Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[كتاب مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر شيء من البشارات بذلك] — تتمة ٥
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 38 of 840
قال ابن إسحاق: وحدثني معبد بن كعب، عن أخيه عبد الله، عن أبيه كعب بن مالك، قال: «فكان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور، ثم بايع القوم.»
وقال ابن الأثير في " أسد الغابة ": وبنو سلمة يزعمون أن أول من بايعه ليلتئذ كعب بن مالك. وقد ثبت في " صحيح " البخاري ومسلم من حديث الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن أبيه، عن كعب بن مالك في حديثه حين تخلف عن غزوة تبوك قال «ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها»
وقال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا عمرو بن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي، قال: «انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العباس عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة، فقال: " ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة; فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم ". فقال قائلهم، وهو أبو أمامة: سل يا محمد لربك ما شئت، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك. قال:
" أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم ". قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: " لكم الجنة ". قالوا: فلك ذلك.» ثم رواه حنبل، عن الإمام أحمد، عن يحيى بن زكريا، عن مجالد، عن الشعبي، عن أبي مسعود الأنصاري، فذكره قال: وكان أبو مسعود أصغرهم.
وقال أحمد، عن يحيى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: فما سمع الشيب والشبان خطبة مثلها.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمد بن محمش، أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الفضل الفحام، أخبرنا محمد بن يحيى الذهلي، أخبرنا عمرو بن عثمان الرقي، حدثنا زهير، ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد الله بن رفاعة، عن أبيه، قال: «قدمت روايا خمر فأتاها عبادة بن الصامت، فخرقها، وقال: إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب، بما نمنع به أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنة، فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بايعناه عليها» وهذا إسناد
جيد قوي، ولم يخرجوه. وقد روى يونس، عن ابن إسحاق، حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده عبادة بن الصامت، قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم.»
قال ابن إسحاق في حديثه: عن معبد بن كعب، عن أخيه عبد الله، عن كعب بن مالك، قال: «فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب - والجباجب: المنازل - هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب ". قال ابن هشام: ويقال ابن أزيب - " أتسمع أي عدو الله؟ أما والله لأتفرغن لك ". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارفضوا إلى رحالكم ". قال: فقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم ". قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا فيها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا، تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون: ما كان من هذا شيء وما علمناه. قال: وصدقوا، لم يعلموا. قال: وبعضنا ينظر إلى بعض. قال: ثم قام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، وعليه نعلان له جديدان. قال: فقلت له كلمة، كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر، أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من سادتنا، مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ قال: فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه، ثم رمى بهما إلي، قال: والله لتنتعلنهما. قال: يقول أبو جابر: مه، أحفظت والله الفتى، فاردد إليه نعليه. قال: قلت: والله لا أردهما، فأل والله صالح، لئن صدق الفأل لأسلبنه.»
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، أنهم أتوا عبد الله بن أبي ابن سلول فقالوا مثل ما ذكر كعب من القول. فقال لهم: إن هذا الأمر
جسيم، ما كان قومي ليتفرقوا على مثل هذا، وما علمته كان. قال: فانصرفوا عنه. قال: ونفر الناس من منى فتنطس القوم الخبر، فوجدوه قد كان، فخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وكلاهما كان نقيبا، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته، وكان ذا شعر كثير، قال سعد: فوالله إني لفي أيديهم، إذ طلع علي نفر من قريش، فيهم رجل وضيء أبيض شعشاع حلو من الرجال، فقلت في نفسي: إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا. فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة، فقلت في نفسي: لا والله، ما عندهم بعد هذا من خير. قال: فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني، إذ أوى لي رجل ممن معهم، فقال: ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ قال: قلت: بلى والله، لقد كنت أجير لجبير بن مطعم تجاره، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي، وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس. فقال: ويحك! فاهتف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما. قال: ففعلت وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ليهتف بكما.
قالا: ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة قالا: صدق والله إن كان ليجير لنا تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده. قال: فجاء فخلصا سعدا من أيديهم، فانطلق وكان الذي لكم سعدا سهيل بن عمرو
قال ابن هشام: وكان الذي أوى له أبو البختري بن هشام.
وروى البيهقي بسنده عن عبد الحميد بن أبي عبس بن جبر، عن أبيه، قال: سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس:
فإن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف المخالف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان: من السعدان؟ أسعد بن بكر، أم سعد بن هذيم؟ فلما كانت الليلة الثانية سمعوا قائلا يقول:
أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات رفارف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة.
** [فصل فيما كان من الأنصار بعد بيعة العقبة الثانية] **
فصل
قال ابن إسحاق: فلما رجع الأنصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية إلى المدينة، أظهروا الإسلام بها، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم، على دينهم من الشرك، منهم عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، وكان ابنه معاذ بن عمرو ممن شهد العقبة، وكان عمرو بن الجموح من سادات بني سلمة وأشرافهم، وكان قد اتخذ صنما من خشب في داره، يقال له: مناة كما كانت الأشراف يصنعون، يتخذه إلها يعظمه ويطهره، فلما أسلم فتيان بني سلمة; ابنه معاذ، ومعاذ بن جبل كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة، وفيها عذر الناس منكسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه، ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل هذا بك، لأخزينه. فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه، ففعلوا مثل ذلك، فيغدوا فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطهره ويطيبه، ثم يعدون عليه إذا أمسى، فيفعلون به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث القوه يوما فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال له: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما أرى، فإن كان فيك خير فامتنع، فهذا السيف معك. فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به
بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر من عذر الناس، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به، فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت، فلما رآه أبصر شأنه، وكلمه من أسلم من قومه، فأسلم برحمة الله وحسن إسلامه، فقال حين أسلم، وعرف من الله ما عرف، وهو يذكر صنمه ذلك، وما أبصر من أمره، ويشكر الله الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة:
والله لو كنت إلها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن
أف لملقاك إلها مستدن ... الآن فتشناك عن سوء الغبن
الحمد لله العلي ذي المنن ... الواهب الرزاق ديان الدين
هو الذي أنقذني من قبل أن ... أكون في ظلمة قبر مرتهن
** [فصل في أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية] **
فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية
وجملتهم على ما ذكره ابن إسحاق ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان، فمن الأوس أحد عشر رجلا; أسيد بن حضير أحد النقباء، وأبو الهيثم بن التيهان، بدري أيضا، وسلمة بن سلامة بن وقش، بدري أيضا، وظهير بن رافع، وأبو بردة بن نيار، بدري، ونهير بن الهيثم بن نابي بن مجدعة بن حارثة، وسعد بن خيثمة أحد النقباء، بدري، وقتل بها شهيدا، ورفاعة بن عبد المنذر بن زنبر، نقيب بدري، وعبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البرك، بدري، وقتل يوم أحد شهيدا أميرا على الرماة، ومعن بن عدي بن الجد بن عجلان بن الحارث بن ضبيعة البلوي، حليف للأوس شهد بدرا وما بعدها، وقتل باليمامة شهيدا، وعويم بن ساعدة، شهد بدرا وما بعدها، ومن الخزرج اثنان وستون رجلا; أبو أيوب خالد بن زيد، وشهد بدرا وما بعدها، ومات بأرض الروم زمن معاوية شهيدا، ومعاذ بن الحارث، وأخواه عوف ومعوذ، وهم بنو عفراء، بدريون، وعمارة بن حزم، شهد بدرا وما بعدها، وقتل باليمامة، وأسعد بن زرارة أبو أمامة أحد النقباء، مات قبل بدر، وسهل بن
عتيك بدري، وأوس بن ثابت بن المنذر، بدري، وأبو طلحة زيد بن سهل، بدري، وقيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن، كان أميرا على الساقة يوم بدر، وعمرو بن غزية، وسعد بن الربيع أحد النقباء، شهد بدرا وقتل يوم أحد، وخارجة بن زيد، شهد بدرا وقتل يوم أحد، وعبد الله بن رواحة أحد النقباء شهد بدرا وأحدا والخندق وقتل يوم مؤتة أميرا، وبشير بن سعد، بدري، وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، الذي أري النداء، وهو بدري، وخلاد بن سويد، بدري أحدي خندقي، وقتل يوم بني قريظة شهيدا، طرحت عليه رحى فشدخته، فيقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن له لأجر شهيدين ".» وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدري، - قال ابن إسحاق: وهو أحدث من شهد العقبة سنا ولم يشهد بدرا - وزياد بن لبيد، بدري، وفروة بن عمرو بن ودفة، بدري، وخالد بن قيس بن مالك، بدري، ورافع بن مالك أحد النقباء، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن رزيق وهو الذي يقال له: مهاجري أنصاري لأنه أقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حتى هاجر منها وهو بدري قتل يوم أحد وعباد بن قيس بن عامر بن خالد بن عامر بن رزيق، بدري، وأخوه الحارث بن قيس بن عامر، بدري أيضا، والبراء بن معرور،
أحد النقباء، وأول من بايع فيما تزعم بنو سلمة، وقد مات قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وأوصى له بثلث ماله، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم على ورثته، وابنه بشر بن البراء، وقد شهد بدرا وأحدا والخندق، ومات بخيبر شهيدا من أكله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الشاة المسمومة رضي الله عنه، وسنان بن صيفي بن صخر، بدري، والطفيل بن النعمان بن خنساء، بدري، قتل يوم الخندق، ومعقل بن المنذر بن سرح، بدري، وأخوه يزيد بن المنذر، بدري، ومسعود بن زيد بن سبيع، والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة، بدري، ويزيد بن خذام بن سبيع، وجبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان بن عبيد، بدري، والطفيل بن مالك بن خنساء، بدري، وكعب بن مالك، وسليم بن عمرو بن حديدة، بدري، وقطبة بن عامر بن حديدة، بدري، وأخوه أبو المنذر يزيد، بدري أيضا، وأبو اليسر كعب بن عمرو، بدري، وصيفي بن سواد بن عباد، وثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابي، بدري واستشهد بالخندق، وأخوه عمرو بن غنمة بن عدي، وعبس بن عامر بن عدي، بدري، وخالد بن عمرو بن عدي بن نابي، وعبد الله بن أنيس، حليف لهم من قضاعة، وعبد الله بن عمرو بن حرام أحد النقباء، بدري، واستشهد يوم أحد، وابنه جابر بن عبد الله، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، بدري، وثابت بن الجذع، بدري وقتل شهيدا بالطائف، وعمير بن الحارث بن ثعلبة، بدري، وخديج بن سلامة، حليف لهم من بلي، ومعاذ بن جبل، شهد بدرا وما بعدها، ومات بطاعون عمواس في خلافة عمر بن الخطاب، وعبادة بن الصامت أحد النقباء،
شهد بدرا وما بعدها، والعباس بن عبادة بن نضلة، وقد أقام بمكة حتى هاجر منها، فكان يقال له مهاجري أنصاري أيضا، وقتل يوم أحد شهيدا، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم، حليف لهم من بلي، وعمرو بن الحارث بن لبدة، ورفاعة بن عمرو بن زيد، بدري، وعقبة بن وهب بن كلدة، حليف لهم بدري، وكان ممن خرج إلى مكة فأقام بها حتى هاجر منها، فهو ممن يقال له: مهاجري أنصاري أيضا. وسعد بن عبادة بن دليم أحد النقباء، والمنذر بن عمرو، نقيب بدري أحدي وقتل يوم بئر معونة أميرا، وهو الذي يقال له: أعنق ليموت.
وأما المرأتان; فأم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار المازنية النجارية. قال ابن إسحاق: وقد كانت شهدت الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهدت معها أختها، وزوجها زيد بن عاصم بن كعب، وابناها حبيب وعبد الله، وابنها حبيب هذا هو الذي قتله مسيلمة الكذاب، حين جعل يقول له: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فجعل يقطعه عضوا عضوا حتى مات في يديه، لا يزيده على ذلك، فكانت أم عمارة ممن خرج إلى اليمامة مع المسملين حين قتل مسيلمة، ورجعت وبها اثنا عشر جرحا، من بين طعنة وضربة رضي الله عنها وأرضاها، والأخرى
أم منيع أسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة رضي الله عنها.
** [باب بدء الهجرة من مكة إلى المدينة] **
قال الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ بمكة للمسلمين: " قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين ". فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إلى المدينة من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين.» رواه البخاري.
وقال أبو موسى، «عن النبي صلى الله عليه وسلم: " رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب ".» وهذا الحديث قد أسنده البخاري في مواضع أخر بطوله، ورواه مسلم كلاهما عن أبي كريب. زاد مسلم: وعبد الله بن براد، كلاهما عن أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة،
عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث بطوله.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إملاء، أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السياري بمرو، حدثنا إبراهيم بن هلال، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا عيسى بن عبيد الكندي عن غيلان بن عبد الله العامري، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أوحى إلي: أي هؤلاء البلاد الثلاث نزلت فهي دار هجرتك; المدينة; أو البحرين; أو قنسرين ".» قال أهل العلم: ثم عزم له على المدينة، فأمر أصحابه بالهجرة إليها. هذا حديث غريب جدا.
وقد رواه الترمذي في المناقب من " جامعه " منفردا به، عن أبي عمار الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان بن عبد الله العامري، عن أبي زرعة بن عمر بن جرير، عن جرير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إلي: أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي
دار هجرتك; المدينة، أو البحرين، أو قنسرين ".» ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل، تفرد به أبو عمار. قلت: وغيلان بن عبد الله العامري هذا، ذكره ابن حبان في " الثقات " إلا أنه قال: روى عن أبي زرعة حديثا منكرا في الهجرة. والله أعلم.
وقال ابن إسحاق: لما أذن الله تعالى في الحرب بقوله: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} [الحج: 39]
[الحج: 40، 39] الآية. فلما أذن الله في الحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام، والنصرة له، ولمن اتبعه وأوى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة، والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: «إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها ".» فخرجوا أرسالا، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة. فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش من بني مخزوم، أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم
وكانت هجرته إليها قبل بيعة العقبة بسنة، حين آذته قريش مرجعه من الحبشة، فعزم على الرجوع إليها، ثم بلغه أن بالمدينة لهم إخوانا فعزم إليها.
قال ابن إسحاق: فحدثني أبي، عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة، عن جدته أم سلمة، قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره، ثم حملني عليه، وجعل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده، وأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة، فقالوا: والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت: ففرق بيني وبين ابني وبين زوجي. قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس في الأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي - سنة أو قريبا منها - حتى مر بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها
وبين ولدها؟ قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت. قالت: فرد بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني، قالت: فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، قالت: وما معي أحد من خلق الله، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار، فقال: إلى أين يا ابنة أبي أمية؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قلت: ما معي أحد إلا الله وابني هذا. فقال: والله ما لك من مترك. فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه; كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيده في الشجر، ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني، وقال: اركبي. فإذا ركبت فاستويت على بعيري، أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلا - فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعا إلى مكة فكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة.
أسلم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري هذا بعد الحديبية، وهاجر هو وخالد بن الوليد معا، وقتل يوم أحد أبوه وإخوته; الحارث، وكلاب،
ومسافع، وعمه عثمان بن أبي طلحة، ودفع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وإلى ابن عمه شيبة، والد بني شيبة، مفاتيح الكعبة، أقرها عليهم في الإسلام كما كانت في الجاهلية. ونزل في ذلك قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] الآية.
قال ابن إسحاق: ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة، عامر بن ربيعة حليف بني عدي، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة العدوية، ثم عبد الله بن جحش بن رياب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، حليف بني أمية بن عبد شمس، احتمل بأهله وبأخيه عبد أبي أحمد - اسمه عبد كما ذكره ابن إسحاق، وقيل: ثمامة. قال السهيلي: والأول أصح - وكان أبو أحمد رجلا ضرير البصر، وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرا وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، فغلقت دار بني جحش هجرة، فمر بها عتبة بن ربيعة،
والعباس بن عبد المطلب، وأبو جهل بن هشام، وهم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة تخفق أبوابها يبابا ليس بها ساكن، فلما رآها كذلك تنفس الصعداء وقال:
وكل دار وإن طالت سلامتها ... يوما ستدركها النكباء والحوب
قال ابن هشام: وهذا البيت لأبي داود الإيادي في قصيدة له. قال السهيلي: واسم أبي داود حنظلة بن شرقي. وقيل: جارية. ثم قال عتبة: أصبحت دار بني جحش خلاء من أهلها. فقال أبو جهل: وما تبكي عليه من قل بن قل. ثم قال - يعني للعباس -: هذا من عمل ابن أخيك هذا، فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وقطع بيننا.
قال ابن إسحاق: فنزل أبو سلمة، وعامر بن ربيعة، وبنو جحش بقباء على مبشر بن عبد المنذر، ثم قدم المهاجرون أرسالا. قال: وكان بنو غنم بن دودان أهل إسلام قد أوعبوا إلى المدينة هجرة رجالهم ونساؤهم; عبد الله بن جحش، وأخوه أبو أحمد، وعكاشة بن محصن، وشجاع وعقبة ابنا
وهب، وأربد بن حميرة، ومنقذ بن نباتة، وسعيد بن رقيش، ومحرز بن نضلة، ويزيد بن رقيش، وقيس بن جابر، وعمرو بن محصن، ومالك بن عمرو، وصفوان بن عمرو، وثقف بن عمرو، وربيعة بن أكثم، والزبير بن عبيدة، وتمام بن عبيدة، وسخبرة بن عبيدة، ومحمد بن عبد الله بن جحش، ومن نسائهم زينب بنت جحش، وحمنة بنت جحش، وأم حبيب بنت جحش، وجذامة بنت جندل، وأم قيس بنت محصن، وأم حبيب بنت ثمامة، وآمنة بنت رقيش، وسخبرة بنت تميم. قال أبو أحمد بن جحش في هجرتهم إلى المدينة.
ولما رأتني أم أحمد غاديا ... بذمة من أخشى بغيب وأرهب
تقول فإما كنت لا بد فاعلا ... فيمم بنا البلدان ولتنأ يثرب
فقلت لها ما يثرب بمظنة
وما يشأ الرحمن فالعبد يركب ... إلى الله وجهي والرسول ومن يقم
إلى الله يوما وجهه لا يخيب ... فكم قد تركنا من حميم مناصح
وناصحة تبكي بدمع وتندب ... ترى أن وترا نأينا عن بلادنا
ونحن نرى أن الرغائب نطلب ... دعوت بني غنم لحقن دمائهم
وللحق لما لاح للناس ملحب ... أجابوا بحمد الله لما دعاهم
إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا ... وكنا وأصحاب لنا فارقوا الهدى
أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا ... كفوجين أما منهما فموفق
على الحق مهدي وفوج معذب ... طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم
عن الحق إبليس فخابوا وخيبوا ... ورعنا إلى قول النبي محمد
فطاب ولاة الحق منا وطيبوا ... نمت بأرحام إليهم قريبة
ولا قرب بالأرحام إذ لا تقرب ... فأي ابن أخت بعدنا يأمننكم
وأية صهر بعد صهري ترقب
ستعلم يوما أينا إذ تزيلوا ... وزيل أمر الناس للحق أصوب
قال ابن إسحاق: ثم خرج عمر بن الخطاب، وعياش بن أبي ربيعة حتى قدما المدينة، فحدثني نافع، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص التناضب، من أضاة بني غفار فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها; فقد حبس فليمض صاحباه. قال: فأصبحت أنا وعياش عند التناضب، وحبس هشام وفتن فافتتن، فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام، إلى عياش - وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما - حتى قدما المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فكلماه، وقالا له: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك فرق لها، فقلت له: إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت. قال: فقال: أبر قسم أمي ولي هنالك مال فآخذه. قال: قلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالي، ولا تذهب معهما. قال: فأبى علي إلا أن يخرج معهما، فلما أبى
إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت، فخذ ناقتي هذه; فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من أمر القوم ريب فانج عليها. فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال له أبو جهل: يا أخي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه. قال: بلى. فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه، فأوثقاه رباطا، ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن. قال عمر: فكنا نقول: لا يقبل الله ممن افتتن توبة. وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وأنزل الله: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون} [الزمر: 53]
[الزمر: 53 - 55] . قال عمر: فكتبتها بيدي، وبعثت بها إلى هشام بن العاص، قال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعد بها فيه وأصوب، ولا أفهمها حتى قلت: اللهم فهمنيها. فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا. قال: فرجعت إلى بعيري، فجلست عليه، فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة. وذكر ابن هشام أن الذي قدم بهشام بن العاص، وعياش بن أبي ربيعة إلى المدينة
الوليد بن الوليد بن المغيرة، سرقهما من مكة، وقدم بهما يحملهما على بعيره، وهو ماش معهما، فعثر فدميت أصبعه، فقال:
هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمع البراء، قال: «أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، ثم قدم علينا عمار وبلال.»
وحدثني محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت البراء بن عازب، قال: «أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، وكانا يقرئان الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فما قدم حتى قرأت {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] في سور من المفصل.» ورواه مسلم في " صحيحه " من حديث إسرائيل، عن
أبي إسحاق، عن البراء بن عازب بنحوه، وفيه التصريح بأن سعد بن أبي وقاص هاجر قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد زعم موسى بن عقبة، عن الزهري، أنه إنما هاجر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصواب ما تقدم.
قال ابن إسحاق: ولما قدم عمر بن الخطاب المدينة هو ومن لحق به من أهله وقومه وأخوه زيد بن الخطاب، وعمرو وعبد الله ابنا سراقة بن المعتمر، وخنيس بن حذافة السهمي زوج ابنته حفصة، وابن عمه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وواقد بن عبد الله التميمي حليف لهم، وخولي بن أبي خولي، ومالك بن أبي خولي حليفان لهم من بني عجل، وبنو البكير إياس، وخالد، وعاقل، وعامر، وحلفاؤهم من بني سعد بن ليث، فنزلوا على رفاعة بن عبد المنذر بن زنبر في بني عمرو بن عوف بقباء.
قال ابن إسحاق: ثم تتابع المهاجرون رضي الله عنهم، فنزل طلحة بن عبيد الله، وصهيب بن سنان على خبيب بن إساف، أخي بلحارث بن الخزرج بالسنح. ويقال: بل نزل طلحة على أسعد بن زرارة
قال ابن هشام: وذكر لي عن أبي عثمان النهدي، أنه قال: «بلغني أن صهيبا حين أراد الهجرة، قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال: فإني قد جعلت لكم مالي. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ربح صهيب، ربح صهيب»
وقد قال البيهقي: حدثنا الحافظ أبو عبد الله إملاء، أخبرنا أبو العباس إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال، أخبرنا عبدان الأهوازي، حدثنا زيد بن الحريش، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا حصين بن حذيفة بن صيفي بن صهيب، حدثني أبي وعمومتي، عن سعيد بن المسيب، عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرتين، فإما أن تكون هجر أو تكون يثرب ". قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وخرج معه أبو بكر، وكنت قد هممت معه بالخروج فصدني فتيان من قريش، فجعلت ليلتي تلك أقوم لا أقعد، فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه. ولم أكن شاكيا. فناموا فخرجت ولحقني منهم ناس بعدما
سرت بريدا ليردوني، فقلت لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقي من ذهب وتخلوا سبيلي وتوفوا لي. ففعلوا فتبعتهم إلى مكة فقلت: احفروا تحت أسكفة الباب، فإن تحتها أواقي، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين. وخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء قبل أن يتحول منها، فلما رآني قال: " يا أبا يحيى، ربح البيع ". ثلاثا. فقلت: يا رسول الله، ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبريل عليه السلام»
قال ابن إسحاق: ونزل حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو مرثد كناز بن الحصين، وابنه مرثد الغنويان حليفا حمزة، وأنسة وأبو كبشة موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلثوم بن الهدم أخي بني عمرو بن عوف بقباء، وقيل: على سعد بن خيثمة. وقيل: بل نزل حمزة على أسعد بن زرارة. والله أعلم. قال: ونزل عبيدة بن الحارث وأخواه الطفيل،
وحصين ومسطح بن أثاثة وسويبط بن سعد بن حريملة أخو بني عبد الدار، وطليب بن عمير أخو بني عبد بن قصي، وخباب مولى عتبة بن غزوان على عبد الله بن سلمة أخي بلعجلان بقباء، ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع، ونزل الزبير بن العوام، وأبو سبرة بن أبي رهم على منذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بالعصبة دار بني جحجبى، ونزل مصعب بن عمير على سعد بن معاذ، ونزل أبو حذيفة بن عتبة، وسالم مولاه على - شك ابن إسحاق وقال الأموي: على خبيب بن إساف أخي بني حارثة - ونزل عتبة بن غزوان على عباد بن بشر بن وقش في بني عبد الأشهل، ونزل عثمان بن عفان على أوس بن ثابت بن المنذر أخي حسان بن ثابت في دار بني النجار، قال ابن إسحاق ونزل العزاب من المهاجرين على سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبا. والله أعلم أي ذلك كان.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثني أحمد بن أبي بكر بن الحارث بن زرارة
بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: قدمنا من مكة فنزلنا العصبة ; عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وسالم مولى أبي حذيفة، فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة لأنه كان أكثرهم قرآنا.
** [فصل في سبب هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة] **
قال الله تعالى: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} [الإسراء: 80] أرشده الله وألهمه أن يدعو بهذا الدعاء، أن يجعل له مما هو فيه فرجا قريبا ومخرجا عاجلا، فأذن له تعالى في الهجرة إلى المدينة النبوية حيث الأنصار والأحباب، فصارت له دارا وقرارا وأهلها له أنصارا.
قال أحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه عن ابن عباس «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأمر بالهجرة وأنزل عليه: " {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} [الإسراء: 80] »
وقال قتادة أدخلني مدخل صدق المدينة وأخرجني مخرج صدق الهجرة من مكة واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا
كتاب الله وفرائضه وحدوده.
قال ابن إسحاق: وأقام رسول الله بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة إلا من حبس أو فتن، إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهما «، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فيقول له: " لا تعجل; لعل الله يجعل لك صاحبا ".» فيطمع أبو بكر أن يكونه، فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صار له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة - وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها - يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه.
قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر، عن عبد الله بن عباس، وغيره ممن لا أتهم، عن عبد الله بن عباس، قال: «لما اجتمعوا لذلك، واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة; ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، غدوا في اليوم الذي اتعدوا
له، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة، فاعترضهم إبليس، لعنه الله، في هيئة شيخ جليل عليه بت له، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفا على بابها، قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم; ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا. قالوا: أجل فادخل. فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش; عتبة، وشيبة، وأبو سفيان، وطعيمة بن عدي، وجبير بن مطعم بن عدي، والحارث بن عامر بن نوفل، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، وأبو جهل بن هشام، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وأمية بن خلف، ومن كان منهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش. فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإننا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا. قال: فتشاوروا، ثم قال قائل منهم - قيل: إنه أبو البختري بن هشام - احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله; زهيرا والنابغة ومن مضى منهم، من هذا الموت; حتى يصيبه ما أصابهم. فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون،
ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فتشاوروا، ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا، فوالله ما نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه، فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي; ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك، ما أمنت أن يحل على حي من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأيا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعها، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. قال: يقول الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي ولا رأي غيره. فتفرق القوم على ذلك، وهم مجمعون له، فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: لا
تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. قال: فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه، يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب: " نم على فراشي، وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم ". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام»
وهذه القصة التي ذكرها ابن إسحاق، قد رواها الواقدي بأسانيده عن عائشة، وابن عباس، وعلي، وسراقة بن مالك بن جعشم، وغيرهم، دخل حديث بعضهم في بعض، فذكر نحو ما تقدم.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: «لما اجتمعوا له وفيهم أبو جهل قال، وهم على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره، كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا، كان فيكم ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار، تحرقون فيها! قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: " نعم أنا أقول
ذلك، أنت أحدهم ". وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات {يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم} [يس: 1] إلى قوله {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [يس: 9] . ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمدا. فقال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون، فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده. فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي كان حدثنا.»
قال ابن إسحاق: فكان مما أنزل الله في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له، قوله تعالى {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] وقوله {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين} [الطور: 30]
[الطور: 31، 30] قال ابن إسحاق: فأذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم عند ذلك بالهجرة.
** [باب هجرة رسول الله بنفسه الكريمة من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق] **
باب هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه
وذلك أول التاريخ الإسلامي كما اتفق عليه الصحابة في الدولة العمرية، كما بيناه في " سيرة عمر " رضي الله عنه وعنهم أجمعين.
قال البخاري: حدثنا مطر بن الفضل، ثنا روح، ثنا هشام، ثنا عكرمة، عن ابن عباس، قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين. وقد كانت هجرته، عليه السلام، في شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة من بعثته عليه السلام، وذلك في يوم الاثنين» كما رواه الإمام أحمد، عن ابن عباس، أنه قال: «ولد نبيكم يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم
الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين.»
قال محمد بن إسحاق: «وكان أبو بكر حين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فقال له: " لا تعجل، لعل الله أن يجعل لك صاحبا ".» قد طمع بأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعني نفسه، فابتاع راحلتين، فحبسهما في داره يعلفهما إعدادا لذلك. قال الواقدي: اشتراهما بثمانمائة درهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين، أنها قالت: «كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا لأمر حدث. قالت: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس عند أبي بكر أحد إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخرج عني من عندك ". قال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي وما ذاك: فداك أبي وأمي؟ قال: " إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة ". قالت: فقال أبو بكر:
الصحبة يا رسول الله؟ قال: " الصحبة ". قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي. ثم قال: يا نبي الله، إن هاتين راحلتان كنت أعددتهما لهذا.» فاستأجرا عبد الله بن أرقط. قال ابن هشام ويقال: عبد الله بن أريقط. رجلا من بني الديل بن بكر، وكانت أمه من بني سهم بن عمرو، وكان مشركا - يدلهما على الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما.
قال ابن إسحاق: ولم يعلم فيما بلغني بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وآل أبي بكر، أما علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتخلف حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته. قال ابن إسحاق: فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج أتى أبا بكر بن أبي قحافة فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته.
وقد روى أبو نعيم من طريق إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال: «بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجرا إلى الله يريد المدينة،
قال: " الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا، اللهم أعني على هول الدنيا، وبوائق الدهر، ومصائب الليالي والأيام، اللهم اصحبني في سفري، واخلفني في أهلي، وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذللني، وعلى صالح خلقي فقومني، وإليك رب فحببني، وإلى الناس فلا تكلني، رب المستضعفين، وأنت ربي أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين، أن تحل علي غضبك، وتنزل بي سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك، لك العتبى عندي خير ما استطعت، لا حول ولا قوة إلا بك ".»
قال ابن إسحاق: «ثم عمدا إلى غار بثور - جبل بأسفل مكة - فدخلاه، وأمر أبو بكر الصديق ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار. فكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم، يسمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر، وكان عامر بن فهيرة يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يعفي عليه» . وسيأتي في سياق البخاري
ما يشهد لهذا.
وقد حكى ابن جرير عن بعضهم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق الصديق في الذهاب إلى غار ثور، وأمر عليا أن يدله على مسيره ليلحقه، فلحقه في أثناء الطريق» . وهذا غريب جدا، وخلاف المشهور من أنهما خرجا معا.
قال ابن إسحاق: وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما. قالت أسماء: ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا ابنة أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشا خبيثا - فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي، ثم انصرفوا.
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، أن أباه حدثه عن جدته أسماء، قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله، معه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه. قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة - وقد ذهب بصره - فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: قلت: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا. قالت: وأخذت أحجارا، فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده،
فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس إذ كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك.
وقال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم، أن الحسن بن أبي الحسن البصري قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلا، فدخل أبو بكر قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمس الغار; لينظر أفيه سبع أو حية، يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه. وهذا فيه انقطاع من طرفيه.
وقد قال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن عمرو الضبي، ثنا نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج هو وأبو بكر إلى ثور، فجعل أبو بكر يكون أمام النبي صلى الله عليه وسلم مرة، وخلفه مرة، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك، وإذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك، حتى إذا انتهى إلى الغار من ثور، قال أبو بكر: كما أنت حتى أدخل يدي فأحسه وأقصه، فإن كانت فيه دابة أصابتني قبلك. قال نافع: فبلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رجله ذلك الجحر، تخوفا أن يخرج منه دابة أو شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم.» وهذا مرسل وقد ذكرنا له شواهد أخر في سيرة الصديق رضي الله عنه.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، أنا موسى بن الحسن بن عباد، ثنا عفان بن مسلم، ثنا السري بن يحيى، ثنا محمد بن سيرين، قال: «ذكر رجال على عهد عمر، فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر، فبلغ ذلك عمر، فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة انطلق إلى الغار، ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا أبا بكر، ما لك تمشي ساعة بين يدي، وساعة خلفي ". فقال: يا رسول الله، أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك. فقال: " يا أبا بكر، لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني؟ " قال: نعم والذي بعثك بالحق. فلما انتهينا إلى الغار، قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار. فدخل فاستبرأه حتى إذا كان في أعلاه، ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة، فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ. فدخل فاستبرأ، ثم قال: انزل يا رسول الله. فنزل. ثم قال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر.»
وقد رواه البيهقي من وجه آخر عن عمر، وفيه أن أبا بكر جعل يمشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة، وخلفه أخرى، وعن يمينه، وعن شماله.
وفيه أنه «لما حفيت رجلا رسول الله صلى الله عليه وسلم حمله الصديق على كاهله، وأنه لما دخل الغار سدد تلك الجحرة كلها، وبقي منها جحر واحد، فألقمه كعبه، فجعلت الأفاعي تنهشه ودموعه تسيل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تحزن إن الله معنا ".» وفي هذا السياق غرابة ونكارة.
ثم قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس الأصم، ثنا عباس الدوري، ثنا أسود بن عامر شاذان، ثنا إسرائيل، عن الأسود، عن جندب بن عبد الله قال: كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار فأصاب يده حجر، فقال:
إن أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجزري، أن مقسما مولى ابن عباس، أخبره عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك} [الأنفال: 30] قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فبات علي على فراش النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا، يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما
رأوا عليا رد الله عليهم مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ فقال: لا أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل، اختلط عليهم، فصعدوا الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه. فمكث فيه ثلاث ليال. وهذا إسناد حسن، وهو من أجود ما روي في قصة نسج العنكبوت على فم الغار، وذلك من حماية الله رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد القاضي في " مسند أبي بكر ": حدثنا بشار الخفاف، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا أبو عمران الجوني، حدثنا المعلى بن زياد، عن الحسن البصري، قال: «انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار، وجاءت قريش يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت، قالوا: لم يدخل أحد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلي وأبو بكر يرتقب، فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: هؤلاء قومك يطلبونك، أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أبا بكر، لا تخف إن الله معنا ".» وهذا مرسل عن الحسن، وهو
حسن بحاله من الشاهد. وفيه زيادة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، وقد كان، عليه السلام، إذا حزبه أمر صلى. وروى هذا الرجل - أعني أبا بكر أحمد بن علي القاضي - عن عمرو الناقد، عن خلف بن تميم، عن موسى بن مطير، عن أبيه، عن أبي هريرة، «أن أبا بكر قال لابنه: يا بني، إذا حدث في الناس حدث، فأت الغار الذي اختبأت فيه أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فكن فيه; فإنه سيأتيك رزقك فيه بكرة وعشيا.» وقد نظم بعضهم هذا في شعره حيث يقول:
نسج داود ما حمى صاحب الغا ... ر وكان الفخار للعنكبوت
وقد ورد أن حمامتين عششتا على بابه أيضا، وقد نظم ذلك الصرصري في شعره حيث يقول:
فغمى عليه العنكبوت بنسجه ... وظل على الباب الحمام يبيض
والحديث بذلك رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن محمد بن
صاعد، حدثنا عمرو بن علي، ثنا عون بن عمرو أبو عمرو القيسي - ويلقب عوينا - حدثني أبو مصعب المكي، قال: «أدركت زيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك، يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة فخرجت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم تستره، وأن الله بعث العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الله حمامتين وحشيتين، فأقبلتا تدفان حتى وقعتا بين العنكبوت وبين الشجرة، وأقبلت فتيان قريش من كل بطن منهم رجل، معهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم، حتى إذا كانوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر مائتي ذراع، قال الدليل - وهو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي - هذا الحجر، ثم لا أدري أين وضع رجله. فقال الفتيان: أنت لم تخطئ منذ الليلة. حتى إذا أصبحنا قال: انظروا في الغار. فاستقدم القوم حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم قدر خمسين ذراعا، فإذا الحمامتان، فرجع فقالوا: ما ردك أن تنظر في الغار؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفت أن ليس فيه أحد. فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فعرف أن الله قد درأ عنهما بهما، فسمت عليهما - أي برك عليهما - وأحدرهما الله إلى الحرم فأفرخا كما
ترى.» وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. وقد رواه الحافظ أبو نعيم، من حديث مسلم بن إبراهيم وغيره، عن عون بن عمرو - وهو الملقب بعوين - بإسناده مثله، وفيه أن جميع حمام مكة من نسل تينك الحمامتين، وفي هذا الحديث أن القائف الذي اقتفى لهم الأثر سراقة بن مالك المدلجي
وقد روى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه أن الذي اقتفى لهم الأثر كرز بن علقمة.
قلت: ويحتمل أن يكونا جميعا اقتفيا الأثر. والله أعلم. وقد قال الله تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} [التوبة: 40] يقول تعالى مؤنبا لمن تخلف عن الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا تنصروه أنتم فإن الله ناصره، ومؤيده، ومظفره، كما نصره {إذ أخرجه الذين كفروا} [التوبة: 40] من أهل مكة هاربا ليس معه غير صاحبه، وصديقه أبي بكر، ليس معه غيره; ولهذا قال: {ثاني اثنين إذ هما في الغار} [التوبة: 40] أي: وقد لجأ
إلى الغار، فأقاما فيه ثلاثة أيام ليسكن الطلب عنهما; وذلك لأن المشركين حين فقدوهما كما تقدم، ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات، وجعلوا لمن ردهما أو أحدهما مائة من الإبل، واقتصوا آثارهما حتى اختلط عليهم، وكان الذي يقتص الأثر لقريش سراقة بن مالك بن جعشم، كما تقدم، فصعدوا الجبل الذي هما فيه، وجعلوا يمرون على باب الغار، فتحاذي أرجلهم لباب الغار ولا يرونهما; حفظا من الله لهما، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا همام، أنا ثابت، عن أنس بن مالك، «أن أبا بكر حدثه، قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه. فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما.» وأخرجه البخاري ومسلم في " صحيحيهما " من حديث همام به. وقد ذكر بعض أهل السير أن أبا بكر لما قال ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو جاءونا من هاهنا لذهبنا من هنا ". فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر، وإذا البحر قد اتصل به، وسفينة مشدودة إلى جانبه.» وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة، ولكن لم يرد ذلك بإسناد قوي ولا ضعيف، ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا، ولكن ما صح أو حسن سنده قلنا به. والله أعلم.
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الفضل بن سهل، ثنا خلف بن تميم، ثنا موسى بن مطير القرشي، عن أبيه، عن أبي هريرة، «أن أبا بكر قال:
لابنه: يا بني إن حدث في الناس حدث فأت الغار الذي رأيتني اختبأت فيه أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فكن فيه فإنه سيأتيك فيه رزقك غدوة وعشية.» ثم قال البزار: لا نعلم يرويه غير خلف بن تميم.
قلت: وموسى بن مطير هذا ضعيف متروك، كذبه يحيى بن معين فلا يقبل حديثه. والله أعلم. وقد ذكر يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، أن الصديق قال في دخولهما الغار، وسيرهما بعد ذلك، وما كان من قصة سراقة، كما سيأتي، شعرا فمنه قوله:
قال النبي ولم أجزع يوقرني ... ونحن في سدف من ظلمة الغار
لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا ... وقد توكل لي منه بإظهار
وقد روى أبو نعيم هذه القصيدة من طريق زياد، عن محمد بن إسحاق، فذكرها مطولة جدا، وذكر معها قصيدة أخرى، والله أعلم.
وقد روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحج - يعني الذي بايع فيه الأنصار - بقية ذي الحجة والمحرم وصفرا، ثم إن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يحبسوه، أو يخرجوه، فأطلعه الله على ذلك، فأنزل عليه: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} [الأنفال: 30] الآية. فأمر عليا فنام على فراشه،
وذهب هو وأبو بكر، فلما أصبحوا ذهبوا في طلبهما في كل وجه يطلبونهما، وهكذا ذكر موسى بن عقبة في " مغازيه "، وأن خروجه هو وأبي بكر إلى الغار كان ليلا، وقد تقدم عن الحسن البصري - فيما ذكره ابن هشام - التصريح بذلك أيضا.
وقد قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: «لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة. فذكرت ما كان من رده لأبي بكر إلى مكة وجواره له كما قدمناه عند هجرة الحبشة، إلى قوله: فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار الله. قالت: والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: " إني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابتين ". وهما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع بعض من كان هاجر قبل
الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر مهاجرا قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " على رسلك; فإني أرجو أن يؤذن لي ". فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: " نعم ".» فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر - وهو الخبط - أربعة أشهر. وذكر بعضهم أنه علفهما ستة أشهر.
قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: «فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في حر الظهيرة. فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أخرج من عندك ". فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله. قال: " فإنه قد أذن لي في الخروج ". فقال أبو بكر: الصحابة، بأبي أنت وأمي. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " نعم ". قال أبو بكر: فخذ، بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بالثمن ". قالت عائشة: فجهزناهما
أحث الجهاز، فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فلذلك سميت ذات النطاقين. قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، لا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل - وهو لبن منحتهما ورضيفهما - حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا - والخريت: الماهر بالهداية - قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه
راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، براحلتيهما صبح ثلاث ليال، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل»
قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي - وهو ابن أخي سراقة - أن أباه أخبره، «أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره. فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إني رأيت آنفا أسودة بالساحل، أراها محمدا وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا. ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي، فخرجت من ظهر البيت، فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بي، حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها أضرهم أم لا، فخرج الذي أكره فركبت فرسي - وعصيت
الأزلام - تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت الأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية. وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال: " أخف عنا ". فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.»
وقد روى محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، عن أبيه، عن عمه سراقة، فذكر هذه القصة إلا أنه ذكر أنه استقسم بالأزلام أول ما خرج من منزله، فخرج السهم الذي يكره; لا يضره، وذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات، وكل ذلك يستقسم بالأزلام ويخرج الذي يكره; لا يضره، حتى ناداهم بالأمان وسأل أن يكتب له كتابا
يكون أمارة ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكتب لي كتابا في عظم أو رقعة أو خرقة. وذكر أنه جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة مرجعه من الطائف، فقال له: " يوم وفاء وبر، ادنه " فدنوت منه وأسلمت.
قال ابن هشام: هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم. وهذا الذي قاله جيد.
ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده، وقال: كفيتم هذا الوجه. فلما ظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى المدينة، جعل سراقة يقص على الناس ما رأى، وما شاهد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان من قضية جواده، واشتهر هذا عنه فخاف رؤساء قريش معرته، وخشوا أن يكون ذلك سببا لإسلام كثير منهم، وكان سراقة أمير بني مدلج ورئيسهم، فكتب أبو جهل لعنه الله إليهم:
بني مدلج إني أخاف سفيهكم ... سراقة مستغو لنصر محمد
عليكم به ألا يفرق جمعكم ... فيصبح شتى بعد عز وسؤدد
قال: فقال سراقة بن مالك يجيب أبا جهل في قوله هذا:
أبا حكم والله لو كنت شاهدا ... لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
عجبت ولم تشكك بأن محمدا
رسول وبرهان فمن ذا يقاومه ... عليك بكف القوم عنه فإنني
إخال لنا يوما ستبدو معالمه ... بأمر تود النصر فيه فإنهم
وإن جميع الناس طرا مسالمه
وذكر هذا الشعر الأموي في " مغازيه " بسنده عن ابن إسحاق
وقد رواه أبو نعيم بسنده من طريق زياد، عن ابن إسحاق، وزاد في شعر أبي جهل لعنه الله، أبياتا تتضمن كفرا بليغا.
وقال البخاري بسنده إلى ابن شهاب، فأخبرني عروة بن الزبير، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن
قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون. فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ركب راحلته، وسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته: " هذا إن شاء الله المنزل ". ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد; ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله. فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة، حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللبن:
" هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر "
ويقول
" اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجره "
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي» . قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات. هذا لفظ البخاري، وقد تفرد بروايته دون مسلم، وله شواهد من وجوه أخر، وليس فيه قصة أم معبد الخزاعية، ولنذكر هنا ما يناسب ذلك مرتبا أولا فأولا:
قال الإمام أحمد: حدثنا عمرو بن محمد أبو سعيد العنقزي، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: «اشترى أبو بكر من عازب سرجا بثلاثة عشر درهما، فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمله إلى منزلي. فقال: لا حتى تحدثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت معه. فقال أبو بكر: خرجنا فأدلجنا فأحثثنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة، فضربت بصري هل أرى ظلا نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة، فأهويت إليها، فإذا بقية ظلها، فسويته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشت له فروة، وقلت: اضطجع يا رسول الله. فاضطجع، ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا
من الطلب، فإذا أنا براعي غنم، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش. فسماه فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم. فأمرته فاعتقل شاة منها، ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفيه من الغبار، ومعي إداوة على فمها خرقة، فحلب لي كثبة من اللبن فصببت - يعني الماء - على القدح حتى برد أسفله، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيته وقد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب حتى رضيت، ثم قلت: هل آن الرحيل؟ فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: يا رسول الله، هذا الطلب قد لحقنا. قال: " {لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40] ". حتى إذا دنا منا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين - أو قال رمحين أو ثلاثة - قلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا. وبكيت، قال: " لم تبكي؟ ". قال: قلت: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك. فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " اللهم اكفناه بما شئت ". فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد، ووثب عنها، وقال: يا محمد، قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ منها سهما، فإنك ستمر بإبلي وغنمي بموضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا حاجة لي
فيها ". قال: ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق ورجع إلى أصحابه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى قدمنا المدينة وتلقاه الناس، فخرجوا في الطرق وعلى الأجاجير، واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون: الله أكبر جاء رسول الله، جاء محمد. قال: وتنازع القوم أيهم ينزل عليه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب; لأكرمهم بذلك ". فلما أصبح غدا حيث أمر. قال البراء: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الأعمى، أحد بني فهر، ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرين راكبا، فقلنا: ما فعل رسول الله؟ قال: هو على أثري. ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه. قال البراء: ولم يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قرأت سورا من المفصل» أخرجاه في " الصحيحين " من حديث إسرائيل بدون قول البراء: أول من قدم علينا. . . إلخ. فقد انفرد به مسلم، فرواه من طريق إسرائيل به.
وقال ابن إسحاق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر، وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم، فلما مضت الثلاث،
وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها عصام، فحلت نطاقها فجعلته عصاما ثم علقتها به، فكان يقال لها: ذات النطاقين لذلك.
قال ابن إسحاق: فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له أفضلهما، ثم قال: اركب فداك أبي وأمي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لا أركب بعيرا ليس لي ". قال: فهي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي. قال: " لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال: كذا وكذا. قال: " أخذتها بذلك ". قال: هي لك يا رسول الله.
وروى الواقدي بأسانيده أنه عليه السلام أخذ القصواء، قال: وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم. وروى ابن عساكر من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: وهي الجدعاء. وهكذا حكى السهيلي عن ابن إسحاق أنها الجدعاء. والله أعلم.
قال ابن إسحاق: فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه، ليخدمهما في الطريق، فحدثت عن أسماء أنها قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل فذكر ضربه لها على خدها لطمة، طرح منها قرطها من أذنها كما تقدم. قالت: فمكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم،، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وإن الناس ليتبعونه، يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم تروحا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجهه إلى المدينة.
قال ابن إسحاق: وكانوا أربعة، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وعبد الله بن أرقد. كذا يقول ابن إسحاق والمشهور
عبد الله بن أريقط الدؤلي، وكان إذ ذاك مشركا.
قال ابن إسحاق: ولما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقد، سلك بهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان، ثم سلك بهما على أسفل أمج، ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرار، ثم أجاز بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا، ثم أجاز بهما مدلجة لقف ثم استبطن بهما مدلجة مجاج، ثم سلك بهما مرجح مجاج، ثم تبطن بهما مرجح من ذي الغضوين، ثم بطن ذي كشر، ثم أخذ بهما على الجداجد، ثم على الأجرد، ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعداء مدلجة تعهن، ثم على العبابيد، ثم أجاز بهما القاحة، ثم هبط بهما العرج، وقد أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أسلم، يقال له: أوس بن حجر على جمل يقال له: ابن الرداء إلى المدينة، وبعث معه غلاما له يقال له: مسعود بن هنيدة، ثم خرج بهما دليلهما من العرج،
فسلك بهما ثنية العائر عن يمين ركوبة - ويقال: ثنية الغائر فيما قال ابن هشام - حتى هبط بهما بطن ريم، ثم قدم بهما قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين، حين اشتد الضحاء، وكادت الشمس تعتدل.
وقد روى أبو نعيم، من طريق الواقدي نحوا من ذكر هذه المنازل وخالفه في بعضها. والله أعلم.
قال أبو نعيم: حدثنا أبو حامد بن جبلة، حدثنا محمد بن إسحاق، هو السراج، حدثنا محمد بن عباد بن موسى العجلي، حدثني أخي موسى بن عباد، حدثني عبد الله بن سيار، حدثني إياس بن مالك بن الأوس الأسلمي، عن أبيه، قال: «لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مروا بإبل لنا بالجحفة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لمن هذه الإبل؟ ". فقالوا: لرجل من أسلم. فالتفت إلى أبي بكر، فقال: " سلمت إن شاء الله ". فقال: " ما اسمك؟ " قال: مسعود.
فالتفت إلى أبي بكر، فقال: " سعدت إن شاء الله ". قال: فأتاه أبي فحمله على جمل يقال له: ابن الرداء»
قلت: وقد تقدم عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين. والظاهر أن بين خروجه عليه السلام، من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوما; لأنه أقام بغار ثور ثلاثة أيام، ثم سلك طريق الساحل، وهي أبعد من الطريق الجادة واجتاز في مروره على أم معبد بنت كعب من بني كعب بن خزاعة، قاله ابن هشام. وقال يونس، عن ابن إسحاق: اسمها عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم. وقال الأموي: هي عاتكة بنت تبيع حليف بني منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن كعب بن عمرو، ولهذه المرأة من الولد، معبد، ونضرة، وحنيدة، بنو أبي معبد، واسمه أكثم بن عبد العزى بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس، وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضا.
وهذه قصة أم معبد الخزاعية: قال يونس عن ابن إسحاق، فنزل
رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد، واسمها عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم، فأرادوا القرى، فقالت: والله ما عندنا طعام ولا لنا منحة، ولا لنا شاة إلا حائل. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض غنمها، فمسح ضرعها بيده، ودعا الله وحلب في العس حتى أرغى، وقال: " اشربي يا أم معبد ". فقالت: اشرب فأنت أحق به. فرده عليها فشربت، ثم دعا بحائل أخرى، ففعل مثل ذلك بها، فشربه ثم دعا بحائل أخرى، ففعل بها مثل ذلك فسقى دليله، ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى عامرا، ثم تروح وطلبت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغوا أم معبد، فسألوا عنه، فقالوا: أرأيت محمدا؟ من حليته كذا وكذا فوصفوه لها، فقالت: ما أدري ما تقولون قد ضافني حالب الحائل، قالت قريش: فذاك الذي نريد.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن عقبة بن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، ثنا أبي، عن أبيه، عن جابر، قال: «لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مهاجرين فدخلا الغار، إذا في الغار جحر فألقمه أبو بكر عقبه حتى أصبح; مخافة أن يخرج على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء، فأقاما في الغار ثلاث ليال، ثم
خرجا حتى نزلا بخيمات أم معبد، فأرسلت إليه أم معبد: إني أرى وجوها حسانا، وإن الحي أقوى على كرامتكم مني. فلما أمسوا عندها بعثت مع ابن لها صغير بشفرة وشاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اردد الشفرة وهات لي فرقا ". - يعني القدح - فأرسلت إليه أن لا لبن فيها ولا ولد. قال: " هات لي فرقا، فجاءت بفرق فضرب ظهرها فاجترت ودرت، فحلب فملأ القدح، فشرب وسقى أبا بكر، ثم حلب فبعث به إلى أم معبد» ، ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد، وعبد الرحمن بن عقبة لا نعلم أحدا حدث عنه إلا يعقوب بن محمد، وإن كان معروفا في النسب.
وروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثنا عبد الرحمن ابن الأصبهاني، سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، يحدث عن أبي بكر الصديق، قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فانتهينا إلى حي من أحياء العرب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت منتحيا، فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة، فقالت: يا عبد الله، إنما أنا امرأة وليس معي أحد فعليكما بعظيم الحي إن أردتم القرى. قال: فلم يجبها، وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز يسوقها، فقالت: يا بني انطلق بهذه العنز والشفرة إلى هذين الرجلين، فقل لهما: تقول لكما أمي:
اذبحا هذه وكلا وأطعمانا. فلما جاء، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " انطلق بالشفرة وجئني بالقدح ". قال: إنها قد عزبت وليس بها لبن. قال: " انطلق ". فجاء بقدح فمسح النبي صلى الله عليه وسلم ضرعها ثم حلب حتى ملأ القدح، ثم قال: " انطلق به إلى أمك ". فشربت حتى رويت، ثم جاء به، فقال: " انطلق بهذه وجئني بأخرى ". ففعل بها كذلك، ثم سقى أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك، ثم شرب النبي صلى الله عليه وسلم، فبتنا ليلتنا ثم انطلقنا، فكانت تسميه المبارك، وكثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة، فمر أبو بكر فرآه ابنها فعرفه، فقال: يا أمه، هذا الرجل الذي كان مع المبارك. فقامت إليه فقالت: يا عبد الله، من الرجل الذي كان معك؟ قال: أو ما تدرين من هو! قالت: لا. قال: هو نبي الله. قالت: فأدخلني عليه. قال: فأدخلها فأطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها - زاد ابن عبدان في روايته - قالت: فدلني عليه فانطلقت معي، وأهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من أقط ومتاع الأعراب. قال: فكساها وأعطاها. قال: ولا أعلمه إلا قال: وأسلمت. إسناد حسن. وقال البيهقي: هذه القصة شبيهة بقصة أم معبد، والظاهر أنها هي. والله أعلم.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن
القاضي، قالا: ثنا أبو العباس الأصم، ثنا الحسن بن مكرم، حدثني أبو أحمد بشر بن محمد السكري، ثنا عبد الملك بن وهب المذحجي، ثنا الحر بن الصياح، عن أبي معبد الخزاعي، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة هاجر من» مكة إلى المدينة هو وأبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة، تحتبي وتجلس بفناء الخيمة، فتطعم وتسقي فسألوها هل عندها لحم أو لبن يشترونه منها؟ فلم يجدوا عندها شيئا من ذلك. وقالت: لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى. وإذا القوم مرملون مسنتون، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا شاة في كسر خيمتها، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ فقالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: " فهل بها من لبن؟ " قالت: هي أجهد من ذلك. قال: " تأذنين لي أن أحلبها ". قالت: إن كان بها حلب فاحلبها. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة فمسحها، وذكر اسم الله
ومسح ضرعها، وذكر اسم الله ودعا بإناء لها يربض الرهط، فتفاجت واجترت، فحلب فيها ثجا، حتى علاه البهاء، فسقاها وسقى أصحابه، فشربوا عللا بعد نهل، حتى إذا رووا شرب آخرهم، وقال: " ساقي القوم آخرهم ". ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء، فغادره عندها، ثم ارتحلوا، قال: فقل ما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن، هزلى لا نقي بهن، مخهن قليل، فلما رأى اللبن عجب، وقال: من أين هذا اللبن يا أم معبد، ولا حلوبة في البيت والشاة عازب؟ فقالت: لا والله، إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت. فقال صفيه لي، فوالله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلب. فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، قسيم وسيم، في عينيه
دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور، أكحل، أزج، أقرن، في عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل; لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن، أبهى الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة، لا تشنؤه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محفود محشود، لا
عابس ولا مفند. فقال - يعني بعلها -: هذا والله صاحب قريش الذي تطلب، ولو صادفته لالتمست أن أصحبه، ولأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا قال: وأصبح صوت بمكة عال بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرون من يقول، وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسؤدد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد
فغادره رهنا لديها لحالب ... يدر لها في مصدر ثم مورد
قال: وأصبح الناس - يعني بمكة - وقد فقدوا نبيهم، فأخذوا على خيمتي أم معبد، حتى لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وأجابه حسان بن ثابت:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليهم ويغتدي
ترحل عن قوم فزالت عقولهم
وحل على قوم بنور مجدد ... وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا
عمى وهداة يهتدون بمهتد ... نبي يرى ما لا يرى الناس حوله
ويتلو كتاب الله في كل مشهد ... وإن قال في يوم مقالة غائب
فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد ... ليهن أبا بكر سعادة جده
بصحبته من يسعد الله يسعد ... ويهن بني كعب مكان فتاتهم
ومقعدها للمسلمين بمرصد
قال - يعني عبد الملك بن وهب -: فبلغني أن أبا معبد أسلم وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا رواه الحافظ أبو نعيم، من طريق عبد الملك بن وهب المذحجي، فذكر مثله سواء، وزاد في آخره: قال عبد الملك: بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم رواه أبو نعيم من طرق، عن مكرم بن محرز الكعبي الخزاعي، عن أبيه محرز بن مهدي، عن حزام بن هشام بن حبيش بن خالد، عن أبيه،
عن جده حبيش بن خالد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخرج من مكة خرج منها مهاجرا، هو وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، ودليلهما عبد الله بن أريقط الليثي، فمروا بخيمة أم معبد، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء القبة. وذكر مثل ما تقدم سواء. قال: وحدثناه فيما أظن محمد بن أحمد بن علي بن مخلد، ثنا محمد بن يونس بن موسى يعني الكديمي، ثنا عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز مولى العباس بن عبد المطلب، ثنا محمد بن سليمان بن سليط الأنصاري، حدثني أبي، عن أبيه سليط البدري، قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ومعه أبو بكر، وعامر بن فهيرة، وابن أريقط، يدلهم على الطريق، مر بأم معبد الخزاعية، وهي لا تعرفه، فقال لها: " يا أم معبد، هل عندك من لبن؟ " قالت: لا والله إن الغنم لعازبة. قال: " فما هذه الشاة؟ " قالت: خلفها الجهد عن الغنم. ثم ذكر تمام الحديث كنحو ما تقدم.
ثم قال البيهقي: يحتمل أن هذه القصص كلها واحدة. ثم ذكر قصة شبيهة بقصة شاة أم معبد الخزاعية، فقال: حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء، حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن غالب، ثنا أبو الوليد، ثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط، ثنا إياد بن لقيط، عن قيس بن النعمان،
قال: «لما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفين مروا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب غير أن هاهنا عناقا حملت أول الشتاء، وقد أخدجت، وما بقي لها لبن. فقال: " ادع بها ". فدعا بها، فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بمجن، فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: بالله من أنت؟ فوالله ما رأيت مثلك قط. قال: أو تراك تكتم علي حتى أخبرك؟ قال: " نعم ". قال: " فإني محمد رسول الله ". فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ؟ قال: " إنهم ليقولون ذلك ". قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك. قال: " إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا ".» ورواه أبو يعلى الموصلي، عن جعفر بن حميد الكوفي، عن عبيد الله بن إياد بن لقيط به.
وقد ذكر أبو نعيم هاهنا قصة عبد الله بن مسعود، فقال: حدثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود، قال: «كنت غلاما يافعا أرعى غنما
لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وقد فرا من المشركين فقال: " يا غلام، عندك لبن تسقينا؟ " فقلت: إني مؤتمن ولست بساقيكما. فقالا: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: " نعم ". فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع، فدعا فحفل الضرع، وجاء أبو بكر بصخرة منقعرة فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر وسقياني، ثم قال للضرع: " اقلص ". فقلص. فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: علمني من هذا القول الطيب - يعني القرآن - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك غلام معلم ". فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد» . فقوله في هذا السياق: وقد فرا من المشركين. ليس المراد منه وقت الهجرة، إنما ذلك في بعض الأحوال قبل الهجرة، فإن ابن مسعود ممن أسلم قديما، وهاجر إلى الحبشة، ورجع إلى مكة كما تقدم وقصته هذه صحيحة ثابتة في " الصحاح " وغيرها. والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن مصعب بن عبد الله، هو الزبيري، حدثني أبي، عن فائد مولى عبادل، قال: خرجت مع إبراهيم بن عبد الرحمن بن سعد، حتى إذا كنا بالعرج أتى ابن سعد، وسعد هو الذي دل
رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق ركوبة فقال إبراهيم: أخبرني ما حدثك أبوك؟ . قال ابن سعد: حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم ومعه أبو بكر، وكانت لأبي بكر عندنا بنت مسترضعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الاختصار في الطريق إلى المدينة، فقال له سعد: هذا الغائر من ركوبة وبه لصان من أسلم، يقال لهما: المهانان. فإن شئت أخذنا عليهما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " خذ بنا عليهما ". قال سعد: فخرجنا حتى إذا أشرفنا، إذا أحدهما يقول لصاحبه: هذا اليماني. فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الإسلام، فأسلما ثم سألهما عن أسمائهما، فقالا: نحن المهانان. فقال: " بل أنتما المكرمان ". وأمرهما أن يقدما عليه المدينة، فخرجنا حتى إذا أتينا ظاهر قباء، فتلقاه بنو عمرو بن عوف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين أبو أمامة أسعد بن زرارة؟ " فقال سعد بن خيثمة: إنه أصاب قبلى يا رسول الله، أفلا أخبره ذلك؟ ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا طلع على النخل، فإذا الشرب مملوء، فالتفت رسول الله إلى أبي بكر، فقال: " يا أبا بكر، هذا المنزل رأيتني أنزل إلى حياض كحياض بني مدلج ". انفرد به أحمد.
** [فصل في دخوله عليه السلام المدينة وأين استقر منزله بها] **
، وما يتعلق بذلك
قد تقدم فيما رواه البخاري، عن الزهري، عن عروة، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة عند الظهيرة.
قلت: ولعل ذلك كان بعد الزوال; لما ثبت في " الصحيحين " من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب، عن أبي بكر، في حديث الهجرة، قال: «فقدمنا ليلا فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنزل على بني النجار، أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك» ". وهذا والله أعلم، إما أن يكون يوم قدومه إلى قباء، فيكون حال وصوله إلى قرب المدينة كان في حر الظهيرة، وأقام تحت تلك النخلة، ثم سار بالمسلمين فنزل قباء، وذلك ليلا، وأنه أطلق على ما بعد الزوال ليلا، فإن العشي من الزوال. وإما أن يكون المراد بذلك لما رحل من قباء - كما سيأتي - فسار فما انتهى إلى بني النجار إلا عشاء، كما سيأتي بيانه، والله أعلم.
وذكر البخاري، عن الزهري، عن عروة، أنه نزل في بني عمرو بن
عوف بقباء، وأقام فيهم بضع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء في تلك الأيام، ثم ركب ومعه الناس حتى بركت به راحلته في مكان مسجده، وكان مربدا لغلامين يتيمين، وهما سهل وسهيل، فابتاعه منهما، واتخذه مسجدا، وذلك في دار بني النجار رضي الله عنهم.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، قال: حدثني رجال من قومي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: لما بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، وتوكفنا قدومه، كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك في أيام حارة حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذ لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت، فكان أول من رآه رجل من اليهود فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا جدكم قد جاء. فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، وركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر، حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك. وقد تقدم مثل
ذلك في سياق البخاري، وكذا ذكر موسى بن عقبة في " مغازيه ".
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: إني لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد. فأسعى ولا أرى شيئا، ثم يقولون: جاء محمد. فأسعى ولا أرى شيئا. قال: حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر فكمنا في بعض حرار المدينة، ثم بعثا رجلا من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار، حتى انتهوا إليهما فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى إن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيهم هو؟ أيهم هو؟ فما رأينا منظرا شبيها به يومئذ. قال أنس: فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض، فلم أر يومين مشبها بهما. ورواه البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن محمد بن إسحاق الصغاني، عن
أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بنحوه أو مثله.
وفي " الصحيحين " من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، عن أبي بكر، في حديث الهجرة، قال: وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت، والغلمان والخدم يقولون: الله أكبر، جاء رسول الله، الله أكبر، جاء محمد، الله أكبر، جاء محمد، الله أكبر، جاء رسول الله. فلما أصبح انطلق وذهب حيث أمر
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عمرو الأديب، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، سمعت أبا خليفة يقول: سمعت ابن عائشة، يقول: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
قال محمد بن إسحاق: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون - يعني حين نزل بقباء - على كلثوم بن الهدم أخي بني عمرو بن عوف، ثم أحد بني عبيد، ويقال: بل نزل على سعد بن خيثمة. ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن الهدم: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزل كلثوم بن
الهدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة. وذلك أنه كان عزبا لا أهل له، وكان يقال لبيته: بيت العزاب. والله أعلم. ونزل أبو بكر رضي الله عنه على خبيب بن إساف، أحد بني الحارث بن الخزرج بالسنح، وقيل: على خارجة بن زيد بن أبي زهير، أخي بني الحارث بن الخزرج.
قال ابن إسحاق: وأقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل معه على كلثوم بن الهدم، فكان علي بن أبي طالب - وإنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين - يقول: كانت بقباء امرأة لا زوج لها، مسلمة، فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل، فيضرب عليها بابها فتخرج إليه، فيعطيها شيئا معه فتأخذه، فاستربت بشأنه فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الذي يضرب عليك بابك كل ليلة، فتخرجين إليه، فيعطيك شيئا لا أدري ما هو، وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك؟ قالت: هذا سهل بن حنيف، وقد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها، ثم جاءني بها، فقال: احتطبي بهذا. فكان علي رضي الله عنه يأثر ذلك من شأن سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق.
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وأسس مسجده، ثم
أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك.
وقال عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، قال: وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه عليه السلام أقام فيهم ثماني عشرة ليلة.
قلت: وقد تقدم فيما رواه البخاري، من طريق الزهري، عن عروة، أنه عليه السلام أقام فيهم بضع عشرة ليلة.
وحكى موسى بن عقبة، عن مجمع بن يزيد بن جارية، أنه قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا - يعني في بني عمرو بن عوف بقباء - اثنتين وعشرين ليلة. وقال الواقدي: ويقال: أقام فيهم أربع عشرة ليلة.
قال ابن إسحاق: «فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي; وادي رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة» ، فأتاه عتبان بن مالك، وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم، فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا في العدد والعدة
والمنعة. قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة ". لناقته. فخلوا سبيلها. فانطلقت حتى إذا وازت دار بني بياضة، تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة. قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة ". فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة، اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة. قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة ". فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازت دار بني الحارث بن الخزرج، اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة. قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة ". فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا مرت بدار عدي بن النجار - وهم أخواله دنيا، أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم - اعترضه سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن أبي خارجة في رجال من بني عدي بن النجار، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلى أخوالك، إلى العدد والعدة والمنعة. قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة ". فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجده عليه السلام، اليوم، وكان يومئذ مربدا لغلامين يتيمين من بني مالك بن النجار، وهما سهل وسهيل ابنا عمرو، وكانا في حجر معاذ ابن عفراء
قلت: وقد تقدم في رواية البخاري، من طريق الزهري، عن عروة، أنهما كانا في حجر أسعد بن زرارة والله أعلم.
وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في طريقه بعبد الله بن أبي ابن سلول وهو في بيت، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يدعوه إلى المنزل، وهو يومئذ سيد الخزرج في أنفسهم، فقال عبد الله: انظر الذين دعوك فانزل عليهم. فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من الأنصار، فقال سعد بن عبادة يعتذر عنه: لقد من الله علينا بك يا رسول الله، وإنا نريد أن نعقد على رأسه التاج ونملكه علينا.
قال موسى بن عقبة: وكانت الأنصار قد اجتمعوا قبل أن يركب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عمرو بن عوف، فمشوا حول ناقته، لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شحا على كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيما له، وكلما مر بدار من دور الأنصار دعوه إلى المنزل، فيقول صلى الله عليه وسلم: " دعوها فإنها مأمورة، فإنما أنزل حيث أنزلني الله ". فلما انتهت إلى دار أبي أيوب، بركت به على الباب، فنزل فدخل بيت أبي أيوب، حتى ابتنى مسجده ومساكنه.
وقال ابن إسحاق: لما بركت الناقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل عنها، حتى وثبت فسارت غير بعيد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا
يثنيها به، ثم التفتت خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله، فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأل عن المربد: " لمن هو؟ " فقال له معاذ ابن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو، وهما يتيمان لي، وسأرضيهما منه، فاتخذه مسجدا. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب، حتى بنى مسجده ومساكنه، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من المهاجرين والأنصار، وستأتي قصة بناء المسجد قريبا إن شاء الله.
وقال البيهقي في " الدلائل ": وقال أبو عبد الله: أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري، ثنا محمد بن سليمان بن إسماعيل بن أبي الورد، ثنا إبراهيم بن صرمة، ثنا يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلما دخلنا جاء الأنصار برجالها ونسائها، فقالوا: إلينا يا رسول الله. فقال: " دعوا الناقة فإنها مأمورة» ". فبركت على باب أبي أيوب، فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن:
نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار
فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " أتحبوني؟ " فقالوا: إي والله يا رسول الله. فقال: " وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم ". هذا حديث غريب من هذا الوجه، لم يروه أحد من أصحاب السنن، وقد خرجه الحاكم في " مستدركه " كما ترى.
ثم قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن سليمان النحاس المقرئ ببغداد، ثنا عمر بن الحسن الحلبي، حدثنا أبو خيثمة المصيصي، ثنا عيسى بن يونس، عن عوف الأعرابي، عن ثمامة، عن أنس، قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بحي من بني النجار، وإذا جوار يضربن بالدفوف يقلن:
نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يعلم الله أن قلبي يحبكن ".» ورواه ابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس به.
وفي " صحيح البخاري " عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن عبد
العزيز، عن أنس، قال: «رأى النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان مقبلين - حسبت أنه قال: من عرس - فقام النبي صلى الله عليه وسلم ممثلا، فقال: " اللهم، أنتم من أحب الناس إلي ". قالها ثلاث مرار»
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثني عبد العزيز بن صهيب، ثنا أنس بن مالك، قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف. قال: فيلقى الرجل أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل. فيحسب الحاسب أنه إنما يهديه الطريق، وإنما يعني سبيل الخير. فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا نبي الله، هذا فارس قد لحق بنا. فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم اصرعه ". فصرعته فرسه، ثم قامت تحمحم، ثم قال: يا نبي الله، مرني بما شئت. قال: " قف مكانك، ولا تتركن أحدا يلحق بنا ". قال: فكان أول النهار جاهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر النهار مسلحة له. قال: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار، فجاءوا فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطمئنين. فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأبو بكر وحفوا حولهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم، فاستشرفوا نبي الله ينظرون إليه ويقولون: جاء نبي الله. قال: فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب. قال: فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع الذي يخترف فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى أهله، وقال نبي الله: " أي بيوت أهلنا أقرب؟ " فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي. قال: " فانطلق فهيئ لنا مقيلا ". فذهب فهيأ لهما مقيلا، ثم جاء فقال: يا رسول الله، قد هيأت لكما مقيلا، قوما على بركة الله فقيلا. فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام، فقال: أشهد أنك نبي الله حقا، وأنك جئت بحق، ولقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم. فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا، وأني جئت بحق، أسلموا ". فقالوا: ما نعلمه. ثلاثا وكذا رواه البخاري منفردا به، عن محمد غير منسوب، عن عبد الصمد به.
وقال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب: عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي رهم السماعي، حدثني أبو أيوب، قال: «لما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم
في بيتي نزل في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إني أكره وأعظم أن أكون فوقك، وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل، فقال: " يا أبا أيوب، إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن أكون في سفل البيت ". فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفله، وكنا فوقه في المسكن، فلقد انكسر حب لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا - ما لنا لحاف غيرها - ننشف بها الماء; تخوفا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه، قال: وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث إليه، فإذا رد علينا فضلة، تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه، نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه، وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أر ليده فيه أثرا. قال: فجئته فزعا، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، رددت عشاءك، ولم أر فيه موضع يدك؟ فقال: " إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجى، فأما أنتم فكلوه ". قال: فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد.» وكذلك رواه البيهقي، من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الحسن - أو أبي الخير - مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي رهم، عن أبي أيوب، فذكره. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد المؤدب، عن الليث.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عمرو الحيري،
ثنا عبد الله بن محمد، ثنا أحمد بن سعيد الدارمي، ثنا أبو النعمان، ثنا ثابت بن يزيد، ثنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي أيوب، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه فنزل في السفل، وأبو أيوب في العلو، فانتبه أبو أيوب ليلته، فقال: نمشي فوق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنحوا فباتوا في جانب، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم - يعني في ذلك - فقال: " السفل أرفق بنا ". فقال: لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم في العلو، وأبو أيوب في السفل، فكان يصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما، فإذا جيء به سأل عن موضع أصابعه، فيتتبع موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصنع له طعاما فيه ثوم، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له: لم يأكل. ففزع وصعد إليه، فقال: أحرام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا، ولكني أكرهه ". قال: فإني أكره ما تكره - أو ما كرهت - قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى. يعني يأتيه الملك» ورواه مسلم عن أحمد بن سعيد به.
وثبت في " الصحيحين " عن أنس بن مالك، قال: «جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر - وفي رواية: بقدر - فيه خضرات من بقول. قال: فسأل
فأخبر بما فيها من البقول، فلما رآه كره أكلها، قال: " كل، فإني أناجي من لا تناجي ".»
وقد روى الواقدي أن أسعد بن زرارة - لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب - أخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت عنده.
وروى عن زيد بن ثابت أنه قال: «أول هدية أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل دار أبي أيوب أنا جئت بها، قصعة فيها خبز مثرود بلبن وسمن، فقلت: أرسلت بهذه القصعة أمي. فقال: " بارك الله فيك ". ودعا أصحابه فأكلوا ثم جاءت قصعة سعد بن عبادة ثريد وعراق لحم، وما كانت من ليلة، إلا وعلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة والأربعة يحملون الطعام يتناوبون، وكان مقامه في دار أبي أيوب سبعة أشهر. قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو نازل في دار أبي أيوب - مولاه زيد بن حارثة وأبا رافع، ومعهما بعيران وخمسمائة درهم ليجيئا بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسودة بنت زمعة زوجته، وأسامة بن زيد، وكانت رقية قد هاجرت مع زوجها عثمان، وزينب عند زوجها» بمكة أبي العاص بن الربيع، وجاءت معهم أم أيمن امرأة زيد بن حارثة، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، وفيهم
عائشة أم المؤمنين، ولم يدخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا خلف بن عمرو العكبري، ثنا سعيد بن منصور، ثنا عطاف بن خالد، ثنا صديق بن موسى، عن عبد الله بن الزبير، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فاستناخت به راحلته بين دار جعفر بن محمد بن علي وبين دار الحسن بن زيد، فأتاه الناس فقالوا: يا رسول الله، المنزل. فانبعثت به راحلته، فقال: " دعوها فإنها مأمورة ". ثم خرجت به حتى جاءت موضع المنبر، فاستناخت ثم تخللت الناس، وثم عريش كانوا يرشونه ويعمرونه ويتبردون فيه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن راحلته فيه، فآوى إلى الظل، فأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله، إن منزلي أقرب المنازل إليك، فانقل رحلك إلي. قال: " نعم ". فذهب برحله إلى المنزل، ثم أتاه رجل فقال: يا رسول الله، أين تحل؟ قال: " إن الرجل مع رحله حيث كان» ". وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش اثنتي عشرة ليلة حتى بنى المسجد وهذه منقبة عظيمة لأبي أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه حيث نزل في داره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روينا من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن علي بن
عبد الله بن عباس، رضي الله عنه، أنه لما قدم أبو أيوب البصرة - وكان ابن عباس نائبا عليها من جهة علي بن أبي طالب رضي الله عنه - فخرج له ابن عباس عن داره حتى أنزله فيها، كما أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره، وملكه كل ما أغلق عليه بابها، ولما أراد الانصراف، أعطاه ابن عباس عشرين الفا وأربعين عبدا. وقد صارت دار أبي أيوب بعده إلى مولاه أفلح، فاشتراها منه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار، وصلح ما وهى من بنيانها، ووهبها لأهل بيت فقراء من أهل المدينة.
وكذلك نزوله عليه السلام، في دار بني النجار، واختيار الله له ذلك منقبة عظيمة لهم، وقد كان في المدينة دور كثيرة تبلغ تسعا، كل دار محلة مستقلة بمساكنها، ونخيلها، وزروعها، وأهلها كل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا في محلتهم، وهي كالقرى المتلاصقة، فاختار الله لرسول الله دار بني مالك بن النجار.
وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث شعبة، سمعت قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي أسيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن
الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير ". فقال سعد بن عبادة: ما أرى النبي صلى الله عليه وسلم إلا قد فضل علينا. فقيل: قد فضلكم على كثير.» هذا لفظ البخاري.
وكذلك رواه البخاري ومسلم، من حديث أنس وأبي سلمة، عن أبي أسيد مالك بن ربيعة، ومن حديث عباس بن سهل، عن أبي حميد، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله سواء. زاد في حديث أبي حميد «: فقال: أبو أسيد لسعد بن عبادة: ألم تر أن النبي صلى الله عليه وسلم خير الأنصار فجعلنا آخرا؟ فأدرك سعد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرا. قال: " أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار؟ ".»
بل قد ثبت لجميع من أسلم من أهل المدينة - وهم الأنصار - الشرف والرفعة في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} [التوبة: 100]
وقال تعالى {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، الأنصار شعار والناس دثار ".» وقال: «الأنصار كرشي وعيبتي» وقال: «أنا سلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم ".»
وقال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال، ثنا شعبة، حدثني عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء بن عازب يقول: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: " الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله ".» وقد أخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث شعبة به.
وقال البخاري أيضا: حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن
عبد الله بن عبد الله بن جبر، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار ".» ورواه البخاري أيضا عن أبي الوليد الطيالسي، ومسلم من حديث خالد بن الحارث، وعبد الرحمن بن مهدي، أربعتهم عن شعبة به.
والآيات والأحاديث في فضائل الأنصار كثيرة جدا، وما أحسن ما قال أبو قيس صرمة بن أبي أنس - المتقدم ذكره، أحد شعراء الأنصار - في قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ونصرهم إياه، ومواساتهم له ولأصحابه رضي الله عنهم أجمعين.
قال ابن إسحاق: وقال أبو قيس صرمة بن أبي أنس أيضا، يذكر ما أكرمهم الله به من الإسلام، وما خصهم به من رسوله عليه السلام:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا أظهر الله دينه ... وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وألفى صديقا واطمأنت به النوى ... وكان له عونا من الله باديا
يقص لنا ما قال نوح لقومه
وما قال موسى إذ أجاب المناديا ... فأصبح لا يخشى من الناس واحدا
قريبا ولا يخشى من الناس نائيا ... بذلنا له الأموال من حل مالنا
وأنفسنا عند الوغى والتآسيا ... نعادي الذي عادى من الناس كلهم
جميعا ولو كان الحبيب المواسيا ... ونعلم أن الله لا شيء غيره
وأن كتاب الله أصبح هاديا ... أقول إذا صليت في كل بيعة
حنانيك لا تظهر علينا الأعاديا ... أقول إذا جاوزت أرضا مخيفة
تباركت إسم الله أنت المواليا ... فطأ معرضا إن الحتوف كثيرة
وإنك لا تبقي لنفسك باقيا ... فوالله ما يدري الفتى كيف سعيه
إذا هو لم يجعل له الله واقيا ... ولا تحفل النخل المعيمة ربها
إذا أصبحت ريا وأصبح ثاويا
ذكرها ابن إسحاق وغيره: ورواها عبد الله بن الزبير الحميدي وغيره عن سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عجوز من الأنصار،
قالت: رأيت عبد الله بن عباس يختلف إلى صرمة بن قيس يروي هذه الأبيات. رواه البيهقي.
** [فيما نالت المدينة من شرف بعد الهجرة النبوية] **
فصل
وقد شرفت المدينة أيضا بهجرته عليه السلام إليها، وصارت كهفا لأولياء الله وعباده الصالحين، ومعقلا وحصنا منيعا للمسلمين، ودار هدى للعالمين، والأحاديث في فضلها كثيرة جدا لها موضع آخر نوردها فيه إن شاء الله.
وقد ثبت في " الصحيحين " من طريق خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة، كما تأرز الحية إلى جحرها ".» ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع، عن شبابة، عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
وفي " الصحيحين " أيضا من حديث مالك، عن يحيى بن سعيد، أنه
سمع أبا الحباب سعيد بن يسار، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب. وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد ".» وقد انفرد الإمام مالك عن بقية الأئمة الأربعة بتفضيلها على مكة.
وقد قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد وأبو بكر بن عبد الله، قالا: ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو موسى الأنصاري، ثنا سعيد بن سعيد، حدثني أخي، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إلي، فأسكني أحب البلاد إليك ".» فأسكنه الله المدينة. وهذا حديث غريب جدا.
والمشهور عن الجمهور أن مكة أفضل من المدينة، إلا المكان الذي ضم جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد استدل الجمهور على ذلك بأدلة يطول ذكرها هاهنا، ومحلها في كتاب المناسك من " الأحكام " إن شاء الله تعالى.
وأشهر دليل لهم في ذلك، ما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، ثنا شعيب، عن الزهري، أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الله بن عدي بن الحمراء أخبره، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بالحزورة في سوق مكة
يقول: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ".» وكذا رواه أحمد، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان عن الزهري به. وهكذا رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث الليث، عن عقيل، عن الزهري به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه يونس، عن الزهري به. ورواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. وحديث الزهري عندي أصح.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: «وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحزورة فقال: " علمت أنك خير أرض الله، وأحب الأرض إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت ".» وكذا رواه النسائي من حديث معمر به. قال الحافظ البيهقي: وهذا وهم من معمر وقد رواه بعضهم عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وهو أيضا وهم، والصحيح رواية
الجماعة.
وقال أحمد أيضا: حدثنا إبراهيم بن خالد، ثنا رباح، عن معمر، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة، عن بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في سوق الحزورة: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب الأرض إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ".» ورواه الطبراني، عن أحمد بن خليد الحلبي، عن الحميدي، عن الدراوردي، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عدي بن الحمراء به. فهذه طرق هذا الحديث وأصحها ما تقدم. والله أعلم.
** [ذكر ما وقع في السنة الأولى من الهجرة النبوية من الحوادث والوقائع العظيمة] **
** [ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة] **
اتفق الصحابة رضي الله عنهم في سنة ست عشرة - وقيل: سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة - في الدولة العمرية على جعل ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وذلك أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، رفع إليه صك، أي حجة، لرجل على آخر، وفيه أنه يحل عليه في شعبان، فقال عمر: أي شعبان؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها، أو السنة الماضية، أو الآتية؟ ثم جمع الصحابة فاستشارهم في وضع تأريخ يتعرفون به حلول الديون، وغير ذلك، فقال قائل: أرخوا كتاريخ الفرس. فكره ذلك، وكانت الفرس يؤرخون بملوكهم واحدا بعد واحد. وقال قائل: أرخوا بتاريخ الروم. وكانوا يؤرخون بملك إسكندر بن فيليبس المقدوني، فكره ذلك. وقال آخرون: أرخوا بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: بل بمبعثه. وقال آخرون: بل بهجرته. وقال آخرون: بل بوفاته عليه السلام. فمال عمر رضي الله عنه، إلى التأريخ بالهجرة لظهوره واشتهاره واتفقوا معه على ذلك.
وقال البخاري في " صحيحه ": التاريخ ومتى أرخوا التاريخ: حدثنا عبد الله بن مسلمة، ثنا عبد العزيز، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: ما عدوا من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة.
وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: استشار عمر في التأريخ فأجمعوا على الهجرة.
وقال أبو داود الطيالسي، عن قرة بن خالد السدوسي، عن محمد بن سيرين، قال: قام رجل إلى عمر فقال: أرخوا. فقال: ما أرخوا؟ فقال: شيء تفعله الأعاجم يكتبون: في شهر كذا من سنة كذا. فقال عمر: حسن فأرخوا. فقالوا: من أي السنين نبدأ؟ فقالوا: من مبعثه. وقالوا: من وفاته. ثم أجمعوا على الهجرة، ثم قالوا: وأي الشهور نبدأ؟ فقالوا: رمضان. ثم قالوا: المحرم فهو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام. فاجتمعوا على المحرم.
وقال ابن جرير، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة، ثنا نوح بن قيس الطاحي، عن عثمان بن محصن، أن ابن عباس كان يقول في
قوله تعالى: {والفجر وليال عشر} [الفجر: 1]
[الفجر: 2، 1] . هو المحرم فجر السنة. وروى عن عبيد بن عمير قال: إن المحرم شهر الله، وهو رأس السنة، يكسى به البيت، ويؤرخ به الناس، ويضرب فيه الورق.
وقال أحمد: حدثنا روح بن عبادة، ثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، قال: إن أول من أرخ الكتب يعلى بن أمية باليمن، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة في ربيع الأول وإن الناس أرخوا لأول السنة.
وروى محمد بن إسحاق، عن الزهري، وعن محمد بن صالح، عن الشعبي، أنهما قالا: أرخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم، ثم أرخوا من بنيان إبراهيم وإسماعيل البيت، ثم أرخوا من موت كعب بن لؤي، ثم أرخوا من الفيل، ثم أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة، وذلك سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة وقد ذكرنا هذا الفصل محررا بأسانيده وطرقه في " السيرة العمرية ". ولله الحمد.
والمقصود أنهم جعلوا ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وجعلوا أولها من المحرم، فيما اشتهر عنهم، وهذا هو قول جمهور الأئمة.
وحكى السهيلي وغيره، عن الإمام مالك أنه قال: أول السنة الإسلامية
ربيع الأول; لأنه الشهر الذي هاجر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد استدل السهيلي على ذلك في موضع آخر، بقوله تعالى {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم} [التوبة: 108] أي; من أول يوم حلول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهو أول يوم من التاريخ، كما اتفق الصحابة على أول سني التاريخ عام الهجرة. ولا شك أن هذا الذي قاله الإمام مالك رحمه الله مناسب، ولكن العمل على خلافه، وذلك لأن أول شهور العرب المحرم، فجعلوا السنة الأولى سنة الهجرة، وجعلوا أولها المحرم كما هو المعروف; لئلا يختلط النظام. والله أعلم.
فنقول وبالله المستعان: استهلت سنة الهجرة المباركة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بمكة، وقد بايع الأنصار بيعة العقبة الثانية، كما قدمنا في أوسط أيام التشريق، وهي ليلة الثاني عشر من ذي الحجة قبل سنة الهجرة، ثم رجع الأنصار، وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة، فهاجر من هاجر من أصحابه إلى المدينة حتى لم يبق بمكة من يمكنه الخروج إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم; ليصحبه في الطريق، كما قدمنا، ثم خرجا على الوجه الذي تقدم بسطه، وتأخر علي بن أبي طالب بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأمره; ليؤدي ما كان عنده، عليه الصلاة والسلام، من
الودائع ثم لحقهم بقباء، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين قريبا من الزوال وقد اشتد الضحاء.
قال الواقدي وغيره: وذلك لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول. وحكاه ابن إسحاق إلا أنه لم يعرج عليه، ورجح أنه لثنتي عشرة ليلة خلت منه. وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور.
وقد كانت مدة إقامته، عليه الصلاة والسلام بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة، في أصح الأقوال، وهو رواية حماد بن سلمة، عن أبي جمرة الضبعي، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة.
وهكذا روى ابن جرير، عن محمد بن معمر، عن روح بن عبادة، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، أنه قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة. وتقدم أن ابن عباس كتب أبيات صرمة بن أبي أنس بن قيس
ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
وقال الواقدي: عن إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه استشهد بقول صرمة:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
وهكذا رواه ابن جرير، عن الحارث، عن محمد بن سعد، عن الواقدي: خمس عشرة حجة. وهو قول غريب جدا، وأغرب منه ما قال ابن جرير، حدثت عن روح بن عبادة، ثنا سعيد، عن قتادة، قال: نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين بمكة وعشرا بالمدينة. وكان الحسن يقول: عشرا بمكة، وعشرا بالمدينة. وهذا القول الآخر الذي ذهب إليه الحسن البصري من أنه أقام بمكة عشر سنين ذهب إليه أنس بن مالك، وعائشة، وسعيد بن المسيب، وعمرو بن دينار، فيما رواه ابن جرير عنهم. وهو رواية عن ابن عباس; رواها أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين فمكث بمكة عشرا. وقد قدمنا عن الشعبي أنه قال: قرن إسرافيل برسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين، يلقي إليه الكلمة والشيء. وفي رواية: يسمع حسه ولا
يرى شخصه، ثم كان بعد ذلك جبريل. وقد حكى الواقدي عن بعض مشايخه أنه أنكر قول الشعبي هذا. وحاول ابن جرير أن يجمع بين قول من قال: إنه عليه الصلاة والسلام أقام بمكة عشرا. وقول من قال: ثلاث عشرة. بهذا الذي ذكره الشعبي. والله أعلم.
** [فصل في بيان أول دار نزل بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة] **
فصل
ولما حل الركاب النبوي بالمدينة، كان أول نزوله بها في دار بني عمرو بن عوف، وهي قباء كما تقدم فأقام بها، أكثر ما قيل، ثنتين وعشرين ليلة. وقيل: ثماني عشرة ليلة. وقيل: بضع عشرة ليلة. وقال موسى بن عقبة ثلاث ليال. والأشهر ما ذكره ابن إسحاق وغيره، أنه عليه الصلاة والسلام أقام فيهم بقباء من يوم الاثنين إلى يوم الجمعة. وقد أسس في هذه المدة المختلف في مقدارها - على ما ذكرناه - مسجد قباء. وقد ادعى السهيلي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسسه في أول يوم قدم إلى قباء، وحمل على ذلك قوله تعالى:
{لمسجد أسس على التقوى من أول يوم} [التوبة: 108] ورد قول من أعربها: من تأسيس أول يوم. وهو مسجد شريف فاضل نزل فيه قوله تعالى {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} [التوبة: 108] كما تكلمنا على تقرير ذلك في " التفسير "، وذكرنا الحديث الذي في " صحيح مسلم " أنه مسجد المدينة والجواب عنه.
وذكرنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، ثنا أبو أويس، ثنا شرحبيل، عن عويم بن ساعدة، أنه حدثه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء، فقال: " إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ " قالوا: والله يا رسول الله، ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا.» وأخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " وله شواهد أخر. وروي عن خزيمة بن ثابت، ومحمد بن
عبد الله بن سلام، وابن عباس.
وقد روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نزلت هذه الآية في أهل قباء {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} [التوبة: 108] قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية» ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه.
قلت: ويونس بن الحارث هذا ضعيف. والله أعلم. وممن قال بأنه المسجد الذي أسس على التقوى; ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، ورواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وحكي عن الشعبي، والحسن البصري، وقتادة، وسعيد بن جبير، وعطية العوفي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يزوره فيما بعد ويصلي فيه، وكان يأتي قباء كل سبت، تارة راكبا وتارة ماشيا. وفي الحديث " «صلاة في مسجد قباء كعمرة» وقد ورد في حديث " أن
جبريل عليه السلام، هو الذي أشار للنبي صلى الله عليه وسلم إلى موضع قبلة مسجد قباء. فكان هذا المسجد أول مسجد بني في الإسلام بالمدينة، بل أول مسجد جعل لعموم الناس في هذه الملة. واحترزنا بهذا عن المسجد الذي بناه الصديق بمكة عند باب داره، يتعبد فيه ويصلي; لأن ذاك كان لخاصة نفسه، لم يكن للناس عامة. والله أعلم.
وقد تقدم إسلام سلمان في البشارات «أن سلمان الفارسي لما سمع بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ذهب إليه، وأخذ معه شيئا، فوضعه بين يديه وهو بقباء، قال: هذا صدقة. فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يأكله، وأمر أصحابه فأكلوا منه، ثم جاء مرة أخرى ومعه شيء، فوضعه وقال: هذه هدية. فأكل منه، وأمر أصحابه فأكلوا» تقدم الحديث بطوله.
** [فصل في إسلام عبد الله بن سلام] **
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا عوف، عن زرارة، عن عبد الله بن سلام، قال: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل، فلما تبينت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته يقول: " أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام ".» ورواه الترمذي، وابن ماجه، من طرق عن عوف الأعرابي، عن زرارة بن أبي أوفى به عنه. وقال الترمذي: صحيح. ومقتضى هذا السياق يقتضي أنه سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ورآه أول قدومه حين أناخ بقباء في بني عمرو بن عوف، وتقدم في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس أنه اجتمع به حين أناخ عند دار أبي أيوب، بعد ارتحاله من قباء إلى دار بني النجار. كما تقدم، فلعله رآه أول ما رآه بقباء، واجتمع به بعدما صار إلى دار بني النجار. والله أعلم.
وفي سياق البخاري من طريق عبد العزيز، عن أنس قال: «فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في. فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهود فدخلوا عليه، فقال لهم: " يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا، وأني جئتكم بحق فأسلموا ". قالوا: ما نعلمه. قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، قالها ثلاث مرار. قال: " فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ ". قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: " أفرأيتم إن أسلم؟ ". قالوا: حاش لله، ما كان ليسلم. قال: " يا ابن سلام، اخرج عليهم ". فخرج فقال: يا معشر يهود، اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق. فقالوا: كذبت. فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - هذا لفظه. وفي رواية -: فلما خرج عليهم شهد شهادة الحق قالوا: شرنا وابن شرنا، وتنقصوه، فقال: يا رسول الله، هذا الذي كنت أخاف.»
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا الأصم، حدثنا محمد
بن إسحاق الصغاني، ثنا عبد الله بن بكر، ثنا حميد، عن أنس، قال: «سمع عبد الله بن سلام بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في أرض له، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي; ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: " أخبرني بهن جبريل آنفا ". قال: جبريل؟ قال: " نعم ". قال: عدو اليهود من الملائكة. ثم قرأ: {من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} [البقرة: 97] قال: " أما أول أشراط الساعة فنار تخرج على الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد حوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد ". قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني. فجاءت اليهود فقال: " أي رجل عبد الله فيكم؟ " قالوا: خيرنا
وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: " أرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. قالوا: شرنا وابن شرنا وانتقصوه. قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.» ورواه البخاري عن عبد الله بن منير، عن عبد الله بن بكر به، ورواه عن حامد بن عمر، عن بشر بن المفضل، عن حميد به.
قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله، عن رجل من آل عبد الله بن سلام قال: كان من حديث عبد الله بن سلام حين أسلم، وكان حبرا عالما، قال: «لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفت صفته واسمه وهيئته، والذي كنا نتوكف له فكنت مسرا لذلك صامتا عليه، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلما قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت، فقالت عمتي حين سمعت تكبيري: لو كنت
سمعت بموسى بن عمران ما زدت! قال: قلت لها: أي عمة، هو والله أخو موسى بن عمران، وعلى دينه بعث بما بعث به. قال: فقالت له: يا ابن أخي، أهو الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة؟ قال: قلت لها: نعم. قالت: فذاك إذا. قال: فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتي، فأمرتهم فأسلموا، وكتمت إسلامي من اليهود، وقلت: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك، فتغيبني عنهم، ثم تسألهم عني، فيخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن يعلموا بذلك، بهتوني وعابوني وذكر نحو ما تقدم. قال: فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث.»
وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر، حدثني محدث عن صفية بنت حيي، قالت: لم يكن أحد من ولد أبي وعمي أحب إليهما مني، لم ألقهما في ولد لهما قط أهش إليهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء - قرية بني عمرو بن عوف - غدا إليه أبي وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين، فوالله ما جاءانا إلا مع مغيب الشمس، فجاءانا فاترين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما نظر إلي واحد منهما، فسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله. قال تعرفه بعينه وصفته؟ قال: نعم والله. قال:
فماذا في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت.
وذكر موسى بن عقبة، عن الزهري، أن أبا ياسر بن أخطب حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذهب إليه، وسمع منه، وحادثه، ثم رجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أطيعوني; فإن الله قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرون، فاتبعوه ولا تخالفوه. فانطلق أخوه حيي بن أخطب - وهو يومئذ سيد اليهود، وهما من بني النضير - فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه، ثم رجع إلى قومه، وكان فيهم مطاعا، فقال: أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوا أبدا. فقال له أخوه أبو ياسر: يا ابن أم، أطعني في هذا الأمر واعصني فيما شئت بعده، لا تهلك. قال: والله لا أطيعك أبدا. واستحوذ عليه الشيطان واتبعه قومه على رأيه.
قلت: أما أبو ياسر بن أخطب فلا أدري ما آل إليه أمره، وأما حيي بن أخطب والد صفية بنت حيي، فشرب عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يزل ذلك دأبه حتى قتل صبرا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قتل مقاتلة بني قريظة، كما سيأتي إن شاء الله.
** [فصل أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين بالمدينة] **
فصل
ولما ارتحل عليه الصلاة والسلام من قباء وهو راكب ناقته القصواء، وذلك يوم الجمعة، أدركه وقت الزوال وهو في دار بني سالم بن عوف، فصلى بالمسلمين الجمعة هنالك، في واد يقال له: وادي رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين بالمدينة أو مطلقا; لأنه - والله أعلم - لم يكن يتمكن هو وأصحابه بمكة من الاجتماع حتى يقيموا بها جمعة ذات خطبة وإعلان بموعظة، وما ذاك إلا لشدة مخالفة المشركين له، وأذيتهم إياه.
** [ذكر خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ] **
قال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، أنه بلغه عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في أول جمعة صلاها بالمدينة في بني سالم بن عوف رضي الله عنهم: «الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده
ورسوله أرسله بالهدى، والنور، والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط، وضل ضلالا بعيدا، وأوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرى، وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة، وعون صدق ما تبتغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمر السر والعلانية، لا ينوي بذلك إلا وجه الله، يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك، يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءؤف بالعباد. والذي صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك، فإنه يقول تعالى: {ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد} [ق: 29] . واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضي الرب، وترفع الدرجة، خذوا بحظكم، ولا تفرطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله; ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه،
وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله، يكفه ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ".» هكذا أوردها ابن جرير وفي السند إرسال.
وقال البيهقي: باب: أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني المغيرة بن عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: «كانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، أن قام فيها فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: " أما بعد، أيها الناس فقدموا لأنفسكم تعلمن والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه - ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه -: ألم يأتك رسولي فبلغك، وآتيتك مالا، وأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك؟ فينظر يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم ينظر قدامه فلا يرى غير جهنم فمن استطاع أن
يقي وجهه من النار، ولو بشق تمرة، فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام على رسول الله ورحمة الله وبركاته. ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، فقال: " إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنه من كل يختار الله ويصطفي، فقد سماه خيرته من الأعمال، وخيرته من العباد، والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث عهده، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»
وهذه الطريق أيضا مرسلة، إلا أنها مقوية لما قبلها، وإن اختلفت الألفاظ.
** [فصل في بناء مسجده الشريف] في مدة مقامه بدار أبي أيوب رضي الله عنه **
وقد اختلف في مدة مقامه بها; فقال الواقدي: سبعة أشهر. وقال غيره: أقل من شهر. والله أعلم.
قال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد، قال: سمعت أبي يحدث: حدثنا أبو التياح يزيد بن حميد الضبعي، حدثنا أنس بن مالك، قال: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، نزل في علو المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا متقلدي سيوفهم. قال: وكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب. قال: فكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض
الغنم، قال: ثم أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاءوا، فقال: " يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا ". فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عز وجل. قال: فكان فيه ما أقول لكم، كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع. قال: فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه حجارة. قال: فجعلوا ينقلون ذلك الصخر، وهم يرتجزون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم يقول:
" اللهم إنه لا خير إلا خير الآخره ... فانصر الأنصار والمهاجره "
» وقد رواه البخاري في مواضع أخر، ومسلم من حديث أبي عبد الصمد عبد الوارث بن سعيد، وقد تقدم في " صحيح البخاري " عن الزهري، عن عروة، أن المسجد كان مربدا - وهو بيدر التمر - ليتيمين كانا في حجر أسعد بن زرارة وهما سهل وسهيل، فساومهما فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله. فأبى حتى ابتاعه منهما وبناه مسجدا. قال: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ينقل معهم التراب، يقول:
" هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر "
ويقول:
" اللهم إن الأجر أجر الآخره ... فارحم الأنصار والمهاجره "
وذكر موسى بن عقبة أن أسعد بن زرارة عوضهما منه نخلا له في بني بياضة، قال: وقيل: ابتاعه منهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: وذكر محمد بن إسحاق، أن المربد كان لغلامين يتيمين في حجر معاذ ابن عفراء، وهما سهل وسهيل ابنا عمرو. فالله أعلم.
وروى البيهقي من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الحسن بن حماد الضبي، ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، قال: «لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، أعانه عليه أصحابه، وهو معهم يتناول اللبن، حتى اغبر صدره فقال: " ابنوه عريشا كعريش موسى ". فقلت للحسن: ما عريش موسى؟ قال: " إذا رفع يديه بلغ العريش ".» يعني السقف. وهذا مرسل.
وروى من حديث حماد بن سلمة، عن أبي سنان، عن يعلى بن شداد
بن أوس، عن عبادة، «أن الأنصار جمعوا مالا، فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ابن هذا المسجد وزينه، إلى متى نصلي تحت هذا الجريد؟ فقال: " ما بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى ".» وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن فراس، عن عطية العوفي، عن ابن عمر، «أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كانت سواريه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من جذوع النخل، أعلاه مظلل بجريد النخل، ثم إنها نخرت في خلافة أبي بكر، فبناها بجذوع وبجريد النخل، ثم إنها نخرت في خلافة عثمان، فبناها بالآجر، فما زالت ثابتة حتى الآن» وهذا غريب.
وقد قال أبو داود أيضا: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثني أبي، عن صالح، ثنا نافع، عن ابن عمر، أخبره «أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، وغيره عثمان رضي الله عنه،
وزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج.» وهكذا رواه البخاري عن علي بن المديني، عن يعقوب بن إبراهيم به.
قلت: زاده عثمان بن عفان رضي الله عنه متأولا قوله صلى الله عليه وسلم: «من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ".» ووافقه الصحابة الموجودون على ذلك، ولم يغيروه بعده، فيستدل بذلك على الراجح من قولي العلماء أن حكم الزيادة حكم المزيد، فتدخل الزيادة في حكم سائر المسجد من تضعيف الصلاة فيه، وشد الرحال إليه، وقد زيد في زمان الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق، زاده له بأمره عمر بن عبد العزيز حين كان نائبه على المدينة، وأدخل الحجرة النبوية فيه، كما سيأتي بيانه في وقته، ثم زيد زيادة كثيرة فيما بعد، وزيد من جهة القبلة، حتى صارت الروضة والمنبر بعد الصفوف المقدمة، كما هو المشاهد اليوم.
قال ابن إسحاق: ونزل رسول الله على أبي أيوب، حتى بنى مسجده ومساكنه، وعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم; ليرغب المسلمين في العمل فيه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار، ودأبوا فيه، فقال قائل من المسلمين:
لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل
وارتجز المسلمون وهم يبنونه يقولون:
لا عيش إلا عيش الآخره ... اللهم ارحم الأنصار والمهاجره
فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار ". قال فيدخل عمار بن ياسر، وقد أثقلوه باللبن فقال: يا رسول الله، قتلوني، يحملون علي ما لا يحملون. قالت أم سلمة: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفض وفرته بيده، وكان رجلا جعدا، وهو يقول: " ويح ابن سمية، ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية ".» وهذا منقطع من هذا الوجه، بل هو معضل بين محمد بن إسحاق، وبين أم سلمة، وقد وصله مسلم في " صحيحه " من حديث شعبة، عن خالد الحذاء، عن سعيد والحسن يعني ابني أبي الحسن البصري، عن أمهما خيرة، مولاة أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تقتل عمارا الفئة الباغية ".»
ورواه من حديث ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار وهو ينقل الحجارة: " ويح لك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية ".»
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الحسن، يحدث عن أمه، عن أم
سلمة، قالت: «لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون المسجد، جعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحمل كل واحد لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين; لبنة عنه، ولبنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمسح ظهره، وقال: " ابن سمية، للناس أجر، ولك أجران، وآخر زادك شربة من لبن، وتقتلك الفئة الباغية ".» وهذا إسناد على شرط " الصحيحين ".
وقد أورد البيهقي وغيره، من طريق جماعة، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخدري، قال: «كنا نحمل في بناء المسجد لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل ينفض التراب عنه ويقول: " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار ". قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.» لكن روى هذا الحديث الإمام البخاري، عن مسدد، عن عبد العزيز بن المختار، عن خالد الحذاء، وعن إبراهيم بن موسى، عن عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء به، إلا أنه لم يذكر قوله: «تقتلك الفئة الباغية ".»
قال البيهقي: وكأنه إنما تركها لما رواه مسلم، من طريق عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: أخبرني من هو خير مني، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لعمار حين جعل يحفر الخندق، جعل يمسح رأسه، ويقول: " بؤس ابن سمية، تقتله فئة باغية ".»
وقد رواه مسلم أيضا، من حديث شعبة، عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: حدثني من هو خير مني أبو قتادة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار بن ياسر: " بؤسا لك يا ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية ".»
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا وهيب، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حفر الخندق، كان الناس يحملون لبنة لبنة، وعمار ناقه من وجع كان به، فجعل يحمل لبنتين لبنتين،» قال أبو سعيد: فحدثني بعض أصحابي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفض التراب عن رأسه، ويقول: " ويحك ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية ".» قال البيهقي: فقد فرق بين ما سمعه بنفسه، وما سمعه من أصحابه. قال:
ويشبه أن يكون قوله: الخندق. وهما أو أنه قال له ذلك في بناء المسجد، وفي حفر الخندق. والله أعلم.