John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[كتاب مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر شيء من البشارات بذلك] — تتمة ٤

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 37 of 840

وذكر أعيان من رآه من المرسلين ; كآدم في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في الثانية، وإدريس في الرابعة، وموسى في السادسة، على الصحيح، وإبراهيم في السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، يتعبدون فيه صلاة وطوافا، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ثم جاوز مراتبهم كلهم، حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام، ورفعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، ونبقها كقلال هجر، وغشيها عند ذلك أمور عظيمة ; ألوان متعددة باهرة، وركبتها الملائكة مثل الغربان على الشجر كثرة، وفراش من ذهب، وغشيها من نور الرب جل جلاله، ورأى هناك جبريل، عليه السلام، له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين السماء والأرض، وهو الذي يقول الله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى} [النجم: 13]

[النجم: 13 - 17] أي: ما زاغ يمينا ولا شمالا، ولا ارتفع عن المكان الذي حد له النظر إليه، وهذا هو الثبات العظيم، والأدب الكريم، وهذه الرؤيا الثانية لجبريل عليه السلام، على الصفة التي خلقه الله تعالى عليها، كما نقله ابن مسعود وأبو هريرة وأبو

ذر وعائشة، رضي الله عنهم أجمعين. والأولى هي قوله تعالى: {علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى} [النجم: 5]

[النجم: 5 - 10] وكان ذلك بالأبطح تدلى جبريل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض، حتى كان بينه وبينه قاب قوسين أو أدنى، هذا هو الصحيح في " التفسير " كما دل عليه كلام أكابر الصحابة المتقدم ذكرهم رضي الله عنهم. فأما قول شريك عن أنس في حديث الإسراء: ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى. فقد يكون من فهم الراوي فأقحمه في الحديث. والله أعلم. وإن كان محفوظا، فليس بتفسير للآية الكريمة، بل هو شيء آخر غير ما دلت عليه الآية الكريمة. والله أعلم.

وفرض الله سبحانه وتعالى، على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى أمته الصلوات ليلتئذ، خمسين صلاة في كل يوم وليلة، ثم لم يزل يختلف بين موسى وبين ربه عز وجل. حتى وضعها الرب جل جلاله، وله الحمد والمنة، إلى خمس. وقال: «هي خمس وهي خمسون: الحسنة بعشر أمثالها ".» فحصل له التكليم من الرب عز وجل ليلتئذ، وأئمة السنة كالمطبقين على هذا، واختلفوا في الرؤية ; فقال بعضهم: رآه بفؤاده مرتين. قاله ابن عباس

وطائفة، وأطلق ابن عباس وغيره الرؤية، وهو محمول على التقييد. وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما، وصرح بعضهم بالرؤية بالعينين، واختاره ابن جرير وبالغ فيه، وتبعه على ذلك آخرون من المتأخرين. وممن نص على الرؤية بعيني رأسه: الشيخ أبو الحسن الأشعري فيما نقله السهيلي عنه، واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في " فتاويه ". وقالت طائفة: لم يقع ذلك ; لحديث أبي ذر في " صحيح مسلم "، «قلت: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ فقال: " نور أنى أراه» " وفي رواية: " «رأيت نورا» ". قالوا: ولم يمكن رؤية الباقي بالعين الفانية، ولهذا قال الله تعالى لموسى فيما روي في بعض الكتب الإلهية: يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده. والخلاف في هذه المسألة مشهور بين السلف والخلف. والله أعلم.

ثم هبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس، والظاهر أن الأنبياء هبطوا معه

تكريما له وتعظيما، عند رجوعه من الحضرة الإلهية العظيمة، كما هي عادة الوافدين ; لا يجتمعون بأحد قبل الذي طلبوا إليه، ولهذا كان كلما مر على واحد منهم، يقول له جبريل عند مقدم ذاك للسلام عليه: هذا فلان، فسلم عليه. فلو كان قد اجتمع بهم قبل صعوده، لما احتاج إلى تعرف بهم مرة ثانية، ومما يدل على ذلك، أنه قال: «فلما حانت الصلاة أممتهم ".» ولم يحن وقت إذ ذاك إلا صلاة الفجر فتقدمهم إماما بهم عن أمر جبريل فيما يرويه عن ربه عز وجل فاستفاد بعضهم من هذا، أن الإمام الأعظم يقدم في الإمامة على رب المنزل ; حيث كان بيت المقدس محلتهم ودار إقامتهم ثم خرج منه فركب البراق، وعاد إلى مكة فأصبح بها، وهو في غاية الثبات والسكينة والوقار، وقد عاين في تلك الليلة من الآيات والأمور التي لو رآها أو بعضها غيره، لأصبح مندهشا أو طائش العقل، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - أصبح واجما، أي ساكنا، يخشى إن بدأ فأخبر قومه بما رأى، أن يبادروا إلى تكذيبه، فتلطف بإخبارهم أولا بأنه جاء بيت المقدس في تلك الليلة، وذلك «أن أبا جهل لعنه الله، رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد الحرام، وهو جالس واجم، فقال له: هل من خبر؟ فقال: " نعم ". فقال: وما هو؟ فقال: " إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس ". قال: إلى بيت المقدس؟ ! قال: " نعم ". قال: أرأيت إن دعوت قومك لك لتخبرهم، أتخبرهم بما أخبرتني به؟ قال: " نعم ". فأراد أبو جهل جمع قريش ليسمعوا منه ذلك، وأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمعهم ليخبرهم ذلك ويبلغهم، فقال أبو جهل: هيا معشر قريش. فاجتمعوا من أنديتهم، فقال: أخبر قومك بما أخبرتني به. فقص عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ما رأى،

وأنه جاء بيت المقدس هذه الليلة وصلى فيه، فمن بين مصفق، وبين مصفر، تكذيبا له واستبعادا لخبره، وطار الخبر بمكة، وجاء الناس إلى أبي بكر رضي الله عنه، فأخبروه أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا وكذا. فقال: إنكم تكذبون عليه. فقالوا: والله إنه ليقوله. فقال: إن كان قاله فلقد صدق. ثم جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحوله مشركو قريش، فسأله عن ذلك فأخبره، فاستعلمه عن صفات بيت المقدس ; ليسمع المشركون ويعلموا صدقه فيما أخبرهم به.» وفي " الصحيح " أن المشركين هم الذين سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. قال: «فجعلت أخبرهم عن آياته، فالتبس علي بعض الشيء، فجلى الله لي بيت المقدس، حتى جعلت أنظر إليه دون دار عقيل وأنعته لهم ".» فقالوا: أما الصفة فقد أصاب.

وذكر ابن إسحاق ما تقدم من إخباره لهم بمروره بعيرهم، وما كان من شربه ماءهم. فأقام الله عليهم الحجة، واستنارت لهم المحجة، فآمن من آمن على يقين من ربه، وكفر من كفر بعد قيام الحجة عليه، كما قال الله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] أي ; اختبارا لهم وامتحانا. قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهذا مذهب جمهور السلف والخلف، من أن الإسراء كان ببدنه وروحه صلوات الله وسلامه عليه، كما دل على ذلك ظاهر السياقات من ركوبه وصعوده في

المعراج، وغير ذلك ; ولهذا قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 1] والتسبيح إنما يكون عند الآيات العظيمة الخارقة، فدل على أنه بالروح والجسد، والعبد عبارة عنهما، وأيضا فلو كان مناما لما بادر كفار قريش إلى التكذيب به والاستبعاد له، إذ ليس في ذلك كبير أمر، فدل على أنه أخبرهم بأنه أسري به يقظة لا مناما.

وقوله في حديث شريك عن أنس: «ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر ".» معدود في غلطات شريك أو محمول على أن الانتقال من حال إلى حال يسمى يقظة، كما سيأتي في حديث عائشة رضي الله عنها، حين ذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف فكذبوه. قال «فرجعت مهموما، فلم استفق إلا بقرن الثعالب ".» وفي حديث أبي أسيد «حين جاء بابنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحنكه، فوضعه على فخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واشتغل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديث مع الناس، فرفع أبو أسيد ابنه، ثم استيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يجد الصبي، فسأل عنه، فقالوا: رفع. فسماه المنذر» وهذا الحمل أحسن من التغليط. والله أعلم.

وقد حكى ابن إسحاق فقال: حدثني بعض آل أبي بكر عن عائشة أم المؤمنين، أنها كانت تقول: «ما فقد جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن الله أسرى

بروحه» قال: وحدثني يعقوب بن عتبة أن معاوية كان إذا سئل عن مسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: كانت رؤيا من الله صادقة.

قال ابن إسحاق فلم ينكر ذلك من قولهما ; لقول الحسن: إن هذه الآية نزلت في ذلك {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] ، وكما قال إبراهيم عليه السلام: {يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك} [الصافات: 102] وفي الحديث: «تنام عيني وقلبي يقظان»

قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان قد جاءه، وعاين فيه ما عاين من أمر الله تعالى، على أي حاليه كان، نائما أو يقظان، كل ذلك حق وصدق.

قلت: وقد توقف ابن إسحاق في ذلك، وجوز كلا من الأمرين من حيث الجملة، ولكن الذي لا يشك فيه ولا يتمارى، أنه كان يقظان لا محالة ; لما تقدم، وليس مقتضى كلام عائشة رضي الله عنها أن جسده - صلى الله عليه وسلم - ما فقد، وإنما كان الإسراء بروحه، أن يكون ذلك مناما كما فهمه ابن إسحاق بل قد يكون وقع الإسراء بروحه حقيقة، وهو يقظان لا نائم، وركب البراق، وجاء بيت المقدس، وصعد السماوات، وعاين ما عاين، حقيقة

ويقظة لا مناما، لعل هذا مراد عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ومراد من تابعها على ذلك، لا ما فهمه ابن إسحاق من أنهم أرادوا بذلك المنام. والله أعلم.

** تنبيه: **

ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الإسراء، طبق ما وقع بعد ذلك، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدم مثل ذلك في حديث بدء الوحي، أنه رأى مثل ما وقع له يقظة، مناما قبله، ليكون ذلك من باب الإرهاص والتوطئة والتثبيت والإيناس. والله أعلم.

ثم قد اختلف العلماء في أن الإسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة، أو كل في ليلة على حدة؟ فمنهم من يزعم أن الإسراء في اليقظة، والمعراج في المنام. وقد حكى المهلب بن أبي صفرة في " شرحه البخاري " عن طائفة، أنهم ذهبوا إلى أن الإسراء مرتان، مرة بروحه مناما، ومرة ببدنه وروحه يقظة. وقد حكاه الحافظ أبو القاسم السهيلي عن شيخه أبي بكر بن العربي الفقيه المالكي. وهذا القول يجمع الأحاديث ; فإن في حديث شريك عن أنس: وذلك فيما يرى قلبه، وتنام عيناه ولا ينام قلبه، وقال في آخره: «ثم استيقظت، فإذا أنا في الحجر» . وهذا منام، ودل غيره على اليقظة. ومنهم من يدعي تعدد الإسراء في اليقظة أيضا، حتى قال بعضهم: إنها أربع إسراءات. وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة. وقد حاول الشيخ شهاب الدين أبو شامة رحمه الله،

أن يوفق بين اختلاف ما وقع في روايات حديث الإسراء بالجمع بالتعدد، فجعل ثلاث إسراءات، مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة إلى السماوات على البراق أيضا، لحديث حذيفة ومرة من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات.

فنقول: إن كان إنما حمله على القول بهذه الثلاث اختلاف الروايات، فقد اختلف لفظ الحديث في ذلك على أكثر من هذه الثلاث صفات، ومن أراد الوقوف على ذلك، فلينظر فيما جمعناه مستقصى في كتابنا " التفسير " عند قوله تعالى {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} [الإسراء: 1] ، وإن كان إنما حمله، أن التقسيم انحصر في ثلاث صفات بالنسبة إلى بيت المقدس وإلى السماوات، فلا يلزم من الحصر العقلي الوقوع كذلك في الخارج إلا بدليل، والله أعلم.

والعجب أن الإمام أبا عبد الله البخاري رحمه الله، ذكر الإسراء بعد ذكره موت أبي طالب فوافق ابن إسحاق في ذكره المعراج في أواخر الأمر، وخالفه في ذكره بعد موت أبي طالب وابن إسحاق أخر ذكر موت أبي طالب على الإسراء. فالله أعلم أي ذلك كان.

والمقصود أن البخاري فرق بين الإسراء وبين المعراج، فبوب لكل منهما بابا على حدة، فقال: باب حديث الإسراء وقول الله سبحانه وتعالى:

{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} [الإسراء: 1] حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لما كذبتني قريش، كنت في الحجر، فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه ".» وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر به. ورواه مسلم والنسائي من حديث عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه.

ثم قال البخاري: باب حديث المعراج: حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام حدثنا قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدثهم عن ليلة أسري به قال: «بينما أنا في الحطيم وربما قال: في الحجر مضطجعا إذ أتاني آت فقد قال: وسمعته يقول: فشق ما بين هذه إلى هذه ". فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته. وسمعته يقول: من قصه

إلى شعرته. " فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا، فغسل قلبي، ثم حشي، ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل، وفوق الحمار أبيض ". فقال له الجارود: وهو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم. يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت، فإذا فيها آدم. فقال: هذا أبوك آدم، فسلم عليه. فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: " مرحبا بالابن الصالح، والنبي الصالح " ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل مرحبا به، فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت، إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما. فسلمت فردا، ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء. ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قال: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء. فلما خلصت فإذا إدريس قال: هذا إدريس فسلم عليه. فسلمت فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ

الصالح، والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء. فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون، فسلم عليه. فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء. فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه. فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلما تجاوزت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي ; لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي. ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء. فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه. فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار نهران ظاهران، ونهران باطنان. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات. ثم رفع لي البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت

اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك. ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك. فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال: بم أمرت؟ فقلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسأله التخفيف لأمتك. قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم. قال: فلما جاوزت ناداني مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ".» هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا، وقد رواه في مواضع أخر من " صحيحه " ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة. ورويناه من حديث أنس بن مالك عن أبي بن كعب ومن حديث أنس عن أبي ذر ومن طرق

كثيرة عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد ذكرنا ذلك مستقصى بطرقه وألفاظه في التفسير. ولم يقع في هذا السياق ذكر بيت المقدس وكان بعض الرواة يحذف بعض الخبر للعلم به، أو ينساه أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارة فيسوقه كله، وتارة يحدث مخاطبه بما هو الأنفع له. ومن جعل كل رواية إسراء على حدة - كما تقدم عن بعضهم - فقد أبعد جدا ; وذلك أن كل السياقات فيها السلام على الأنبياء، وفي كل منها تعريفه بهم. وفي كلها يفرض عليه الصلوات، فكيف يمكن أن يدعى تعدد ذلك؟ هذا في غاية البعد والاستحالة، والله أعلم.

ثم قال البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: هي رؤيا عين، أريها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به إلى بيت المقدس، {والشجرة الملعونة في القرآن} [الإسراء: 60] قال: هي شجرة الزقوم.

** [فصل تعليم جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - كيفية الصلاة وأوقاتها] **

فصل

ولما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صبيحة ليلة الإسراء، جاءه جبريل عند الزوال، فبين له كيفية الصلاة وأوقاتها، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فاجتمعوا، وصلى به جبريل في ذلك اليوم إلى الغد، والمسلمون يأتمون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقتدي بجبريل، كما جاء في الحديث عن ابن عباس وجابر، «أمني جبريل عند البيت مرتين» ، فبين له الوقتين، فهما الأول والآخر، وما بينهما الوقت الموسع، ولم يذكر توسعة في وقت المغرب. وقد ثبت ذلك في حديث أبي موسى وبريدة وعبد الله بن عمرو وكلها في " صحيح مسلم " وموضع بسط ذلك في كتابنا الأحكام، ولله الحمد.

فأما ما ثبت في " صحيح البخاري " من طريق سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: «فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.» وكذا رواه الأوزاعي

، عن الزهري ورواه الشعبي عن مسروق عنها. وهذا مشكل من جهة أن عائشة كانت تتم الصلاة في السفر، وكذا عثمان بن عفان وقد تكلمنا على ذلك عند قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} [النساء: 101] . قال البيهقي: وقد ذهب الحسن البصري إلى أن صلاة الحضر أول ما فرضت أربعا، كما ذكره مرسلا من صلاته عليه السلام صبيحة الإسراء الظهر أربعا، والعصر أربعا، والمغرب ثلاثا، يجهر في الأوليين، والعشاء أربعا يجهر في الأوليين، والصبح ركعتين يجهر فيهما.

قلت: فلعل عائشة أرادت أن الصلاة كانت قبل الإسراء تكون ركعتين ركعتين، ثم لما فرضت الخمس فرضت حضرا على ما هي عليه، ورخص في السفر أن يصلى ركعتين، كما كان الأمر عليه قديما وعلى هذا لا يبقى إشكال بالكلية، والله أعلم.

** [فصل في انشقاق القمر في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -] - وجعل الله له آية على صدق رسوله فيما جاء به من الهدى ودين الحق، حيث كان ذلك وفق إشارته الكريمة **

قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: {اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر} [القمر: 1] . وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها، ونحن نذكر من ذلك ما تيسر، إن شاء الله، وبه الثقة، وعليه التكلان، وقد تقصينا ذلك في كتابنا " التفسير " فذكرنا الطرق والألفاظ محررة. ونحن نشير هاهنا إلى أطراف من طرقها، ونعزوها إلى الكتب المشهورة بحول الله وقوته، وذلك مروي عن أنس بن مالك وجبير بن مطعم وحذيفة وعبد الله بن عباس

وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.

أما أنس: فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك قال: «سأل أهل مكة النبي - صلى الله عليه وسلم - آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فقال {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] » . ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به. وهذا من مرسلات الصحابة، والظاهر أنه تلقاه عن الجم الغفير من الصحابة، أو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن الجميع.

وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شيبان. زاد البخاري: وسعيد بن أبي عروبة. وزاد مسلم: وشعبة ثلاثتهم عن قتادة عن أنس «أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما.» لفظ البخاري.

وأما جبير بن مطعم: فقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير حدثنا سليمان بن كثير عن حصين بن عبد الرحمن عن محمد بن جبير بن

مطعم عن أبيه قال: «انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل. فقالوا: سحرنا محمد. فقالوا: إن كان سحرنا، فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.» تفرد به أحمد. وهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل وغيره عن حصين به، وقد رواه البيهقي من طريق إبراهيم بن طهمان وهشيم كلاهما عن حصين بن عبد الرحمن عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده به فزاد رجلا في الإسناد.

وأما حذيفة بن اليمان: فروى الحافظ أبو نعيم في " الدلائل " من طرق، عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق. فلما كانت الجمعة الثانية، انطلقت مع أبي إلى الجمعة، فحمد الله وقال مثله، وزاد: ألا وإن السابق من سبق إلى الجنة. فلما كنا في الطريق، قلت لأبي: ما يعني

بقوله: غدا السباق؟ قال: من سبق إلى الجنة.

وأما ابن عباس: فقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا بكر عن جعفر عن عراك بن مالك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: «إن القمر انشق في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -» . ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر وهو ابن مضر عن جعفر هو ابن ربيعة عن عراك به.

وقال ابن جرير: ثنا ابن المثنى ثنا عبد الأعلى ثنا داود بن أبي هند عن علي بن أبي طلحة «، عن ابن عباس قوله {اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} [القمر: 1] قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة، انشق القمر حتى رأوا شقيه.» وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس رضي الله عنه، وهو من مرسلاته.

وقال الحافظ أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا بكر بن

سهل حدثنا عبد الغني بن سعيد حدثنا موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس. وعن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] قال ابن عباس: «اجتمع المشركون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والعاص بن هشام والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والنضر بن الحارث ونظراؤهم، فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين نصفا على أبي قبيس، ونصفا على قعيقعان. فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن فعلت تؤمنوا؟ " قالوا: نعم. وكانت ليلة بدر، فسأل الله عز وجل أن يعطيه ما سألوا، فأمسى القمر قد مثل نصفا على أبي قبيس، ونصفا على قعيقعان، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينادي: " يا أبا سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم اشهدوا ".»

ثم قال أبو نعيم: وحدثنا سليمان بن أحمد حدثنا الحسن بن العباس الرازي عن الهيثم بن النعمان حدثنا إسماعيل بن زياد عن ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس قال: «انتهى أهل مكة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: هل من آية نعرف بها أنك رسول الله؟ فهبط جبريل، فقال: يا محمد، قل لأهل مكة أن يحتفلوا هذه الليلة، فسيرون آية إن انتفعوا بها. فأخبرهم رسول الله

- صلى الله عليه وسلم - بمقالة جبريل، فخرجوا ليلة الشق، ليلة أربع عشرة، فانشق القمر نصفين، نصفا على الصفا، ونصفا على المروة، فنظروا، ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها، ثم أعادوا النظر فنظروا، ثم مسحوا أعينهم ثم نظروا، فقالوا: يا محمد، ما هذا إلا سحر ذاهب، فأنزل الله {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] »

ثم روى عن الضحاك عن ابن عباس قال «جاءت أحبار اليهود إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا أرنا آية حتى نؤمن بها، فسأل ربه، فأراهم القمر فصار قمرين، أحدهما على الصفا والآخر على المروة قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه، ثم غاب. فقالوا: هذا سحر مستمر.»

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو البزار حدثنا محمد بن يحيى القطعي حدثنا محمد بن بكر حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: «كسف القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: سحر القمر، فنزلت:

{اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} [القمر: 1] » وهذا إسناد جيد، وفيه أنه كسف تلك الليلة، فلعله حصل له انشقاق في ليلة كسوفه، ولهذا خفي أمره على كثير من أهل الأرض، ولعل ذلك في بعض ليالي الشتاء حيث يكون أكثر الناس في البيوت، أو ستره غيم عن كثير من الأرض، ومع هذا قد شوهد ذلك في كثير من بقاع الأرض، ويقال: إنه أرخ ذلك في بعض بلاد الهند، وبني بناء تلك الليلة، وأرخ بليلة انشقاق القمر.

وأما ابن عمر: فقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا وهب بن جرير عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد «، عن عبد الله بن عمر في قوله {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انشق فلقتين، فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم اشهد ".» وهكذا رواه مسلم والترمذي من طرق، عن الأعمش عن مجاهد به. قال مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وأما عبد الله بن مسعود فقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود قال «انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شقتين، حتى نظروا إليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اشهدوا ".» وهكذا أخرجاه من حديث سفيان وهو ابن عيينة به. ومن حديث الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة عن عبد الله بن مسعود قال «انشق القمر ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنى، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " اشهدوا ". وذهبت فرقة نحو الجبل.» لفظ البخاري.

ثم قال البخاري: وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله: بمكة. وتابعه محمد بن مسلم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله رضي الله عنه.

وقد أسند أبو داود الطيالسي حديث أبي الضحى عن مسروق ذلك في " مسنده "، فقال: ثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: «انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة. فقالوا: انظروا ما يأتيكم به

السفار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السفار فقالوا ذلك»

وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هشيم، حدثنا مغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، قال: «انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش لأهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به. قال: فسئل السفار - قال وقدموا من كل وجهة - فقالوا: رأينا» . وهكذا رواه ابن جرير، من حديث المغيرة، وزاد: فأنزل الله تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1]

ورواه أبو نعيم، من حديث جرير، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر.» وهكذا رواه ابن

جرير، من حديث أسباط، عن سماك به.

وقال الحافظ أبو نعيم: حدثنا أبو بكر الطلحي، حدثنا أبو حصين محمد بن الحسين الوادعي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يزيد، عن عطاء، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى، فانشق القمر حتى صار فرقتين، فتوارت فرقة خلف الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا، اشهدوا ".»

وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم بن أبي إياس، ثنا الليث بن سعد، حدثنا هشام بن سعد، عن عتبة، عن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، قال: «انشق القمر ونحن بمكة، فلقد رأيت أحد شقيه على الجبل الذي بمنى، ونحن بمكة.»

وحدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو بكر ابن أبي عاصم، حدثنا محمد بن حاتم أبو سعيد، حدثنا معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: «انشق القمر بمكة، فرأيته فرقتين»

ثم روى من حديث علي بن سعيد بن مسروق، حدثنا موسى بن عمير،

عن منصور بن المعتمر، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، قال: «رأيت القمر والله منشقا باثنتين، بينهما حراء»

وروى أبو نعيم من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: «انشق القمر فلقتين; فلقة ذهبت، وفلقة بقيت.»

قال ابن مسعود: «لقد رأيت جبل حراء من بين فلقتي القمر، فذهبت فلقة، فتعجب أهل مكة من ذلك، وقالوا: هذا سحر مصنوع سيذهب.»

وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار فرقتين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: " اشهد يا أبا بكر ". وقال المشركون: سحر القمر حتى انشق.»

فهذه طرق متعددة قوية الأسانيد، تفيد القطع لمن تأملها وعرف عدالة رجالها. وما يذكره بعض القصاص من أن القمر سقط إلى الأرض، حتى دخل في كم النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج من الكم الآخر، فلا أصل له، وهو كذب مفترى، ليس بصحيح، والقمر حين انشق لم يزايل السماء، غير أنه حين أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم انشق عن إشارته، فصار فرقتين، فسارت واحدة حتى صارت من وراء حراء، ونظروا إلى الجبل بين هذه وهذه، كما أخبر بذلك ابن مسعود أنه

شاهد ذلك. وما وقع في رواية أنس في " مسند أحمد ": فانشق القمر بمكة مرتين. فيه نظر، والظاهر أنه أراد فرقتين. والله أعلم.

** [فصل في وفاة أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم] ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها **

وقيل: بل هي توفيت قبله. والمشهور الأول. وهما المشفقان; هذاك في الظاهر، وهذه في الباطن هذاك كافر، وهذه مؤمنة صديقة، رضي الله عنها وأرضاها.

قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب، بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الإسلام، يسكن إليها، وبهلك عمه أبي طالب، وكان له عضدا وحرزا في أمره، ومنعة وناصرا على قومه، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين، فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر

على رأسه ترابا، فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه، قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته، والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته، فجعلت تغسله وتبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تبكي يا بنية; فإن الله مانع أباك ". - ويقول بين ذلك - " ما نالتني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ".»

وذكر ابن إسحاق قبل ذلك، أن أحدهم ربما طرح الأذى في برمته صلى الله عليه وسلم إذا نصبت له. قال: فكان إذا فعلوا ذلك - كما حدثني عمر بن عبد الله عن عروة - «يخرج بذلك الشيء على العود فيقف به على بابه، ثم يقول: يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟ ثم يلقيه في الطريق» .

قال ابن إسحاق: لما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريشا ثقله، قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا.

قال ابن إسحاق: وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، «عن ابن عباس، قال: لما مشوا إلى أبي طالب وكلموه، وهم أشراف

قومه; عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، في رجال من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ لنا منه وخذ له منا; ليكف عنا، ولنكف عنه، وليدعنا وديننا، ولندعه ودينه. فبعث إليه أبو طالب، فجاءه، فقال: يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك، ليعطوك وليأخذوا منك. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم، كلمة واحدة تعطونيها، تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم ". فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات. قال: " تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه ". قال: فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: يا محمد، أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا، إن أمرك لعجب! قال: ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا. قال: فقال أبو طالب: والله يا ابن أخي، ما رأيتك سألتهم شططا. قال: فطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فجعل يقول له: أي عم، فأنت فقلها، أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة، قال: فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا ابن أخي، والله لولا مخافة السبة عليك، وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت، لقلتها، لا

أقولها إلا لأسرك بها. قال: فلما تقارب من أبي طالب الموت، نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بأذنه. قال: فقال: يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أسمع. قال: وأنزل الله تعالى في أولئك الرهط: {ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق} [ص: 1]

[ص: 2، 1] الآيات» . وقد تكلمنا على ذلك في " التفسير ". ولله الحمد والمنة.

وقد استدل بعض من ذهب من الشيعة وغيرهم من الغلاة، إلى أن أبا طالب مات مسلما بقول العباس هذا الحديث: يا ابن أخي! لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها. يعني لا إله إلا الله.

والجواب عن هذا من وجوه; أحدها، أن في السند مبهما لا يعرف حاله، وهو قوله: عن بعض أهله. وهذا إبهام في الاسم والحال، ومثله يتوقف فيه لو انفرد.

وقد روى الإمام أحمد، والنسائي، وابن جرير نحوا من هذا السياق، من طريق أبي أسامة، عن الأعمش، حدثنا عباد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره، ولم يذكر قول العباس. ورواه الثوري أيضا، عن

الأعمش، عن يحيى بن عمارة الكوفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره بغير زيادة قول العباس. ورواه الترمذي وحسنه، والنسائي وابن جرير أيضا، ولفظ الحديث من سياق البيهقي، فيما رواه من طريق الثوري، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «مرض أبو طالب، فجاءت قريش، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك، وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ فقال: " يا عم، إنما أريد منهم كلمة، تذل لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها الجزية العجم، كلمة واحدة ". قال: ما هي؟ قال: " لا إله إلا الله ". قال: فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا، إن هذا لشيء عجاب!» قال: ونزل فيهم: {ص والقرآن ذي الذكر} [ص: 1] الآيات، إلى قوله {إلا اختلاق} [ص: 7]

[ص: 1 - 7]

ثم قد عارضه - أعني سياق ابن إسحاق - ما هو أصح منه، وهو ما رواه البخاري رحمه الله قائلا: حدثنا محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه، رضي الله عنه، «أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، فقال: " أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ". فقال أبو جهل وعبد الله

بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ".» فنزلت {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة: 113] ونزلت: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} [القصص: 56] ورواه مسلم، عن إسحاق بن إبراهيم وعبد، عن عبد الرزاق.

وأخرجاه أيضا من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه بنحوه. وقال فيه: «فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان له بتلك المقالة، حتى قال آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما لأستغفرن لك، ما لم أنه عنك ".» فأنزل الله - يعني بعد ذلك -: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} [التوبة: 113] ونزل في أبي طالب: {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص: 56] .

وهكذا روى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي من حديث يزيد بن

كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: «لما حضرت وفاة أبي طالب، أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا عماه، قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة ". فقال: لولا أن تعيرني قريش; يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت. لأقررت بها عينك، ولا أقولها إلا لأقر بها عينك.» فأنزل الله عز وجل: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} [القصص: 56]

وهكذا قال عبد الله بن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والشعبي، وقتادة: إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: لا إله إلا الله. فأبى أن يقولها، وقال: هو على ملة الأشياخ. وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب.

ويؤكد هذا كله ما قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، حدثني عبد الله بن الحارث، حدثنا العباس بن عبد المطلب، أنه قال: «قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك. قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ".» ورواه مسلم في " صحيحه " من طرق عن

عبد الملك بن عمير به.

وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث الليث، حدثني ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، أنه «سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر عنده عمه، فقال: " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار، يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه ".» لفظ البخاري، وفي رواية: «تغلي منه أم دماغه ".»

وروى مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي عثمان، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أهون أهل النار عذابا أبو طالب، منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه ".»

وفي " مغازي " يونس بن بكير: «يغلي منهما دماغه، حتى يسيل على قدميه ".» . ذكره السهيلي.

وقال الحافظ أبو بكر البزار في " مسنده ": حدثنا عمر، هو ابن إسماعيل بن مجالد، حدثنا أبي، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال:

«سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قيل له -: هل نفعت أبا طالب؟ قال: " أخرجته من النار إلى ضحضاح منها ".» تفرد به البزار.

قال السهيلي: وإنما لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة العباس لأخيه، أنه قال الكلمة، وقال: " لم أسمع " ; لأن العباس كان إذ ذاك كافرا، غير مقبول الشهادة.

قلت: وعندي أن الخبر بذلك ما صح، لضعف سنده كما تقدم، ومما يدل على ذلك، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن أبي طالب، فذكر له ما تقدم. وبتقدير صحته، لعله قال ذلك عند معاينة الملك بعد الغرغرة، حين لا ينفع نفسا إيمانها. والله أعلم.

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت ناجية بن كعب، يقول: سمعت عليا، يقول: «لما توفي أبي، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن عمك قد توفي، فقال: " اذهب فواره ". فقلت: إنه مات مشركا. فقال: " اذهب فواره، ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني ". ففعلت، ثم أتيته فأمرني أن أغتسل.» ورواه النسائي، عن محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة به. ورواه أبو داود، والنسائي، من حديث سفيان، عن

أبي إسحاق، عن ناجية، «عن علي: لما مات أبو طالب، قلت: يا رسول الله، إن عمك الشيخ الضال قد مات، فمن يواريه؟ قال: " اذهب فوار أباك، ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني ". فأتيته، فأمرني فاغتسلت، ثم دعا لي بدعوات، ما يسرني أن لي بهن ما على الأرض من شيء.»

وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو سعد الماليني، حدثنا أبو أحمد بن عدي، حدثنا محمد بن هارون بن حميد، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حدثنا الفضل، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، «أن النبي صلى الله عليه وسلم عارض جنازة أبي طالب، فقال: " وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم ".» قال: وروي عن أبي اليمان الهوزني، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. وزاد: ولم يقم على قبره. قال: وإبراهيم بن عبد الرحمن هذا هو الخوارزمي، تكلموا فيه.

قلت: قد روى عنه غير واحد; منهم الفضل بن موسى السيناني، ومحمد بن سلام البيكندي، ومع هذا قال ابن عدي: ليس بمعروف، وأحاديثه عن كل من روى عنه ليست بمستقيمة.

وقد قدمنا ما كان يتعاطاه أبو طالب من المحاماة، والمحاجة، والممانعة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والدفع عنه، وعن أصحابه، وما قاله فيه من الممادح والثناء،

وما أظهر له ولأصحابه من المودة والمحبة والشفقة في أشعاره التي أسلفناها، وما تضمنته من العيب والتنقص لمن خالفه وكذبه، بتلك العبارة الفصيحة، البليغة، الهاشمية، المطلبية، التي لا تدانى ولا تسامى، ولا يمكن عربيا مقاربتها، ولا معارضتها، وهو في ذلك كله يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق، بار، راشد، ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه. وفرق بين علم القلب وتصديقه، كما قررنا ذلك في شرح كتاب الإيمان من - صحيح البخاري - وشاهد ذلك قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146] . وقال تعالى في قوم فرعون: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} [النمل: 14] . وقال موسى لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا} [الإسراء: 102] ، وقول بعض السلف في قوله تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] إنها نزلت في أبي طالب، حيث كان ينهى الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينأى هو عما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق، فقد روي عن ابن عباس، والقاسم بن مخيمرة، وحبيب بن أبي ثابت، وعطاء بن دينار، ومحمد بن كعب، وغيرهم، وفيه نظر. والله أعلم.

والأظهر - والله أعلم - الرواية الأخرى عن ابن عباس: وهم ينهون

الناس عن محمد أن يؤمنوا به. وبهذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، وغير واحد. وهو اختيار ابن جرير، وتوجيهه أن هذا الكلام سيق لتمام ذم المشركين، حيث كانوا يصدون الناس عن اتباع الحق، ولا ينتفعون هم أيضا به، ولهذا قال {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} [الأنعام: 25] يدل على تمام الذم، وأبو طالب لم يكن بهذه المثابة، بل كان يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال، ونفس ومال، ولكن مع هذا لم يقدر الله له الإيمان; لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة، والحجة القاطعة البالغة الدامغة، التي يجب الإيمان بها والتسليم لها، ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه.

** [فصل في وفاة خديجة بنت خويلد وذكر شيء من فضائلها ومناقبها] **

فصل

في وفاة خديجة بنت خويلد وذكر شيء من فضائلها، ومناقبها رضي الله عنها وأرضاها، وجعل جنات الفردوس منقلبها ومثواها، وقد فعل ذلك لا

محالة، بخبر الصادق المصدوق، حيث بشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه، ولا نصب.

قال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: قال عروة بن الزبير: وقد كانت خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة.

ثم روى من وجه آخر، عن الزهري، أنه قال: توفيت خديجة بمكة، قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقبل أن تفرض الصلاة.

وقال محمد بن إسحاق: ماتت خديجة وأبو طالب في عام واحد.

وقال البيهقي: بلغني أن خديجة توفيت بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام. ذكره أبو عبد الله بن منده في كتاب " المعرفة "، وشيخنا أبو عبد الله الحافظ. قال البيهقي: وزعم الواقدي أن خديجة، وأبا طالب، ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين، عام خرجوا من الشعب، وأن خديجة توفيت قبل أبي طالب بخمس وثلاثين ليلة.

قلت: مرادهم قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، وكان

الأنسب بنا أن نذكر وفاة أبي طالب وخديجة قبل الإسراء، كما ذكره البيهقي وغير واحد. ولكن أخرنا ذلك عن الإسراء لمقصد ستطلع عليه بعد ذلك، فإن الكلام به ينتظم ويتسق السياق، كما تقف على ذلك إن شاء الله.

وقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: «أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام - أو طعام أو شراب - فإذا هي أتتك، فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.» وقد رواه مسلم من حديث محمد بن فضيل به.

وقال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن إسماعيل، قال: «قلت لعبد الله بن أبي أوفى، رضي الله عنهما: بشر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة؟ قال: نعم، ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.» ورواه البخاري أيضا، ومسلم من طرق، عن إسماعيل بن أبي خالد به.

قال السهيلي: وإنما بشرها ببيت في الجنة من قصب - يعني: قصب اللؤلؤ - لأنها حازت قصب السبق إلى الإيمان، لا صخب فيه ولا نصب، لأنها لم ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تتعبه يوما من الدهر، فلم تصخب

عليه يوما، ولا آذته أبدا.

وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: «ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة - وهلكت قبل أن يتزوجني - لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن.» لفظ البخاري. وفي لفظ له عن عائشة: «ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، قالت: وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه عز وجل - أو جبريل عليه السلام - أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب.» وفي لفظ له، قالت: «ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة. فيقول: " إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد»

ثم قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن خليل، أخبرنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، قالت: «استأذنت

هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة، فارتاع، فقال: " اللهم هالة ". فغرت، فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيرا منها.» وهكذا رواه مسلم، عن سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر به.

وهذا ظاهر في التقرير على أن عائشة خير من خديجة، إما فضلا وإما عشرة; إذ لم ينكر عليها، ولا رد عليها ذلك، كما هو ظاهر سياق البخاري، رحمه الله.

ولكن قال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل أبو عبد الرحمن، حدثنا حماد - هو ابن سلمة -، عن عبد الملك - هو ابن عمير -، عن موسى بن طلحة، عن عائشة، قالت: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خديجة فأطنب في الثناء عليها، فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة، فقلت: لقد أعقبك الله يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين. قالت: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيرا لم أره تغير عند شيء قط، إلا عند نزول الوحي، أو عند المخيلة حتى يعلم، رحمة أو عذاب»

وكذا رواه عن بهز بن أسد وعثمان بن مسلم، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير به، وزاد بعد قوله: حمراء الشدقين: «هلكت في الدهر الأول. قالت: فتمعر وجهه تمعرا، ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي، أو عند المخيلة حتى ينظر; أرحمة أو عذابا؟» تفرد به أحمد، وهذا إسناد جيد.

وقال الإمام أحمد أيضا: ثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، أخبرنا مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها بأحسن الثناء، قالت: فغرت يوما. فقلت: ما أكثر ما تذكرها، حمراء الشدق، قد أبدلك الله خيرا منها. قال: " ما أبدلني الله خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء ".» تفرد به أحمد أيضا، وإسناده لا بأس به، ومجالد روى له مسلم متابعة، وفيه كلام مشهور. والله أعلم.

ولعل هذا - أعني قوله: «ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء»

كان قبل أن يولد إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم من مارية، وقبل مقدمها بالكلية. وهذا متعين فإن جميع أولاد النبي صلى الله عليه وسلم - كما تقدم وكما سيأتي من خديجة، إلا إبراهيم، فمن مارية القبطية المصرية رضي الله عنها. وقد استدل بهذا الحديث جماعة من أهل العلم على تفضيل خديجة على عائشة رضي الله عنهما وأرضاهما، وتكلم آخرون في إسناده، وتأوله آخرون على أنها كانت خيرا عشرة، وهو محتمل أو ظاهر، وسببه أن عائشة سمت بشبابها، وحسنها، وجميل عشرتها، وليس مرادها بقولها: قد أبدلك الله خيرا منها. أنها تزكي نفسها وتفضلها على خديجة، فإن هذا أمر مرجعه إلى الله عز وجل، كما قال {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} [النجم: 32] وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء} [النساء: 49] الآية.

وهذه مسألة وقع النزاع فيها بين العلماء قديما وحديثا، وتجاذبها طرفا نقيض; أهل التشيع وغيرهم، لا يعدلون بخديجة أحدا من النساء، لسلام الرب عليها، وكون ولد النبي صلى الله عليه وسلم جميعهم - إلا إبراهيم - منها، وكونه لم يتزوج عليها حتى ماتت; إكراما لها، وتقدم إسلامها، وكونها من الصديقات، ولها مقام صدق في أول البعثة، وبذلت نفسها ومالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما أهل السنة; فمنهم من يغلو أيضا، ويثبت لكل واحدة منهما من الفضائل ما هو معروف، ولكن تحملهم قوة التسنن على تفضيل عائشة; لكونها ابنة الصديق، ولكونها أعلم من خديجة، فإنه لم يكن في الأمم مثل عائشة في حفظها وعلمها وفصاحتها وعقلها، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يحب أحدا من نسائه كمحبته إياها، ونزلت براءتها من فوق سبع سماوات، وروت بعده عنه، عليه السلام، علما جما كثيرا طيبا مباركا فيه، حتى قد ذكر كثير من الناس الحديث المشهور: «خذوا شطر دينكم عن الحميراء»

والحق أن كلا منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيره، والأحسن التوقف في ذلك، ورد علم ذلك، إلى الله عز وجل، ومن ظهر له دليل يقطع به، أو يغلب على ظنه في هذا الباب، فذاك الذي يجب عليه أن يقول بما عنده من العلم، ومن حصل له توقف في هذه المسألة، أو في غيرها، فالطريق الأقوم والمسلك الأسلم أن يقول: الله أعلم.

وقد روى الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، من

طرق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد ".» أي: خير زمانهما.

وروى شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه قرة بن إياس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث; مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ".» رواه ابن مردويه في " تفسيره ". وهذا إسناد صحيح إلى شعبة، وبعده. قالوا: والقدر المشترك بين هذه الثلاث نسوة، آسية ومريم وخديجة، أن كلا منهن كفلت نبيا مرسلا، وأحسنت الصحبة في كفالتها، وصدقته; فآسية ربت موسى، وأحسنت إليه، وصدقته حين بعث، ومريم كفلت ولدها أتم كفالة وأعظمها، وصدقته حين أرسل، وخديجة رغبت في تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وبذلت في ذلك أموالها كما تقدم، وصدقته حين نزل عليه الوحي من الله عز وجل.

وقوله: «وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ".» هو ثابت في " الصحيحين " من طريق شعبة أيضا، عن عمرو بن مرة، عن مرة الطيب الهمداني، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كمل

من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام ".» والثريد: هو الخبز واللحم جميعا، وهو أفخر طعام العرب، كما قال بعض الشعراء:

إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد

ويحتمل قوله: " وفضل عائشة على النساء " أن يكون عاما، فيعم النساء المذكورات وغيرهن، ويحتمل أن يكون عاما فيما عداهن، ويبقى الكلام فيها وفيهن موقوفا يحتمل التسوية بينهن، فيحتاج مرجح واحدة منهن على غيرها إلى دليل من خارج. والله أعلم.

** [فصل في تزويجه صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها بعائشة بنت الصديق] **

فصل

في تزويجه صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها، بعائشة بنت الصديق، وسودة بنت زمعة رضي الله عنهما

والصحيح أن عائشة - تزوجها أولا لما سيأتي; قال البخاري في باب تزويج عائشة: حدثنا معلى بن أسد، حدثنا وهيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: أريتك في المنام مرتين; أرى أنك في

سرقة من حرير، ويقول: هذه امرأتك، فاكشف عنها. فإذا هي أنت، فأقول: إن يك هذا من عند الله، يمضه» ".

قال البخاري: باب نكاح الأبكار: وقال ابن أبي مليكة: قال ابن عباس لعائشة: لم ينكح النبي صلى الله عليه وسلم بكرا غيرك. حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «قلت: يا رسول الله، أرأيت لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: " في التي لم يرتع منها» تعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرا غيرها. انفرد به البخاري.

ثم قال: حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أريتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة حرير، فيقول: هذه امرأتك. فأكشفها فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله، يمضه ".» ورواه مسلم من طريق هشام بن عروة به.

ورواه البخاري في باب النظر إلى المرأة قبل التزويج، ثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أريتك في المنام يجيء بك الملك في سرقة من حرير، فقال لي:

هذه امرأتك. فكشفت عن وجهك الثوب، فإذا أنت هي، فقلت: إن يك هذا من عند الله، يمضه ".» - وفي رواية -: «أريتك في المنام ثلاث ليال ".» وعند الترمذي: «أن جبريل جاءه بصورتها في خرقة من حرير خضراء، فقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة.»

وقال البخاري: باب تزويج الصغار من الكبار، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، عن يزيد، عن عراك، عن عروة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب عائشة إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: إنما أنا أخوك. فقال: " أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال ".» هذا الحديث ظاهر سياقه كأنه مرسل، وهو عند البخاري والمحققين متصل; لأنه من حديث عروة، عن عائشة رضي الله عنها، وهذا من أفراد البخاري رحمه الله.

وقال يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: «تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بعد موت خديجة بثلاث سنين، وعائشة يومئذ ابنة ست سنين، وبنى بها وهي ابنة تسع، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة ابنة ثماني عشرة سنة.» وهذا غريب.

وقد روى البخاري، عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: «توفيت خديجة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم

بثلاث سنين، فلبث سنتين أو قريبا من ذلك، ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين.» وهذا الذي قاله عروة مرسل في ظاهر السياق كما قدمنا ولكنه في حكم المتصل في نفس الأمر. وقوله: تزوجها وهي ابنة ست سنين، وبنى بها وهي ابنة تسع. ما لا خلاف فيه بين الناس، وقد ثبت في الصحاح وغيرها. وكان بناؤه بها، عليه السلام في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة.

وأما كون تزويجها كان بعد موت خديجة بنحو ثلاث سنين، ففيه نظر; فإن يعقوب بن سفيان الحافظ، قال: حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم متوفى خديجة، قبل مخرجه من مكة، وأنا ابنة سبع - أو ست - سنين، فلما قدمنا المدينة، جاءني نسوة وأنا العب في أرجوحة، وأنا مجممة، فهيأنني وصنعنني، ثم أتين بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة تسع سنين» . فقوله في هذا الحديث " " متوفى خديجة " يقتضي أنه على أثر ذلك قريبا، اللهم إلا أن يكون قد سقط من النسخة: بعد متوفى خديجة. فلا ينفي ما ذكره يونس بن بكير وأبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه. والله أعلم.

وقال البخاري: حدثنا فروة بن أبي المغراء حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بنت

ست سنين، فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوعكت فتمزق شعري فوفى لي جميمة، فأتتني أمي أم رومان - وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي - فصرخت بي، فأتيتها ما أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي، حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئا من ماء، فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى، فأسلمنني إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين.»

وقال الإمام أحمد في " مسند عائشة أم المؤمنين ": حدثنا محمد بن بشر،، حدثنا محمد بن عمرو، ثنا أبو سلمة ويحيى، قالا: «لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون، فقالت: يا رسول الله، ألا تزوج؟ قال: " من؟ " قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا. قال: " فمن البكر؟ " قالت: ابنة أحب خلق الله إليك، عائشة ابنة أبي بكر. قال:

" ومن الثيب؟ " قالت: سودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول. قال: " فاذهبي فاذكريهما علي ". فدخلت بيت أبي بكر، فقالت: يا أم رومان، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة. قالت: انتظري أبا بكر حتى يأتي. فجاء أبو بكر، فقالت: يا أبا بكر، ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة. قال: وهل تصلح له؟! إنما هي ابنة أخيه. فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، قال: " ارجعي إليه، فقولي له: أنا أخوك، وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي ". فرجعت فذكرت ذلك له، قال: انتظري. وخرج. قالت أم رومان: إن مطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه، ووالله ما وعد وعدا قط فأخلفه - لأبي بكر - فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي، وعنده امرأته أم الفتى. فقالت: يا ابن أبي قحافة، لعلك مصب صاحبنا، مدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك؟ فقال أبو بكر للمطعم بن عدي: أقول هذه تقول؟ قال: إنها تقول ذلك. فخرج من عنده، وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعده، فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعته، فزوجها إياه، وعائشة يومئذ بنت

ست سنين، ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة، فقالت: ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة. قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطبك إليه. قالت: وددت، ادخلي إلى أبي فاذكري ذلك له. وكان شيخا كبيرا قد أدركه السن، قد تخلف عن الحج، فدخلت عليه، فحيته بتحية الجاهلية، فقال: من هذه؟ قالت: خولة بنت حكيم. قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة. فقال: كفؤ كريم، ماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذاك. قال: ادعيها لي. فدعتها، قال: أي بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك، وهو كفؤ كريم، أتحبين أن أزوجك به؟ قالت: نعم. قال ادعيه لي. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها إياه، فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج، فجعل يحثي في رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب; أن تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة. قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح. قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيتنا، واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمي، وإني لفي أرجوحة بين عذقين ترجح بي، فأنزلتني من الأرجوحة، ولي جميمة ففرقتها، ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني، حتى

وقفت بي عند الباب، وإني لأنهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجرة، ثم قالت: هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك. فوثب الرجال والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا، ما نحرت علي جزور، ولا ذبحت علي شاة، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة، كان يرسل بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين.»

وهذا السياق كأنه مرسل، وهو متصل; لما رواه البيهقي من طريق أحمد بن عبد الجبار، حدثنا عبد الله بن إدريس الأودي عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: قالت عائشة: «لما ماتت خديجة، جاءت خولة بنت حكيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، ألا تزوج؟ قال: " ومن؟ " قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا. قال: " من البكر؟ ومن الثيب؟ " قالت: أما البكر فابنة أحب خلق الله إليك; عائشة، وأما الثيب فسودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك. قال: " فاذكريهما علي ".» وذكر تمام الحديث نحو ما تقدم. وهذا يقتضي أن عقده على عائشة كان متقدما على تزويجه بسودة بنت زمعة، ولكن دخوله على سودة كان بمكة، وأما دخوله على عائشة، فتأخر إلى المدينة في السنة الثانية،

كما تقدم وكما سيأتي.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا شريك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «لما كبرت سودة وهبت يومها لي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لي بيومها مع نسائه. قالت: وكانت أول امرأة تزوجها بعدي»

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثني شهر، حدثني عبد الله بن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب امرأة من قومه، يقال لها: سودة، وكانت مصبية كان لها خمسة صبية - أو ستة - من بعل لها مات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يمنعك مني؟ " قالت: والله يا نبي الله، ما يمنعني منك أن لا تكون أحب البرية إلي، ولكني أكرمك أن يضغو هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشية. قال: " فهل منعك مني غير ذلك؟ " قالت: لا والله. قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يرحمك الله إن خير نساء ركبن أعجاز الإبل صالح نساء قريش; أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل بذات يده ".»

قلت: وكان زوجها قبله عليه السلام السكران بن عمرو، أخو سهيل

بن عمرو وكان ممن أسلم وهاجر إلى الحبشة، كما تقدم ثم رجع إلى مكة فمات بها قبل الهجرة رضي الله عنه.

فهذه السياقات كلها دالة على أن العقد على عائشة كان متقدما على العقد بسودة، وهو قول عبد الله بن محمد بن عقيل، ورواه يونس عن الزهري، واختار ابن عبد البر أن العقد على سودة قبل عائشة، وحكاه عن قتادة وأبي عبيدة. قال: ورواه عقيل عن الزهري.

** [فصل شدة عداوة قريش للنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة عمه أبي طالب] **

فصل

قد تقدم ذكر موت أبي طالب، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان ناصرا له، وقائما في صفه، ومدافعا عنه بكل ما يقدر عليه; من نفس، ومال، وفعال، فلما مات، اجترأ سفهاء قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونالوا منه ما لم يكونوا يصلون إليه، ولا يقدرون عليه.

كما قد رواه البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا يوسف بن بهلول، حدثنا عبد الله بن إدريس، حدثنا محمد بن إسحاق، عمن حدثه، عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن

جعفر، قال: «لما مات أبو طالب، عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم سفيه من سفهاء قريش، فألقى عليه ترابا، فرجع إلى بيته، فأتت امرأة من بناته تمسح عن وجهه التراب وتبكي، فجعل يقول: " أي بنية، لا تبكين فإن الله مانع أباك ". ويقول ما بين ذلك: " ما نالت قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب» . وقد رواه زياد البكائي، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلا. فالله أعلم.

وروى البيهقي أيضا، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " «ما زالت قريش كاعين عني حتى مات أبو طالب» ". ثم رواه عن الحاكم، عن الأصم، عن عباس الدوري، عن يحيى بن معين، حدثنا عقبة المجدر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «ما زالت قريش كاعة حتى توفي أبو طالب» ".

وقد روى الحافظ أبو الفرج بن الجوزي بسنده، عن ثعلبة بن صعير وحكيم بن حزام، أنهما قالا: لما توفي أبو طالب وخديجة - وكان بينهما شهر وخمسة أيام - اجتمعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبتان، فلزم بيته،

وأقل الخروج، ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع فيه، فبلغ ذلك أبا لهب، فجاءه فقال: يا محمد، امض لما أردت، وما كنت صانعا إذ كان أبو طالب حيا فاصنعه، لا واللات، لا يوصل إليك حتى أموت. وسب ابن الغيطلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل إليه أبو لهب فنال منه، فولى يصيح: يا معشر قريش، صبأ أبو عتبة. فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب، فقال: ما فارقت دين عبد المطلب، ولكني أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضي لما يريد. فقالوا: قد أحسنت، وأجملت، ووصلت الرحم. فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك أياما يأتي ويذهب، لا يعرض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب إلى أن جاء عقبة بن أبي معيط وأبو جهل إلى أبي لهب، فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ فقال له أبو لهب: يا محمد، أين مدخل عبد المطلب؟ قال: " مع قومه ". فخرج إليهما، فقال: قد سألته، فقال: مع قومه. فقالا: يزعم أنه في النار. فقال: يا محمد، أيدخل عبد المطلب النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ومن مات على ما مات عليه عبد المطلب دخل النار ". فقال أبو لهب: - لعنه الله - والله لا برحت لك إلا عدوا أبدا، وأنت تزعم أن عبد المطلب في النار. واشتد عند ذلك أبو لهب وسائر قريش عليه

قال ابن إسحاق: وكان النفر الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته; أبو لهب، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدي بن الحمراء، وابن الأصداء الهذلي، وكانوا جيرانه، لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص، وكان أحدهم - فيما ذكر لي - يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله

صلى الله عليه وسلم حجرا يستتر به منهم إذا صلى، فكان إذا طرحوا شيئا من ذلك، يحمله على عود ثم يقف به على بابه، ثم يقول: " يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟ ". ثم يلقيه في الطريق.

قلت: وعندي أن غالب ما روي مما تقدم - من طرحهم سلى الجزور بين كتفيه وهو يصلي كما رواه ابن مسعود، وفيه أن فاطمة جاءت فطرحته عنه، وأقبلت عليهم فشتمتهم، ثم لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على سبعة منهم كما تقدم، وكذلك ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من خنقهم له، عليه السلام، خنقا شديدا حتى حال دونه أبو بكر الصديق، قائلا: أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله. وكذلك عزم أبي جهل، لعنه الله، على أن يطأ على عنقه وهو يصلي، فحيل بينه وبين ذلك، وما أشبه ذلك - كان بعد وفاة أبي طالب، والله أعلم، فذكرها هاهنا أنسب وأشبه.

** [فصل في ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطائف] يدعوهم إلى دين الله، وإلى نصرة دينه، فردوا عليه ذلك، ولم يقبلوه منه، فرجع إلى مكة **

قال ابن إسحاق: فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تناله منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، يلتمس من ثقيف النصرة والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى، فخرج إليهم وحده، فحدثني يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على

الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدا أرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا; لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذكر لي -: " إن فعلتم ما فعلتم، فاكتموا علي ". وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما يلقى من سفهاء أهل الطائف - وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما ذكر لي، المرأة التي من بني جمح، فقال لها: " ماذا لقينا من أحمائك! ". فلما اطمأن، قال - فيما ذكر لي -: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا

والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» ". هكذا أورد ابن إسحاق في كتابه " السيرة " هذا الدعاء من غير إسناد، بل ذكره معلقا بصيغة البلاغ، فقال: فيما ذكر لي.

وقد روي الحافظ ابن عساكر، في ترجمة القاسم بن الليث الرسعني، شيخ النسائي والطبراني وغير واحد، بسنده من حديثه، حدثني محمد بن أبي صفوان الثقفي، حدثنا وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: لما توفي أبو طالب، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ماشيا على قدميه. قال: فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فانصرف إلى ظل شجرة فصلى ركعتين، ثم قال: " «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أرحم الراحمين، أنت أرحم بي، إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» ".

قال ابن إسحاق: فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقي، تحركت له

رحمهما، فدعوا غلاما نصرانيا يقال له: عداس. فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ثم ذهب به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: كل. فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فيه، قال: " بسم الله "، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ومن أهل أي بلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ ". قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ ". فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذلك أخي، كان نبيا وأنا نبي ". فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه. قال: يقول ابناء ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عداس، قالا له: ويلك يا عداس، ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي. قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك; فإن دينك خير من دينه.

وقد ذكر موسى بن عقبة نحوا من هذا السياق، إلا أنه لم يذكر الدعاء، وزاد: وقعد له أهل الطائف صفين على طريقه، فلما مر جعلوا لا يرفع رجليه، ولا يضعهما، إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموه، فخلص منهم وهما يسيلان الدماء، فعمد إلى ظل حبلة، وهو مكروب، وفي ذلك الحائط عتبة وشيبة ابنا

ربيعة فكره مكانهما; لعداوتهما الله ورسوله. ثم ذكر قصة عداس النصراني كنحو ما تقدم.

وقد روى الإمام أحمد، عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني، عن أبيه، أنه «أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشرق ثقيف، وهو قائم على قوس - أو عصى - حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعته يقرأ: {والسماء والطارق} [الطارق: 1] حتى ختمها. قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام. قال فدعتني ثقيف، فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه.»

وثبت في " الصحيحين " من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة حدثته أنها «قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: " لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، عليه السلام، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال

لتأمره بما شئت فيهم. ثم ناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك ربك; لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا» .

** [فصل ذكر سماع الجن لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم] **

فصل

وقد ذكر محمد بن إسحاق سماع الجن لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك مرجعه من الطائف حين بات بنخلة، وصلى بأصحابه الصبح، فاستمع الجن الذين صرفوا إليه قراءته هنالك. قال ابن إسحاق: وكانوا سبعة نفر، فأنزل الله تعالى فيهم قوله: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} [الأحقاف: 29]

قلت: وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في " التفسير "، وتقدم قطعة من ذلك. فالله أعلم. ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة مرجعه من الطائف في جوار المطعم بن عدي، وازداد قومه عليه حنقا، وغيظا، وجرأة، وتكذيبا، وعنادا. والله المستعان وعليه التكلان.

وقد ذكر الأموي في " مغازيه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن أريقط إلى الأخنس بن شريق، فطلب منه أن يجيره بمكة، فقال: إن حليف قريش لا يجير على صميمها. ثم بعثه إلى سهيل بن عمرو ; ليجيره، فقال: إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب بن لؤي. فبعثه إلى المطعم بن عدي ; ليجيره، فقال: نعم، قل له فليأت. فذهب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج معه هو وبنوه ستة - أو سبعة - متقلدي السيوف جميعا، فدخلوا المسجد وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: طف. واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف، فأقبل أبو سفيان إلى مطعم، فقال: أمجير أم تابع؟ قال: لا، بل مجير. قال: إذا لا تخفر. فجلس معه حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه، فلما انصرف انصرفوا معه، وذهب أبو سفيان إلى مجلسه. قال: فمكث أياما ثم أذن له في الهجرة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة توفي المطعم بن عدي بعده بيسير، فقال حسان بن ثابت: والله لأرثينه، فقال فيما قال:

فلو كان مجد يخلد اليوم واحدا ... من الناس نجى مجده اليوم مطعما

أجرت رسول الله منهم فأصبحوا ... عبادك ما لبى محل وأحرما

فلو سئلت عنه معد بأسرها ... وقحطان أو باقي بقية جرهما

لقالوا هو الموفي بخفرة جاره ... وذمته يوما إذا ما تذمما

وما تطلع الشمس المنيرة فوقهم

على مثله فيهم أعز وأكرما ... أبيا إذا يأبى وألين شيمة

وأنوم عن جار إذا الليل أظلما

قلت: ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم سألني في هؤلاء النتنى لوهبتهم له» .

** [فصل في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه الكريمة على أحياء العرب في مواسم الحج] **

، أن يؤووه وينصروه، ويمنعوه ممن كذبه وخالفه، فلم يجبه أحد منهم، لما ذخره الله تعالى للأنصار من الكرامة العظيمة، رضي الله عنهم.

قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه، إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم - إذا كانت - على قبائل العرب يدعوهم إلى الله عز وجل، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه، حتى يبين عن الله ما بعثه به.

قال ابن إسحاق: فحدثني من أصحابنا من لا أتهم، عن زيد بن أسلم،

عن ربيعة بن عباد الدؤلي، أو من حدثه أبو الزناد عنه. وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، قال: سمعت ربيعة بن عباد يحدثه أبي، قال: «إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول: " يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي، وتصدقوني، وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به ". قال: وخلفه رجل أحول، وضيء، له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه، قال ذلك الرجل: يا بني فلان، إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. قال: فقلت لأبي: يا أبت، من هذا الرجل الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب.»

وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث، عن إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، أخبرني رجل يقال له: ربيعة بن عباد من بني الدئل، وكان جاهليا فأسلم، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز، وهو يقول: " يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله. تفلحوا ". والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه، أحول، ذو

«غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فذكروا لي نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: هذا عمه أبو لهب» .

ورواه البيهقي من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن المنكدر، عن ربيعة الدؤلي: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز، يتبع الناس في منازلهم ووراءه رجل أحول، تقد وجنتاه، وهو يقول: أيها الناس، لايغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم. قلت: من هذا؟ قالوا: أبو لهب. وكذا رواه أبو نعيم في " الدلائل " من طريق ابن أبي ذئب، وسعيد بن سلمة بن الحسام، كلاهما عن محمد بن المنكدر به نحوه.

ثم رواه البيهقي من طريق شعبة، عن الأشعث بن سليم، عن رجل من كنانة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز وهو يقول: " يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا ". وإذا رجل خلفه يسفي عليه التراب، فإذا هو أبو جهل، وإذا هو يقول: يا أيها الناس، لا يغرنكم هذا عن دينكم، فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى» . كذا قال في هذا السياق أبو جهل، وقد يكون وهما، ويحتمل أن يكون تارة يكون ذا، وتارة يكون ذا، وأنهما كانا يتناوبان على إيذائه صلى الله عليه وسلم.

قال ابن إسحاق، وحدثني ابن شهاب الزهري، أنه عليه السلام أتى

كندة في منازلهم، وفيهم سيد لهم، يقال له: مليح. فدعاهم إلى الله، عز وجل وعرض عليهم نفسه، فأبوا عليه.

قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين، أنه أتى كلبا في منازلهم، إلى بطن منهم يقال لهم: بنو عبد الله. فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول لهم: " «يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسم أبيكم» ". فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.

وحدثني بعض أصحابنا، عن عبد الله بن كعب بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم.

وحدثني الزهري، أنه أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم، يقال له: بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب. ثم قال له: «أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من يخالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: " الأمر لله، يضعه حيث يشاء ". قال: فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك» . فأبوا عليه، فلما صدر الناس، رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم، قد كان أدركه السن، حتى لا يقدر أن يوافي معهم الموسم، فكانوا إذا رجعوا إليه، حدثوه بما

يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم، أحد بني عبد المطلب يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه، ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا. قال: فوضع الشيخ يده على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلاف؟ هل لذناباها من مطلب؟ والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم!

وقال موسى بن عقبة، عن الزهري: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول: " «لا أكره أحدا منكم على شيء، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني مما يراد بي من القتل، حتى أبلغ رسالة ربي، وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء» ". فلم يقبله أحد منهم، ولم يأت أحد من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه؟ وكان ذلك مما ذخره الله للأنصار وأكرمهم به.

وقد روى الحافظ أبو نعيم، من طريق عبد الله بن الأجلح، ويحيى بن سعيد الأموي، كلاهما عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن العباس، قال: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا أرى لي عندك ولا

عند أخيك منعة، فهل أنت مخرجي إلى السوق غدا، حتى تعرفني منازل قبائل الناس؟ " - وكانت مجمع العرب - قال: فقلت: هذه كندة ولفها، وهي أفضل من يحج البيت من اليمن، وهذه منازل بكر بن وائل، وهذه منازل بني عامر بن صعصعة، فاختر لنفسك. قال: فبدأ بكندة فأتاهم، فقال: " ممن القوم؟ " قالوا: من أهل اليمن. قال: " من أي اليمن؟ " قالوا: من كندة. قال: " من أي كندة؟ " قالوا: من بني عمرو بن معاوية. قال: " فهل لكم إلى خير؟ " قالوا: وما هو؟ قال: " تشهدون أن لا إله إلا الله وتقيمون الصلاة، وتؤمنون بما جاء من عند الله ".» قال عبد الله بن الأجلح: وحدثني أبي عن أشياخ قومه «أن كندة قالت له: إن ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الملك لله يجعله حيث يشاء ". فقالوا: لا حاجة لنا فيما جئتنا به» . وقال الكلبي: فقالوا: أجئتنا لتصدنا عن آلهتنا، وننابذ العرب، الحق بقومك، فلا حاجة لنا بك. «فانصرف من عندهم فأتى بكر بن وائل، فقال: " ممن القوم؟ " قالوا: من بكر بن وائل. فقال: " من أي بكر بن وائل؟ " قالوا: من بني قيس بن ثعلبة. قال: كيف العدد؟ قالوا: كثير مثل الثرى. قال: " فكيف المنعة؟ " قالوا: لا منعة، جاورنا فارس، فنحن لا نمتنع منهم ولا نجير عليهم. قال: " فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم، وتستنكحوا نساءهم، وتستعبدوا أبناءهم، أن تسبحوا الله ثلاثا وثلاثين، وتحمدوه ثلاثا وثلاثين، وتكبروه أربعا وثلاثين؟ " قالوا: ومن أنت؟ قال: " أنا رسول الله ". ثم انطلق،» فلما ولى عنهم - قال الكلبي -: وكان عمه

أبو لهب يتبعه، فيقول للناس: لا تقبلوا قوله. ثم مر أبو لهب فقالوا: هل تعرف هذا الرجل؟ قال: نعم، هذا في الذروة منا، فعن أي شأنه تسألون؟ فأخبروه بما دعاهم إليه، وقالوا: زعم أنه رسول الله. قال: ألا لا ترفعوا بقوله رأسا ; فإنه مجنون يهذي أم رأسه. قالوا: قد رأينا ذلك حين ذكر من أمر فارس ما ذكر.

قال الكلبي: وأخبرني عبد الرحمن العامري، عن أشياخ من قومه، قالوا: «أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بسوق عكاظ، فقال: " ممن القوم؟ " قلنا: من بني عامر بن صعصعة. قال: " من أي بني عامر بن صعصعة؟ " قالوا: بنو كعب بن ربيعة. قال: " كيف المنعة؟ " قلنا: لا يرام ما قبلنا، ولا يصطلى بنارنا. قال: فقال لهم: " إني رسول الله، وأتيتكم لتمنعوني حتى أبلغ رسالة ربي، ولا أكره أحدا منكم على شيء ". قالوا: ومن أي قريش أنت؟ قال: " من بني عبد المطلب ". قالوا: فأين أنت من عبد مناف؟ قال:: " هم أول من كذبني وطردني ". قالوا: ولكنا لا نطردك ولا نؤمن بك، وسنمنعك حتى تبلغ رسالة ربك. قال: فنزل إليهم والقوم يتسوقون، إذ أتاهم بيحرة بن فراس القشيري، فقال: من هذا الرجل أراه عندكم أنكره؟ قالوا: محمد بن عبد الله القرشي. قال فما لكم وله؟ قالوا: زعم لنا أنه رسول الله، فطلب إلينا أن

نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه. قال: ماذا رددتم عليه؟ قالوا: بالرحب والسعة، نخرجك إلى بلادنا، ونمنعك ما نمنع به أنفسنا. قال بيحرة: ما أعلم أحدا من أهل هذه السوق يرجع بشيء أشر من شيء ترجعون به، بدأتم لتنابذوا الناس وترميكم العرب عن قوس واحدة، قومه أعلم به، لو آنسوا منه خيرا لكانوا أسعد الناس به، أتعمدون إلى رهيق قوم، قد طرده قومه وكذبوه فتؤوونه وتنصرونه؟! فبئس الرأي رأيتم. ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قم فالحق بقومك، فوالله لولا أنك عند قومي لضربت عنقك. قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ناقته فركبها، فغمز الخبيث بيحرة شاكلتها، فقمصت برسول الله صلى الله عليه وسلم فألقته، وعند بني عامر يومئذ ضباعة ابنة عامر بن قرط، كانت من النسوة اللاتي أسلمن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، جاءت زائرة إلى بني عمها، فقالت: يا آل عامر، ولا عامر لي، أيصنع هذا برسول الله بين أظهركم لا يمنعه أحد منكم؟ فقام ثلاثة نفر من بني عمها إلى بيحرة، واثنين أعاناه فأخذ كل رجل منهم رجلا فجلد به الأرض، ثم جلس على صدره، ثم علوا وجوههم لطما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم بارك على هؤلاء، والعن هؤلاء» . قال: فأسلم الثلاثة الذين نصروه، وقتلوا شهداء وهم; غطيف وغطفان ابنا سهل وعروة - أو عزرة - بن عبد الله بن سلمة رضي الله عنهم، وهلك الآخرون لعنا وهم; بيحرة بن فراس، وحزن بن عبد الله بن

سلمة بن قشير، ومعاوية بن عبادة أحد بني عقيل، لعنهم الله لعنا كبيرا. وهذا أثر غريب كتبناه لغرابته والله أعلم. وقد روى هذا الحديث بتمامه الحافظ سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في " مغازيه " عن أبيه به.

وقد روى أبو نعيم له شاهدا من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه، في قصة بني عامر بن صعصعة، وقبيح ردهم عليه، وأغرب من ذلك وأطول ما رواه أبو نعيم، والحاكم، والبيهقي - والسياق لأبي نعيم - رحمهم الله من حديث أبان بن عبد الله البجلي، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس، حدثني علي بن أبي طالب، قال: لما أمر الله رسوله أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى، حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر رضي الله عنه فسلم، وكان أبو بكر مقدما في كل خير، وكان رجلا نسابة، فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال: وأي ربيعة أنتم؟ أمن هامها أم من لهازمها. قالوا: بل من هامتها العظمى. قال أبو بكر: فمن أي هامتها العظمى؟ قالوا: ذهل الأكبر. قال لهم أبو بكر: منكم عوف الذي كان

يقال: لا حر بوادي عوف؟ قالوا: لا. قال: فمنكم بسطام بن قيس بن مسعود أبو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: فمنكم الحوفزان بن شريك قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا. قال: فمنكم جساس بن مرة بن ذهل حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا. قال: فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال: فأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: فأنتم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا. قال لهم أبو بكر رضي الله عنه: فلستم بذهل الأكبر، بل أنتم ذهل الأصغر. قال: فوثب إليه منهم غلام يدعى دغفل بن حنظلة الذهلي، حين بقل وجهه، فأخذ بزمام ناقة أبي بكر وهو يقول:

إن على سائلنا أن نسأله ... والعبء لا تعرفه أو تحمله

يا هذا، إنك سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئا، ونحن نريد أن نسألك ممن أنت؟ قال: رجل من قريش. فقال الغلام: بخ بخ أهل السؤدد والرئاسة، وأزمة العرب وهداتها، ممن أنت من قريش؟ فقال له: رجل

من بني تيم بن مرة. فقال له الغلام: أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة؟ أفمنكم قصي بن كلاب الذي قتل بمكة المتغلبين عليها، وأجلى بقيتهم، وجمع قومه من كل أوب حتى أوطنهم مكة، ثم استولى على الدار، ونزل قريشا منازلها، فسمته العرب بذلك مجمعا، وفيه يقول الشاعر لبني عبد مناف

أليس أبوكم كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر

فقال أبو بكر: لا. قال: فمنكم عبد مناف الذي انتهت إليه الوصايا وأبو الغطاريف السادة؟ فقال أبو بكر: لا. قال: فمنكم عمرو بن عبد مناف هاشم الذي هشم الثريد لقومه ولأهل مكة، ففيه يقول الشاعر:

عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف

سنوا إليه الرحلتين كليهما ... عند الشتاء ورحلة الأصياف

كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصه لعبد مناف

الرائشين وليس يعرف رائش ... والقائلين هلم للأضياف

والضاربين الكبش يبرق بيضه

والمانعين البيض بالأسياف ... لله درك لو نزلت بدارهم

منعوك من أزل ومن إقراف

فقال أبو بكر: لا. قال: فمنكم عبد المطلب شيبة الحمد، وصاحب عير مكة، ومطعم طير السماء والوحوش والسباع في الفلا، الذي كأن وجهه قمر يتلألأ في الليلة الظلماء؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الإفاضة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن المفيضين بالناس أنت؟ قال لا. ثم جذب أبو بكر رضي الله عنه زمام ناقته من يده، فقال له الغلام:

صادف درء السيل درء يدفعه ... يهيضه حينا وحينا يصدعه

ثم قال: أما والله يا أخا قريش، لو ثبت لخبرتك أنك من زمعات قريش ولست من الذوائب. قال: فأقبل إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم. قال علي: فقلت له: يا أبا بكر لقد وقعت من الأعرابي على باقعة. فقال: أجل يا أبا الحسن، إنه ليس من طامة إلا وفوقها طامة، والبلاء موكل بالقول. قال: ثم انتهينا إلى مجلس عليه السكينة والوقار، وإذا مشايخ لهم أقدار وهيئات، فتقدم أبو بكر فسلم - قال علي: وكان أبو بكر مقدما في كل خير - فقال لهم أبو بكر: ممن القوم؟ قالوا: نحن بني شيبان بن ثعلبة، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بأبي أنت وأمي، ليس بعد هؤلاء من عز في قومهم - وفي رواية: ليس وراء هؤلاء غرر من قومهم - وهؤلاء غرر الناس. وكان في القوم; مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروق بن عمرو، وكان مفروق بن عمرو قد غلب عليهم بيانا ولسانا، وكانت له غديرتان تسقطان على صدره، فكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال له: إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة. فقال له: فكيف المنعة فيكم؟ فقال: علينا الجهد ولكل قوم جد. فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا أشد ما نكون

غضبا حين نلقى، وإنا أشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله، يديلنا مرة ويديل علينا مرة. لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فها هو هذا. فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك. ثم التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إلام تدعو يا أخا قريش فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس، وقام أبو بكر يظله بثوبه، فقال صلى الله عليه وسلم: " أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن تؤوني، وتمنعوني، وتنصروني حتى أؤدي عن الله الذي أمرني به، فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد ". قال له: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} [الأنعام: 151] إلى قوله: {فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: 153] فقال له مفروق: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه. فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} [النحل: 90] فقال له مفروق: دعوت والله يا قرشي إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد

أفك قوم كذبوك، وظاهروا عليك - وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة - فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا. فقال له هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وصدقت قولك، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك - لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر، لم نتفكر في أمرك وننظر في عاقبة ما تدعو إليه - زلة في الرأي وطيشة في العقل وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر - وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة - فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا. فقال المثنى: قد سمعت مقالتك، واستحسنت قولك يا أخا قريش، وأعجبني ما تكلمت به، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة، وتركنا ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا، وإنا إنما نزلنا بين صيرين; أحدهما اليمامة، والآخر السمامة.، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما هذان الصيران؟ " فقال له: أما أحدهما فطفوف البر وأرض العرب، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا، ولعل هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه

الملوك، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وأما ما كان يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، فإن أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلي العرب فعلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق، إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم، ويفرشكم بناتهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟ " فقال له النعمان بن شريك: اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش. فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} [الأحزاب: 45]

[الأحزاب: 46، 45] ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم قابضا على يدي أبي بكر. قال علي: ثم التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا علي، أية أخلاق للعرب كانت في الجاهلية، ما أشرفها! بها يتحاجزون فيما بينهم في الحياة الدنيا ". قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم. قال علي: وكانوا صدقا صبرا فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رأى من معرفة أبي بكر رضي الله عنه بأنسابهم. قال: فلم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا حتى خرج إلى أصحابه، فقال: ادعوا لإخوانكم من ربيعة; فقد أحاطتهم اليوم أبناء فارس. ثم دخل منزله فلم يلبث رسول الله إلا يسيرا حتى خرج إلى أصحابه، فقال لهم: " احمدوا الله كثيرا; فقد ظفرت اليوم أبناء ربيعة بأهل فارس قتلوا ملوكهم، واستباحوا عسكرهم،

وبي نصروا ". قال: وكانت الوقعة بقراقر إلى جنب ذي قار، وفيها يقول الأعشى:

فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... وراكبها عند اللقاء وقلت

همو ضربوا بالحنو حنو قراقر ... مقدمة الهامرز حتى تولت

فلله عينا من رأى من فوارس ... كذهل بن شيبان بها حين ولت

فثاروا وثرنا والمودة بيننا ... وكانت علينا غمرة فتجلت

هذا حديث غريب جدا، كتبناه لما فيه من دلائل النبوة، ومحاسن الأخلاق، ومكارم الشيم، وفصاحة العرب، وقد ورد هذا من طريق أخرى، وفيه: أنهم لما تحاربوا هم وفارس والتقوا معهم بقراقر - مكان قريب من الفرات - جعلوا شعارهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم فنصروا على فارس بذلك، وقد دخلوا بعد ذلك في الإسلام.

وقال الواقدي: أخبرنا عبد الله بن وابصة العبسي، عن أبيه، عن جده، قال: «جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منازلنا بمنى، ونحن نازلون بإزاء الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، وهو على راحلته مردفا خلفه زيد بن حارثة، فدعانا، فوالله ما استجبنا له ولا خير لنا. قال: وقد كنا سمعنا به وبدعائه في

المواسم، فوقف علينا يدعونا، فلم نستجب له، وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسي، فقال لنا: أحلف بالله لو قد صدقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحل به وسط بلادنا لكان الرأي، فأحلف بالله ليظهرن أمره حتى يبلغ كل مبلغ. فقال القوم: دعنا منك لا تعرضنا لما لا قبل لنا به. وطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ميسرة فكلمه، فقال ميسرة: ما أحسن كلامك وأنوره، ولكن قومي يخالفونني، وإنما الرجل بقومه، فإذا لم يعضدوه فالعدى أبعد. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج القوم صادرين إلى أهليهم، فقال لهم ميسرة: ميلوا بنا إلى فدك; فإن بها يهود نسائلهم عن هذا الرجل. فمالوا إلى يهود فأخرجوا سفرا لهم، فوضعوه ثم درسوا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الأمي العربي، يركب الحمار ويجتزئ بالكسرة، ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالجعد ولا بالسبط، في عينيه حمرة، مشرق اللون، فإن كان هو الذي دعاكم فأجيبوه، وادخلوا في دينه فإنا نحسده ولا نتبعه. ولنا منه في مواطن بلاء عظيم، ولا يبقى أحد من العرب إلا اتبعه، وإلا قاتله فكونوا ممن يتبعه. فقال ميسرة: يا قوم، ألا إن هذا الأمر بين. فقال القوم: نرجع إلى الموسم فنلقاه. فرجعوا إلى بلادهم وأبى ذلك عليهم رجالهم، فلم يتبعه أحد

منهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا وحج حجة الوداع، لقيه ميسرة فعرفه، فقال يا رسول الله، والله ما زلت حريصا على اتباعك من يوم أنخت بنا حتى كان ما كان، وأبى الله إلا ما ترى من تأخر إسلامي، وقد مات عامة النفر الذين كانوا معي، فأين مدخلهم يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل من مات على غير دين الإسلام فهو في النار ". فقال: الحمد لله الذي أنقذني، فأسلم وحسن إسلامه وكان له عند أبي بكر مكان» .

وقد استقصى الإمام محمد بن عمر الواقدي قصص القبائل واحدة واحدة، فذكر عرضه عليه السلام نفسه، على بني عامر، وغسان، وبني فزارة، وبني مرة، وبني حنيفة، وبني سليم، وبني عبس، وبني نضر بن هوازن، وبني ثعلبة بن عكابة، وكندة، وكلب، وبني الحارث بن كعب، وبني عذرة، وقيس بن الخطيم، وغيرهم وسياق أخبارها مطولة. وقد ذكرنا من ذلك طرفا صالحا. ولله الحمد والمنة.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أنا إسرائيل، عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموقف، فيقول: " هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي عز وجل؟ " فأتاه رجل من

همدان، فقال: " ممن أنت؟ " قال الرجل: من همدان. قال: " فهل عند قومك من منعة؟ " قال: نعم. ثم إن الرجل خشي أن يحقره قومه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: آتيهم فأخبرهم ثم آتيك من عام قابل. قال: " نعم ". فانطلق، وجاء وفد الأنصار في رجب» . وقد رواه أهل السنن الأربعة، من طرق عن إسرائيل به. وقال الترمذي: حسن صحيح.

** [فصل في قدوم وفود الأنصار] **

فصل في قدوم وفد الأنصار عاما بعد عام حتى بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة بعد بيعة، ثم بعد ذلك تحول إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فنزل بين أظهرهم، كما سيأتي بيانه وتفصيله إن شاء الله، وبه الثقة.

حديث سويد بن صامت الأنصاري، وهو سويد بن الصامت بن خالد بن عطية بن حوط بن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وأمه ليلى بنت عمرو النجارية، أخت سلمى بنت عمرو أم عبد المطلب بن هاشم. فسويد هذا ابن خالة عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال محمد بن إسحاق بن يسار: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره، كلما اجتمع الناس بالموسم، أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام، ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الهدى والرحمة، ولا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له، ودعاه إلى الله تعالى،

وعرض عليه ما عنده.

قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه، قالوا: قدم سويد بن الصامت، أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا، وكان سويد إنما يسميه قومه - فيهم - الكامل; لجلده، وشعره، وشرفه، ونسبه، وهو الذي يقول:

ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري

مقالته كالشهد ما كان شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغرة النحر

يسرك باديه وتحت أديمه ... نميمة غش تبتري عقب الظهر

تبين لك العينان ما هو كاتم ... من الغل والبغضاء بالنظر الشزر

فرشني بخير طالما قد بريتني ... وخير الموالي من يريش ولا يبري

قال: «فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به. فدعاه إلى الله والإسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" وما الذي معك؟ " قال مجلة لقمان - يعني حكمة لقمان - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اعرضها علي ". فعرضها عليه، فقال: " إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله علي هو هدى ونور ". فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا القول حسن. ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا لنراه قتل وهو مسلم، وكان قتله قبل بعاث» . وقد رواه البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق بأخصر من هذا.

** [إسلام إياس بن معاذ] **

قال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن لبيد، قال: «لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة، ومعه فتية من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم، فجلس إليهم، فقال: " هل لكم في خير مما جئتم له؟ ". قال: فقالوا: وما ذاك؟ قال: " أنا رسول الله إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علي الكتاب ". ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. قال: فقال إياس بن معاذ، وكان غلاما حدثا: يا قوم، هذا والله خير مما جئتم له. فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا. قال: فصمت إياس، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج. قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. قال محمود

بن لبيد: فأخبرني من حضرني من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله، ويكبره، ويحمده، ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلما، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع» .

قلت: كان يوم بعاث، وبعاث موضع بالمدينة، كانت فيه وقعة عظيمة قتل فيها خلق من أشراف الأوس والخزرج وكبرائهم، ولم يبق من شيوخهم إلا القليل.

وقد روى البخاري في " صحيحه " عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد افترق ملؤهم وقتلت سراتهم» .

وقال أبو زرعة الرازي في كتابه " دلائل النبوة ": باب إسلام رافع بن مالك، ومعاذ بن عفراء، ثنا إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عباد

بن هانئ الشجري، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبيد بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه، عن جده، «أنه خرج هو وابن خالته معاذ ابن عفراء، حتى قدما مكة، فلما هبطا من الثنية، رأيا رجلا تحت شجرة. قال: وهذا قبل خروج الستة من الأنصار. قال: فلما رأيناه كلمناه، قلنا: نأتي هذا الرجل نستودعه راحلتينا حتى نطوف بالبيت. فجئنا فسلمنا عليه تسليم أهل الجاهلية، فرد علينا تسليم أهل الإسلام، وقد سمعت بالنبي. قال: فأنكرنا. فقلنا: من أنت؟ قال: " انزلوا ". فنزلوا فقلنا: أين هذا الرجل الذي يدعي ما يدعي، ويقول ما يقول؟ قال: " أنا هو ". قلنا: فاعرض علينا الإسلام. فعرض، وقال: " من خلق السماوات والأرض والجبال؟ " قلنا: خلقهن الله. قال: " من خلقكم؟ " قلنا: الله. قال: " فمن عمل هذه الأصنام التي تعبدون؟ " قلنا: نحن. قال: " الخالق أحق بالعبادة أو المخلوق؟ " قلنا: الخالق. قال: " فأنتم أحق أن تعبدكم، وأنتم عملتموها، والله أحق أن

تعبدوه من شيء عملتموه، وأنا أدعو إلى عبادة الله، وشهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وصلة الرحم، وترك العدوان، وإن غضب الناس ". فقالا: والله لو كان هذا الذي تدعو إليه باطلا، لكان من معالي الأمور، ومحاسن الأخلاق، فأمسك راحلتينا حتى نأتي البيت. فجلس عنده معاذ ابن عفراء. قال رافع: وجئت البيت فطفت، وأخرجت سبعة قداح، وجعلت له منها قدحا، فاستقبلت البيت، فقلت: اللهم إن كان ما يدعو إليه محمد حقا فأخرج قدحه. سبع مرات، فضربت بها سبع مرات، فصحت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فاجتمع الناس علي، وقالوا: مجنون، رجل صبأ. فقلت: بل رجل مؤمن. ثم جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، فلما رآني معاذ ابن عفراء، قال: لقد جئت بوجه ما ذهبت به، رافع. فجئت وآمنت، وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة " يوسف " و " {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] "، ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فلما كنا بالعقيق، قال معاذ: إني لم أطرق ليلا قط، فبت بنا حتى نصبح. فقلت: أبيت ومعي ما معي من الخير؟! ما كنت لأفعل. وكان رافع إذا خرج سفرا ثم قدم عرض قومه» إسناد وسياق حسن.

** [باب بدء إسلام الأنصار رضي الله عنهم] **

قال ابن إسحاق: فلما أراد الله إظهار دينه، واعزاز نبيه، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا. فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه، قالوا: لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: " من أنتم؟ " قالوا: نفر من الخزرج. قال: " أمن موالي يهود؟ " قالوا: نعم. قال: " أفلا تجلسون أكلمكم ". قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. قال: وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا قد عزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه، نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه. وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم، بينهم من العداوة والشر ما

بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا.

قال ابن إسحاق: وهم فيما ذكر لي ستة نفر، كلهم من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، - قال أبو نعيم - وقد قيل: إنه أول من أسلم من الأنصار من الخزرج ومن الأوس أبو الهيثم بن التيهان. وقيل: إن أول من أسلم رافع بن مالك، ومعاذ ابن عفراء. والله أعلم - وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار، وهو ابن عفراء النجاريان، ورافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن زريق الزرقي، وقطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج السلمي، ثم من بني سواد، وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم السلمي أيضا، ثم

من بني حرام، وجابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي أيضا، ثم من بني عبيد رضي الله عنهم. وهكذا روي عن الشعبي، والزهري وغيرهما أنهم كانوا ليلتئذ ستة نفر من الخزرج.

وذكر موسى بن عقبة فيما رواه عن الزهري وعروة بن الزبير، أن أول اجتماعه عليه السلام بهم كانوا ثمانية، وهم: معاذ بن عفراء، وأسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وذكوان وهو ابن عبد قيس، وعبادة بن الصامت، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة. فأسلموا وواعدوه إلى قابل، فرجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى الإسلام، وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ ابن عفراء ورافع بن مالك أن ابعث إلينا رجلا يفقهنا. فبعث إليهم مصعب بن عمير، فنزل على أسعد بن زرارة. وذكر تمام القصة كما سيوردها ابن إسحاق أتم من سياق موسى بن عقبة والله أعلم.

قال ابن إسحاق: فلما قدموا المدينة إلى قومهم، ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوهم إلى الإسلام، حتى فشا فيهم. فلم يبق دار من دور الأنصار إلا

وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، وهم أبو أمامة أسعد بن زرارة، المتقدم ذكره، وعوف بن الحارث المتقدم، وأخوه معاذ، وهما ابنا عفراء، ورافع بن مالك المتقدم أيضا، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الزرقي، - قال ابن هشام: وهو أنصاري مهاجري - وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وحليفهم أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم البلوي، والعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج العجلاني، وعقبة بن عامر بن نابي المتقدم ذكره، وقطبة بن عامر بن حديدة المتقدم، فهؤلاء عشرة من الخزرج، ومن الأوس اثنان وهما; عويم بن ساعدة، وأبو الهيثم مالك بن التيهان. قال ابن هشام: التيهان يخفف ويثقل كميت وميت.

قال السهيلي: أبو الهيثم بن التيهان اسمه مالك بن مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زعور بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس. قال: وقيل: إنه إراشي. وقيل: بلوي. ولهذا لم ينسبه

ابن إسحاق، ولا ابن هشام، قال: والهيثم فرخ العقاب، وضرب من النبات.

والمقصود أن هؤلاء الاثني عشر رجلا شهدوا الموسم عامئذ، وعزموا على الاجتماع برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقوه بالعقبة، فبايعوه عندها بيعة النساء، وهي العقبة الأولى. وروى أبو نعيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم من قوله في سورة إبراهيم {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا} [إبراهيم: 35] إلى آخرها.

وقال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، عن عبادة بن الصامت، قال «كنت ممن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، " فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر» ". وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب به نحوه.

قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عائذ الله بن عبد الله

أبي إدريس الخولاني، أن عبادة بن الصامت حدثه، قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، " فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئا فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله، إن شاء عذب وإن شاء غفر» ". وهذا الحديث مخرج في " الصحيحين " وغيرهما من طرق، عن الزهري به نحوه. وقوله: على بيعة النساء. يعني على وفق ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحديبية، وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة، وليس هذا بعجيب; فإن القرآن نزل بموافقة عمر بن الخطاب في غير ما موطن، كما بيناه في " سيرته " وفي " التفسير " وإن كانت هذه البيعة وقعت عن وحي غير متلو فهو أظهر. والله أعلم.

قال ابن إسحاق: فلما انصرف عنه القوم، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين. وقد روى البيهقي،

عن ابن إسحاق، قال: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث مصعبا حين كتبوا إليه أن يبعثه إليهم. وهو الذي ذكره موسى بن عقبة كما تقدم، إلا أنه جعل المرة الثانية هي الأولى. قال البيهقي: وسياق ابن إسحاق أتم.

وقال ابن إسحاق: وكان عبد الله بن أبي بكر يقول: لا أدري ما العقبة الأولى. ثم يقول ابن إسحاق: بلى لعمري قد كانت عقبة وعقبة. قالوا كلهم: فنزل مصعب على أسعد بن زرارة فكان يسمى بالمدينة المقرئ. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أنه كان يصلي بهم; وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض، رضي الله عنهم أجمعين.

قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: «كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة، فسمع الأذان بها، صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة. قال: فمكث حينا على ذلك لا يسمع الأذان للجمعة إلا صلى عليه واستغفر له. قال: فقلت في نفسي: والله إن هذا بي لعجز ألا أسأله. فقلت: يا أبت، ما لك إذا سمعت الأذان للجمعة، صليت على أبي

أمامة؟ فقال: أي بني كان أول من جمع بنا بالمدينة، في هزم النبيت، من حرة بني بياضة، في نقيع يقال له: نقيع الخضمات. قال: قلت: وكم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا» . وقد روى هذا الحديث أبو داود، وابن ماجه، من طريق محمد بن إسحاق رحمه الله. وقد روى الدارقطني، عن ابن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى مصعب بن عمير يأمره بإقامة الجمعة» وفي إسناده غرابة. والله أعلم.

قال ابن إسحاق: وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير، يريد به دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر، على بئر يقال له:

بئر مرق. فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به، قال سعد لأسيد: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت، كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما. قال: فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة، قال لمصعب: هذا سيد قومه، وقد جاءك فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس أكلمه. قال: فوقف عليهما متشتما. فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة.

وقال موسى بن عقبة: فقال له علام أتيتنا في دورنا بهذا الوحيد الغريب الطريد يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه؟ قال ابن إسحاق: فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره. قال: أنصفت. قال: ثم ركز حربته، وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن. فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل

فتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي، فقام فاغتسل، وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن; سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا، قال: قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلما وقف على النادي، قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت. وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه; وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك. قال: فقام سعد بن معاذ مغضبا مبادرا; تخوفا للذي ذكر له من بني حارثة، وأخذ الحربة في يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا. ثم خرج إليهما، فلما رآهما سعد مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارينا بما نكره؟ قال: وقد قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان. قال: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره. قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن - وذكر موسى بن عقبة - أنه

قرأ عليه أول الزخرف، قال: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين. قال: فقام فاغتسل، وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته، فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن الحضير، فلما رآه قومه مقبلا، قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلما وقف عليهم، قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا، وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة، ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعوان الناس إلى الإسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة، ووائل، وواقف، وتلك أوس، وهم من الأوس بن حارثة، وذلك أنهم كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، واسمه صيفي. وقال الزبير بن بكار اسمه الحارث، وقيل: عبد الله. واسم أبيه الأسلت: عامر بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس، وكذا نسبه ابن الكلبي أيضا. وكان شاعرا لهم قائدا، يستمعون

منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام، حتى كان بعد الخندق.

قلت: وأبو قيس بن الأسلت هذا، ذكر له ابن إسحاق أشعارا ربانية حسنة تقرب من أشعار أمية بن الصلت الثقفي.

قال ابن إسحاق فيما تقدم: ولما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب وبلغ البلدان، ذكر بالمدينة، ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين ذكر وقبل أن يذكر - من هذا الحي من الأوس والخزرج، وذلك لما كانوا يسمعون من أحبار يهود، فلما وقع أمره بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف، قال أبو قيس بن الأسلت أخو بني واقف - قال السهيلي: هو أبو قيس صرمة بن أبي أنس، واسم أبي أنس: قيس بن صرمة بن مالك بن عدي بن عمرو بن غنم بن عدي بن النجار. قال: وهو الذي أنزل فيه وفي عمر {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] الآية.

قال ابن إسحاق: وكان يحب قريشا، وكان لهم صهرا كانت تحته

أرنب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي، وكان يقيم عندهم السنين بامرأته - قال قصيدة يعظم فيها الحرمة، وينهى قريشا فيها عن الحرب، ويذكر فضلهم وأحلامهم ويذكرهم بلاء الله عندهم، ودفعه عنهم الفيل وكيده، ويأمرهم بالكف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أيا راكبا إما عرضت فبلغن ... مغلغلة عني لؤي بن غالب

رسول امرئ راعه ذات بينكم ... على النأي محزون بذلك ناصب

وقد كان عندي للهموم معرس ... ولم أقض منها حاجتي ومآربي

نبيتكم شرجين كل قبيلة ... لها أزمل من بين مذك وحاطب

أعيذكم بالله من شر صنعكم ... وشر تباغيكم ودس العقارب

وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة ... كوخز الأشافي وقعها حق صائب

فذكرهم بالله أول وهلة ... وإحلال إحرام الظباء الشوازب

وقل لهم والله يحكم حكمه

ذروا الحرب تذهب عنكم في المراحب ... متى تبعثوها تبعثوها ذميمة

هي الغول للأقصين أو للأقارب ... تقطع أرحاما وتهلك أمة

وتبري السديف من سنام وغارب ... وتستبدلوا بالأتحمية بعدها

شليلا وأصداء ثياب المحارب ... وبالمسك والكافور غبرا سوابغا

كأن قتيريها عيون الجنادب ... فإياكم والحرب لا تعلقنكم

وحوضا وخيم الماء مر المشارب ... تزين للأقوام ثم يرونها

بعاقبة إذ بينت أم صاحب ... تحرق لا تشوي ضعيفا وتنتحي

ذوي العز منكم بالحتوف الصوائب ... ألم تعلموا ما كان في حرب داحس

فتعتبروا أو كان في حرب حاطب

وكم قد أصابت من شريف مسود ... طويل العماد ضيفه غير خائب

عظيم رماد النار يحمد أمره ... وذي شيمة محض كريم المضارب

وماء هريق في الضلال كأنما ... أذاعت به ريح الصبا والجنائب

يخبركم عنها امرؤ حق عالم ... بأيامها والعلم علم التجارب

فبيعوا الحراب ملمحارب واذكروا ... حسابكم والله خير محاسب

ولي امرئ فاختار دينا فلا يكن ... عليكم رقيب غير رب الثواقب

أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم ... لنا غاية قد يهتدى بالذوائب

وأنتم لهذا الناس نور وعصمة ... تؤمون والأحلام غير عوازب

وأنتم إذا ما حصل الناس جوهر ... لكم سرة البطحاء شم الأرانب

تصونون أجسادا كراما عتيقة ... مهذبة الأنساب غير أشائب

ترى طالب الحاجات نحو بيوتكم ... عصائب هلكى تهتدي بعصائب

لقد علم الأقوام أن سراتكم

على كل حال خير أهل الجباجب ... وأفضله رأيا وأعلاه سنة

وأقوله للحق وسط المواكب ... فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا

بأركان هذا البيت بين الأخاشب ... فعندكم منه بلاء ومصدق

غداة أبي يكسوم هادي الكتائب ... كتيبته بالسهل تمسي ورجله

على القاذفات في رءوس المناقب ... فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم

جنود المليك بين ساف وحاصب ... فولوا سراعا هاربين ولم يؤب

إلى أهله ملحبش غير عصائب ... فإن تهلكوا نهلك وتهلك مواسم

يعاش بها قول امرئ غير كاذب

وحرب داحس الذي ذكرها أبو قيس في شعره، كانت في زمن الجاهلية مشهورة، وكان سببها فيما ذكره أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره، أن

فرسا يقال لها: داحس. كانت لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة الغطفاني، أجراه مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو بن جؤية الغطفاني أيضا. يقال لها: الغبراء. فجاءت داحس سابقا، فأمر حذيفة من ضرب وجهه، فوثب مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء، فقام حمل بن بدر فلطم مالكا، ثم إن أبا جنيدب العبسي لقي عوف بن حذيفة فقتله، ثم لقي رجل من بني فزارة مالكا فقتله، فنشبت الحرب بين بني عبس وفزارة، فقتل حذيفة بن بدر، وأخوه حمل بن بدر، وجماعات آخرون، وقالوا في ذلك أشعارا كثيرة يطول بسطها وذكرها.

قال ابن هشام ويقال: أرسل قيس داحس والغبراء، وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء. والأول أصح. قال: وأما حرب حاطب; فيعني حاطب بن الحارث بن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، كان قتل يهوديا جارا للخزرج، فخرج إليه يزيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن مالك بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج - وهو الذي

يقال له: ابن فسحم - في نفر من بني الحارث بن الخزرج فقتلوه، فوقعت الحرب بين الأوس والخزرج، فاقتتلوا قتالا شديدا وكان الظفر للخزرج، وقتل يومئذ الأسود بن الصامت الأوسي، قتله المجذر بن ذياد حليف بني عوف بن الخزرج ثم كانت بينهم حروب يطول ذكرها أيضا.

والمقصود أن أبا قيس بن الأسلت، مع علمه وفهمه، لم ينتفع بذلك حين قدم مصعب بن عمير المدينة ودعا أهلها إلى الإسلام، فأسلم من أهلها بشر كثير، ولم يبق دار - أي محلة - من دور المدينة إلا وفيها مسلمون ومسلمات، غير دار بني واقف قبيلة أبي قيس، ثبطهم عن الإسلام، وهو القائل أيضا:

أرب الناس أشياء ألمت ... يلف الصعب منها بالذلول

أرب الناس أما إن ضللنا ... فيسرنا لمعروف السبيل

فلولا ربنا كنا يهودا ... وما دين اليهود بذي شكول

ولولا ربنا كنا نصارى ... مع الرهبان في جبل الجليل

ولكنا خلقنا إذ خلقنا ... حنيفا ديننا عن كل جيل

نسوق الهدي ترسف مذعنات

مكشفة المناكب في الجلول

وحاصل ما يقول، أنه حائر فيما وقع من الأمر الذي قد سمعه من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوقف الواقفي في ذلك، مع علمه ومعرفته، وكان الذي ثبطه عن الإسلام أولا عبد الله بن أبي ابن سلول، بعدما أخبره أبو قيس أنه الذي بشر به يهود، فمنعه عن الإسلام.

قال ابن إسحاق: ولم يسلم إلى يوم الفتح هو وأخوه وحوح. وأنكر الزبير بن بكار أن يكون أبو قيس أسلم. وكذا الواقدي، قال: كان عزم على الإسلام أول ما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلامه عبد الله بن أبي، فحلف لا يسلم إلى حول، فمات في ذي القعدة. وقد ذكر غيره، فيما حكاه ابن الأثير في كتابه " أسد الغابة " أنه لما حضره الموت دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فسمع يقول: لا إله إلا الله.

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من الأنصار، فقال: " يا خال، قل لا إله إلا الله ". فقال: أخال أم عم؟ قال: " بل

خال ". قال: فخير لي أن أقول: لا إله إلا الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم ".» تفرد به أحمد رحمه الله، وذكر عكرمة وغيره، أنه لما توفي أراد ابنه أن يتزوج امرأته كبيشة بنت معن بن عاصم، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأنزل الله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} [النساء: 22] الآية.

وقال ابن إسحاق، وسعيد بن يحيى الأموي في " مغازيه ": كان أبو قيس هذا قد ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح، وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة، وتطهر من الحائض من النساء وهم بالنصرانية، ثم أمسك عنها، ودخل بيتا له فاتخذه مسجدا، لا يدخل عليه فيه حائض ولا جنب، وقال: أعبد إله إبراهيم، حين فارق الأوثان وكرهها، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأسلم فحسن إسلامه، وهو شيخ كبير، وكان قوالا بالحق، معظما لله في جاهليته، يقول في ذلك أشعارا حسانا، وهو الذي يقول:

يقول أبو قيس وأصبح غاديا ... ألا ما استطعتم من وصاتي فافعلوا

فأوصيكم بالله والبر والتقى

وأعراضكم والبر بالله أول ... وإن قومكم سادوا فلا تحسدنهم

وإن كنتم أهل الرئاسة فاعدلوا ... وإن نزلت إحدى الدواهي بقومكم

فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا ... وإن ناب غرم فادح فارفقوهم

وما حملوكم في الملمات فاحملوا ... وإن أنتم أمعرتم فتعففوا

وإن كان فضل الخير فيكم فأفضلوا

وقال أبو قيس أيضا:

سبحوا الله شرق كل صباح ... طلعت شمسه وكل هلال

عالم السر والبيان جميعا ... ليس ما قال ربنا بضلال

وله الطير تستريد وتأوي ... في وكور من آمنات الجبال

وله الوحش بالفلاة تراها ... في حقاف وفي ظلال الرمال

وله هودت يهود ودانت ... كل دين مخافة من عضال

وله شمس النصارى وقاموا ... كل عيد لربهم واحتفال

وله الراهب الحبيس تراه

رهن بؤس وكان ناعم بال ... يا بني الأرحام لا تقطعوها

وصلوها قصيرة من طوال ... واتقوا الله في ضعاف اليتامى

وبما يستحل غير الحلال ... واعلموا أن لليتيم وليا

عالما يهتدي بغير سؤال ... ثم مال اليتيم لا تأكلوه

إن مال اليتيم يرعاه والي ... يا بني التخوم لا تجزلوها

إن جزل التخوم ذو عقال ... يا بني الأيام لا تأمنوها

واحذروا مكرها ومر الليالي ... واعلموا أن مرها لنفاد ال

خلق ما كان من جديد وبالي ... واجمعوا أمركم على البر والتق

وى وترك الخنا وأخذ الحلال

قال ابن إسحاق: وقال أبو قيس صرمة أيضا، يذكر ما أكرمهم الله به من الإسلام، وما خصهم به من نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم:

ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا

وسيأتي ذكرها بتمامها فيما بعد، إن شاء الله، وبه الثقة.

** [قصة بيعة العقبة الثانية] **

قال ابن إسحاق: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين مع حجاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أواسط أيام التشريق، حين أراد الله بهم من كرامته والنصر لنبيه، وإعزاز الإسلام وأهله، فحدثني معبد بن كعب بن مالك، أن أخاه عبد الله بن كعب، وكان من أعلم الأنصار، حدثه أن أباه كعبا حدثه، وكان ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، قال: «خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا، فلما وجهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البراء: يا هؤلاء، إني قد رأيت رأيا، والله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا؟ قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظهر - يعني الكعبة - وأن أصلي إليها. قال: فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. فقال إني لمصل إليها. قال: فقلنا له: لكنا لا نفعل. قال: فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام، وصلى هو إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة. قال: وقد كنا عبنا عليه ما صنع، وأبى إلا الإقامة على ذلك، فلما قدمنا مكة، قال لي: يا ابن أخي، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنه قد وقع في نفسي منه شيء لما

رأيت من خلافكم إياي فيه. قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك، فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا. فقال: هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قال: قلنا: نعم. وقد كنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرا. قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس. قال: فدخلنا المسجد، وإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: " هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ " قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك. قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشاعر؟ " قال: نعم. فقال له البراء بن معرور: يا نبي الله، إني خرجت في سفري هذا قد هداني الله تعالى للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: " قد كنت على قبلة لو صبرت عليها ". قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم. قال كعب بن مالك: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من سادتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه

وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من سادتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه، أن تكون حطبا للنار غدا. ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة، قال: فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا.»

وقد روى البخاري: حدثني إبراهيم، حدثنا هشام أن ابن جريج أخبرهم، قال عطاء: قال جابر: أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة. قال عبد الله بن محمد: قال ابن عيينة: أحدهما البراء بن معرور.

حدثنا علي بن المديني، حدثنا سفيان، قال: كان عمرو يقول: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: شهد بي خالاي العقبة

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: «مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر

سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ، ومجنة، وفي المواسم بمنى، يقول: " من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ " حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر - كذا قال فيه - فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك. ويمشي بين رحالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعا، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال: " تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن

تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة ". فقمنا إليه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي: وهو أصغر السبعين إلا أنا - فقال: رويدا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة، فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا، ولا نسلبها أبدا. قال فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة»

وقد رواه الإمام أحمد أيضا، والبيهقي، من طريق داود بن عبد الرحمن العطار، زاد البيهقي عن الحاكم بسنده إلى يحيى بن سليم، كلاهما عن

عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير به نحوه. وهذا إسناد جيد على شرط مسلم، ولم يخرجوه. وقال البزار: ورواه غير واحد عن ابن خثيم، ولا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال «كان العباس آخذا بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله يواثقنا، فلما فرغنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخذت وأعطيت ".»

وقال البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان هو الثوري، عن جابر، يعني الجعفي، وداود، هو ابن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر، يعني ابن عبد الله، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء من الأنصار: " تؤووني وتمنعوني؟ " قالوا: نعم. قالوا: فما لنا؟ قال: " الجنة» ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد عن جابر.

ثم قال ابن إسحاق: عن معبد، عن عبد الله، عن أبيه كعب بن مالك،

، قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتسلل تسلل القطا، مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا; نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي إحدى نساء بني سلمة، وهي أم منيع. وقد صرح ابن إسحاق، في رواية يونس بن بكير عنه، بأسمائهم وأنسابهم.

قلت: وما ورد في بعض الأحاديث أنهم كانوا سبعين، فالعرب كثيرا ما تحذف الكسر. وقال عروة بن الزبير، وموسى بن عقبة، كانوا سبعين رجلا وامرأة واحدة. قال: منهم أربعون من ذوي أسنانهم، وثلاثون من شبابهم. قال: وأصغرهم أبو مسعود، وجابر بن عبد الله. وقول محمد بن إسحاق أنهم خمسة وسبعون، أثبت. والله أعلم.

«قال كعب بن مالك: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج - قال: وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج، خزرجها وأوسها - إن محمدا منا حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزة من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ". قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم فوالذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر. قال: فاعترض القول - والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم -

أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: " بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم ". قال كعب: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم " فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس.»

قال ابن إسحاق: وهم أبو أمامة أسعد بن زرارة - المتقدم - وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج وعبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج ورافع بن مالك بن العجلان - المتقدم - والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج

وعبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، وعبادة بن الصامت - المتقدم - وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج. فهؤلاء تسعة من الخزرج. ومن الأوس ثلاثة وهم: أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس ورفاعة بن عبد المنذر بن زبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس.

قال ابن هشام: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان، بدل رفاعة هذا. وهو كذلك في رواية يونس، عن ابن إسحاق، واختاره السهيلي، وابن الأثير في " الغابة ". ثم استشهد ابن هشام على ذلك بما

رواه عن أبي زيد الأنصاري، فيما ذكره من شعر كعب بن مالك، في ذكر النقباء الاثني عشر هذه الليلة، ليلة العقبة الثانية، حين قال:

فأبلغ أبيا أنه فال رأيه ... وحان غداة الشعب والحين واقع

أبى الله ما منتك نفسك إنه ... بمرصاد أمر الناس راء وسامع

وأبلغ أبا سفيان أن قد بدا لنا ... بأحمد نور من هدى الله ساطع

فلا ترعين في حشد أمر تريده ... وألب وجمع كل ما أنت جامع

ودونك فاعلم أن نقض عهودنا ... أباه عليك الرهط حين تتابعوا

أباه البراء وابن عمرو كلاهما ... وأسعد يأباه عليك ورافع

وسعد أباه الساعدي ومنذر ... لأنفك إن حاولت ذلك جادع

وما ابن ربيع إن تناولت عهده ... بمسلمه لا يطمعن ثم طامع

وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة ... وإخفاره من دونه السم ناقع

وفاء به والقوقلي بن صامت ... بمندوحة عما تحاول يافع

أبو هيثم أيضا وفي بمثلها ... وفاء بما أعطى من العهد خانع

وما ابن حضير إن أردت بمطمع

فهل أنت عن أحموقة الغي نازع ... وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه

ضروح لما حاولت ملأمر مانع ... أولاك نجوم لا يغبك منهم

عليك بنحس في دجى الليل طالع

قال ابن هشام: فذكر فيهم أبا الهيثم بن التيهان، ولم يذكر رفاعة.

قلت: وذكر سعد بن معاذ: وليس من النقباء بالكلية في هذه الليلة. والله أعلم.

وروى يعقوب بن سفيان، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن مالك، قال: كان الأنصار ليلة العقبة سبعين رجلا، وكان نقباؤهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس.

وحدثني شيخ من الأنصار «أن جبريل كان يشير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة، وكان أسيد بن حضير أحد النقباء تلك الليلة.» رواه البيهقي.

وقال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال للنقباء: " أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي ". قالوا: نعم.» وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، «أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري، أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتل، أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله - إن فعلتم - خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال، وقتل الأشراف، فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: " الجنة ". قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه» قال عاصم بن عمر بن قتادة: وإنما قال العباس بن عبادة ذلك; ليشد العقد في أعناقهم، وزعم عبد الله بن أبي بكر أنه إنما قال ذلك ليؤخر البيعة تلك الليلة; رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي ابن سلول سيد الخزرج; ليكون أقوى لأمر القوم، فالله أعلم أي ذلك كان.

قال ابن إسحاق: فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان

أول من ضرب على يده، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التيهان.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com