Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 384 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
في صفر منها أحضر الخليفة رجلا كان يقطع الطريق بدجلة، فضرب بين يديه ألف سوط، ثم ضربت عنقه وقطعت أيدي أصحابه وأرجلهم.
وفيها أمر القاهر بالله بإبطال الخمر والمغاني والقيان، وأمر ببيع الجواري المغنيات في سوق النخس على أنهن سواذج، قال ابن الأثير: وإنما فعل القاهر ذلك ; لأنه كان محبا للغناء، فأراد أن يشتري الجواري المغنيات بأرخص الأثمان، نعوذ بالله من هذه الأخلاق.
وفيها أشاعت العامة بينهم بأن الحاجب علي بن يلبق يريد أن يلعن معاوية على المنابر، فلما بلغ ذلك الحاجب بعث إلى رئيس الحنابلة أبي محمد البربهاري الواعظ ليقابله على ذلك، فهرب واختفى، فأمر بجماعة من أصحابه فحدروا إلى البصرة.
وفيها عظم الخليفة وزيره أبا علي بن مقلة وخاطبه بالاحترام والإكرام، ثم إن الوزير ومؤنسا الخادم وعلي بن يلبق وجماعة من الأمراء اشتوروا فيما بينهم على خلع القاهر بالله وتولية أبي أحمد بن المكتفي، وبايعوه فيما
بينهم سرا، وضيقوا على القاهر بالله في رزقه ومن يجتمع به، وأرادوا القبض عليه سريعا، فبلغ ذلك الخليفة على يدي طريف السبكري، فسعى في القبض عليهم، فوقع في مخاليبه الأمير الكبير المظفر مؤنس الخادم وأمر بحبسه قبل أن يراه، والاحتياط على دوره وأملاكه، وكانت فيه عجلة وجرأة وهوج وخرق شديد، وجعل في منزلته - إمرة الأمراء ورياسة الجيش - طريفا السبكري، وقد كان أحد الأمراء عند مؤنس الخادم قبل ذلك. وقبض على يلبق، واختفى ولده علي بن يلبق، وكذا هرب الوزير أبو علي بن مقلة، فاستوزر بدله أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله في مستهل شعبان، وخلع عليه، وأمر بتحريق دار أبي علي بن مقلة، ووقع النهب ببغداد، وهاجت الفتنة، وأمر القاهر بأن يجعل أبو أحمد بن المكتفي بين حائطين، ويسد عليه بالآجر والكلس وهو حي، فمات، وأرسل إلى المختفين فنادى: إن من أخفاهم خربت داره. فوقع بعلي بن يلبق فقتله، ذبح بين يديه كما تذبح الشاة، فأخذ رأسه في طست، ودخل القاهر بنفسه على أبيه يلبق، فوضع الرأس بين يديه، فلما رآه بكى، وأخذ يقبله ويترشفه، فأمر بذبحه أيضا فذبح، ثم أخذ الرأسين في طستين، فدخل بهما على مؤنس الخادم فلما رآهما تشهد ولعن قاتلهما، فقال القاهر عند ذلك: جروا برجل الكلب. فأخذ فذبح أيضا، وأخذ رأسه فوضع في طست، وطيف بالرءوس في بغداد ونودي عليهم: هذا جزاء من يخون الإمام، ويسعى في الدولة فسادا. ثم أعيدت الرءوس إلى خزائن السلاح.
وفي ذي القعدة قبض القاهر على الوزير أبي جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله وسجنه، وكان مريضا بالقولنج، فبقي ثمانية عشر يوما ومات، فكانت وزارته ثلاثة أشهر واثني عشر يوما، واستوزر مكانه أبا العباس أحمد بن عبيد الله بن سليمان الخصيبي، ثم قبض على طريف السبكري وسجنه، فلم يزل السبكري فيه حتى خلع القاهر.
وفيها جاء الخبر بموت تكين الخاصة بديار مصر، وأن ابنه محمدا قد قام بالأمر بعده فيها، وسارت الخلع إليه من القاهر بالله تنفيذا لولايته واستقرارها.
** ذكر ابتداء أمر بني بويه وظهور دولتهم في هذه السنة **
وهم ثلاثة إخوة ; عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن، ومعز الدولة أبو الحسن أحمد، أولاد أبي شجاع بويه بن فناخسرو بن تمام بن كوهى بن شيرزيل الأصغر بن شيركندة بن شيرزيل الأكبر بن شيران شاه بن شيرفنه بن سستان شاه بن سيس بن فيروز بن
شروزيل بن سسناذر بن بهرام جور الملك بن يزدجرد الملك بن سابور الملك بن سابور ذي الأكتاف الفارسي. كذا نسبهم الأمير أبو نصر بن ماكولا في " كتابه ". وإنما قيل لهم: الديالمة ; لأنهم جاوروا الديلم، وكانوا بين أظهرهم مدة، وقد كان أبوهم أبو شجاع بويه فقيرا مدقعا، يصطاد السمك ويحتطب بنوه الحطب على رءوسهم، فماتت امرأته، وخلفت له هؤلاء الأولاد الثلاثة، فحزن عليها، فبينما هو ذات يوم عند بعض أصحابه، وهو شهريار بن رستم الديلمي، إذ مر منجم فاستدعاه، فقال له: إني رأيت مناما غريبا ; رأيت كأني أبول فخرج من ذكري نار عظيمة حتى كادت تبلغ عنان السماء، ثم انفرقت ثلاث شعب، ثم انتشرت كل شعبة إلى شعب كثيرة، فأضاءت الدنيا بتلك النار، ورأيت البلاد والعباد قد خضعت لهذه النار. فقال له المنجم: هذا منام عظيم لا أفسره لك إلا بمال جزيل، فقال: والله لا شيء عندي أعطيك، ولا أملك غير فرسي هذه. فقال: هذا يدل على أنه يملك من صلبك ثلاثة ملوك، ثم يكون من سلالة كل واحد منهم ملوك عدة. فقال له: ويحك! أتسخر بي؟ وأمر بنيه فصفعوه، ثم أعطاه عشرة دراهم، فقال لهم المنجم: اذكروا هذا إذا قدمت عليكم وأنتم ملوك. وخرج وتركهم. وهذا من أعجب الأشياء، وذلك أن هؤلاء الإخوة الثلاثة كانوا عند ملك يقال له: ماكان بن كالي. في بلاد
طبرستان فتسلط عليه مرداويج، فضعف أمر ماكان، فشاوروه في مفارقته حتى يكون من أمره خير، فخرجوا عنه ومعهم جماعة من الأمراء، فصاروا إلى مرداويج، فأكرمهم واستعملهم على الأعمال في البلدان، فأعطى عماد الدولة علي بن بويه نيابة الكرج، فأحسن فيها السيرة، والتف عليه الناس وأحبوه، فحسده مرداويج، وبعث إليه يعزله عنها، ويستدعيه إليه، فامتنع من القدوم عليه، وصار إلى أصبهان فحاربه نائبها، فقهره عماد الدولة واستولى عليها، وإنما كان معه تسعمائة فارس، فرد بها عشرة آلاف، وعظم في أعين الناس، فلما بلغ ذلك مرداويج قلق منه، وأرسل إليه جيشا، فأخرجوه من أصبهان وقصد أرجان فأخذها من نائبها، وحصل له من الأموال شيء كثير جدا، ثم أخذ بلدانا كثيرة، واشتهر أمره وبعد صيته وحسنت سيرته، واجتمع إليه من الجند خلق كثير وجم غفير، وقد آل بهم الحال إلى أن ملكوا بغداد من أيدي الخلفاء العباسيين، لهم القطع والوصل، والولاية والعزل، وإليهم تجبى الأموال، ويرجع إليهم في سائر الأمور والأحوال، على ما سنذكر ذلك مبسوطا، والله المستعان والمحمود على كل حال.
** وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: **
### $ الطحاوي، أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك، أبو جعفر
الطحاوي
نسبة إلى طحا وهي قرية بصعيد مصر، الفقيه الحنفي، صاحب المصنفات المفيدة والفوائد، وهو أحد الثقات الأثبات، والحفاظ الجهابذة، وهو ابن أخت المزني - رحمهما الله - وكانت وفاته في مستهل ذي القعدة من هذه السنة عن ثنتين وثمانين سنة.
وذكر أبو سعد السمعاني أنه ولد في سنة تسع وعشرين ومائتين، فعلى هذا يكون قد جاوز التسعين. والله أعلم.
وذكر ابن خلكان في " الوفيات " أن سبب انتقاله إلى مذهب أبي حنيفة ورجوعه عن مذهب خاله المزني، أن خاله قال له يوما: والله لا يجيء منك شيء. فغضب واشتغل على أبي جعفر بن أبي عمران الحنفي، حتى برع وفاق أهل زمانه، وصنف كتبا كثيرة منها " أحكام القرآن " و " اختلاف العلماء " و " معاني الآثار " و " التاريخ الكبير " وله في الشروط كتاب، وكان بارعا فيها. وقد كتب للقاضي أبي عبيد الله محمد بن عبدة، وعدله القاضي أبو عبيد بن حربويه. وكان يقول: رحم الله المزني، لو كان حيا لكفر عن يمينه.
وكانت وفاته في مستهل ذي القعدة، ودفن بالقرافة، وقبره مشهور بها، رحمه الله تعالى، وترجمه ابن عساكر، وذكر أنه قدم دمشق سنة ثمان وستين
ومائتين، وأخذ الفقه عن قاضيها أبي خازم. رحمه الله. ### $ أحمد بن محمد بن موسى بن النضر بن حكيم بن علي بن زربي، أبو بكر بن أبي حامد
صاحب بيت المال، سمع عباسا الدوري وخلقا، وعنه الدارقطني وغيره، وكان ثقة صدوقا جوادا ممدحا، اتفق في أيامه أن رجلا من أهل العلم كانت له جارية يحبها حبا شديدا، فركبته ديون كثيرة اقتضى الحال أن باع تلك الجارية في الدين، فلما قبض ثمنها ندم ندامة عظيمة جدا، وبقي متحيرا في أمره، فباعها الذي كانت عنده، فبلغ سيدها أن الجارية قد اشتراها ابن أبي حامد صاحب بيت المال، فتشفع إليه ببعض أصحابه في أن يردها إليه بثمنها، فلما قال له ذلك لم يكن عنده شعور بها، وذلك أن امرأته كانت اشترتها له، ولم تعلمه بعد بأمرها حتى تحل من استبرائها، وكان ذلك اليوم آخره، فلبسوها الحلي والمصاغ، وصنعوها له، وحين شفع عنده في أمرها بهت ; لعدم علمه بها، ثم دخل يستكشف خبرها من منزله، فإذا بها قد هيئت له وزخرفت، ففرح فرحا شديدا إذ وجدها، من أجل ذلك الرجل، فأخرجها معه وهو يظهر السرور، فقال لسيدها: هذه جاريتك؟ فلما رآها اضطرب كلامه، واختلط في عقله مما رأى من حسن منظرها وهيئتها، وقال: نعم. قال: خذها، بارك الله لك فيها. ففرح الفتى فرحا شديدا، وقال: يا سيدي، تأمر من يحمل معي المال؟ فقال: لا حاجة لي به، وأنت في حل منه، فإني
أخشى إن لم يبق معك شيء أن تبيعها ثانية ممن لا يردها عليك. فقال: يا سيدي، فهذا الحلي والمصاغ الذي عليها؟ فقال: هذا شيء وهبناه لها لا نعود فيه أبدا. فاشتد فرح الفتى، وأخذها معه، فلما ودع ابن أبي حامد قال للجارية: أيما كان أحب إليك ; نحن أو سيدك هذا؟ فقالت: أما أنتم فأغنيتموني، فجزاكم الله خيرا، وأما سيدي هذا، فلو أني ملكت منه ما ملك مني لم أبعه بالأموال الجزيلة. فاستحسن الحاضرون ذلك من قولها مع صغر سنها. ### $ شغب أم أمير المؤمنين المقتدر بالله الملقبة بالسيدة
كان دخل أملاكها في كل سنة ألف ألف دينار، وكانت تتصدق بأكثر ذلك على الحجيج في أشربة وأزواد وأطباء يكونون معهم، وتسهيل الطرقات والموارد.
وكانت في غاية الحشمة والرياسة ونفوذ الكلمة أيام خلافة ولدها، فلما قتل كانت مريضة فزادها مرضا إلى مرضها، ولما استقر أمر القاهر في الخلافة - وهو ابن زوجها المعتضد وأخو ابنها، وقد كانت حضنته حين توفيت أمه، وخلصته من ابنها لما كان مؤنس قد بايعه ولم يتم ذلك - عاقبها القاهر عقوبة عظيمة جدا، حتى كان يعلقها برجلها ورأسها منكوس، فربما بالت، فينحدر على وجهها ; ليقررها على الأموال التي في يدها، فلم يجد لها شيئا سوى ثيابها ومصاغها وحليها في صناديق لها، قيمتها مائة ألف وثلاثون ألف دينار، وجميع ما كان يدخلها تتصدق به، ووقفت شيئا كثيرا، ولكن كان لها
أملاك أمر ببيعها، وأتى بالشهود ليشهدوا عليها بالتوكيل في بيعها، فامتنع الشهود من أداء الشهادة حتى يحلوها، فرفع الستر بإذن الخليفة، فقالوا لها: أنت شغب جارية المعتضد أم جعفر المقتدر؟ فبكت بكاء طويلا، ثم قالت: نعم. وكتبوا حليتها، عجوز، سمراء اللون، دقيقة الجبين. وبكى الشهود وتفكروا في تقلب الزمان، وتنقل الحدثان. وكانت وفاتها في جمادى الأولى من هذه السنة، ودفنت بالرصافة. رحمها الله. ### $ عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان، وهو أبو هاشم بن أبي علي الجبائي
المتكلم ابن المتكلم المعتزلي ابن المعتزلي، وإليه تنسب البهشمية من المعتزلة، وله مصنفات في الاعتزال كما لأبيه من قبله، مولده في سنة سبع وأربعين ومائتين، وتوفي في شعبان من هذه السنة.
قال القاضي ابن خلكان: وكان له ابن يقال له: أبو علي. دخل يوما على الصاحب بن عباد فأكرمه واحترمه، وسأله عن شيء، فقال: (لا أعرف) نصف العلم. فقال: صدقت وسبقك أبوك إلى النصف الآخر!
### $ محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية أبو بكر بن دريد الأزدي
اللغوي النحوي الشاعر صاحب المقصورة، ولد بالبصرة في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتنقل في البلاد لطلب العلم والأدب، وكان أبوه من ذوي اليسار وقدم بغداد وقد أسن، فأقام بها إلى أن توفي. روى عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، وأبي حاتم، والرياشي. وعنه أبو سعيد السيرافي وأبو بكر بن شاذان وأبو عبيد الله المرزباني وغيرهم. ويقال: كان أعلم الشعراء وأشعر العلماء. وقد كان متهتكا في الشراب، قال أبو منصور الأزهري: دخلت عليه فوجدته سكران، فلم أعد إليه.
وسئل عنه الدارقطني، فقال: تكلموا فيه. وقال ابن شاهين: كنا ندخل عليه، فنستحي مما نرى من العيدان المعلقة والشراب المصفى، وقد جاوز التسعين وقارب المائة. وكانت وفاته في يوم الأربعاء لثنتي عشرة بقيت من شعبان.
وفي هذا اليوم كانت وفاة أبي هاشم بن أبي علي، فصلي عليهما معا، ودفنا في مقبرة الخيزرانية، وقال الناس: مات اليوم علم اللغة، وعلم الكلام. وكان ذلك يوما مطيرا. ومن مصنفات ابن دريد " الجمهرة " في اللغة، في نحو عشر مجلدات، وكتاب " المطر " والمقصورة والقصيدة الأخرى في المقصور والممدود، وغير ذلك، سامحه الله.