Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[كتاب مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر شيء من البشارات بذلك] — تتمة ٦
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 39 of 840
قلت: حمل اللبن في حفر الخندق لا معنى له، والظاهر أنه اشتبه على الناقل. والله أعلم. وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن عمار أنه تقتله الفئة الباغية، وقد قتله أهل الشام في وقعة صفين، وعمار مع علي وأهل العراق كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه. وقد كان علي أحق بالأمر من معاوية، ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم، كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم; لأنهم، وإن كانوا بغاة في نفس الأمر، فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال، وليس كل مجتهد مصيبا، بل المصيب له أجران، والمخطئ له أجر، ومن زاد في هذا الحديث بعد قوله: " «تقتلك الفئة الباغية» ": لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة، فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم; فإنه لم يقلها إذ لم تنقل من طريق تقبل. والله أعلم. وأما قوله: «يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار» فإن عمارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة، وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعا على كل قطر إمام برأسه، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة، واختلاف الأمة، فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه. والله أعلم. وسيأتي تقرير هذه المباحث إذا انتهينا إلى وقعة صفين من كتابنا
هذا، بحول الله وقوته، وحسن تأييده وتوفيقه.
والمقصود هاهنا إنما هو قصة بناء المسجد النبوي، على بانيه أفضل الصلاة والتسليم.
وقد قال الحافظ البيهقي في " الدلائل ": حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء، ثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا عبيد بن شريك، ثنا نعيم بن حماد، ثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا حشرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هؤلاء ولاة الأمر بعدي ".»
ثم رواه من حديث يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن حشرج، عن سعيد، عن سفينة، قال: «لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، وضع حجرا، ثم قال: ليضع أبو بكر حجرا إلى جنب حجري، ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكر، ثم ليضع عثمان حجره إلى جنب حجر عمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هؤلاء الخلفاء من بعدي ".» وهذا الحديث بهذا السياق غريب جدا.
والمعروف ما رواه الإمام أحمد، عن أبي النضر، عن حشرج بن نباتة
العبسي، وعن بهز وزيد بن الحباب وعبد الصمد، عن حماد بن سلمة، كلاهما عن سعيد بن جمهان، عن سفينة، قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون من بعد ذلك الملك ". ثم قال سفينة: أمسك، خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي ست سنين.» هذا لفظ أحمد. ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من طرق عن سعيد بن جمهان. وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديثه. ولفظه: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يكون ملكا عضوضا ".» وذكر بقيته.
قلت: ولم يكن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بني منبر يخطب الناس عليه، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، وهو مستند إلى جذع عند مصلاه في الحائط القبلي، فلما اتخذ له عليه السلام المنبر، كما سيأتي بيانه في موضعه، وعدل إليه ليخطب عليه، وجاوز ذلك الجذع، خار ذلك الجذع وحن حنين النوق العشار; لما كان يسمع من خطب الرسول عليه السلام عنده، فرجع إليه النبي صلى الله عليه وسلم فاحتضنه حتى سكن، كما يسكن المولود الذي يسكت، كما سيأتي تفصيل ذلك من طرق، عن سهل بن سعد
الساعدي، وجابر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وأم سلمة رضي الله عنهم، وما أحسن ما قال الحسن البصري بعدما روى هذا الحديث، عن أنس بن مالك: يا معشر المسلمين، الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا إليه، أو ليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا إليه؟!
** [تنبيه على فضل هذا المسجد الشريف والمحل المنيف] **
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن أنيس بن أبي يحيى، حدثني أبي، قال: سمعت أبا سعيد الخدري، قال: «اختلف رجلان - رجل من بني خدرة، ورجل من بني عمرو بن عوف - في المسجد الذي أسس على التقوى. فقال الخدري: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال العمري: هو مسجد قباء. فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك فقال: " هو هذا المسجد ". لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: " في ذلك خير كثير ".» يعني مسجد قباء. ورواه الترمذي، عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن أنيس بن أبي يحيى الأسلمي به، وقال: حسن صحيح.
وروى الإمام أحمد، عن إسحاق بن عيسى، عن الليث بن سعد،
، والترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة، عن الليث، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى. وذكر نحو ما تقدم.
وفي " صحيح مسلم " من حديث حميد الخراط، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه سأل عبد الرحمن بن أبي سعيد: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأخذ كفا من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: " هو مسجدكم هذا ".»
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التيمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، قال: «اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر: هو مسجد قباء. فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه، فقال: " هو مسجدي هذا ".»
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا ".»
فهذه طرق متعددة لعلها تقرب من إفادة القطع بأنه مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا ذهب عمر، وابنه عبد الله، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، واختاره ابن جرير. وقال آخرون: لا منافاة بين نزول الآية في مسجد قباء - كما تقدم بيانه - وبين هذه الأحاديث; لأن هذا المسجد أولى بهذه الصفة من ذلك، لأن هذا أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها، كما ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد; مسجدي هذا، والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس ".» وفي " صحيح مسلم " عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ".» وذكرها. وثبت في " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا خير
من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام ".» وفي " مسند أحمد " بإسناد حسن زيادة حسنة، وهي قوله: " «فإن ذلك أفضل» ".
وفي " الصحيحين " من حديث يحيى القطان، عن عبيد الله، عن خبيب، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي ".» والأحاديث في فضائل هذا المسجد الشريف كثيرة جدا، وسنوردها في كتاب المناسك من كتاب " الأحكام الكبير " إن شاء الله، وبه الثقة، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وقد ذهب الإمام مالك وأصحابه إلى أن مسجد المدينة أفضل من المسجد الحرام ; لأن ذاك بناه إبراهيم، وهذا بناه محمد صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم عليه السلام، وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ذلك، وقرروا أن المسجد الحرام أفضل; لأنه في بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وحرمه إبراهيم الخليل عليه السلام ومحمد خاتم المرسلين، فاجتمع فيه من الصفات ما ليس في غيره، ولبسط هذه المسألة موضع آخر. وبالله المستعان.
** [فصل في بناء حجر للنبي صلى الله عليه وسلم حول المسجد] **
فصل
وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حول مسجده الشريف حجر; لتكون مساكن له ولأهله، وكانت مساكن قصيرة البناء، قريبة الفناء، قال الحسن بن أبي الحسن البصري - وكان غلاما مع أمه خيرة مولاة أم سلمة -: لقد كنت أنال أطول سقف في حجر النبي صلى الله عليه وسلم بيدي. قلت: إلا أنه قد كان الحسن البصري شكلا ضخما طوالا، رحمه الله.
وقال السهيلي في " الروض ": كانت مساكنه عليه الصلاة والسلام مبنية من جريد عليه طين، بعضها من حجارة مرضومة، وسقوفها كلها من جريد. وقد حكى عن الحسن البصري ما تقدم، قال: وكانت حجره من شعر مربوطة بخشب من عرعر. قال: وفي " تاريخ البخاري " أن بابه عليه الصلاة والسلام كان يقرع بالأظافير. فدل على أنه لم يكن
لأبوابه حلق. قال: وقد أضيفت الحجر كلها بعد موت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد.
قال الواقدي وابن جرير وغيرهما: ولما رجع عبد الله بن أريقط الديلي إلى مكة، بعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر زيد بن حارثة وأبا رافع موليي رسول الله صلى الله عليه وسلم; ليأتوا بأهاليهم من مكة، وبعثا معهم بحملين وخمسمائة درهم; ليشتروا بها إبلا من قديد. فذهبوا فجاءوا ببنتي النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وأم كلثوم، وزوجتيه سودة وعائشة، وأمها أم رومان، وأهل النبي صلى الله عليه وسلم، وآل أبي بكر، صحبة عبد الله بن أبي بكر، وقد شرد بعائشة وأمها أم رومان الجمل في أثناء الطريق، فجعلت أم رومان تقول: واعروساه وابنتاه. قالت عائشة: فسمعت قائلا يقول: أرسلي خطامه. فأرسلت خطامه، فوقف بإذن الله وسلمنا الله عز وجل. فتقدموا، فنزلوا بالسنح، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة في شوال بعد ثمانية أشهر، كما سيأتي، وقدمت معهم أسماء بنت أبي بكر امرأة الزبير بن العوام، وهي حامل متم بعبد الله بن الزبير، كما سيأتي بيانه في موضعه من آخر هذه السنة.
** [فصل فيما أصاب المهاجرين من حمى المدينة] **
رضي الله عنهم أجمعين وقد سلم الرسول صلى الله عليه وسلم بحول الله وقوته، ودعا الله فأزاحها عن المدينة
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال. قالت: فدخلت عليهما فقلت: يا أبه كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته، ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة
وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة ".» ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبيدة عن هشام مختصرا.
وفي رواية البخاري له عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكره. وزاد بعد شعر بلال، ثم يقول: «اللهم العن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا إلى أرض الوباء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعها، وفي مدها، وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة ".» وقدمنا إلى المدينة وهي أوبأ أرض الله، وكان بطحان يجري نجلا. يعني ماء آجنا.
وقال زياد، عن محمد بن إسحاق، حدثني هشام بن عروة وعمر بن عبد الله، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
المدينة، قدمها وهي أوبأ أرض الله، من الحمى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف الله ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم. قالت: فكان أبو بكر، وعامر بن فهيرة، وبلال; موليا أبى بكر في بيت واحد، فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك، فدنوت من أبي بكر، فقلت: كيف تجدك يا أبه؟ فقال:
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
قالت: والله ما يدري أبى ما يقول. قالت: ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ قال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مجاهد بطوقه ... كالثور يحمي جلده بروقه
قالت: فقلت: والله ما يدري عامر ما يقول. قالت: وكان بلال إذا أدركته الحمى اضطجع بفناء البيت، ثم رفع عقيرته فقال:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بفخ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت منهم، وقلت: إنهم ليهذون، وما يعقلون من شدة الحمى. فقال: " اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها، وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة ".» ومهيعة هي الجحفة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، ثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي بكر بن إسحاق بن يسار، عن عبد الله بن عروة، عن عروة، عن عائشة، قالت: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة اشتكى أصحابه، واشتكى أبو بكر، وعامر بن فهيرة، مولى أبي بكر، وبلال، فاستأذنت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادتهم، فأذن لها، فقالت: لأبي بكر: كيف تجدك فقال:
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وسألت عامرا فقال:
إني وجدت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه
وسألت بلالا فقال:
يا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بفخ وحولي إذخر وجليل
فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فنظر إلى السماء، وقال: " اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعها، وفي مدها، وانقل وباءها إلى مهيعة ".» وهي الجحفة فيما زعموا. وكذا رواه النسائي، عن قتيبة، عن الليث به. ورواه الإمام أحمد، من طريق عبد الرحمن بن الحارث عنها مثله.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهي أوبأ أرض الله، وواديها بطحان نجل.» قال هشام: وكان وباؤها معروفا في الجاهلية، وكان إذا كان الوادي وبيئا، فأشرف عليه الإنسان، قيل له أن ينهق نهيق الحمار; فإذا فعل ذلك لم يضره وباء ذلك الوادي، وقد قال الشاعر حين أشرف على المدينة:
لعمري لئن عشرت من خيفة الردى ... نهيق الحمار إنني لجزوع
وروى البخاري، من حديث موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة - وهي الجحفة - فأولت أن وباء المدينة نقل إليها:.» هذا لفظ البخاري، ولم يخرجه مسلم. ورواه الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه من حديث موسى بن عقبة.
وقد روى حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن عائشة، قالت: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهي وبيئة.» فذكر الحديث بطوله إلى قوله: «وانقل حماها إلى الجحفة ".» قال هشام: فكان المولود يولد بالجحفة، فلا يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى. رواه البيهقي في " دلائل النبوة ". وقال يونس، عن ابن إسحاق، «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهي وبيئة، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم حتى أجهدهم ذلك، وصرف الله ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم» .
وقد ثبت في " الصحيحين " عن ابن عباس، قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه - صبيحة رابعة يعني مكة - عام عمرة القضاء، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد قد وهنهم حمى يثرب. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا، وأن يمشوا ما بين الركنين.» ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.
قلت: وعمرة القضاء كانت في سنة سبع في ذي القعدة، فإما أن يكون تأخر دعاؤه عليه الصلاة والسلام بنقل الوباء إلى قريب من ذلك، أو أنه رفع وبقي آثار منه قليل، أو أنهم بقوا في خمار ما كان أصابهم من ذلك إلى تلك المدة. والله أعلم.
وقال زياد، عن ابن إسحاق، وذكر ابن شهاب الزهري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة هو وأصحابه، أصابتهم حمى المدينة، حتى جهدوا مرضا، وصرف الله ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى كانوا ما يصلون إلا وهم قعود. قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يصلون كذلك، فقال لهم: " اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم ".» فتجشم المسلمون القيام، على ما بهم من الضعف والسقم; التماس الفضل.
** [فصل في عقده عليه السلام الألفة بين المهاجرين والأنصار] بالكتاب الذي أمر به فكتب بينهم، والمؤاخاة التي أمرهم بها وقررهم عليها، وموادعته اليهود الذين كانوا بالمدينة **
وكان بها من أحياء اليهود بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وكان نزولهم بالحجاز قبل الأنصار أيام بخت نصر، حين دوخ بلاد المقدس، فيما ذكره الطبري، ثم لما كان سيل العرم وتفرقت سبأ شذر مذر، نزل الأوس والخزرج المدينة عند اليهود، فحالفوهم وصاروا يتشبهون بهم; لما يرون لهم عليهم من الفضل في العلم المأثور عن الأنبياء، لكن من الله على هؤلاء، الذين كانوا مشركين بالهدى والإسلام، وخذل أولئك; لحسدهم، وبغيهم، واستكبارهم عن اتباع الحق.
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان ثنا، حماد بن سلمة، ثنا عاصم الأحول، عن أنس بن مالك، قال: «حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك»
وقد رواه الإمام أحمد أيضا، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، من طرق متعددة عن عاصم بن سليمان الأحول، عن أنس بن مالك، قال: «حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داري.»
وقال الإمام أحمد: حدثنا نصر بن باب، عن حجاج، هو ابن أرطاة. قال: وحدثنا سريج، ثنا عباد، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم «كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم، وأن يفدوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين»
قال أحمد: وحدثنا سريج، ثنا عباد، عن حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس مثله. تفرد به الإمام أحمد. وفي " صحيح مسلم " عن جابر، قال: «كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل بطن عقوله.»
وقال محمد بن إسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط
عليهم وشرط لهم: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي، بين المؤمنين والمسلمين، من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط، وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ". ثم ذكر كل بطن من بطون الأنصار، وأهل كل دار; بني ساعدة، وبني جشم، وبني النجار، وبني عمرو بن عوف، وبني النبيت، إلى أن قال: " وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء وعقل، ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، أو إثم أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعهم ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة; غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة ; لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم، وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا، وإن المؤمنين يبيء بعضهم بعضا بما نال
دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة، فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وإنه من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين; لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن ليهود بني النجار، وبني الحارث، وبني ساعدة، وبني جشم، وبني الأوس، وبني ثعلبة وجفنة، وبني الشطيبة، مثل ما ليهود بني عوف، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم، ولا ينحجز على ثأر جرح، وإنه من فتك، فبنفسه فتك وأهل بيته، إلا من ظلم وإن الله على أبر هذا،
وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك، فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين; على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جار لمن بر واتقى ".» كذا أورده ابن إسحاق بنحوه، وقد تكلم عليه أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله، في كتاب " الغريب " وغيره بما يطول ذكره.
** [فصل في مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار] **
كما قال تعالى: {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] وقال تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا} [النساء: 33]
قال البخاري: حدثنا الصلت بن محمد، ثنا أبو أسامة، عن إدريس، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: « {ولكل جعلنا موالي} [النساء: 33] قال: ورثة {والذين عقدت أيمانكم} [النساء: 33] كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت {ولكل جعلنا موالي} [النساء: 33] نسخت ثم قال {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث، ويوصى له» .
وقال الإمام أحمد: قرئ على سفيان: سمعت عاصما، عن أنس، قال: «حالف النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا قال سفيان: كأنه يقول: آخى» .
وقال محمد بن إسحاق: وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال فيما بلغنا، ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل: «تآخوا في الله أخوين أخوين ". ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب، فقال: هذا أخي.» فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد. وعلي بن أبي طالب أخوين، وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله، وأسد رسوله، وعم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخوين، وإليه أوصى حمزة يوم أحد، وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين ومعاذ بن جبل أخوين. قال ابن هشام: كان جعفر يومئذ غائبا بأرض الحبشة.
قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر وخارجة بن زيد الخزرجي أخوين، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين، وأبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوين، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين والزبير بن العوام
وسلمة بن سلامة بن وقش أخوين، ويقال: بل كان الزبير وعبد الله بن مسعود أخوين، وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت بن المنذر النجاري أخوين، وطلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك أخوين، وسعيد بن زيد وأبي بن كعب أخوين، ومصعب بن عمير وأبو أيوب أخوين، وأبو حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر أخوين، وعمار وحذيفة بن اليمان العبسي حليف عبد الأشهل أخوين، ويقال: بل كان عمار وثابت بن قيس بن شماس أخوين.
قلت: وهذا أنسب من وجهين.
قال: وأبو ذر برير بن جنادة والمنذر بن عمرو المعنق ليموت أخوين، وحاطب بن أبي بلتعة وعويم بن ساعدة أخوين، وسلمان وأبو الدرداء أخوين، وبلال وأبو رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي ثم أحد الفزع أخوين. قال: فهؤلاء ممن سمي لنا ممن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم من أصحابه، رضي الله عنهم.
قلت: وفي بعض ما ذكره نظر، أما مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم وعلي، فإن من
العلماء من ينكر ذلك ويمنع صحته، ومستنده في ذلك أن هذه المؤاخاة إنما شرعت لأجل ارتفاق بعضهم من بعض، وليتألف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لأحد منهم، ولا مهاجري لمهاجري آخر، كما ذكره من مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة، اللهم إلا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل مصلحة علي إلى غيره، فإنه كان ممن ينفق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من صغره في حياة أبيه أبي طالب، كما تقدم عن مجاهد وغيره. وكذلك يكون حمزة قد التزم بمصالح مولاهم زيد بن حارثة فآخاه بهذا الاعتبار. والله أعلم.
وهكذا ذكره لمؤاخاة جعفر ومعاذ بن جبل فيه نظر، كما أشار إليه عبد الملك بن هشام; فإن جعفر بن أبي طالب إنما قدم في فتح خيبر في أول سنة سبع كما سيأتي بيانه، فكيف يؤاخي بينه وبين معاذ بن جبل أول مقدمه عليه السلام إلى المدينة، اللهم إلا أن يقال: أنه أرصد لأخوته إذا قدم حين يقدم.
وقوله: وكان أبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوين: مخالف لما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، ثنا ثابت، عن أنس بن مالك، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة.» وكذا رواه مسلم منفردا به، عن حجاج بن الشاعر، عن عبد الصمد بن عبد الوارث،
به. وهذا أصح مما ذكره ابن إسحاق من مؤاخاة أبي عبيدة وسعد بن معاذ. والله أعلم.
وقال البخاري: باب كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، وقال عبد الرحمن بن عوف: «آخى النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع لما قدمنا المدينة.» وقال أبو جحيفة: «آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء رضي الله عنهما» . حدثنا محمد بن يوسف، ثنا سفيان، عن حميد، عن أنس، قال: «قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق. فربح شيئا من أقط وسمن، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مهيم يا عبد الرحمن؟ " قال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار. قال: " فما سقت فيها؟ " قال: وزن نواة من ذهب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أولم ولو بشاة ".» تفرد به من هذا الوجه. وقد رواه أيضا في مواضع أخر، ومسلم من طرق عن حميد به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد، ثنا ثابت وحميد، عن
أنس، «أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة، فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال له سعد: أي أخي، أنا أكثر أهل المدينة مالا; فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق. فدلوه فذهب فاشترى وباع فربح، فجاء بشيء من أقط وسمن، ثم لبث ما شاء الله أن يلبث، فجاء وعليه ردع زعفران، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مهيم؟ " فقال: يا رسول الله، تزوجت امرأة. قال: " ما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب. قال: أولم ولو بشاة. قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب ذهبا وفضة»
وتعليق البخاري هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عوف غريب; فإنه لا يعرف مسندا إلا عن أنس، اللهم إلا أن يكون أنس تلقاه عنه. فالله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا حميد، عن أنس، قال: «قال المهاجرون: يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في
قليل، ولا أحسن بذلا من كثير، لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: " لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله لهم ".» هذا حديث ثلاثي الإسناد على شرط " الصحيحين "، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه، وهو ثابت في الصحيح من وجه آخر.
وقال البخاري: أخبرنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: «قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: " لا ". قالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا.» تفرد به. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: " إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم ". فقالوا: أموالنا بيننا قطائع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو غير ذلك؟ ". قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: " هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر ". قالوا: نعم» . وقد ذكرنا ما ورد من الأحاديث
والآثار في فضائل الأنصار وحسن سجاياهم عند قوله تعالى: {والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلهم} [الحشر: 9] الآية.
** [فصل في موت أبي أمامة أسعد بن زرارة] **
بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة على قومه بني النجار، وقد شهد العقبات الثلاث، وكان أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية في قول، وكان شابا، وهو أول من جمع بالمدينة في نقيع الخضمات في هزم النبيت كما تقدم.
قال محمد بن إسحاق: وهلك في تلك الأشهر أبو أمامة أسعد بن زرارة، والمسجد يبنى، أخذته الذبحة أو الشهقة. وقال ابن جرير في " التاريخ ": أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة في الشوكة» . رجاله ثقات.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب; يقولون: لو كان نبيا لم يمت صاحبه. ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا» . وهذا يقتضي أنه أول من مات بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم. وقد زعم أبو الحسن ابن الأثير في " أسد الغابة ": أنه مات في شوال بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم بسبعة أشهر. فالله أعلم.
وذكر محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، «أن بني النجار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم لهم نقيبا بعد أبي أمامة أسعد بن زرارة، فقال: " أنتم أخوالي، وأنا بما فيكم وأنا نقيبكم ".» وكره أن يخص بها بعضهم دون بعض. فكان من فضل بني النجار الذي يعتدون به على قومهم، أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبهم. قال ابن الأثير: وهذا يرد قول أبي نعيم وابن منده، في قولهما: إن أسعد بن زرارة كان نقيبا على بني ساعدة. إنما كان على بني النجار. وصدق ابن الأثير فيما قال. وقد قال أبو جعفر بن جرير في " التاريخ ": كان أول من توفي بعد مقدمه عليه السلام المدينة من المسلمين - فيما ذكر - صاحب منزله كلثوم بن الهدم، لم يلبث بعد مقدمه إلا يسيرا حتى مات، ثم توفي بعده أسعد بن زرارة، وكانت وفاته في سنة مقدمه قبل أن يفرغ بناء المسجد بالذبحة أو الشهقة.
قلت: وكلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، وهو من بني عمرو بن عوف، وكان شيخا كبيرا أسلم قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل بقباء، نزل في منزل هذا في الليل، وكان يتحدث بالنهار مع أصحابه في منزل سعد بن الربيع رضي الله عنهما إلى أن ارتحل إلى دار بني النجار كما تقدم. قال ابن الأثير: وقد قيل: إنه أول من مات من المسلمين بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعده أسعد بن زرارة. ذكره الطبري.
** [فصل في ميلاد عبد الله بن الزبير] **
فصل:
في ميلاد عبد الله بن الزبير في شوال سنة الهجرة، فكان أول مولود ولد في الإسلام من المهاجرين، كما أن النعمان بن بشير أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة رضي الله عنهما. وقد زعم بعضهم أن ابن الزبير ولد بعد الهجرة بعشرين شهرا. قاله أبو الأسود. ورواه الواقدي، عن محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، عن جده، وزعموا أن النعمان ولد قبل الزبير بستة أشهر، على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة. والصحيح ما قدمناه.
قال البخاري: حدثنا زكريا بن يحيى، ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء، «أنها حملت بعبد الله بن الزبير، قالت: فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة، فنزلت بقباء فولدته بقباء، ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه، ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حنكه بتمرة، ثم دعا له وبرك عليه» . وكان أول مولود ولد في الإسلام. تابعه خالد بن مخلد عن علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء، أنها هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى.
حدثنا قتيبة، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «أول مولود ولد في الإسلام عبد الله بن الزبير، أتوا به النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم تمرة فلاكها، ثم أدخلها في فيه، فأول ما دخل بطنه ريق النبي صلى الله عليه وسلم» . فهذا حجة على الواقدي وغيره; لأنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مع عبد الله بن أريقط - لما رجع إلى مكة - زيد بن حارثة وأبا رافع; ليأتوا بعياله وعيال أبي بكر، فقدموا بهم أثر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأسماء حامل متم أي مقرب، قد دنا وضعها لولدها، فلما ولدته كبر المسلمون تكبيرة عظيمة; فرحا بمولده، لأنه كان قد بلغهم عن اليهود أنهم سحروهم، حتى لا يولد لهم بعد هجرتهم ولد، فأكذب الله اليهود فيما زعموا.
** [فصل: وبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة في شوال من هذه السنة] **
فصل
وبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة في شوال من هذه السنة.
قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى عنده مني؟ وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال» ورواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طرق عن سفيان الثوري به. وقال الترمذي: حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث سفيان الثوري
فعلى هذا يكون دخوله بها، عليه الصلاة والسلام بعد الهجرة بسبعة أشهر أو ثمانية أشهر. وقد حكى القولين ابن جرير، وقد تقدم في تزويجه عليه الصلاة والسلام بسودة كيفية تزويجه ودخوله بعائشة، بعد ما قدموا المدينة وأن دخوله بها كان بالسنح نهارا. وهذا خلاف ما يعتاده الناس اليوم. وفي دخوله عليه الصلاة والسلام بها في شوال، رد لما يتوهمه بعض الناس من كراهية الدخول بين العيدين خشية المفارقة بين
الزوجين، وهذا ليس بشيء; لما قالته عائشة، رادة على من توهمه من الناس في ذلك الوقت: تزوجني في شوال، وبنى بي - أي دخل بي - في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده مني. فدل هذا على أنها فهمت منه عليه الصلاة والسلام، أنها أحب نسائه إليه، وهذا الفهم منها صحيح لما دل على ذلك من الدلائل الواضحة، ولو لم يكن إلا الحديث الثابت في " صحيح البخاري " «عن عمرو بن العاص، قلت: يا رسول الله، أي الناس أحب إليك؟ قال: " عائشة ". قلت: من الرجال؟ قال: " أبوها ".»
** [فصل في زيادة صلاة الحضر ركعتين] **
فصل
قال ابن جرير: وفي هذه السنة - يعني السنة الأولى من الهجرة - زيد في صلاة الحضر فيما قيل، ركعتان، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين، وذلك بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر، في ربيع الآخر لمضي اثنتي عشرة ليلة منه. وقال: وزعم الواقدي أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه.
قلت: قد تقدم الحديث الذي رواه البخاري، من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: «فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر» . وروي من طريق الشعبي، عن مسروق، عنها.
وقد حكى البيهقي عن الحسن البصري، أن صلاة الحضر أول ما فرضت، فرضت أربعا. والله أعلم. وقد تكلمنا على ذلك في تفسير سورة النساء عند قوله تعالى {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} [النساء: 101] الآية.
** [فصل في الأذان ومشروعيته] عند مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة النبوية **
قال ابن إسحاق: «فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين، واجتمع أمر الأنصار، استحكم أمر الإسلام، فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصيام، وقامت الحدود، وفرض الحلال والحرام، وتبوأ الإسلام بين أظهرهم، وكان هذا الحي من الأنصار هم الذين تبوءوا الدار والإيمان، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمها، إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل بوقا كبوق يهود الذي يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس فنحت ليضرب به للمسلمين للصلاة، فبينا هم على ذلك، رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه أخو بلحارث بن الخزرج النداء، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنه طاف بي هذه الليلة طائف، مر بي رجل عليه ثوبان أخضران، يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع هذا الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: ألا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا
الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها; فإنه أندى صوتا منك ". فلما أذن بها بلال سمعه عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه، وهو يقول: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق، لقد رأيت مثل الذي رأى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلله الحمد ".»
قال ابن إسحاق: فحدثني بهذا الحديث محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، عن أبيه.
وقد روى هذا الحديث أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة، من طرق عن محمد بن إسحاق به. وصححه الترمذي، وابن خزيمة وغيرهما. وعند أبي داود أنه علمه الإقامة، قال: «ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة،
الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.» وقد روى ابن ماجه، هذا الحديث عن أبي عبيد محمد بن عبيد بن ميمون، عن محمد بن سلمة الحراني، عن ابن إسحاق كما تقدم. ثم قال: قال أبو عبيد: وأخبرني أبو بكر الحكمي، أن عبد الله بن زيد الأنصاري، قال في ذلك:
أحمد الله ذا الجلال وذا الإ ... كرام حمدا على الأذان كثيرا
إذ أتاني به البشير من الله ... فأكرم به لدي بشيرا
في ليال والى بهن ثلاث ... كلما جاء زادني توقيرا
قلت: وهذا الشعر غريب، وهو يقتضي أنه رأى ذلك ثلاث ليال حتى أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله أعلم.
ورواه الإمام أحمد: من حديث محمد بن إسحاق. قال: وذكر الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن زيد به، نحو رواية ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يذكر الشعر.
وقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي، ثنا أبي،
عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار الناس لما يهمهم إلى الصلاة، فذكروا البوق فكرهه من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوس، فكرهه من أجل النصارى، فأري النداء تلك الليلة رجل من الأنصار يقال له: عبد الله بن زيد. وعمر بن الخطاب، فطرق الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن به» . قال الزهري: «وزاد بلال في نداء صلاة الغداة: الصلاة خير من النوم. مرتين فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: يا رسول الله، رأيت مثل الذي رأى، ولكنه سبقني.» وسيأتي تحرير هذا الفصل في باب الأذان من كتاب " الأحكام الكبير " إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
فأما الحديث الذي أورده السهيلي بسنده، من طريق البزار، حدثنا محمد بن عثمان بن مخلد، ثنا أبي، عن زياد بن المنذر، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب، فذكر حديث الإسراء، وفيه فخرج ملك من وراء الحجاب فأذن بهذا الأذان، وكلما قال كلمة صدقه الله تعالى، ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه، فأم بأهل السماء، وفيهم آدم ونوح، ثم قال السهيلي: وأخلق بهذا الحديث أن يكون صحيحا; لما يعضده ويشاكله من حديث الإسراء. فهذا الحديث ليس كما زعم السهيلي أنه صحيح، بل هو منكر، تفرد به زياد بن المنذر أبو الجارود الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية، وهو من المتهمين. ثم لو كان هذا قد سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، لأوشك أن يأمر به بعد
الهجرة في الدعوة إلى الصلاة. والله أعلم.
قال ابن هشام: وذكر ابن جريج، قال: قال لي عطاء: سمعت عبيد بن عمير، يقول: «ائتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالناقوس للاجتماع للصلاة، فبينا عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس، إذ رأى عمر في المنام: لا تجعلوا الناقوس، بل أذنوا للصلاة. فذهب عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبره بما رأى، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بذلك فما راع عمر إلا بلال يؤذن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره بذلك: " قد سبقك بذلك الوحي ".» وهذا يدل على أنه قد جاء الوحي بتقرير ما رآه عبد الله بن زيد بن عبد ربه، كما صرح به بعضهم. والله تعالى أعلم.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن امرأة من بني النجار، قالت: «كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن عليه للفجر كل غداة فيأتي بسحر، فيجلس على البيت ينتظر الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك. قالت: ثم يؤذن. قالت: والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة يعني هذه الكلمات.» ورواه أبو داود من حديثه منفردا به.
** [فصل في سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه] **
قال ابن جرير: وزعم الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد في هذه السنة، في شهر رمضان، على رأس سبعة أشهر من مهاجره، لحمزة بن عبد المطلب لواء أبيض في ثلاثين رجلا من المهاجرين; ليعترض لعيرات قريش، وأن حمزة لقي أبا جهل في ثلاثمائة رجل من قريش، فحجز بينهم مجدي بن عمرو، ولم يكن بينهم قتال. قال: وكان الذي يحمل لواء حمزة، أبو مرثد الغنوي.
** [فصل في سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب] **
قال ابن جرير: وزعم الواقدي أيضا، أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد في هذه السنة على رأس ثمانية أشهر في شوال لعبيدة بن الحارث لواء أبيض، وأمره بالمسير إلى بطن رابغ، وكان لواؤه مع مسطح بن أثاثة، فبلغ ثنية المرة، وهي بناحية الجحفة في ستين من المهاجرين، ليس فيهم أنصاري، وأنهم التقوا هم والمشركون على ماء يقال له: أحياء. وكان بينهم الرمي دون المسايفة. فقال الواقدي: وكان المشركون مائتين عليهم أبو سفيان صخر بن حرب. وهو المثبت عندنا. وقيل: كان عليهم مكرز بن حفص.
** [فصل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء لسعد بن أبي وقاص] **
فصل
قال الواقدي: وفيها - يعني في السنة الأولى في ذي القعدة - عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص إلى الخرار لواء أبيض يحمله المقداد بن الأسود، فحدثني أبو بكر بن إسماعيل، عن أبيه، «عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: خرجت في عشرين رجلا على أقدامنا - أو قال: أحد وعشرين رجلا - فكنا نكمن النهار ونسير الليل، حتى صبحنا الخرار صبح خامسة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلي أن لا أجاوز الخرار، وكانت العير قد سبقتني قبل ذلك بيوم،» قال الواقدي: كانت العير ستين، وكان من مع سعد كلهم من المهاجرين. قال أبو جعفر بن جرير: وعند ابن إسحاق، أن هذه السرايا الثلاث - التي ذكرها الواقدي - كلها في السنة الثانية من الهجرة من وقت التاريخ.
قلت: كلام ابن إسحاق ليس بصريح - فيما قاله أبو جعفر، لمن تأمله - كما سنورده في أول كتاب المغازي، في أول السنة الثانية من الهجرة،
وذلك تلو ما نحن فيه إن شاء الله، إذ يحتمل أن يكون مراده أنها وقعت هذه السرايا في السنة الأولى، وسنزيدها بسطا وشرحا إذا انتهينا إليها، إن شاء الله تعالى. والواقدي عنده زيادات حسنة وتاريخ محرر غالبا; فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار وهو صدوق في نفسه مكثار، كما بسطنا القول في عدالته وجرحه في كتابنا الموسوم ب " التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل ". ولله الحمد والمنة.
** [فصل في أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة] **
فصل
وممن ولد في هذه السنة المباركة - وهي الأولى من الهجرة - عبد الله بن الزبير، فكان أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة، كما رواه البخاري، عن أمه أسماء، وخالته عائشة أم المؤمنين، ابنتي الصديق رضي الله عنهما، ومن الناس من يقول: ولد النعمان بن بشير قبله بستة أشهر. فعلى هذا يكون ابن الزبير أول مولود ولد بعد الهجرة من المهاجرين. ومن الناس من يقول: إنهما ولدا في السنة الثانية من الهجرة.
والظاهر الأول كما قدمنا بيانه، ولله الحمد والمنة وسنشير في آخر السنة الثانية إلى القول الثاني، إن شاء الله تعالى.
قال ابن جرير: وقد قيل: إن المختار بن أبي عبيد، وزياد بن سمية ولدا في هذه السنة الأولى. فالله أعلم.
وممن توفي في هذه السنة الأولى من الصحابة، كلثوم بن الهدم الأوسي، الذي نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسكنه بقباء، إلى حين ارتحل منها إلى دار بني النجار، كما تقدم، وبعده فيها أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار، توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبني المسجد، كما تقدم، رضي الله عنهما وأرضاهما.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة - يعني الأولى من الهجرة - مات أبو أحيحة بماله بالطائف، ومات الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي فيها بمكة.
قلت: وهؤلاء ماتوا على شركهم، لم يسلموا لله عز وجل.