John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 385 of 840

** [ما وقع فيها من الأحداث] **

فيها قصد ملك الروم ملطية في خمسين ألفا، فحاصرها، ثم أعطاهم الأمان حتى تمكن منهم، فقتل خلقا كثيرا، وأسر ما لا يحصون كثرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها وردت الأخبار بأن مرداويج قد تسلم أصبهان وانتزعها من علي بن بويه، وأن علي بن بويه توجه إلى أرجان فأخذها، وقد أرسل ابن بويه إلى الحضرة الخليفية بالطاعة والمعونة، وإن أمكن أن يقبل العتبة الشريفة ويحضر بين يدي الخليفة إن رسم، أو يذهب إلى شيراز فيكون مع ياقوت. ثم اتفق الحال بعد ذلك أن صار إلى شيراز وأخذها من نائبها ياقوت بعد قتال عظيم ظفر فيه ابن بويه بياقوت وأصحابه، فقتل منهم خلقا، وأسر جماعة، فلما تمكن أطلقهم، وأحسن إليهم، وخلع عليهم، وعدل في الناس.

وكانت معه أموال كثيرة قد استفادها من أصبهان وقبلها من الكرج ومن همذان وغيرها. إلا أنه كان كريما جوادا معطاء للجيوش الذين قد التفوا عليه، ثم

إنه أملق في بعض الأحيان وهو بشيراز، وطالبه الجند بأرزاقهم، وخاف أن ينحل نظام أمره، فاستلقى يوما على قفاه مفكرا في أمره، وإذا حية قد خرجت من سقف المكان الذي هو فيه، ودخلت في آخر، فأمر بنزع تلك السقوف، فوجد هناك مكانا فيه من الذهب شيء كثير جدا نحو من خمسمائة ألف دينار، فأنفق في جيشه ما أراد، وبقي عنده شيء كثير.

وركب ذات يوم يتفرج في خراب البلد، وينظر إلى أبنية الأوائل، ويتعظ بمن كان قبله، فانخسفت الأرض من تحت قائمة جواده، فأمر فحفر هنالك فوجد من الأموال شيئا كثيرا أيضا.

واستعمل عند رجل خياط قماشا ليلبسه، فاستبطأه فأمر بإحضاره، فلما وقف بين يديه تهدده، وكان الرجل أصم لا يسمع جيدا، فقال: والله ما لابن ياقوت عندي سوى اثني عشر صندوقا، لا أدري ما فيها. فأمر بإحضارها فإذا فيها أموال عظيمة تقارب ثلاثمائة ألف دينار.

واطلع على ودائع كانت ليعقوب وعمرو ابني الليث، فيها من الأموال ما لا يحد ولا يوصف كثرة، فقوي أمره، وعظم سلطانه جدا، وهذا كله من الأمور المقدرة لما يريده الله بهم من السعادة الدنيوية. {وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص: 68] و {لله الأمر من قبل ومن بعد} [الروم: 4] .

وكتب إلى الراضي ووزيره أبي علي بن مقلة يطلب أن يقاطع على ما قبله من البلاد على ألف ألف في كل سنة، فأجابه الراضي إلى ذلك، وبعث إليه بالخلع

واللواء وأبهة الملك.

وفيها قتل القاهر بالله أميرين كبيرين ; وهما إسحاق بن إسماعيل النوبختي، وهو الذي كان قد أشار على الأمراء بخلافة القاهر، وأبو السرايا بن حمدان أصغر ولد أبيه، وكان في نفس القاهر منهما ; بسبب أنهما زايداه مرة من قبل أن يلي الخلافة في جاريتين مغنيتين، فاستدعاهما إلى المسامرة فتطيبا وحضرا، فأمر بإلقائهما في بئر هنالك، فتضرعا إليه فلم يرحمهما، بل ألقيا فيها، وطينها عليهما.

** ذكر خلع القاهر وسمل عينيه **

وكان سبب ذلك أن الوزير أبا علي بن مقلة كان قد هرب من القاهر حين قبض على مؤنس الخادم، واختفى في داره، وكان يراسل الجند ويكاتبهم ويغريهم بالقاهر، ويخوفهم سطوته وإقدامه وسرعة بطشه، وأخبرهم أن القاهر قد أعد لأكابر الأمراء أماكن يسجنهم فيها، فهيجهم ذلك، وأشبهم على القبض على القاهر، فاجتمعوا، وأجمعوا رأيهم على مناجزته في هذه الساعة، وركبوا مع الأمير المعروف بسيما، وقصدوا دار الخلافة فأحاطوا بها، ثم هجموا على القاهر من سائر أبوابها، فخرج الوزير الخصيبي مستترا في زي امرأة، وانهزم القاهر وهو مخمور، فاختفى في سطح حمام، فظهروا عليه فقبضوه وحبسوه في مكان طريف السبكري، وأخرجوا طريفا، واضطربت بغداد ونهبت، وذلك يوم

السبت لثلاث خلون من جمادى الأولى من هذه السنة، ثم أحضروه، فسملوا عينيه حتى سالتا على خديه، وارتكب منه أمر عظيم لم يسمع بمثله في الإسلام، ثم أرسلوه، فكان تارة يحبس، وتارة يخلى سبيله، وقد تأخر موته إلى سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وافتقر حتى قام يوما بجامع المنصور، فسأل فأعطاه رجل خمسمائة درهم، ويقال: إنه إنما أراد بهذا الصنيع التشنيع على المستكفي بالله فالله أعلم. وستأتي ترجمته إذا ذكرنا وفاته.

** خلافة الراضي بالله أبي العباس محمد بن المقتدر بالله **

لما خلعت الجند القاهر وسملوه، أحضروا أبا العباس محمد بن المقتدر بالله، فبايعوه على الخلافة، ولقبوه الراضي بالله، وكان أبو بكر الصولي قد أشار بأن يلقب بالمرضي بالله، فلم يقبل وعدل إلى هذا اللقب، وذلك يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى من هذه السنة - أعني سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة - وجاءوا بالقاهر وهو أعمى قد سملت عيناه، فأوقف بين يديه، فسلم عليه بالخلافة، وسلمها إليه، فقام الراضي بأعبائها، وكان من خيار الخلفاء على ما سنذكره، وأمر بإحضار أبي علي بن مقلة، فولاه الوزارة، وجعل علي بن عيسى

ناظرا عليه، وأطلق كل من كان في حبس القاهر، واستدعى عيسى طبيب القاهر، فصادره بمائتي ألف دينار، وتسلم منه الوديعة التي كان القاهر أودعها عنده، وكانت جملة مستكثرة من الذهب والفضة والنفائس.

وفي هذه السنة عظم أمر مرداويج بأصبهان، وتحدث الناس أنه يريد قصد بغداد وأنه ممالئ لصاحب البحرين وقد اتفقا على رد الدولة من العرب إلى العجم، وأساء السيرة في رعيته، لا سيما في خواصه من الأتراك، فتمالئوا على قتله فقتلوه - قبحه الله - وكان القائم بأعباء ذلك أخص مماليكه وأحظاهم عنده، وهو بجكم - بيض الله وجهه - وهذا الأمير هو الذي استنقذ الحجر الأسود من أيدي القرامطة، وافتداه منهم بخمسين ألف دينار، بذلها لهم حتى ردوه إلى مكة كما سيأتي. ولما قتل مرداويج بن زيار الديلمي، عظم أمر علي بن بويه، وارتفع قدره بين الناس، وعلا شأنه في الملوك، وسيأتي ما آل إليه حاله.

ولما خلع القاهر وولي الراضي، طمع هارون بن غريب في الخلافة ; لكونه ابن خال المقتدر، وكان نائبا على ماه الكوفة الدينور وماسبذان، فدعا إلى ذلك واتبعه خلق من الجند والأمراء، وجبى الأموال، واستفحل أمره، وقويت شوكته، وقصد بغداد فخرج إليه محمد بن ياقوت رأس الحجبة في جميع جيش بغداد فاقتتلوا هنالك، فخرج في بعض الأيام هارون بن غريب يتقصد

لعله يعمل حيلة في أسر محمد بن ياقوت، فتقنطر به فرسه، فسقط في نهر، فضربه غلام له حتى قتله، وأخذ رأسه، وجاء به إلى محمد بن ياقوت، فانهزم أصحاب هارون، ورجع محمد بن ياقوت، فدخل بغداد ورأس هارون بن غريب يحمل بين يديه على رمح، ففرح الناس بذلك، وكان يوما مشهودا.

وفيها ظهر رجل ببغداد يعرف بأبي جعفر محمد بن علي الشلمغاني، ويقال له: ابن أبي العزاقر. فذكر عنه أنه يدعي ما كان يدعيه الحلاج من الإلهية، وكان قد مسك في دولة المقتدر عند حامد بن العباس، واتهم بأنه يقول بالتناسخ، فأنكر ذلك. ولما كانت هذه المرة أحضره الراضي، وادعى عليه بما ذكر عنه، فأنكر، ثم أقر بأشياء، فأفتى قوم أن دمه حلال إلا أن يتوب من هذه المقالة، فضرب ثمانين سوطا، ثم ضربت عنقه وصلب، وألحق بالحلاج - قبحهما الله - وقتل معه صاحبه ابن أبي عون لعنه الله، وكان هذا اللعين من جملة طائفة قد اتبعوه وصدقوه فيما يزعمه من الكفر، لعنهم الله.

وقد بسط ابن الأثير في " كامله " مذهب هؤلاء الكفرة بسطا جيدا، وشبه مذهبهم بمذهب النصيرية، لعنهما الله أجمعين.

وادعى رجل ببلاد الشاش النبوة، وأظهر مخاريق وأشياء كثيرة من الحيل،

فجاءته الجيوش فقاتلوه، فقتلوه، وانطفأ خبره واضمحل أمره.

** وفاة المهدي صاحب إفريقية، أول خلفاء الفاطميين فيما زعموا **

وفيها مات أبو محمد عبيد الله، المدعي أنه علوي - الملقب بالمهدي - باني المهدية بمدينته المهدية عن ثلاث وستين سنة، وكانت ولايته، منذ دخل رقادة وادعى الإمامة، أربعا وعشرين سنة وشهرا وعشرين يوما، وهو أول الخلفاء الفاطميين.

وقد كان شهما شجاعا، ظفر بجماعة ممن خالفه وناوأه وقاتله وعاداه، وقد قام بأمر الخلافة من بعده ولده أبو القاسم الملقب بالخليفة القائم بأمر الله وحين توفي أبوه، كتم موته سنة حتى دبر ما أراده من الأمور، ثم أظهر ذلك، وعزاه الناس فيه، وقد كان شهما شجاعا كأبيه، فتح البلاد، وأرسل السرايا إلى بلاد الروم، ورام أخذ الديار المصرية، فلم يتفق له ذلك، وإنما جرى ذلك على يدي ابن ابنه المعز الفاطمي الذي بنى القاهرة المعزية، كما سنذكره، إن شاء الله تعالى.

قال القاضي ابن خلكان في " الوفيات ": وقد اختلف في نسب المهدي هذا اختلافا كثيرا جدا ; فقال صاحب " تاريخ القيروان ": هو عبيد الله بن الحسن بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وقال غيره: هو عبيد الله بن التقي، وهو الحسين بن الوفي، أحمد بن الرضي عبد الله، وهؤلاء الثلاثة يقال لهم: المستورون ; لخوفهم من خلفاء بني العباس، والرضي عبد الله هذا هو ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وقيل غير ذلك في نسبه.

قال القاضي ابن خلكان: والمحققون ينكرون دعواه في النسب.

قلت: قد كتب غير واحد من الأئمة، منهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني والقاضي الباقلاني، والقدوري أن هؤلاء أدعياء، ليس لهم نسب صحيح فيما يزعمونه، وأن والد عبيد الله هذا كان يهوديا صباغا بسلمية، وقيل: كان اسمه سعيدا، وإنما لقب بعبيد الله. وكان زوج أمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القداح، وسمي القداح ; لأنه كان كحالا يقدح العيون، وكان الذي وطأ له الأمر بتلك البلاد أبو عبد الله الشيعي كما قدمنا ذلك، ثم استدعاه فلما قدم من بلاد المشرق وقع في يد صاحب سجلماسة

فسجنه، فلم يزل الشيعي حتى استنقذه وسلم إليه الأمر، ثم ندم الشيعي وهم بقتله، ففطن عبيد الله له فقتله وقتل معه أخاه. ويقال: إن الشيعي لما دخل السجن وجد صاحب سجلماسة قد قتله، ووجد في السجن رجلا مجهولا، فأخرجه للناس، وقال: هذا هو المهدي، وروج به الأمر، فهؤلاء من سلالته. حكاه القاضي ابن خلكان

وكان مولد المهدي هذا في سنة ستين ومائتين، وقيل: قبلها، وقيل: بعدها. بسلمية، وقيل: بالكوفة. وأول ما دعي له على منابر رقادة والقيروان يوم الجمعة لتسع بقين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، بعد رجوعه من سجلماسة وكان ظهوره بها في ذي الحجة من السنة الماضية، سنة ست وتسعين، وزالت دولة بني العباس من تلك الناحية من هذا الحين إلى أن هلك العاضد في سنة سبع وستين وخمسمائة.

وكانت وفاته بالمهدية - التي بناها في أيامه - ليلة الثلاثاء للنصف من ربيع الأول من هذه السنة، وقد جاوز الستين على المشهور، وإلى الله عاقبة الأمور، وسيفصل بين الآمر والمأمور، يوم البعث والنشور.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قاضي مصر، حدث

عن أبيه بكتبه المشهورة، وتوفي وهو على قضاء الديار المصرية في ربيع الأول من هذه السنة. ### $ محمد بن أحمد بن القاسم أبو علي الروذباري

وقيل: اسمه أحمد بن محمد. ويقال: الحسن بن همام. والصحيح الأول، أصله من بغداد وسكن مصر، وكان من أبناء الرؤساء والوزراء والكتبة، وصحب الجنيد، وسمع الحديث، وحفظ منه كثيرا، وتفقه بإبراهيم الحربي، وأخذ النحو عن ثعلب، وكان كثير الصدقة والبر للفقراء، وكان إذا أعطى الفقير شيئا جعله في كفه، ثم يتناوله الفقير، يريد أن لا تكون يد الفقير تحت يده.

ومن شعره:

ولو مضى الكل مني لم يكن عجبا ... وإنما عجبي في البعض كيف بقي

أدرك بقية روح منك قد تلفت ... قبل الفراق فهذا آخر الرمق ### $ محمد بن إسماعيل المعروف بخير النساج أبو الحسن الصوفي

من كبار المشايخ ذوي الأحوال الصالحة والكرامات المشهورة، أدرك سريا السقطي وغيره من مشايخ القوم، وعاش مائة وعشرين سنة. ولما حضرته الوفاة نظر إلى زاوية البيت، فقال: قف رحمك الله، فإنك عبد مأمور، وأنا عبد مأمور، وما أمرت به لا يفوت، وما أمرت به يفوت. ثم قام، فتوضأ وصلى وتمدد فمات، رحمه الله. وقد رآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: استرحنا من دنياكم الوضرة.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com