John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة عشرين وثلاثمائة من الهجرة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 383 of 840

** [ما وقع فيها من الأحداث] **

فيها كان مقتل الخليفة المقتدر بالله، وكان سبب ذلك أن مؤنسا الخادم خرج من بغداد في المحرم من هذه السنة مغاضبا للخليفة في مماليكه وحشمه، متوجها نحو الموصل ورد من أثناء الطريق مولاه بشرى إلى المقتدر ليستعلم له، وبعث معه رسالة يخاطب بها أمير المؤمنين، فلما وصل أمره الوزير الحسين بن القاسم - وكان من أكبر أعداء مؤنس - بأن يؤديها إليه، فامتنع من أدائها إلا إلى الخليفة، فأحضره بين يديه، فأمره أن يقولها للوزير، فامتنع، وقال: ما أمرني صاحبي بهذا. فشتمه الوزير وشتم صاحبه، وأمر بضربه ومصادرته بثلاثمائة ألف دينار، وأخذ خطه بها، وأمر بنهب داره، ثم أمر الوزير بالقبض على أقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك من معه، فحصل من ذلك مال عظيم، وارتفع أمر الوزير عند المقتدر، ولقبه عميد الدولة، وضرب اسمه على الدراهم والدنانير، وتمكن من الأمور جدا، فعزل وولى، وقطع ووصل، وفرح بنفسه حينا قليلا. وأرسل إلى هارون بن غريب في الحال، وإلى محمد بن ياقوت يستحضرهما إلى الحضرة، عوضا عن مؤنس، فصمم المظفر مؤنس في مسيره إلى الموصل وجعل يقول لأمراء الأعراب: إن الخليفة قد ولاني الموصل وديار ربيعة. فالتف عليه خلق

كثير، وجعل ينفق فيهم الأموال الجزيلة، وله إليهم قبل ذلك أياد سابغة.

وقد كتب الوزير إلى آل حمدان - وهم ولاة الموصل وتلك النواحي - يأمرهم بمحاربة مؤنس الخادم فركبوا إليه في ثلاثين ألفا، وواجههم مؤنس في ثمانمائة من مماليكه وخدمه، فهزمهم ولم يقتل منهم سوى رجل واحد يقال له: داود، كان من أشجعهم، وقد كان مؤنس رباه وهو صغير. ودخل مؤنس الموصل فقصدته العساكر من كل جانب يدخلون في طاعته ; لإحسانه إليهم قبل ذلك، من أهل بغداد والشام ومصر ومن الأعراب، حتى صار في جحافل من الجنود.

وأما الوزير الحسين بن القاسم، فإنه ظهرت خيانته وعجزه، فعزله المقتدر في ربيع الآخر، وولى مكانه الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات، فكان آخر وزراء المقتدر. وأقام مؤنس بالموصل تسعة أشهر، ثم ركب في الجيوش في شوال قاصدا بغداد ; ليطالب المقتدر بأرزاق الأجناد وإنصافهم، فسار - وقد بعث بين يديه الطلائع - حتى جاء فنزل بباب الشماسية من بغداد وقابله عنده ابن ياقوت وهارون بن غريب - عن كره منه - وأشير على الخليفة بأن يستدين من والدته ما ينفق في الأجناد، فقال: لم يبق عندها شيء، وعزم الخليفة على الهرب إلى واسط وأن يترك بغداد لمؤنس حتى يتراجع أمر الناس، ثم يعود إليها. فرده عن ذلك ابن ياقوت، وأشار عليه بمواجهة مؤنس وأصحابه، فإنهم متى ما رأوه كروا كلهم إليه، وتركوا مؤنسا، فركب وهو كاره، وبين يديه الفقهاء، ومعهم

المصاحف منشرة، وعليه البرد والناس حوله، فوقف على تل عال بعيد من المعركة ونودي في جيشه: من جاء برأس فله خمسة دنانير، ومن جاء بأسير فله عشرة دنانير، ثم بعث إليه أمراؤه يعزمون عليه أن يتقدم، فامتنع من التقدم إلى محلة المعركة، ثم ألحوا عليه، فجاء بعد تمنع شديد، فما وصل إليهم حتى انهزموا وفروا راجعين، ولم يلتفتوا إليه ولا عطفوا عليه، فكان أول من لقيه من أمراء مؤنس علي بن يلبق، فلما رآه ترجل، وقبل الأرض بين يديه، وقال: لعن الله من أشار عليك بالخروج في هذا اليوم، ثم وكل به قوما من المغاربة البربر، فلما تركهم وإياه شهروا عليه السلاح، فقال لهم: ويلكم! أنا الخليفة. فقالوا: قد عرفناك يا سفلة، إنما أنت خليفة إبليس، تنادي في جيشك: من جاء برأس فله خمسة دنانير، ومن جاء بأسير فله عشرة دنانير؟! وضربه أحدهم بسيفه على عاتقه، فسقط إلى الأرض، وذبحه آخر، وتركوا جثته، وقد سلبوه كل شيء كان عليه، حتى سراويله، وبقي مكشوف العورة مجدلا على الأرض، حتى جاء رجل فغطى عورته بحشيش، ثم دفنه في موضعه، وعفا أثره. وأخذت المغاربة رأس المقتدر على خشبة قد رفعوها وهم يلعنونه، فلما انتهوا به إلى مؤنس - ولم يكن حاضرا الوقعة - فحين نظر إلى رأس المقتدر لطم رأسه ووجهه، وقال: ويلكم! لم آمركم بهذا، لعنكم الله قتلتموه! والله لنقتلن كلنا. ثم ركب ووقف عند دار الخلافة حتى لا تنهب، وهرب عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب وابنا رائق إلى المدائن، وكان صنيع مؤنس هذا سببا لطمع أصحاب الأطراف في الخلفاء، وضعف أمر الخلافة جدا، مع ما كان المقتدر يعتمده من التبذير والتفريط في الأموال، وطاعة النساء، وعزل الوزراء، حتى

قيل إن جملة ما صرفه في الوجوه الفاسدة والتبذير ما يقارب ثمانين ألف ألف دينار.

** وهذه ترجمة المقتدر بالله أمير المؤمنين **

هو جعفر أمير المؤمنين المقتدر بالله بن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد الموفق بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس يكنى أبا الفضل العباسي، مولده في ليلة الجمعة لثمان بقين من رمضان سنة ثنتين وثمانين ومائتين، وأمه أم ولد اسمها شغب، ولقبت في خلافة ولدها بالسيدة، بويع له بالخلافة بعد أخيه المكتفي يوم الأحد لأربع عشرة مضت من ذي القعدة، سنة خمس وتسعين ومائتين، وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر وأيام ; ولهذا أراد الجند خلعه في ربيع الأول من سنة ست وتسعين محتجين بصغره وعدم بلوغه، وتولية عبد الله بن المعتز، فلم يتم ذلك، وانتقض الأمر في ذلك اليوم كما ذكرنا. ثم لما كان شهر الله المحرم من سنة سبع عشرة وثلاثمائة، أحضره مؤنس واجتمع الأمراء والقواد وألزموه بخلع نفسه، وأحضروا أخاه محمد بن المعتضد، فبايعوه بالخلافة ولقبوه القاهر، فلم يتم ذلك سوى يومين، ثم رجع المقتدر إلى الخلافة كما ذكرنا.

وقد كان المقتدر بالله ربعة من الرجال، حسن

الوجه والعينين، بعيد ما بين المنكبين، حسن الشعر، مدور الوجه، مشربا بحمرة، حسن الخلق، قد شاب رأسه وعارضاه، وقد كان كريما جوادا ممدحا، له عقل جيد وفهم وافر وذهن صحيح.

وقد كان كثير التحجب والتوسع في النفقات، وزاد في رسوم الخلافة وأمور الرياسة، وما زاد شيء إلا نقص.

كان في داره أحد عشر ألف خادم خصي، غير الصقالبة والروم والسودان، وكان له دار يقال لها: دار الشجرة، فيها من الأثاث والأمتعة شيء كثير جدا، كما ذكرنا ذلك في سنة خمس وثلاثمائة حين قدم رسول ملك الروم. وقد ركب المقتدر يوما في حراقة، وجعل يستعجل الطعام فأبطئوا به، فقال لملاح حراقته: ويلك! أعندك شيء نأكله؟ قال: نعم. فأتاه بشيء من لحم الجدي وخبز حسن وملوحات وغير ذلك، فأعجبه، ثم استدعاه، فقال: هل عندك شيء من الحلواء ; فإني لا أحس بالشبع حتى آكل شيئا من الحلواء؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنما حلاوتنا التمر والكسب. فقال: هذا شيء لا أطيقه. ثم جيء بطعامه، فأكل منه وأتي بالحلواء، فأكل وأطعم الملاحين، وأمر بترتيب حلاوة تعمل في كل يوم تكون في الحراقة بنحو مائتي درهم، إذا اتفق ركوبه فيها يأكل منها، فكان الملاح يأخذ ذلك في كل يوم مدة سنين متعددة، ولم يتفق ركوب المقتدر فيها مرة أخرى.

وقد أراد بعض خواصه أن يطهر ولده، فعمل أشياء هائلة، ثم طلب من أم

الخليفة أن يعار القرية التي عملت في طهور المقتدر من فضة ; ليراها الناس في هذا المهم، فتلطفت أم المقتدر عنده حتى أطلقها له بالكلية، وكانت صفة قرية من القرى كلها من فضة، بيوتها، وأهاليها، وأبقارها، وأغنامها، وجمالها، وخيولها، وزروعها، وثمارها، وأنهارها، وما يتبع ذلك مما يكون في القرى، الجميع من فضة مصور، وأمر بنقل سماطه إلى دار هذا الرجل، وأن لا يكلف شيئا من المطاعم سوى سمك طري فاشترى الرجل بثلاثمائة دينار سمكا، وكان جملة ما أنفق الرجل على سماط المقتدر يومئذ ألفا وخمسمائة دينار.

وكان كثير الصدقة والإحسان إلى أهل الحرمين وأرباب الوظائف، وكان كثير التنفل بالصلاة والصوم والعبادة، ولكنه كان مؤثرا لشهواته، مطيعا لحظياته، كثير التلون والولاية والعزل، وما زال ذلك دأبه حتى كان هلاكه على يدي مؤنس الخادم كما ذكرنا، فقتل عند باب الشماسية لليلتين بقيتا من شوال من هذه السنة - أعني سنة عشرين وثلاثمائة - وله من العمر ثمان وثلاثون سنة وشهر وخمسة أيام، وكانت مدة خلافته أربعا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وأربعة عشر يوما، فكان أكثر مدة ممن تقدمه من الخلفاء.

** خلافة القاهر **

لما قتل المقتدر بالله كما ذكرنا عزم مؤنس الخادم على تولية أبي العباس بن

المقتدر بعد أبيه ; ليطيب قلب أم المقتدر، فعدل عن ذلك جمهور من حضر من الأمراء، فقال له أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختي: بعد التعب والكد نبايع لخليفة له أم وخالات يطيعهن ويشاورهن؟! ثم أحضر محمد بن المعتضد - وهو أخو المقتدر - فبايعه القضاة والأمراء والوزراء، ولقبوه القاهر بالله، وذلك في سحر يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال من هذه السنة، سنة عشرين وثلاثمائة، واستوزر له أبو علي بن مقلة، ثم أبو جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله ثم أبو العباس بن الخصيب وشرع القاهر في مصادرة أصحاب المقتدر وتتبع أولاده، واستدعى بأم المقتدر وهي مريضة بالاستسقاء، وقد تزايد بها الوجع من شدة جزعها على ولدها حين بلغها قتله، وكيف بقي مكشوف العورة، فبقيت أياما لا تأكل شيئا، ثم وعظها النساء حتى أكلت شيئا يسيرا من الخبز والملح، ومع هذا كله استدعى بها القاهر، فقررها على أموالها، فذكرت له ما يكون للنساء من الحلي والمصاغ والثياب، ولم تقر بشيء من الأموال والجواهر، وقالت له: لو كان عندي من هذا شيء ما سلمت ولدي. فأمر بضربها وعلقت برجليها ومسها بعذاب شديد من العقوبة، وأشهدت على نفسها ببيع أملاكها، فأخذه الجند مما يحاسبون به من أرزاقهم، وأرادها على بيع أوقافها، فامتنعت من ذلك، وأبت أشد الإباء، واستدعى القاهر بجماعة من أولاد المقتدر، منهم أبو العباس الراضي، وهارون، والعباس، وعلي، والفضل، وإبراهيم، فأمر بمصادرتهم وحبسهم وسلمهم إلى حاجبه علي بن يلبق، وتمكن الوزير أبو علي بن مقلة، فعزل وولى، وأخذ وأعطى أياما، ومنع

بني البريدي من أعمالهم.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ أحمد بن عمير بن جوصاء، أبو الحسن الدمشقي

أحد المحدثين الحفاظ، والرواة الأيقاظ. ### $ إبراهيم بن محمد بن علي بن بطحاء بن علي بن مقلة، أبو إسحاق التميمي

المحتسب ببغداد، روى عن عباس الدوري وعلي بن حرب وغيرهما، وكان ثقة فاضلا، مر يوما على باب القاضي أبي عمر محمد بن يوسف والخصوم عكوف على بابه، والشمس قد ارتفعت عليهم، فبعث حاجبه إليه يقول له: إما أن تخرج فتفصل بينهم، وإما أن تبعث فتعتذر إليهم إن كان لك عذر، حتى يعودوا إليك بعد هذا الوقت. ### $ أبو علي بن خيران

الفقيه الشافعي، أحد أئمة المذهب، هو الحسين بن صالح بن خيران أبو علي، الفقيه الكبير الورع البارع، عرض عليه منصب

القضاء فلم يقبل، فختم الوزير علي بن عيسى على بابه، فبقي كذلك ستة عشر يوما، ولم يجد أهله ماء إلا من بيوت الجيران، وهو مع ذلك كله يتمنع عليه وعليهم، ولم يل لهم شيئا، فقال الوزير: إنما أردنا أن نعلم الناس أن ببلدنا وفي مملكتنا من عرض عليه قضاء القضاة شرقا وغربا فلم يقبل. وقد كانت وفاته في ذي الحجة من هذه السنة، وقد ذكرنا ترجمته في " طبقات الشافعية " بما فيه كفاية، رحمه الله. ### $ عبد الملك بن محمد بن عدي، الفقيه الإستراباذي

أحد أئمة المسلمين والحفاظ المحدثين، وقد ذكرناه أيضا في " طبقات الشافعية ". ### $ القاضي أبو عمر المالكي محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد

أبو عمر القاضي ببغداد ومعاملاتها في سائر البلاد، كان من أئمة الإسلام علما ومعرفة وفصاحة وبلاغة وعقلا ورياسة، بحيث كان يضرب بعقله وحلمه المثل، وقد روى الكثير عن المشايخ، وحدث عنه الدارقطني وغيره من الحفاظ، وحمل الناس عنه علما كثيرا من الفقه والحديث، وقد جمع له قضاء القضاة في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وله مصنفات كثيرة، وجمع مسندا حافلا، وكان إذا جلس للحديث، جلس أبو القاسم البغوي عن يمينه، وهو

قريب من سن أبيه، وعن يساره ابن صاعد وبين يديه أبو بكر النيسابوري، وسائر الحفاظ حول سريره من كل جانب.

قالوا: ولم ينتقد عليه حكم من أحكامه أخطأ فيه.

قلت: وكان من أعظم صواب أحكامه قتله الحسين بن منصور الحلاج، قبحه الله وأخزاه، وذلك في سنة تسع وثلاثمائة، كما تقدم.

وقد كان جميل الأخلاق، حسن المعاشرة، اجتمع يوما عند أصحابه، فجيء بثوب فاخر ليشتريه بنحو من خمسين دينارا، فاستحسنه الحاضرون، فاستدعى بالقلانسي، وأمره أن يقطع ذلك الثوب قلانس بعدد الحاضرين. وله مناقب ومحاسن رحمه الله تعالى. وكانت وفاته في رمضان من هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة، وقد رآه بعضهم في المنام، فقال له: ما فعل بك ربك؟ فقال: غفر لي بدعوة الرجل الصالح إبراهيم الحربي رحمهما الله.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com