البغوي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الجعفي عبد الله بن عمر بن أبان حدثنا أسد بن عمرو البجلي عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي عن عبد الله بن جعفر عن أبيه، قال: «بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية من أبي سفيان إلى النجاشي فقالوا له ونحن عنده: قد صار إليك ناس من سفلتنا وسفهائنا فادفعهم إلينا. قال: لا، حتى أسمع كلامهم. قال: فبعث إلينا. فقال: ما يقول هؤلاء؟ قال: قلنا: إن هؤلاء قوم يعبدون الأوثان، وإن الله بعث إلينا رسولا، فآمنا به وصدقناه. فقال لهم النجاشي: أعبيد هم لكم؟ قالوا: لا. قال: فلكم عليهم دين؟ قالوا: لا. قال فخلوا سبيلهم. قال: فخرجنا من عنده، فقال عمرو بن العاص: إن هؤلاء يقولون في عيسى غير ما تقول. قال: إن لم يقولوا في عيسى مثل قولي، لم أدعهم في أرضي ساعة من نهار. فأرسل إلينا، فكانت الدعوة الثانية أشد علينا من

الأولى، قال: ما يقول صاحبكم في عيسى ابن مريم؟ قلنا: يقول: هو روح الله وكلمته، ألقاها إلى عذراء بتول. قال: فأرسل فقال: ادعوا لي فلانا القس، وفلانا الراهب. فأتاه ناس منهم فقال: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقالوا: أنت أعلمنا، فما تقول؟ قال النجاشي وأخذ شيئا من الأرض قال: ما عدا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا. ثم قال: أيؤذيكم أحد؟ قالوا: نعم. فنادى مناد من آذى أحدا منهم فأغرموه أربعة دراهم. ثم قال: أيكفيكم؟ قلنا: لا. فأضعفها. قال: فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وظهر بها، قلنا له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ظهر وهاجر إلى المدينة، وقتل الذين كنا حدثناك عنهم، وقد أردنا الرحيل إليه، فزودنا. قال: نعم. فحملنا وزودنا، ثم قال: أخبر صاحبك بما صنعت إليكم، وهذا صاحبي معكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنه رسول الله، وقل له يستغفر لي. قال جعفر: فخرجنا حتى أتينا المدينة، فتلقاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واعتنقني، ثم قال: " ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح، أم بقدوم جعفر! " ووافق ذلك فتح خيبر، ثم جلس، فقال رسول النجاشي: هذا جعفر فسله ما صنع به صاحبنا؟ فقال: نعم، فعل بنا كذا وكذا، وحملنا وزودنا، وشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وقال لي: قل له يستغفر لي. فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ، ثم دعا ثلاث مرات: " اللهم اغفر للنجاشي ". فقال المسلمون: آمين. ثم قال جعفر: فقلت للرسول: انطلق فأخبر صاحبك بما رأيت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.» ثم قال ابن عساكر: حسن غريب.

وأما رواية أم سلمة، فقد قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام «عن أم سلمة رضي الله عنها، أنها قالت لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه ". فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلما، فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارا وأمنا، اجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا، ليخرجونا من بلاده وليردنا عليهم، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلا إلا هيؤوا له هدية على حدة، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم، ثم ادفعوا إليه هداياه، فإن استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا. فقدما عليه، فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته وكلموه، وقالوا له: إنما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا، فارقوا أقوامهم في دينهم، ولم يدخلوا في دينكم. فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل. فقالوا: نفعل. ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، وكان من أحب ما

يهدون إليه من مكة الأدم وذكر موسى بن عقبة أنهم أهدوا إليه فرسا وجبة ديباج فلما أدخلوا عليه هداياه، قالوا له: أيها الملك إن فتية منا سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجؤوا إلى بلادك، وقد بعثنا إليك فيهم عشائرهم، آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم، فإنهم أعلى بهم عينا. فقالت بطارقته: صدقوا أيها الملك، لو رددتهم عليهم، كانوا هم أعلى بهم عينا، فإنهم لن يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك. فغضب، ثم قال: لا، لعمر الله لا أردهم عليهم حتى أدعوهم، فأكلمهم وأنظر ما أمرهم، قوم لجؤوا إلى بلادي، واختاروا جواري على جوار غيري، فإن كانوا كما يقولون رددتهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم، ولم أدخل بينهم وبينهم، ولم أنعمهم عينا وذكر موسى بن عقبة أن أمراءه أشاروا عليه بأن يردهم إليهم، فقال: لا والله حتى أسمع كلامهم، وأعلم على أي شيء هم عليه. فلما دخلوا عليه، سلموا ولم يسجدوا له، فقال: أيها الرهط ألا تحدثوني ما لكم لا تحيوني كما يحييني من أتانا من قومكم؟ وأخبروني ماذا تقولون في عيسى، وما دينكم؟ أنصارى

أنتم؟ قالوا: لا. قال: أفيهود أنتم؟ قالوا: لا. قال فعلى دين قومكم؟ قالوا: لا. قال: فما دينكم؟ قالوا: الإسلام. قال: وما الإسلام؟ قالوا: نعبد الله لا نشرك به شيئا. قال: من جاءكم بهذا؟ قالوا: جاءنا به رجل من أنفسنا، قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه الله إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، فأمرنا بالبر والصدقة والوفاء وأداء الأمانة، ونهانا أن نعبد الأوثان، وأمرنا بعبادة الله وحده لا شريك له، فصدقناه وعرفنا كلام الله، وعلمنا أن الذي جاء به من عند الله، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا، وعادوا النبي الصادق وكذبوه، وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادة الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا. قال: والله إن هذا لمن المشكاة التي خرج منها أمر موسى. قال جعفر: وأما التحية، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام، وأمرنا بذلك فحييناك بالذي يحيي بعضنا بعضا، وأما عيسى ابن مريم فعبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وابن العذراء البتول. فأخذ عودا وقال: والله ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود. فقال عظماء الحبشة: والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك. فقال: والله لا أقول في عيسى غير هذا أبدا. وما أطاع الله الناس في حين رد علي ملكي، فأطيع الناس في دين الله، معاذ الله من ذلك» . وقال يونس عن ابن إسحاق فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم، ولم يكن شيء أبغض لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم، فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم، فقالوا: ماذا تقولون؟ فقالوا: وماذا

نقول؟ نقول والله ما نعرف، وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا - صلى الله عليه وسلم - كائنا في ذلك ما كان. فلما دخلوا عليه، كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم، ولم تدخلوا في يهودية، ولا نصرانية، فما هذا الدين؟ فقال له جعفر: أيها الملك، كنا قوما على الشرك، نعبد الأوثان، ونأكل الميتة، ونسيء الجوار، ونستحل المحارم بعضنا من بعض، في سفك الدماء وغيرها، لا نحل شيئا ولا نحرمه، فبعث الله إلينا نبيا من أنفسنا، نعرف وفاءه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له، ونصل الأرحام، ونحمي الجوار، ونصلي لله عز وجل، ونصوم له، ولا نعبد غيره.

وقال زياد عن ابن إسحاق: فدعانا إلى الله ; لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام قال: فعدوا عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده لا شريك له ولم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن

ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال النجاشي: هل معك شيء مما جاء به؟ وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله فقال له جعفر: نعم. قال: هلم فاتل علي مما جاء به. فقرأ عليه صدرا من {كهيعص} [مريم: 1] فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين، لا والله لا أردهم عليكم، ولا أنعمكم عينا. فخرجنا من عنده، وكان أتقى الرجلين فينا عبد الله بن أبي ربيعة فقال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما أستأصل به خضراءهم، ولأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد عيسى ابن مريم عبد. فقال له عبد الله بن أبي ربيعة: لا تفعل، فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن له رحما ولهم حقا. فقال: والله لأفعلن. فلما كان الغد دخل عليه، فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما. فأرسل إليهم فسلهم عنه. فبعث والله إليهم، ولم ينزل بنا مثلها، فقال بعضنا لبعض: ماذا تقولون له في عيسى إن هو سألكم عنه؟ فقالوا: نقول والله الذي قاله الله فيه والذي أمرنا نبينا أن نقوله فيه. فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال: ما

تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر: نقول هو عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فدلى النجاشي يده إلى الأرض فأخذ عودا بين أصبعيه فقال: ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العويد. فتناخرت بطارقته. فقال: وإن تناخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم في الأرض والسيوم: الآمنون في الأرض من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ثلاثا، ما أحب أن لي دبرا، وأني آذيت رجلا منكم. والدبر بلسانهم: الذهب. وقال زياد عن ابن إسحاق: ما أحب أن لي دبرا من ذهب. قال ابن هشام: ويقال: دبرى وهو الجبل بلغتهم. ثم قال النجاشي: فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، واخرجا من بلادي، فخرجا مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به. قالت: فأقمنا مع خير جار في خير دار، فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط كان أشد منه. فرقا من أن يظهر ذلك الملك عليه. فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه، فجعلنا ندعو الله

ونستنصره للنجاشي فخرج إليه سائرا، فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضهم لبعض: من رجل يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون؟ فقال الزبير وكان من أحدثهم سنا: أنا. فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، ثم خرج يسبح عليها في النيل، حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة، فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه، فجاءنا الزبير فجعل يلمع لنا بردائه، ويقول: ألا فأبشروا، فقد أظهر الله النجاشي. قلت: فوالله ما علمنا أننا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا راجعا إلى مكة، وأقام من أقام

قال الزهري: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة، فقال عروة: أتدري ما قوله: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه. ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه؟ فقلت: لا، ما حدثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة. فقال عروة: فإن عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ، له من صلبه اثنا عشر رجلا، ولم يكن لأبي النجاشي ولد غير النجاشي فأدارت الحبشة رأيها بينها، فقالوا: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه، فإن له اثنا عشر رجلا

من صلبه فتوارثوا الملك، لبقيت الحبشة عليهم دهرا طويلا، لا يكون بينهم اختلاف. فعدوا عليه فقتلوه وملكوا أخاه، فدخل النجاشي لعمه حتى غلب عليه، فلا يدبر أمره غيره، وكان لبيبا حازما من الرجال، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه، قالوا: لقد غلب هذا الغلام على أمر عمه، فما نأمن أن يملكه علينا، وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفا إلا قتله، فكلموه فيه فليقتله أو ليخرجنه من بلادنا. فمشوا إلى عمه، فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه، وإنا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا، فإما أن تقتله، وإما أن تخرجه من بلادنا. قال: ويحكم: قتلتم أباه بالأمس، وأقتله اليوم؟ بل أخرجه من بلادكم. فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من تاجر من التجار بستمائة درهم أو بسبعمائة، فقذفه في سفينة، فانطلق به، فلما كان العشي هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمه يتمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته، ففزعوا إلى ولده، فإذا هم محمقون، ليس في أحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب. فخرجوا في طلبه فأدركوه فردوه، فعقدوا عليه تاجه، وأجلسوه على سريره وملكوه، فقال التاجر: ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي. فقالوا: لا نعطيك. فقال: إذا والله لأكلمنه. فقالوا: وإن. فمشى إليه فكلمه، فقال: أيها الملك، إني

ابتعت غلاما فقبض مني الذين باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي ولم يردوا علي مالي. فكان أول ما خبر به من صلابة حكمه وعدله أن قال: لتردن عليه ماله، أو لتجعلن يد غلامه في يده فليذهبن به حيث شاء. فقالوا: بل نعطيه ماله. فأعطوه إياه. فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة فآخذ الرشوة حين رد علي ملكي. وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه.

وقال موسى بن عقبة: كان أبو النجاشي ملك الحبشة، فمات والنجاشي غلام صغير، فأوصى إلى أخيه: إن إليك ملك قومك حتى يبلغ ابني فإذا بلغ فله الملك. فرغب أخوه في الملك، فباع النجاشي من بعض التجار، فمات عمه من ليلته وقضى، فردت الحبشة النجاشي حتى وضعوا التاج على رأسه. هكذا ذكره مختصرا، وسياق ابن إسحاق أحسن وأبسط. فالله أعلم.

والذي وقع في سياق ابن إسحاق إنما هو ذكر عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة والذي ذكره موسى بن عقبة والأموي وغير واحد، أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين تضاحكوا يوم وضع سلى الجزور على ظهره - صلى الله عليه وسلم - وهو ساجد عند الكعبة. وهكذا تقدم في حديث ابن مسعود وأبي موسى الأشعري.

والمقصود أنهما حين خرجا من مكة كانت زوجة عمرو معه، وعمارة كان شابا حسنا، فاصطحبا في السفينة، وكان عمارة طمع في امرأة عمرو بن العاص فألقى عمرا في البحر ليهلكه، فسبح حتى رجع إليها. فقال له عمارة: لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك. فحقد عمرو عليه، فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي وكان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشي، فوشى به عمرو فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله، وساح في البرية مع الوحوش.

وقد ذكر الأموي قصة مطولة جدا، وأنه عاش إلى زمن إمارة عمر بن الخطاب وأنه تقصده بعض الصحابة ومسكه. فجعل يقول: أرسلني، أرسلني وإلا مت. فلما لم يرسله مات من ساعته. فالله أعلم.

وقد قيل: إن قريشا بعثت إلى النجاشي في أمر المهاجرين مرتين ; الأولى مع عمرو بن العاص وعمارة والثانية مع عمرو وعبد الله بن أبي ربيعة. نص عليه أبو نعيم في " الدلائل " والله أعلم. وقد قيل: إن البعثة الثانية كانت بعد وقعة بدر قاله الزهري لينالوا ممن هناك ثأرا فلم يجبهم النجاشي رضي الله عنه وأرضاه، إلى شيء مما سألوا. فالله أعلم.

وقد ذكر زياد عن ابن إسحاق أن أبا طالب لما رأى ذلك من صنيع

قريش كتب إلى النجاشي أبياتا يحضه فيها على العدل، وعلى الإحسان إلى من نزل عنده من قومه:

ألا ليت شعري كيف في النأي جعفر ... وعمرو وأعداء العدو الأقارب

وما نالت أفعال النجاشي جعفرا ... وأصحابه أو عاق ذلك شاغب

تعلم أبيت اللعن أنك ماجد ... كريم فلا يشقى لديك المجانب

تعلم بأن الله زادك بسطة ... وأسباب خير كلها بك لازب

وقال يونس عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال: إنما كان يكلم النجاشي عثمان بن عفان رضي الله عنه، والمشهور أن جعفرا هو المترجم رضي الله عنهم.

وقال زياد البكائي عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور. ورواه أبو داود عن محمد بن عمرو الرازي عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق به: لما مات النجاشي

رضي الله عنه كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.

وقال زياد عن محمد بن إسحاق: حدثني جعفر بن محمد عن أبيه، قال «اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا. وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه، فهيأ لهم سفنا، وقال: اركبوا فيها، وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم. ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن وخرج إلى الحبشة، وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة، ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة. قال: فما لكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبد. قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله. فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه: وهو يشهد أن عيسى ابن مريم لم يزد على هذا. وإنما يعني على ما كتب، فرضوا وانصرفوا، فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له»

وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربع تكبيرات»

وقال البخاري: موت النجاشي حدثنا أبو الربيع حدثنا ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين مات النجاشي: " مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة ".» وروي ذلك من حديث أنس بن مالك وابن مسعود وغير واحد. وفي بعض الروايات تسميته أصحمة وفي رواية: مصحمة. وهو أصحمة بن أبجر وكان عبدا صالحا، لبيبا، ذكيا، عادلا، عالما رضي الله عنه وأرضاه.

وقال يونس عن ابن إسحاق اسم النجاشي مصحمة. وفي نسخة صححها البيهقي: أصحم، وهو بالعربية: عطية.

قال: وإنما النجاشي اسم الملك، كقولك: كسرى، وهرقل.

قلت: كذا، ولعله يريد به قيصر، فإنه علم لكل من ملك الشام مع الجزيرة من بلاد الروم، وكسرى علم على من ملك الفرس، وفرعون علم لمن

ملك مصر كافة. والمقوقس لمن ملك الإسكندرية، وتبع لمن ملك اليمن، والشحر والنجاشي لمن ملك الحبشة، وبطليموس لمن ملك اليونان، وقيل: الهند. وخاقان لمن ملك الترك.

وقال بعض العلماء: إنما صلى عليه ; لأنه كان يكتم إيمانه من قومه، فلم يكن عنده يوم مات من يصلي عليه ; فلهذا صلى عليه - صلى الله عليه وسلم - قالوا: فالغائب إن كان قد صلي عليه ببلده، لا تشرع الصلاة عليه ببلد أخرى، ولهذا لم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - في غير المدينة لا أهل مكة ولا غيرهم، وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة، لم ينقل أنه صلي على أحد منهم في غير البلدة التي صلي عليه فيها. فالله أعلم.

قلت: وشهود أبي هريرة رضي الله عنه، الصلاة على النجاشي دليل على أنه إنما مات بعد فتح خيبر في السنة، التي قدم بقية المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، يوم فتح خيبر ; ولهذا روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «والله ما أدري بأيهما أنا أسر ; بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر بن أبي طالب ".» وقدموا معهم بهدايا وتحف من عند النجاشي رضي الله عنه، إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبتهم أهل السفينة اليمنية ; أصحاب أبي موسى الأشعري وقومه من الأشعريين، رضي الله عنهم، ومع جعفر وهدايا النجاشي

ابن أخي النجاشي ذو مخبر. أو ذو مخمر أرسله ليخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - عوضا عن عمه رضي الله عنهما وأرضاهما.

وقال السهيلي: توفي النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة. وفي هذا نظر. والله أعلم.

وقال البيهقي: أنبأنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطوسي حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا هلال بن العلاء الرقي حدثنا أبي العلاء بن هلال حدثنا أبي هلال بن عمر عن أبيه عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: «قدم وفد النجاشي على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام يخدمهم، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله. فقال: " إنهم كانوا لأصحابي مكرمين، وإني أحب أن أكافئهم ".»

ثم قال: وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أنبأنا أبو سعيد بن الأعرابي حدثنا هلال بن العلاء حدثنا أبي، حدثنا طلحة بن زيد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي قتادة قال: «قدم وفد النجاشي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام يخدمهم، فقال أصحابه: نحن

نكفيك يا رسول الله. فقال: " إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أحب أن أكافئهم ".» تفرد به طلحة بن زيد عن الأوزاعي.

وقال البيهقي: حدثنا أبو الحسين بن بشران حدثنا أبو عمرو بن السماك حدثنا حنبل بن إسحاق حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال: لما قدم عمرو بن العاص من أرض الحبشة، جلس في بيته فلم يخرج إليهم، فقالوا: ما شأنه، ما له لا يخرج؟ فقال عمرو: إن أصحمة يزعم أن صاحبكم نبي.

وقال ابن إسحاق: ولما قدم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة على قريش، ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وردهم النجاشي بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره، امتنع به أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبحمزة حتى عازوا قريشا، فكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتل قريشا، حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه.

قلت: وثبت في " صحيح البخاري " عن ابن مسعود أنه قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب

وقال زياد البكائي: حدثني مسعر بن كدام عن سعد بن إبراهيم

قال: قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا وما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتل قريشا، حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه.

قال ابن إسحاق: وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الحبشة. حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن عبد العزيز بن عبد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت أبي حثمة، قالت: والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر حتى وقف علي وهو على شركه. قالت: وكنا نلقى منه بلاء ; أذى لنا وشدة علينا. قالت: فقال إنه للانطلاق يا أم عبد الله؟ قلت: نعم، والله لنخرجن في أرض الله إذ آذيتمونا، وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا مخرجا. قالت: فقال: صحبكم الله. ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا. قالت: فجاء عامر بحاجته تلك، فقلت له: يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا. قال: أطمعت في إسلامه؟ قالت: قلت: نعم. قال: لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب. قالت: يأسا منه ; لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام.

قلت: هذا يرد قول من زعم أنه كان تمام الأربعين من المسلمين ; فإن

المهاجرين إلى الحبشة كانوا فوق الثمانين، اللهم إلا أن يقال: إنه كان تمام الأربعين بعد خروج المهاجرين. ويؤيد هذا ما ذكره ابن إسحاق هاهنا في قصة إسلام عمر وحده رضي الله عنه، وسياقها: فإنه قال: وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كانت قد أسلمت، وأسلم زوجها سعيد بن زيد وهم مستخفون بإسلامهم من عمر وكان نعيم بن عبد الله النحام رجل من بني عدي قد أسلم أيضا مستخفيا بإسلامه، فرقا من قومه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يوما متوشحا سيفه، يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورهطا من أصحابه، فذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين، من بين رجال ونساء، ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمه حمزة وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، في رجال من المسلمين، ممن كان أقام مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمدا هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك يا عمر أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال:

وأي أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة، فقد والله أسلما، وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما. فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها " طه " يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى الباب قراءة خباب عليهما، فلما دخل، قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا. قال: بلى، والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه. وبطش بختنه سعيد بن زيد فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها، فلما فعل ذلك، قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا، وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. فلما رأى عمر ما بأخته من الدم، ندم على ما صنع وارعوى، وقال: لأخته أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفا، أنظر ما هذا الذي جاء به محمد. وكان عمر كاتبا، فلما قال ذلك، قالت له أخته: إنا نخشاك عليها. قال: لا تخافي. وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها. فلما قال ذلك، طمعت في إسلامه. فقالت له: يا أخي، إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر. فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها

" طه "، فقرأها، فلما قرأ منها صدرا، قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خباب بن الأرت خرج إليه فقال له: والله يا عمر إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فإني سمعته أمس وهو يقول: " اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب ". فالله الله يا عمر. فقال عند ذلك: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم. فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا، معه نفر من أصحابه. فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته، قام رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا السيف، فرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فزع، فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف. فقال حمزة: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ائذن له ". فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لقيه في الحجرة، فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه، ثم جبذه جبذة شديدة، فقال: " ما جاء بك يا بن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة ". فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله، قال: فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكبيرة عرف أهل البيت أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكانهم، وقد عزوا في

أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وينتصفون بهما من عدوهم قال ابن إسحاق: فهذا حديث الرواة من أهل المدينة، عن إسلام عمر حين أسلم رضي الله عنه.

قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي عن أصحابه عطاء ومجاهد وعمن روى ذلك، أن إسلام عمر فيما تحدثوا به عنه، أنه كان يقول: كنت للإسلام مباعدا، وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة، فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك، فلم أجد فيه منهم أحدا. فقلت: لو أني جئت فلانا الخمار، لعلي أجد عنده خمرا فأشرب منها، فخرجت فجئته فلم أجده، قال: فقلت: لو أني جئت الكعبة فطفت سبعا أو سبعين. قال: فجئت المسجد، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي وكان إذا صلى استقبل الشام، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وكان مصلاه بين الركنين الأسود واليماني. قال: فقلت حين رأيته: والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول. فقلت: لئن دنوت منه أستمع منه لأروعنه. فجئت من قبل الحجر، فدخلت تحت ثيابها فجعلت أمشي رويدا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة. قال: فلما سمعت القرآن رق له قلبي، وبكيت، ودخلني الإسلام،

فلم أزل في مكاني قائما، حتى قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبي حسين وكان مسكنه في الدار الرقطاء التي كانت بيد معاوية قال عمر: فتبعته حتى إذا دخل بين دار عباس ودار ابن أزهر أدركته، فلما سمع حسي عرفني، فظن أني إنما اتبعته لأؤذيه، فنهمني ثم قال: " ما جاء بك يا بن الخطاب هذه الساعة؟ ! " قال قلت: جئت لأومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله. قال: فحمد الله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: " قد هداك الله يا عمر! ". ثم مسح صدري، ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت، ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيته. قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان.

قلت: وقد استقصيت كيفية إسلام عمر رضي الله عنه، وما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار مطولا في أول سيرته التي أفردتها على حدة ولله الحمد والمنة.

قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر قال أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي. فغدا عليه. قال عبد الله: وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه، فقال له: أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه، واتبعه عمر واتبعت

أبي، حتى قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش وهم في أنديتهم حول الكعبة ألا إن ابن الخطاب قد صبأ. قال: يقول عمر من خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. وثاروا إليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس على رؤوسهم. قال: وطلح فقعد، وقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. قال فبينما هم على ذلك، إذ أقبل شيخ من قريش، عليه حلة حبرة وقميص موشى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: صبأ عمر. قال: فمه! رجل اختار لنفسه أمرا، فماذا تريدون؟ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبهم هكذا؟ ! خلوا عن الرجل. قال: فوالله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه. قال: فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت، من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت، وهم يقاتلونك؟ قال: ذاك، أي بني العاص بن وائل السهمي. وهذا إسناد جيد قوي، وهو يدل على تأخر إسلام عمر ; لأن ابن عمر عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة، وقد كان مميزا يوم أسلم أبوه، فيكون إسلامه قبل الهجرة بنحو من أربع سنين، وذلك بعد البعثة بنحو من تسع سنين. والله أعلم.

وقال البيهقي: حدثنا الحاكم أخبرنا الأصم أخبرنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس عن ابن إسحاق قال: ثم قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرون رجلا وهو بمكة أو قريب من ذلك من النصارى، حين ظهر خبره، من أرض الحبشة، فوجدوه في المجلس فكلموه وساءلوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما أرادوا، دعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الله عز وجل، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش، فقالوا: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركبا أحمق منكم. أو كما قالوا، فقالوا لهم: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا نألو أنفسنا خيرا. فيقال: إن النفر من نصارى نجران. والله أعلم أي ذلك كان. ويقال والله أعلم إن فيهم نزلت هؤلاء الآيات

{الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} [القصص: 52]

[القصص: 52 - 55]

** [فصل ما جاء في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي] **

فصل

قال البيهقي في " الدلائل ": باب ما جاء في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي. ثم روى عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن إسحاق قال: «هذا كتاب من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسوله، فأسلم تسلم {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64] فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك ".»

هكذا ذكره البيهقي بعد قصة هجرة الحبشة. وفي ذكره هاهنا نظر ; فإن الظاهر أن هذا الكتاب إنما هو إلى النجاشي الذي كان بعد المسلم صاحب جعفر وأصحابه، وذلك حين كتب إلى ملوك الأرض، يدعوهم إلى الله عز وجل

قبيل الفتح، كما كتب إلى هرقل عظيم الروم قيصر الشام، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى صاحب مصر، وإلى النجاشي

قال الزهري: كانت كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم واحدة، يعني نسخة واحدة، وكلها فيها هذه الآية، وهي من سورة آل عمران وهي مدنية، بلا خلاف ; فإنه من صدر السورة، وقد نزل ثلاث وثمانون آية من أولها في وفد نجران، كما قررنا ذلك في " التفسير "، ولله الحمد والمنة. فهذا الكتاب إلى الثاني، لا إلى الأول، وقوله فيه: " إلى النجاشي الأصحم " لعل " الأصحم " مقحم من الراوي بحسب ما فهم. والله أعلم

وأنسب من هذا هاهنا ما ذكره البيهقي أيضا، عن الحاكم عن أبي الحسن محمد بن عبد الله الفقيه بمرو: حدثنا حماد بن أحمد حدثنا محمد بن حميد حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وكتب معه كتابا: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله، إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة

على طاعته وأن تتبعني فتؤمن بي، وبالذي جاءني ; فإني رسول الله، وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك فاقرهم، ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى ".» فكتب النجاشي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم بن أبجر: سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام، فقد بلغني كتابك يا رسول الله، فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قرينا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبي الله بأريحا بن الأصحم بن أبجر فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك، فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق.

** [فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم] **

فصل

في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحالفهم فيما بينهم عليهم، على أن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحصرهم إياهم في شعب أبي طالب مدة طويلة، وكتابتهم بذلك صحيفة ظالمة فاجرة، وما ظهر في ذلك كله من آيات النبوة ودلائل الصدق.

قال موسى بن عقبة عن الزهري: ثم إن المشركين اشتدوا على

المسلمين كأشد ما كانوا، حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، واجتمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علانية، فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب، وأمرهم أن يدخلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شعبهم، وأمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله، فاجتمعوا على ذلك، مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا، فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأجمعوا على ذلك، اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، حتى يسلموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق، لا يقبلوا من بني هاشم أبدا صلحا، ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلموه للقتل. فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق، فلا يتركوا لهم طعاما يقدم مكة ولا بيعا إلا بادروهم إليه فاشتروه ; يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاضطجع على فراشه ; حتى يرى ذلك من أراد به مكرا واغتيالا له، فإذا نوم الناس، أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه، فلما كان رأس ثلاث سنين، تلاوم رجال من بني عبد مناف، ومن قصي، ورجال من سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم، واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من

الغدر والبراءة منه، وبعث الله على صحيفتهم الأرضة، فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق، ويقال: كانت معلقة في سقف البيت فلم تترك اسما لله فيها إلا لحسته، وبقي ما كان فيها من شرك وظلم وقطيعة رحم، وأطلع الله عز وجل رسوله على الذي صنع بصحيفتهم، فذكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي طالب فقال أبو طالب: لا والثواقب، ما كذبني. فانطلق يمشي بعصابته من بني عبد المطلب، حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش، فلما رأوهم عامدين لجماعتهم، أنكروا ذلك، وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء فأتوهم ليعطوهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها، فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح. وإنما قال ذلك، خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها، فأتوا بصحيفتهم معجبين بها، لا يشكون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مدفوع إليهم، فوضعوها بينهم، وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا، وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم، فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد، جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم. فقال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف ; إن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني، أن الله بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي

كما قال، فأفيقوا، فوالله لا نسلمه أبدا حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي قال باطلا، دفعناه إليكم، فقتلتموه أو استحييتم. قالوا: قد رضينا بالذي تقول. ففتحوا الصحيفة، فوجدوا الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا: والله إن كان هذا قط إلا سحر من صاحبكم، فارتكسوا، وعادوا بشر ما كانوا عليه من كفرهم، والشدة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى رهطه، والقيام بما تعاهدوا عليه، فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب: إن أولى بالكذب والسحر غيرنا، فكيف ترون، فإنا نعلم أن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر، لم تفسد صحيفتكم وهي في أيديكم ; طمس الله ما كان فيها من اسمه، وما كان فيها من بغي تركه، أفنحن السحرة أم أنتم؟ ! فقال عند ذلك النفر من بني عبد مناف، وبني قصي، ورجال من قريش ولدتهم نساء من بني هاشم ; منهم أبو البختري والمطعم بن عدي وزهير بن أبي أمية بن المغيرة وزمعة بن الأسود وهشام بن عمرو وكانت الصحيفة عنده، وهو من بني عامر بن لؤي في رجال من أشرافهم ووجوههم: نحن برآء مما في هذه الصحيفة. فقال أبو جهل لعنه الله: هذا أمر قضي بليل. وأنشأ أبو طالب يقول الشعر في شأن صحيفتهم، ويمتدح النفر الذين تبرؤوا منها، ونقضوا ما كان فيها من عهد، ويمتدح النجاشي

قال البيهقي: وهكذا روى شيخنا أبو عبد الله الحافظ. يعني من طريق عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير. يعني كسياق موسى بن عقبة رحمه الله. وقد تقدم عن موسى بن عقبة أنه قال: إنما كانت هجرة الحبشة بعد دخولهم إلى الشعب عن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم في ذلك. فالله أعلم.

قلت: والأشبه أن أبا طالب إنما قال قصيدته اللامية، التي قدمنا ذكرها، بعد دخولهم الشعب أيضا فذكرها هاهنا أنسب. والله أعلم.

ثم روى البيهقي: من طريق يونس عن محمد بن إسحاق قال: فلما مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الذي بعث به، وقامت بنو هاشم وبنو عبد المطلب دونه، وأبوا أن يسلموه، وهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه، إلا أنهم أنفوا أن يستذلوا ويسلموا أخاهم لما قارفه من قومه، فلما فعلت ذلك بنو هاشم وبنو المطلب، وعرفت قريش أن لا سبيل إلى محمد، اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني عبد المطلب أن لا يناكحوهم، ولا ينكحوا إليهم، ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم، وكتبوا صحيفة في ذلك،

وعلقوها بالكعبة، ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم، واشتد البلاء عليهم، وعظمت الفتنة، وزلزلوا زلزالا شديدا. ثم ذكر القصة بطولها في دخولهم شعب أبي طالب وما بلغوا فيه من فتنة الجهد الشديد، حتى كان يسمع أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب ; من الجوع، حتى كره عامة قريش ما أصابهم، وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم الظالمة، وذكروا أن الله برحمته أرسل على صحيفة قريش الأرضة، فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أكلته، وبقي فيها الظلم والقطيعة والبهتان، فأخبر الله تعالى بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبر بذلك عمه أبا طالب ثم ذكر بقية القصة كرواية موسى بن عقبة وأتم.

وقال ابن هشام عن زياد عن محمد بن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نزلوا بلدا أصابوا منه أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، فاجتمعوا وأتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني عبد المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوا في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة ; توكيدا على أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي قال ابن هشام:

ويقال: النضر بن الحارث فدعا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشل بعض أصابعه. وقال الواقدي: كان الذي كتب الصحيفة طلحة بن أبي طلحة العبدري.

قلت: والمشهور أنه منصور بن عكرمة كما ذكره ابن إسحاق وهو الذي شلت يده، فما كان ينتفع بها، وكانت قريش تقول بينها: انظروا إلى منصور بن عكرمة. قال الواقدي: وكانت الصحيفة معلقة في جوف الكعبة.

قال ابن إسحاق: فلما فعلت ذلك قريش، انحازت بنو هاشم، وبنو المطلب، إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه، واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش، فظاهرهم. وحدثني حسين بن عبد الله أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة بن ربيعة، حين فارق قومه وظاهر عليهم قريشا، فقال: يا ابنة عتبة هل نصرت اللات والعزى، وفارقت من فارقها وظاهر عليها؟ قالت: نعم، فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة.

قال ابن إسحاق: وحدثت أنه كان يقول في بعض ما يقول: يعدني محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يدي بعد

ذلك. ثم ينفخ في يديه فيقول: تبا لكما، لا أرى فيكما شيئا مما يقول محمد. فأنزل الله تعالى {تبت يدا أبي لهب وتب} [المسد: 1]

قال ابن إسحاق: فلما اجتمعت على ذلك قريش، وصنعوا فيه الذي صنعوا، قال أبو طالب:

ألا أبلغا عني على ذات بيننا ... لؤيا وخصا من لؤي بني كعب

ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا ... نبيا كموسى خط في أول الكتب

وأن عليه في العباد محبة ... ولا خير ممن خصه الله بالحب

وأن الذي ألصقتم من كتابكم ... لكم كائن نحسا كراغية السقب

أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى ... ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب

ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا ... أواصرنا بعد المودة والقرب

وتستجلبوا حربا عوانا وربما ... أمر على من ذاقه حلب الحرب

فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا ... لعزاء من عض الزمان ولا كرب

ولما تبن منا ومنكم سوالف

وأيد أترت بالقساسية الشهب ... بمعترك ضيق ترى كسر القنا

به والنسور الطخم يعكفن كالشرب ... كأن مجال الخيل. في حجراته

ومعمعة الأبطال معركة الحرب ... أليس أبونا هاشم شد أزره

وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب ... ولسنا نمل الحرب حتى تملنا

ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب ... ولكننا أهل الحفائظ والنهى

إذا طار أرواح الكماة من الرعب

قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا، حتى جهدوا، ولم يصل إليهم شيء إلا سرا، مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش، وقد كان أبو جهل بن هشام فيما يذكرون لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد معه

غلام يحمل قمحا، يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه في الشعب، فتعلق به، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ ! والله لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة. فجاءه أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فقال: ما لك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم. فقال له أبو البختري: طعام كان لعمته عنده، بعثت إليه، أتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ ! خل سبيل الرجل. قال: فأبى أبو جهل لعنه الله حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ له أبو البختري لحي بعير، فضربه به فشجه، ووطئه وطئا شديدا وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فيشمتوا بهم، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، مناديا بأمر الله تعالى، لا يتقي فيه أحدا من الناس، فجعلت قريش حين منعه الله منها، وقام عمه وقومه من بني هاشم وبني عبد المطلب دونه، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه، وجعل القرآن ينزل في قريش بأحداثهم، وفيمن نصب لعداوته، منهم من سمى لنا، ومنهم من نزل فيه القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار. فذكر ابن إسحاق أبا لهب ونزول السورة فيه وأمية بن خلف ونزول قوله تعالى

{ويل لكل همزة لمزة} [الهمزة: 1] السورة بكمالها فيه والعاص بن وائل ونزول قوله تعالى {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا} [مريم: 77] فيه، وقد تقدم شيء من ذلك وأبا جهل بن هشام وقوله للنبي - صلى الله عليه وسلم -: لتتركن سب آلهتنا، أو لنسبن إلهك. ونزول قول الله فيه {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} [الأنعام: 108] الآية [الأنعام: 108] والنضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة ومنهم من يقول: علقمة بن كلدة قاله السهيلي وجلوسه بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - في مجالسه، حيث يتلو القرآن ويدعو إلى الله، فيتلو عليهم النضر شيئا من أخبار رستم وأسفنديار وما جرى بينهما من الحروب في زمن الفرس، ثم يقول: والله، ما محمد بأحسن حديثا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين، اكتتبها كما اكتتبتها، فأنزل الله تعالى {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5] وقوله

{ويل لكل أفاك أثيم} [الجاثية: 7]

قال ابن إسحاق: «وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا، يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرض له النضر فكلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون} [الأنبياء: 98]

[الأنبياء: 98 - 100] ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد، وقد زعم محمد، أنا وما نعبد من آلهتنا هذه، حصب جهنم. فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدا ; أكل ما نعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى. فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعرى ورأوا أنه قد احتج وخاصم. فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن

أمرتهم بعبادته ". فأنزل الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون} [الأنبياء: 101] » [الأنبياء: 101، 102] أي ; عيسى، وعزير ومن عبد من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى. ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة، وأنها بنات الله {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} [الأنبياء: 26] والآيات بعدها. ونزل في إعجاب المشركين بقول ابن الزبعرى {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} [الزخرف: 57] . إنما أريد بذلك ما كانوا يعبدونه من الأحجار التي كانت صور أصنام، ولا يتناول ذلك الملائكة الذين زعموا أنهم يعبدونهم في هذه الصور، ولا المسيح، ولا عزيرا ولا أحدا من الصالحين ; لأن اللفظ لا يتناولهم، لا لفظا ولا معنى، فهم يعلمون أن ما ضربوه بعيسى ابن مريم من المثل جدل باطل، كما قال الله تعالى {ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} [الزخرف: 58] ثم قال إن هو أي عيسى {إلا عبد أنعمنا عليه} [الزخرف: 59] أي بنبوتنا

{وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} [الزخرف: 59] أي دليلا على تمام قدرتنا على ما نشاء حيث خلقناه من أنثى بلا ذكر، وقد خلقنا حواء من ذكر بلا أنثى، وخلقنا آدم لا من هذا ولا من هذا، وخلقنا سائر بني آدم من ذكر وأنثى، كما قال في الآية الأخرى {ولنجعله آية للناس} [مريم: 21] أي أمارة ودليلا على قدرتنا الباهرة {ورحمة منا} [مريم: 21] نرحم بها من نشاء.

وذكر ابن إسحاق الأخنس بن شريق ونزول قوله تعالى، فيه: {ولا تطع كل حلاف مهين} [القلم: 10] الآيات. وذكر الوليد بن المغيرة حيث قال: أينزل على محمد، وأترك وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف؟ ! فنحن عظيما القريتين. ونزول قوله تعالى فيه: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] والتي بعدها. وذكر أبي بن خلف حين قال لعقبة بن أبي معيط: ألم يبلغني أنك جالست محمدا، وسمعت منه، وجهي من وجهك حرام، إلا أن تتفل في وجهه. ففعل ذلك عدو الله عقبة لعنه الله، فأنزل الله: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} [الفرقان: 27]

[الفرقان: 27، 28] والتي بعدها.

قال: «ومشى أبي بن خلف بعظم بال قد أرم، فقال: يا محمد، أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم؟ ! ثم فته بيده، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " نعم، أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك النار ".» وأنزل الله تعالى: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} [يس: 78]

[يس: 78، 79] إلى آخر السورة.

قال «واعترض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني، وهو يطوف عند باب الكعبة، الأسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاص بن وائل فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فأنزل الله فيهم: {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون} [الكافرون: 1] » [الكافرون: 1، 2] إلى آخرها. ولما سمع أبو جهل بشجرة الزقوم، قال: أتدرون ما الزقوم، هو تمر يضرب بالزبد، ثم قال: هلموا فلنتزقم! فأنزل الله تعالى: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} [الدخان: 43]

[الدخان: 43، 44] قال: «ووقف

الوليد بن المغيرة فكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكلمه، وقد طمع في إسلامه، فمر به ابن أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة الأعمى، فكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعل يستقرئه القرآن، فشق ذلك عليه حتى أضجره، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا، وتركه، فأنزل الله تعالى: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} [عبس: 1] » [عبس: 1، 2] إلى قوله {مرفوعة مطهرة} [عبس: 14] وقد قيل: إن الذي كان يحدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين جاءه ابن أم مكتوم أمية بن خلف. فالله أعلم.

ثم ذكر ابن إسحاق من عاد من مهاجرة الحبشة إلى مكة، وذلك حين بلغهم إسلام أهل مكة، وكان النقل ليس بصحيح، ولكن كان له سبب، وهو ما ثبت في " الصحيح " وغيره «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلس يوما مع المشركين، وأنزل الله عليه {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم} [النجم: 1]

[النجم: 1، 2] يقرؤها عليهم حتى ختمها وسجد، فسجد من هناك من المسلمين والمشركين والجن والإنس» . وكان لذلك سبب ذكره كثير من المفسرين عند قوله تعالى:

{وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} [الحج: 52] وذكروا قصة الغرانيق، وقد أحببنا الإضراب عن ذكرها صفحا ; لئلا يسمعها من لا يضعها على مواضعها، إلا أن أصل القصة في " الصحيح ".

قال البخاري: حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: «سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون، والجن والإنس.» انفرد به البخاري دون مسلم.

وقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت الأسود عن عبد الله قال: «قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - النجم بمكة، فسجد فيها، وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصى أو تراب، فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا. فرأيته بعد قتل كافرا»

ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث شعبة.

وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم حدثنا رباح عن معمر عن ابن طاوس عن عكرمة بن خالد عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه، قال: «قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة سورة النجم، فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد، ولم يكن أسلم يومئذ المطلب فكان بعد ذلك لا يسمع أحدا يقرؤها إلا سجد معه.» وقد رواه النسائي عن عبد الملك بن

عبد الحميد عن أحمد بن حنبل به. وقد يجمع بين هذا والذي قبله، بأن هذا سجد ولكنه رفع رأسه استكبارا، وذلك الشيخ الذي استثناه ابن مسعود لم يسجد بالكلية. والله أعلم.

والمقصود أن الناقل لما رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتقد أنهم قد أسلموا، واصطلحوا معه، ولم يبق نزاع بينهم، فطار الخبر بذلك وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة بها، فظنوا صحة ذلك، فأقبل منهم طائفة طامعين بذلك، وثبتت جماعة، وكلاهما محسن مصيب فيما فعل، فذكر ابن إسحاق أسماء من رجع منهم ; عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وامرأته سهلة بنت سهيل، وعبد الله بن جحش بن رئاب وعتبة بن غزوان والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وسويبط بن سعد وطليب بن عمير وعبد الرحمن بن عوف والمقداد بن عمرو وعبد الله بن مسعود وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، وشماس بن عثمان وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وقد حبسا بمكة حتى مضت بدر وأحد والخندق وعمار بن ياسر وهو ممن شك فيه، أخرج إلى الحبشة أم لا ومعتب بن عوف وعثمان بن مظعون وابنه السائب وأخواه قدامة

وعبد الله ابنا مظعون وخنيس بن حذافة وهشام بن العاص بن وائل وقد حبس بمكة إلى بعد الخندق وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وعبد الله بن مخرمة وعبد الله بن سهيل بن عمرو وقد حبس حتى كان يوم بدر فانحاز إلى المسلمين فشهد معهم بدرا وأبو سبرة بن أبي رهم وامرأته أم كلثوم بنت سهيل، والسكران بن عمرو بن عبد شمس وامرأته سودة بنت زمعة وقد مات بمكة قبل الهجرة وخلف على امرأته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسعد بن خولة وأبو عبيدة بن الجراح وعمرو بن الحارث بن زهير وسهيل بن بيضاء وعمرو بن أبي سرح فجميعهم ثلاثة وثلاثون رجلا رضي الله عنهم.

وقال البخاري: هجرة الحبشة، وقالت عائشة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين ".» فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر إلى الحبشة إلى المدينة. فيه عن أبي موسى وأسماء رضي الله عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وقد تقدم حديث أبي موسى وهو في " الصحيحين " وسيأتي حديث أسماء بنت عميس بعد فتح خيبر حين قدم من كان تأخر من مهاجرة الحبشة، إن شاء الله، وبه الثقة.

وقال البخاري: حدثنا يحيى بن حماد حدثنا أبو عوانة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: «كنا نسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، إنا كنا نسلم عليك فترد علينا، قال: " إن في الصلاة شغلا»

وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق أخر عن سليمان بن مهران عن الأعمش به. وهو يقوي تأويل من تأول حديث زيد بن أرقم الثابت في " الصحيحين ": «كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام» . على أن المراد جنس الصحابة ; فإن زيدا أنصاري مدني، وتحريم الكلام في الصلاة ثبت بمكة، فتعين الحمل على ما تقدم، وأما ذكره الآية وهي مدنية فمشكل، ولعله اعتقد أنها المحرمة لذلك، وإنما كان المحرم له غيرها معها. والله أعلم.

قال ابن إسحاق: وكان ممن دخل معهم بجوار ; عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة وأبو سلمة بن عبد الأسد في جوار خاله أبي طالب ; فإن أمه برة بنت عبد المطلب، فأما عثمان بن مظعون فإن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثني، عمن حدثه عن عثمان قال: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من البلاء، وهو يروح ويغدو في أمان من الوليد بن المغيرة قال: والله إن غدوي ورواحي آمنا في جوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني، لنقص كثير في نفسي. فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك، قد رددت إليك جوارك. قال: لم يا بن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي؟ قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله عز وجل، ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد، فاردد علي جواري علانية كما أجرتك علانية. قال: فانطلقا، فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد بن المغيرة: هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري. قال: صدق، قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره. ثم انصرف عثمان رضي الله عنه ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس

معهم عثمان فقال لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

فقال عثمان: صدقت. فقال لبيد:

وكل نعيم لا محالة زائل

فقال عثمان: كذبت ; نعيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله. فرد عليه عثمان حتى شري أمرهما فقام إليه ذلك الرجل ولطم عينه فخضرها، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ عثمان فقال: أما والله يا بن أخي، إن كانت عينك عما أصابها لغنية، ولقد كنت في ذمة منيعة. قال: يقول عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلم يا بن أخي إن شئت إلى جوارك فعد. قال: لا.

قال ابن إسحاق: وأما أبو سلمة بن عبد الأسد فحدثني أبي إسحاق بن يسار عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة أنه حدثه أن أبا سلمة لما استجار بأبي طالب مشى إليه رجال من بني مخزوم، فقالوا له: يا أبا طالب هذا منعت منا ابن أخيك محمدا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا،

قال: إنه استجار بي وهو ابن أختي، وإن أنا لم أمنع ابن أختي، لم أمنع ابن أخي، فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه، والله لتنتهن أو لنقومن معه في كل ما قام فيه، حتى يبلغ ما أراد. قال: فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة. وكان لهم وليا وناصرا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبقوا على ذلك، فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول، ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو طالب يحرض أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

وإن امرأ أبو عتيبة عمه ... لفي روضة ما أن يسام المظالما

أقول له وأين منه نصيحتي ... أبا معتب ثبت سوادك قائما

ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة ... تسب بها إما هبطت المواسما

وول سبيل العجز غيرك منهم ... فإنك لم تخلق على العجز لازما

وحارب فإن الحرب نصف ولن ترى ... أخا الحرب يعطي الخسف حتى يسالما

وكيف ولم يجنوا عليك عظيمة ... ولم يخذلوك غانما أو مغارما

جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما

بتفريقهم من بعد ود وألفة ... جماعتنا كيما ينالوا المحارما

كذبتم وبيت الله نبزى محمدا

ولما تروا يوما لدى الشعب قائما

قال ابن هشام: وبقي منها بيت تركناه.

** [ذكر عزم الصديق على الهجرة إلى الحبشة] **

قال ابن إسحاق: وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما حدثني محمد بن مسلم الزهري عن عروة عن عائشة، حين ضاقت عليه مكة، وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة، فأذن له، فخرج أبو بكر رضي الله عنه مهاجرا، حتى إذا سار من مكة يوما أو يومين، لقيه ابن الدغنة أخو بني الحارث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد الأحابيش قال الواقدي: اسمه الحارث بن يزيد أحد بني بكر من عبد مناة بن كنانة. وقال السهيلي: اسمه مالك فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي، وآذوني، وضيقوا علي. قال: ولم؟ فوالله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف وتكسب المعدوم، ارجع فإنك في جواري. فرجع معه حتى إذا دخل مكة قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة فلا يعرض له أحد إلا بخير.

قالت: فكفوا عنه. قالت: وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جمح، فكان يصلي فيه، وكان رجلا رقيقا، إذا قرأ القرآن استبكى. قالت: فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء، يعجبون لما يرون من هيئته. قالت: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة فقالوا: يا بن الدغنة إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق، وكانت له هيئة ونحو، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم، فأته فمره بأن يدخل بيته، فليصنع فيه ما شاء. قالت: فمشى ابن الدغنة إليه، فقال: يا أبا بكر إني لم أجرك لتؤذي قومك، وقد كرهوا مكانك الذي أنت به، وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله. قال: فاردد علي جواري. قال: قد رددته عليك. قالت: فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش إن ابن أبي قحافة قد رد علي جواري، فشأنكم بصاحبكم.

وقد روى الإمام البخاري هذا الحديث متفردا به، وفيه زيادة حسنة، فقال: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: لم أعقل أبوي قط

إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع فاعبد ربك ببلدك. فرجع وارتحل معه ابن الدغنة وطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله، ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ ! فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، وليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون منه وينظرون إليه،

وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن في الصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتتن أبناؤنا ونساؤنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره، فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي قد عاقدت لك عليه. فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل. ثم ذكر تمام الحديث في هجرة أبي بكر رضي الله عنه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما سيأتي مبسوطا.

قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: لقيه يعني أبا بكر الصديق حين خرج من جوار ابن الدغنة سفيه من سفهاء قريش، وهو عامد إلى الكعبة، فحثا على رأسه ترابا، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ألا ترى ما يصنع هذا السفيه؟ فقال: أنت فعلت

ذلك بنفسك. وهو يقول: أي رب، ما أحلمك! أي رب، ما أحلمك! أي رب، ما أحلمك!

فصل: كل هذه القصص ذكرها ابن إسحاق معترضا بها بين تعاقد قريش على بني هاشم وبني المطلب، وكتابتهم عليهم الصحيفة الظالمة، وحصرهم إياهم في الشعب، وبين نقض الصحيفة، وما كان من أمرها، وهي أمور مناسبة لهذا الوقت، ولهذا قال الشافعي رحمه الله: من أراد المغازي فهو عيال على ابن إسحاق

** [ذكر نقض الصحيفة] **

نقض الصحيفة

قال ابن إسحاق: هذا وبنو هاشم وبنو المطلب في منزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم، في الصحيفة التي كتبوها، ثم إنه قام في نقض الصحيفة نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن نصر بن جزيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي وذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه، وكان هشام لبني هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه، فكان فيما بلغني يأتي بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا، قد أوقره طعاما، حتى إذا بلغ به فم الشعب، خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبيه، فدخل الشعب عليهم، ثم يأتي به قد أوقره برا، فيفعل به مثل ذلك، ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم

وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يباعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟ أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدا. قال: ويحك يا هشام! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها. قال: قد وجدت رجلا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال له زهير: أبغنا ثالثا. فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له: يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك. موافق لقريش فيه؟ ! أما والله، لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا. قال: ويحك! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت لك ثانيا. قال: من؟ قال: أنا. قال: أبغنا ثالثا. قال: قد فعلت. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية. قال: أبغنا رابعا. فذهب إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدي فقال: وهل تجد أحدا يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك. قال: أبغنا خامسا. فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد. فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم. ثم سمى القوم. فاتعدوا خطم الحجون ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، وأجمعوا

أمرهم، وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة، فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى، لا يبتاعون ولا يبتاع منهم؟ والله، لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل: وكان في ناحية المسجد: كذبت، والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حيث كتبت. قال أبو البختري: صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقر به. قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كتب فيها. قال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. قال أبو جهل: هذا أمر قد قضي بليل، تشوور فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا " باسمك اللهم "، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة فشلت يده فيما يزعمون.

قال ابن هشام: وذكر بعض أهل العلم، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي طالب: " «يا عم، إن الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان» ". فقال: أربك أخبرك بهذا؟ قال: " نعم ". قال: فوالله ما يدخل عليك أحد. ثم خرج إلى قريش، فقال: يا معشر قريش! إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم فإن كانت كما قال، فانتهوا عن قطيعتنا، وانزلوا عنها. وإن كان

كاذبا، دفعت إليكم ابن أخي. فقال القوم: قد رضينا فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فزادهم ذلك شرا، فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا.

قال ابن إسحاق: فلما مزقت وبطل ما فيها، قال أبو طالب فيما كان من أمر أولئك القوم الذين قاموا في نقض الصحيفة، يمدحهم:

ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا ... على نأيهم والله بالناس أرود

فيخبرهم أن الصحيفة مزقت ... وأن كل ما لم يرضه الله مفسد

تراوحها إفك وسحر مجمع ... ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد

تداعى لها من ليس فيها بقرقر ... فطائرها في رأسها يتردد

وكانت كفاء وقعة بأثيمة ... ليقطع منها ساعد ومقلد

ويظعن أهل المكتين فيهربوا ... فرائصهم من خشية الشر ترعد

ويترك حراث يقلب أمره

أيتهم فيها عند ذاك. وينجد ... وتصعد بين الأخشبين كتيبة

لها حدج سهم وقوس ومرهد ... فمن ينش من حضار مكة عزه

فعزتنا في بطن مكة أتلد ... نشأنا بها والناس فيها قلائل

فلم ننفكك نزداد خيرا ونحمد ... ونطعم حتى يترك الناس فضلهم

إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد ... جزى الله رهطا بالحجون تتابعوا

على ملأ يهدي لحزم ويرشد ... قعودا لدى خطم الحجون كأنهم

مقاولة بل هم أعز وأمجد

أعان عليها كل صقر كأنه إذا ما ... مشى في رفرف الدرع أحرد

جريء على جلى الخطوب كأنه ... شهاب بكفي قابس يتوقد

من الأكرمين من لؤي بن غالب ... إذا سيم خسفا وجهه يتربد

طويل النجاد خارج نصف ساقه ... على وجهه يسقى الغمام ويسعد

عظيم الرماد سيد وابن سيد ... يحض على مقرى الضيوف ويحشد

ويبني لأبناء العشيرة صالحا ... إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد

ألظ بهذا الصلح كل مبرأ ... عظيم اللواء أمره ثم يحمد

قضوا ما قضوا في ليلهم ... ثم أصبحوا على مهل وسائر الناس رقد

هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا ... وسر أبو بكر بها ومحمد

متى شرك الأقوام في جل أمرنا ... وكنا قديما قبلها نتودد

وكنا قديما لا نقر ظلامة ... وندرك ما شئنا ولا نتشدد

فيال قصي هل لكم في نفوسكم ... وهل لكم فيما يجيء به غد

فإني وإياكم كما قال قائل

لديك البيان لو تكلمت أسود

قال السهيلي: أسود اسم جبل قتل به قتيل، ولم يعرف قاتله، فقال أولياء المقتول: لديك البيان لو تكلمت أسود. أي: يا أسود، لو تكلمت لأبنت لنا عمن قتله.

ثم ذكر ابن إسحاق: شعر حسان يمدح المطعم بن عدي وهشام بن عمرو ; لقيامهما في نقض الصحيفة الظالمة الفاجرة الغاشمة. وقد ذكر الأموي هاهنا أشعارا كثيرة اكتفينا بما أورده ابن إسحاق

وقال الواقدي: سألت محمد بن صالح وعبد الرحمن بن عبد العزيز: متى خرج بنو هاشم من الشعب؟ قالا: في السنة العاشرة. يعني من البعثة، قبل الهجرة بثلاث سنين.

قلت: وفي هذه السنة بعد خروجهم توفي أبو طالب عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، كما سيأتي بيان ذلك، إن شاء الله تعالى.

** [فصل ذكر عداوة قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -] **

- وتنفير أحياء العرب والقادمين إلى مكة)

وقد ذكر محمد بن إسحاق رحمه الله بعد إبطال الصحيفة قصصا كثيرة، تتضمن نصب عداوة قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتنفير أحياء العرب والقادمين إلى مكة لحج أو عمرة أو غير ذلك منه، وإظهار الله المعجزات على يديه ; دلالة على صدقه فيما جاءهم به من البينات والهدى، وتكذيبا لهم فيما يرمونه من البغي والعدوان والمكر والخداع، ويرمونه من الجنون والسحر والكهانة والتقول، والله غالب على أمره ; فذكر قصة الطفيل بن عمرو الدوسي مرسلة، وكان سيدا مطاعا شريفا في " دوس ". وكان قد قدم مكة، فاجتمع به أشراف قريش وحذروه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونهوه أن يجتمع به، أو يسمع كلامه. قال: فوالله ما زالوا بي، حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا ; فرقا من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه. قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي عند الكعبة، قال: فقمت منه قريبا، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، قال: فسمعت كلاما حسنا. قال: فقلت في نفسي: واثكل أمي! والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته. قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

فاتبعته حتى إذا دخل بيته، دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إن قومك قالوا لي كذا وكذا، للذي قالوا. قال: فوالله ما برحوا بي يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف ; لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعت قولا حسنا، فاعرض علي أمرك. قال: فعرض علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإسلام، وتلا علي القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه. قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبي الله، إني امرؤ مطاع في قومي، وإني راجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه. قال: فقال: " «اللهم اجعل له آية» ". قال: فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر، وقع نور بين عيني مثل المصباح. قال: فقلت: اللهم في غير وجهي ; فإني أخشى أن يظنوا بها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم. قال: فتحول فوقع في رأس سوطي. قال: فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في رأس سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أنهبط عليهم من الثنية، حتى جئتهم فأصبحت فيهم، فلما نزلت أتاني أبي، وكان شيخا كبيرا، فقلت: إليك عني يا أبت، فلست منك ولست مني. قال: ولم يا بني؟ قال: قلت: أسلمت وتابعت دين محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال: أي بني، ديني دينك. فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم ائتني حتى أعلمك مما علمت. قال: فذهب فاغتسل وطهر ثيابه. قال: ثم جاء فعرضت عليه الإسلام، فأسلم.

قال: ثم

أتتني صاحبتي، فقلت: إليك عني، فلست منك ولست مني. قالت: ولم؟ بأبي أنت وأمي. قال: قلت: فرق بيني وبينك الإسلام، وتابعت دين محمد - صلى الله عليه وسلم -. قالت: فديني دينك. قال: قلت: فاذهبي إلى حنى ذي الشرى، فتطهري منه. وكان ذو الشرى صنما لدوس، وكان الحمى حمى حموه له، به وشل من ماء يهبط من جبل. قالت: بأبي أنت وأمي، أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئا؟ قال: قلت: لا، أنا ضامن لذلك. قال: فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت، ثم دعوت دوسا إلى الإسلام، فأبطؤوا علي، ثم جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة، فقلت: يا رسول الله، إنه قد غلبني على دوس الزنا فادع الله عليهم. قال: " «اللهم اهد دوسا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم» ". قال: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام، حتى هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن أسلم معي من قومي، ورسول الله بخيبر، حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس، فلحقنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر. فأسهم لنا مع المسلمين، ثم لم أزل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا فتح الله عليه مكة، قلت: يا رسول الله، ابعثني إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه. قال ابن إسحاق: فخرج إليه، فجعل الطفيل وهو يوقد عليه النار، يقول:

يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا

إني حشوت النار في فؤادكا

قال: ثم رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان معه بالمدينة، حتى قبض الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - فلما ارتدت العرب خرج الطفيل مع المسلمين، فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة، فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي ; رأيت أن رأسي حلق، وأنه خرج من فمي طائر، وأنه لقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها، وأرى ابني يطلبني طلبا حثيثا، ثم رأيته حبس عني. قالوا: خيرا. قال: أما أنا والله، فقد أولتها. قالوا: ماذا؟ قال: أما حلق رأسي فوضعه، وأما الطائر الذي خرج منه فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تحفر لي فأغيب فيها، وأما طلب ابني إياي ثم حبسه عني، فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني. فقتل رحمه الله تعالى شهيدا باليمامة، وجرح ابنه جراحة شديدة، ثم استبل منها، ثم قتل عام اليرموك زمن عمر شهيدا رحمه الله. هكذا ذكر محمد بن إسحاق قصة الطفيل بن عمرو مرسلة بلا إسناد.

ولخبره شاهد في الحديث الصحيح ; قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: «لما قدم الطفيل

وأصحابه على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن دوسا قد استعصت. قال: " اللهم اهد دوسا، وأت بهم ".» رواه البخاري عن أبي نعيم عن سفيان الثوري به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد أنبأنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه، فقالوا: يا رسول الله، إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليها. قال أبو هريرة: فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه، فقلت: هلكت دوس. فقال: " اللهم اهد دوسا، وأت بهم ".» إسناد جيد، ولم يخرجوه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر «أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟ قال: حصن كان لدوس في الجاهلية. فأبى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة، فمرض فجزع فأخذ مشاقص فقطع

بها براجمه، فشخبت يداه، فما رقأ الدم حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئة حسنة، ورآه مغطيا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم -. قال: فما لي أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لي: لن يصلح منك ما أفسدت. قال: فقصها الطفيل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم وليديه فاغفر» . رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن سليمان بن حرب به. فإن قيل: فما الجمع بين هذا الحديث، وبين ما ثبت في " الصحيحين " من طريق الحسن عن جندب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله عز وجل: عبدي بادرني بنفسه، فحرمت عليه الجنة ".» فالجواب من وجوه ; أحدها: أنه قد يكون ذاك مشركا، وهذا مؤمن، ويكون قد جعل هذا الصنيع سببا مستقلا في دخوله النار، وإن كان شركه مستقلا، إلا أنه نبه على هذا لتعتبر أمته. الثاني: قد يكون

هذاك عالما بالتحريم، وهذا غير عالم لحداثة عهده بالإسلام. الثالث: قد يكون ذاك فعله مستحلا له، وهذا لم يكن مستحلا، بل مخطئا. الرابع: قد يكون أراد ذاك بصنيعه المذكور، أن يقتل نفسه، بخلاف هذا، فإنه يجوز أنه لم يقصد قتل نفسه، وإنما أراد غير ذلك. الخامس: قد يكون هذاك قليل الحسنات، فلم تقاوم كبر ذنبه المذكور، فدخل النار، وهذا قد يكون كثير الحسنات، فقاومت الذنب، فلم يلج النار، بل غفر له بالهجرة إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولكن بقي الشين في يده فقط، وحسنت هيئة سائره، فغطى الشين منه، فلما رآه الطفيل بن عمرو مغطيا يديه، قال له: ما لك؟ قال: قيل لي: لن يصلح منك ما أفسدت. فلما قصها الطفيل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا له فقال: «اللهم، وليديه فاغفر ".» أي فأصلح منها ما كان فاسدا. والمحقق أن الله استجاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صاحب الطفيل بن عمرو.

** [قصة أعشى بن قيس بن ثعلبة] **

قال ابن هشام: حدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي، وغيره من مشايخ بكر بن وائل، عن أهل العلم، أن أعشى بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، خرج إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد الإسلام، فقال يمدح النبي - صلى الله عليه وسلم -:

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا

وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا

ولكن أرى الدهر الذي هو خائن ... إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا

كهولا وشبانا فقدت وثروة ... فلله هذا الدهر كي ترددا

وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع

وليدا وكهلا حين شبت وأمردا ... وأبتذل العيس المراقيل تعتلي

مسافة ما بين النجير فصرخدا ... ألا أيهذا السائلي أين يممت

فإن لها في أهل يثرب موعدا ... فإن تسألي عني فيا رب سائل

حفي عن الأعشى به حيث أصعدا ... أجدت برجليها نجاء وراجعت

يداها خناقا لينا غير أحردا ... وفيها إذا ما هجرت عجرفية

إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا

وآليت لا آوي لها من كلالة ... ولا من حفى حتى تلاقي محمدا

متى ما تناخي عند باب ابن هاشم ... تراحي وتلقى من فواضله ندى

نبي يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا

له صدقات ما تغب ونائل ... فليس عطاء اليوم مانعه غدا

أجدك لم تسمع وصاة محمد ... نبي الإله حيث أوصى وأشهدا

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا

ندمت على أن لا تكون كمثله ... فترصد للأمر الذي كان أرصدا

فإياك والميتات لا تقربنها ... ولا تأخذن سهما حديدا لتفصدا

وذا النصب المنصوب لا تنسكنه ... ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا

ولا تقربن حرة كان سرها ... عليك حراما فانكحن أو تأبدا

وذا الرحم القربى فلا تقطعنه.

لعاقبة ولا الأسير المقيدا ... وسبح على حين العشية والضحى

ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا ... ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة

ولا تحسبن المال للمرء مخلدا

قال ابن هشام: فلما كان بمكة أو قريبا منها، اعترضه بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليسلم، فقال له: يا أبا بصير إنه يحرم الزنا. فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر ما لي فيه من أرب. فقال: يا أبا بصير إنه يحرم الخمر. فقال الأعشى: أما هذه فوالله إن في النفس منها لعلالات، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا، ثم آتيه فأسلم. فانصرف، فمات في عامه ذلك، ولم يعد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. هكذا أورد ابن هشام هذه القصة هاهنا، وهو كثير المؤاخذات لمحمد بن إسحاق رحمه الله، وهذا مما يؤاخذ به ابن هشام رحمه الله، فإن الخمر إنما حرمت بالمدينة، بعد وقعة بني النضير، كما سيأتي بيانه، فالظاهر أن عزم الأعشى على القدوم للإسلام إنما كان بعد الهجرة، وفي شعره ما يدل على ذلك وهو قوله:

ألا أيهذا السائلي أين يممت ... فإن لها في أهل يثرب موعدا

وكان الأنسب والأليق بابن هشام أن يؤخر ذكر هذه القصة إلى ما بعد الهجرة، ولا يوردها هاهنا. والله أعلم. قال السهيلي: وهذه غفلة من ابن هشام ومن تابعه، فإن الناس مجمعون على أن الخمر لم ينزل تحريمها إلا بالمدينة بعد أحد. وقد قال: وقيل: إن القائل للأعشى هو أبو جهل بن هشام في دار عتبة بن ربيعة. وذكر أبو عبيدة أن القائل له ذلك، هو عامر بن الطفيل في بلاد قيس، وهو مقبل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: وقوله: ثم آتيه فأسلم. لا يخرجه عن كفره، بلا خلاف. والله أعلم.

ثم ذكر ابن إسحاق هاهنا قصة الإراشي وكيف استعدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أبي جهل في ثمن الجمل الذي ابتاعه منه، وكيف أذل الله أبا جهل وأرغم أنفه، حتى أعطاه ثمنه في الساعة الراهنة، وقد قدمنا ذلك في ابتداء الوحي وما كان من أذية المشركين عند ذلك.

** [قصة مصارعة ركانة] وكيف أراه الشجرة التي دعاها فأقبلت - صلى الله عليه وسلم -. **

قال ابن إسحاق وحدثني أبي إسحاق بن يسار قال: وكان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف أشد قريش، فخلا يوما برسول الله في بعض شعاب مكة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟ " قال: إني لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أفرأيت إن صرعتك، أتعلم أن ما أقول حق؟ ". قال: نعم. قال: " فقم حتى أصارعك ". قال: فقام ركانة إليه فصارعه، فلما بطش به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أضجعه لا يملك من نفسه شيئا، ثم قال: عد يا محمد. فعاد فصرعه، فقال: يا محمد، والله إن هذا للعجب أتصرعني؟ ! قال: " وأعجب من ذلك إن شئت أريكه، إن اتقيت الله واتبعت أمري ". قال وما هو؟ قال: أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني ". قال: ادعها. فدعاها، فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال لها: " ارجعي إلى مكانك ". فرجعت إلى مكانها، قال: فذهب ركانة إلى قومه. فقال: يا بني عبد مناف، ساحروا بصاحبكم أهل الأرض، فوالله ما رأيت أسحر منه

قط. ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع» . هكذا روى ابن إسحاق هذه القصة مرسلة بهذا السياق. وقد روى أبو داود والترمذي من حديث أبي الحسن العسقلاني عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه، «أن ركانة صارع النبي - صلى الله عليه وسلم - فصرعه النبي - صلى الله عليه وسلم -.» ثم قال الترمذي: غريب، ولا نعرف أبا الحسن ولا ابن ركانة.

قلت: وقد روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، «أن يزيد بن ركانة صارع النبي - صلى الله عليه وسلم - فصرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات، كل مرة على مائة من الغنم، فلما كان في الثالثة، قال: يا محمد، ما وضع ظهري إلى الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلي منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقام عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورد عليه غنمه.»

وأما قصة دعائه الشجرة فأقبلت، فسيأتي في كتاب " دلائل النبوة " بعد السيرة، من طرق جيدة صحيحة في مرات متعددة إن شاء الله، وبه الثقة. وقد تقدم عن أبي الأشدين أنه صارع النبي - صلى الله عليه وسلم - فصرعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ثم ذكر ابن إسحاق قصة قدوم النصارى من أهل الحبشة نحوا من عشرين راكبا إلى مكة فأسلموا عن آخرهم، وقد تقدم ذلك بعد قصة النجاشي

ولله الحمد والمنة.

قال ابن إسحاق: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جلس في المسجد، فجلس إليه المستضعفون من أصحابه ; خباب وعمار وأبو فكيهة يسار مولى صفوان بن أمية وصهيب وأشباههم من المسلمين، هزئت بهم قريش، وقال بعضهم لبعض: هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى ودين الحق؟ ! لو كان ما جاء به محمد خيرا، ما سبقنا هؤلاء إليه، وما خصهم الله به دوننا. فأنزل الله عز وجل فيهم: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} [الأنعام: 52]

[الأنعام: 52 - 54] . قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني، يقال له: جبر. عبد لبني الحضرمي، وكانوا يقولون: والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جبر. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم:

{إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} [النحل: 103]

ثم ذكر نزول سورة " الكوثر " في العاص بن وائل حين قال عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنه أبتر، لا عقب له ; فإذا مات انقطع ذكره. فقال الله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر} [الكوثر: 3] . أي المقطوع الذكر بعده، ولو خلف ألوفا من النسل والذرية، وليس الذكر والصيت ولسان الصدق بكثرة الأولاد والأنسال والعقب، وقد تكلمنا على هذه السورة في " التفسير " ولله الحمد.

وقد روي عن أبي جعفر الباقر أن العاص بن وائل إنما قال ذلك حين مات القاسم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان قد بلغ أن يركب الدابة، ويسير على النجيبة.

ثم ذكر نزول قوله: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر} [الأنعام: 8] ، وذلك بسبب قول أبي بن خلف وزمعة بن الأسود والعاص بن وائل والنضر بن الحارث: لولا أنزل عليك ملك يكلم الناس عنك.

قال ابن إسحاق: ومر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبي جهل بن هشام فهمزوه، واستهزؤوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله تعالى في ذلك من أمرهم: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} [الأنعام: 10]

قلت: وقال الله تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين} [الأنعام: 34] . وقال تعالى: {إنا كفيناك المستهزئين} [الحجر: 95] . قال سفيان: عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المستهزئون: الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب أبو زمعة والحارث بن عيطل والعاص بن وائل السهمي فأتاه جبريل، فشكاهم إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأراه الوليد فأشار جبريل إلى أبجله، وقال: كفيته. ثم أراه

الأسود بن المطلب فأومأ إلى عنقه، وقال: كفيته. ثم أراه الأسود بن عبد يغوث فأومأ إلى رأسه، وقال: كفيته. ثم أراه الحارث بن عيطل فأومأ إلى بطنه، وقال: كفيته. ومر به العاص بن وائل فأومأ إلى أخمصه، وقال: كفيته. فأما الوليد فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له، فأصاب أبجله فقطعها، وأما الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح، فمات منها، وأما الأسود بن المطلب فعمي، وكان سبب ذلك أنه نزل تحت سمرة، فجعل يقول: يا بني، ألا تدفعون عني، قد قتلت. فجعلوا يقولون: ما نرى شيئا. وجعل يقول: يا بني، ألا تمنعون عني، قد هلكت، ها هو ذا الطعن بالشوك في عيني. فجعلوا يقولون: ما نرى شيئا. فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه. وأما الحارث بن عيطل فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه، فمات منها، وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك يوما، إذ دخل في رأسه شبرقة حتى امتلأت منها، فمات منها. وقال غيره في هذا الحديث: فركب إلى الطائف على حمار فربض به على شبرقة يعني شوكة فدخلت في أخمص قدمه شوكة فقتلته. رواه البيهقي بنحو من هذا السياق.

وقال ابن إسحاق: وكان عظماء المستهزئين كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير خمسة نفر، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم ; «الأسود بن المطلب أبو زمعة دعا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " اللهم أعم بصره، وأثكله ولده ".» والأسود بن عبد يغوث والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والحارث بن الطلاطلة. وذكر أن الله تعالى أنزل فيهم: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون} [الحجر: 94]

[الحجر: 94 - 96] . وذكر أن جبريل أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جنبه، فمر به الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي، ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه، فمات منه حبنا، ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعبه، كان أصابه قبل ذلك بسنين، من مروره برجل يريش نبلا له من خزاعة، فتعلق سهم بإزاره فخدشه خدشا يسيرا، فانتقض بعد ذلك، فمات، ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض به على

شبرقة، فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته، ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخض قيحا فقتله.

ثم ذكر ابن إسحاق: أن الوليد بن المغيرة لما حضره الموت أوصى بنيه الثلاثة ; وهم خالد وهشام والوليد فقال لهم: أي بني، أوصيكم بثلاث ; دمي في خزاعة فلا تطلوه، والله إني لأعلم أنهم منه براء، ولكني أخشى أن تسبوا به بعد اليوم، ورباي في ثقيف، فلا تدعوه حتى تأخذوه، وعقري عند أبي أزيهر الدوسي فلا يفوتنكم به، وكان أبو أزيهر قد زوج الوليد بنتا له، ثم أمسكها عنه، فلم يدخلها عليه حتى مات، وكان قد قبض عقرها منه، وهو صداقها، فلما مات الوليد وثبت بنو مخزوم على خزاعة يلتمسون منهم عقل الوليد وقالوا: إنما قتله سهم صاحبكم. فأبت عليهم خزاعة ذلك، حتى تقاولوا أشعارا وغلظ بينهم الأمر، ثم أعطتهم خزاعة بعض العقل واصطلحوا وتحاجزوا.

قال ابن إسحاق: ثم عدا هشام بن الوليد على أبي أزيهر وهو بسوق ذي المجاز فقتله، وكان شريفا في قومه، وكانت ابنته تحت أبي سفيان وذلك بعد بدر فعمد يزيد بن أبي سفيان فجمع الناس لبني مخزوم، وكان أبوه غائبا، فلما جاء أبو سفيان غاظه ما صنع ابنه يزيد فلامه على ذلك وضربه، وودى أبا أزيهر وقال لابنه: أعمدت إلى أن تقتل قريش بعضها بعضا في رجل من دوس! وكتب حسان بن ثابت قصيدة له يحرض أبا سفيان في دم أبي أزيهر فقال: بئس ما ظن حسان أن يقتل بعضنا بعضا، وقد ذهب أشرافنا يوم بدر، ولما أسلم خالد بن الوليد وشهد الطائف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأله في ربا أبيه من أهل الطائف.

قال ابن إسحاق: فذكر لي بعض أهل العلم، أن هؤلاء الآيات نزلن في ذلك: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] وما بعدها.

قال ابن إسحاق: ولم يكن في بني أزيهر ثأر نعلمه حتى حجز الإسلام

بين الناس، إلا أن ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس، فنزلوا على امرأة يقال لها: أم غيلان مولاة لدوس، وكانت تمشط النساء وتجهز العرائس، فأرادت دوس قتلهم بأبي أزيهر فقامت دونه أم غيلان، ونسوة كن معها حتى منعتهم. قال السهيلي: يقال: إنها أدخلته بين درعها وبدنها.

قال ابن هشام: فلما كانت أيام عمر بن الخطاب أتته أم غيلان، وهي ترى أن ضرارا أخوه، فقال لها عمر: لست بأخيه إلا في الإسلام، وقد عرفت منتك عليه. فأعطاها على أنها بنت سبيل.

قال ابن هشام وكان ضرار بن الخطاب لحق عمر بن الخطاب يوم أحد، فجعل يضربه بعرض الرمح، ويقول: انج يا بن الخطاب لا أقتلك. فكان عمر يعرفها له بعد الإسلام، رضي الله عنهما.

** [فصل دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - على قريش حين استعصت عليه] **

فصل

وذكر البيهقي هاهنا دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - على قريش، حين استعصت عليه، بسبع كسبع يوسف، وأورد ما أخرجاه في " الصحيحين " من طريق الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن ابن مسعود قال: خمس مضين ; اللزام، والروم، والدخان، والبطشة، والقمر. وفي رواية عن ابن مسعود قال: «إن قريشا لما استعصت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبطؤوا عن الإسلام، قال: " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ".» قال: فأصابتهم سنة حتى فحصت كل شيء، حتى أكلوا الجيف والميتة، وحتى إن أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، ثم دعا فكشف الله عنهم. ثم قرأ عبد الله هذه الآية: {إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون} [الدخان: 15] . قال: فعادوا فكفروا فأخروا إلى يوم القيامة، أو قال: فأخروا إلى يوم بدر. قال أبو عبد الله: إن ذلك لو كان

يوم القيامة، كان لا يكشف عنهم: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} [الدخان: 16] قال: يوم بدر. وفي رواية عنه، قال: «لما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الناس إدبارا، قال: " اللهم سبعا كسبع يوسف ". فأخذتهم سنة، حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكة، فقالوا: يا محمد، إنك تزعم أنك بعثت رحمة، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم. فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعا، فشكا الناس كثرة المطر، فقال: " اللهم حوالينا ولا علينا ". فانحدرت السحابة عن رأسه، فسقي الناس حولهم.» قال: لقد مضت آية الدخان، وهو الجوع الذي أصابهم، وذلك قوله: {إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون} [الدخان: 15] وآية الروم، والبطشة الكبرى، وانشقاق القمر، وذلك كله يوم بدر. قال البيهقي: يريد، والله أعلم، البطشة الكبرى، والدخان، وآية اللزام، كلها حصلت ببدر. قال: وقد أشار البخاري إلى هذه الرواية. ثم أورد من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن

عباس: قال «جاء أبو سفيان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستغيث من الجوع ; لأنهم لم يجدوا شيئا حتى أكلوا العهن بالدم، فأنزل الله تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} [المؤمنون: 76] قال: فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى فرج الله عنهم.» ثم قال الحافظ البيهقي: وقد روي في قصة أبي سفيان ما دل على أن ذلك بعد الهجرة، ولعله كان مرتين. والله أعلم.

** [قصة فارس والروم] **

فصل

ثم أورد البيهقي قصة فارس والروم ونزول قوله تعالى: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} [الروم: 1]

[الروم: 1 - 5] ثم روى من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «كان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس ; لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن تظهر

فارس على الروم ; لأنهم أهل أوثان، فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر فذكره أبو بكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " أما إنهم سيظهرون ". فذكر أبو بكر ذلك للمشركين، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، إن ظهروا كان لك كذا وكذا، وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا. فذكر ذلك أبو بكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " ألا جعلته أراه قال دون العشر ". قال: فظهرت الروم بعد ذلك»

وقد أوردنا طرق هذا الحديث في " التفسير "، وذكرنا أن المباحث أي المراهن لأبي بكر أمية بن خلف وأن الرهن كان على خمس قلائص، وأنه كان إلى مدة فزاد فيها الصديق عن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي الرهن، وأن غلبة الروم على فارس كان يوم بدر، أو كان يوم الحديبية. فالله أعلم.

ثم روى من طريق الوليد بن مسلم حدثنا أسيد الكلابي أنه سمع العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه، قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، وظهورهم على الشام والعراق، كل ذلك في خمس عشرة سنة.

** [فصل في الإسراء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى بيت المقدس] ، ثم عروجه من هناك إلى السماوات، وما رأى هنالك من الآيات **

ذكر ابن عساكر أحاديث الإسراء في أوائل البعثة، وأما ابن إسحاق فذكرها في هذا الموطن بعد البعثة بنحو من عشر سنين. وروى البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: «أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل خروجه إلى المدينة بسنة.» قال: وكذلك ذكره ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة. ثم روى عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن أسباط بن نصر عن إسماعيل السدي أنه قال: «فرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخمس ببيت المقدس ليلة أسري به، قبل مهاجره بستة عشر شهرا.» فعلى قول السدي يكون الإسراء في شهر ذي القعدة، وعلى

قول الزهري وعروة يكون في ربيع الأول.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عثمان عن سعيد بن مينا عن جابر وابن عباس قالا: ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفيل، يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر وفيه مات. فيه انقطاع. وقد اختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي في " سيرته "، وقد أورد حديثا لا يصح سنده، ذكرناه في " فضائل شهر رجب "، أن الإسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب. والله أعلم. ومن الناس من يزعم أن الإسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب، وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لذلك. والله أعلم. وينشد بعضهم في ذلك

ليلة الجمعة عرج بالنبي ... ليلة الجمعة أول رجب

وهذا الشعر عليه ركاكة، وإنما ذكرناه استشهادا لمن يقول به. وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك مستقصاة، عند قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} [الإسراء: 1] فلتكتب من هناك على ما هي عليه من الأسانيد والعزو والكلام عليها، ومعها، ففيها مقنع وكفاية. ولله الحمد والمنة.

ولنذكر ملخص كلام ابن إسحاق رحمه الله، فإنه قال بعد ذكر ما تقدم من الفصول: ثم أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس من إيلياء، وقد فشا الإسلام بمكة، في قريش وفي القبائل كلها، قال: وكان من الحديث فيما بلغني عن مسراه - صلى الله عليه وسلم - عن ابن مسعود وأبي سعيد وعائشة، ومعاوية وأم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنهم والحسن بن أبي الحسن وابن شهاب الزهري وقتادة وغيرهم من أهل العلم ما اجتمع في هذا الحديث، كل يحدث عنه بعض ما ذكر لي من أمره وكان في مسراه - صلى الله عليه وسلم - وما ذكر لي منه بلاء وتمحيص، وأمر من أمر الله، في قدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولي الألباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق، وكان من أمر الله على يقين، فأسري به كيف شاء، وكما شاء، ليريه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين من أمره، وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يريد، فكان عبد الله بن مسعود فيما بلغني، يقول: «أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبراق، وهي الدابة التي كانت تحمل عليها الأنبياء قبله، تضع حافرها في منتهى طرفها، فحمل عليها، ثم خرج به صاحبه، يرى الآيات فيما بين السماء والأرض، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى، في نفر من الأنبياء، قد جمعوا له، فصلى بهم، ثم أتي بثلاثة آنية ; من لبن، وخمر، وماء. فذكر أنه شرب إناء اللبن، " فقال لي جبريل: هديت وهديت أمتك ".»

وذكر ابن إسحاق في سياق الحسن البصري مرسلا. «، أن جبريل أيقظه، ثم خرج به إلى باب المسجد الحرام، فأركبه البراق، وهو " دابة أبيض، بين البغل والحمار، وفي فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه، يضع حافره في منتهى طرفه، ثم حملني عليه، ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته ".»

قلت: وفي الحديث، وهو عن قتادة فيما ذكره ابن إسحاق «، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أراد ركوب البراق، شمس به، فوضع جبريل يده على معرفته، ثم قال: ألا تستحي يا براق مما تصنع! فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه. قال: فاستحى حتى ارفض عرقا، ثم قر حتى ركبته.» قال الحسن في حديثه: «فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومضى معه جبريل حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى، في نفر من الأنبياء، فأمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى بهم.» ثم ذكر اختياره إناء اللبن على إناء الخمر، وقول جبريل له: هديت وهديت أمتك، وحرمت عليكم الخمر. قال: ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة فأصبح يخبر قريشا بذلك، فذكر أنه كذبه أكثر الناس، وارتدت طائفة بعد إسلامها،

وبادر الصديق إلى التصديق وقال: إني لأصدقه في خبر السماء بكرة وعشية، أفلا أصدقه في بيت المقدس! وذكر أن الصديق سأله عن صفة بيت المقدس، فذكرها له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: فيومئذ سمي أبو بكر الصديق. قال الحسن: وأنزل الله في ذلك: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا} [الإسراء: 60] الآية.

وذكر ابن إسحاق فيما بلغه عن أم هانئ، أنها قالت: «ما أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من بيتي، نام عندي تلك الليلة بعد ما صلى العشاء الآخرة، فلما كان قبيل الفجر أهبنا، فلما صلى الصبح وصلينا معه، قال: " يا أم هانئ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة في هذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم قد صليت الغداة معكم الآن كما ترين ". ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه، فقلت: يا نبي الله، لا تحدث بهذا الحديث الناس، فيكذبوك ويؤذوك. قال: " والله لأحدثنهموه ". فأخبرهم فكذبوه، فقال: " وآية ذلك، أني مررت بعير بني فلان بوادي كذا وكذا، فأنفرهم حس الدابة، فند لهم بعير، فدللتهم عليه وأنا موجه إلى الشام، ثم أقبلت

حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نياما، ولهم إناء فيه ماء، قد غطوا عليه بشيء، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان، وآية ذلك، أن عيرهم يصوب الآن من ثنية التنعيم البيضاء، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان، إحداهما سوداء والأخرى برقاء. قالت: فابتدر القوم الثنية، فلم يلقهم أول من الجمل الذي وصف لهم، وسألوهم عن الإناء وعن البعير فأخبروهم، كما ذكر صلوات الله وسلامه عليه»

وذكر يونس بن بكير عن أسباط عن إسماعيل السدي أن الشمس كادت أن تغرب قبل أن يقدم ذلك العير، فدعا الله، عز وجل، فحبسها حتى قدموا كما وصف لهم. قال: فلم تحتبس الشمس على أحد إلا عليه ذلك اليوم، وعلى يوشع بن نون. رواه البيهقي.

قال ابن إسحاق: وأخبرني من لا أتهم، عن أبي سعيد قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لما فرغت مما كان في بيت المقدس أتي بالمعراج، ولم أر شيئا قط أحسن منه، وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر،

فأصعدني فيه صاحبي، حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء، يقال له: باب الحفظة. عليه ملك من الملائكة يقال له: إسماعيل. تحت يده اثنا عشر ألف ملك، تحت يدي كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك ". قال: يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حدث بهذا الحديث: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} [المدثر: 31] » [المدثر: 31] ثم ذكر بقية الحديث، وهو مطول جدا، وقد سقناه بإسناده ولفظه بكماله في " التفسير " وتكلمنا عليه ; فإنه من غرائب الأحاديث، وفي إسناده ضعف، وكذا في سياق حديث أم هانئ ; فإن الثابت في " الصحيحين "، من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس أن الإسراء كان من المسجد من عند الحجر. وفي سياقه غرابة أيضا من وجوه، قد تكلمنا عليها هناك، ومنها قوله: وذلك قبل أن يوحى إليه. والجواب أن مجيئهم أول مرة كان قبل أن يوحى إليه، فكانت تلك الليلة ولم يكن فيها شيء، ثم جاءه الملائكة ليلة أخرى ولم يقل في ذلك: وذلك قبل أن يوحى إليه. بل جاءه بعد ما أوحي إليه، فكان الإسراء قطعا بعد

الإيحاء ; إما بقليل كما زعمه طائفة، أو بكثير نحو من عشر سنين، كما زعمه آخرون، وهو الأظهر، وغسل صدره تلك الليلة قبل الإسراء غسلا ثانيا، أو ثالثا، على قول ; لأنه مطلوب إلى الملأ الأعلى والحضرة الإلهية. ثم ركب البراق رفعة له وتعظيما وتكريما، فلما جاء بيت المقدس ربطه بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء، ثم دخل بيت المقدس فصلى في قبلته تحية المسجد. وأنكر حذيفة رضي الله عنه دخوله إلى بيت المقدس وربطه الدابة وصلاته فيه. وهذا غريب، والنص المثبت مقدم على النافي. ثم اختلفوا في اجتماعه بالأنبياء وصلاته بهم ; أكان قبل عروجه إلى السماء كما دل عليه ما تقدم، أو بعد نزوله منها. كما دل عليه بعض السياقات، وهو أنسب، كما سنذكره على قولين. فالله أعلم. وقيل: إن صلاته بالأنبياء كانت في السماء. وهكذا تخيره من الآنية اللبن والخمر والماء ; هل كانت ببيت المقدس، كما تقدم، أو في السماء، كما ثبت في الحديث الصحيح.

والمقصود أنه - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من أمر بيت المقدس نصب له المعراج، وهو السلم، فصعد فيه إلى السماء، ولم يكن الصعود على البراق، كما قد يتوهمه بعض الناس، بل كان البراق مربوطا على باب مسجد بيت المقدس ; ليرجع عليه إلى مكة، فصعد من سماء إلى سماء في المعراج حتى جاوز السابعة، وكلما جاء سماء، تلقته منها مقربوها، ومن فيها من أكابر الملائكة والأنبياء،

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com