Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 393 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
قال ابن الجوزي: في المحرم منها ظهر كوكب بذنب، رأسه إلى الغرب، وذنبه إلى الشرق، وكان عظيما جدا، وذنبه منتشر، وبقي ثلاثة عشر يوما إلى أن اضمحل.
قال: وفي نصف ربيع الأول بلغ الكر من الحنطة مائتي دينار وعشرة دنانير، ومن الشعير مائة وعشرين دينارا، ثم بلغ كر الحنطة ثلاثمائة وستة عشر دينارا، وأكل الضعفاء الميتة، ودام الغلاء وكثر الموت، وتقطعت السبل، وشغل الناس بالمرض والفقر، وترك دفن الموتى، وشغل الناس عن الملاهي واللعب. قال: ثم جاء مطر كأفواه القرب وبلغت زيادة دجلة عشرين ذراعا وثلثا.
وذكر ابن الأثير في " كامله " أن محمد بن رائق - الذي هو أمير الأمراء ببغداد حينئذ - وقعت بينه وبين أبي عبد الله البريدي الذي بواسط وحشة بسبب منع البريدي الخراج الذي عنده، فركب إليه ابن رائق ليتسلم ما عنده من
المال، فوقعت مصالحة، ورجع ابن رائق فطالبه الجند بأرزاقهم، وضاق عليه حاله، وتحيز جماعة من الأتراك إلى البريدي، فضعف جانب ابن رائق فكاتب البريدي بالوزارة ببغداد، ثم قطع اسم الوزارة عنه، فاشتد حنق البريدي، وعزم على أخذ بغداد فبعث أخاه أبا الحسين في جيش، فتحصن ابن رائق مع الخليفة بدار الخلافة، ونصب فيها المجانيق والعرادات، وعلى دجلة أيضا، فاضطربت بغداد ونهب الناس بعضهم بعضا ليلا ونهارا، وجاء أبو الحسين أخو أبي عبد الله البريدي بمن معه، فقاتلهم الناس في البر وفي دجلة، وتفاقم الحال، واشتد الخطب جدا، مع الغلاء والوباء والفناء، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم إن الخليفة وابن رائق انهزما في جمادى الآخرة - ومع الخليفة ابنه أبو منصور - في عشرين فارسا، فقصدوا نحو الموصل واستحوذ أبو الحسين على دار الخلافة، فقتل أصحاب البريدي من وجدوا بدار الخلافة من الحاشية، ونهبوها حتى وصل النهب إلى الحريم، ولم يتعرضوا للقاهر، وهو إذ ذاك أعمى مكفوف، وأخرجوا كورتكين من الحبس، فبعثه أبو الحسين إلى أخيه أبي عبد الله البريدي، فكان آخر العهد به ونهبوا بغداد جهارا علانية، ونزل أبو الحسين بدار مؤنس التي كان يسكنها ابن رائق وكانوا يكبسون الدور ويأخذون ما فيها من الأموال، فكثر الجور، وغلت الأسعار جدا، وضرب أبو الحسين المكس على الحنطة والشعير، وذاق أهل بغداد لباس الجوع والخوف. وكان مع أبي الحسين في الجيش طائفة كثيرة من القرامطة، فأفسدوا في البلد فسادا عظيما، فوقعت بينهم وبين الأتراك حروب طويلة شديدة، فغلبتهم
الترك، وأخرجوهم من بغداد ووقعت الحرب بين العامة والديلم أيضا.
وفي شعبان من هذه السنة اشتد الحال أيضا، ونهبت المساكن، وكبس أهلها ليلا ونهارا، وخرجت الجند من أصحاب البريدي، فنهبوا الغلات من القرى والحيوانات، وجرى ظلم لم يسمع بمثله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال ابن الأثير: وإنما ذكرنا هذا ; ليعلم الظلمة أن أخبارهم تنقل وتبقى بعدهم على وجه الدهر، فربما تركوا الظلم لهذا إن لم يتركوه لله عز وجل.
وقد كان الخليفة أرسل وهو ببغداد إلى ناصر الدولة بن حمدان نائب الموصل والجزيرة يستمده، ويستجيش به على البريدي، فأرسل ناصر الدولة أخاه سيف الدولة عليا في جيش كثيف، فلما كان بتكريت إذا الخليفة وابن رائق قد هربا، فرجع معهما سيف الدولة إلى أخيه، وقدم سيف الدولة للخليفة المتقي لله خدمة عظيمة في مسيره هذا، ولما وصلوا إلى الموصل خرج عنها ناصر الدولة، فنزل شرقيها، وأرسل التحف والضيافات، ولم يجئ خوفا من الغائلة من جهة ابن رائق نائب العراق وصاحب الشام فأرسل الخليفة ولده أبا منصور ومعه ابن رائق للسلام على ناصر الدولة، فأمر أن ينثر الذهب والفضة على رأس ولد الخليفة، وجلسا عنده ساعة، ثم قاما ليرجعا، فركب ابن الخليفة، وأراد ابن رائق أن يركب معه، فقال له ناصر الدولة: اجلس اليوم عندي حتى نفكر فيما نصنع
في أمرنا هذا. فاعتذر إليه بابن الخليفة، واستراب الأمر، فقبض ابن حمدان بكمه، فجبذه ابن رائق منه، فانقطع كمه، وركب سريعا، فسقط عن فرسه، فأمر ناصر الدولة بقتله فقتل، وذلك يوم الاثنين لسبع بقين من رجب من هذه السنة. فأرسل الخليفة إلى ابن حمدان فاستحضره، وخلع عليه، ولقبه ناصر الدولة يومئذ، وجعله أمير الأمراء، وخلع على أخيه أبي الحسن علي، ولقبه سيف الدولة يومئذ أيضا، ولما قتل ابن رائق، وبلغ خبر قتله إلى صاحب مصر الإخشيد محمد بن طغج، ركب إلى دمشق فتسلمها من محمد بن يزداد نائب ابن رائق ولم ينتطح فيها عنزان.
ولما بلغ خبر مقتله إلى بغداد فارق أكثر الأتراك أبا الحسين البريدي لسوء سيرته، وخبث سريرته، قبحه الله، وقصدوا الخليفة وابن حمدان في الموصل فقوي بهم ناصر الدولة، وركب هو والخليفة المتقي لله إلى بغداد فلما اقتربوا منها، هرب عنها أبو الحسين البريدي، ودخل الخليفة المتقي لله إلى بغداد ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة، وذلك في شوال من هذه السنة، ففرح به المسلمون فرحا شديدا، وبعث إلى أهله - وقد كان أخرجهم إلى سامراء - فردهم، وتراجع أعيان الناس إلى بغداد بعدما كانوا قد رحلوا عنها، ورد الخليفة أبا إسحاق القراريطي إلى الوزارة وولى توزون شرطة جانبي بغداد وبعث ناصر
الدولة أخاه سيف الدولة في جيش وراء أبي الحسين البريدي، فلقيه عند المدائن، فاقتتلوا قتالا شديدا في أيام نحسات، ثم كان آخر الأمر أن انهزم أبو الحسين إلى أخيه بواسط، وقد ركب ناصر الدولة بنفسه، فنزل المدائن قوة لأخيه.
وقد انهزم سيف الدولة مرة من أبي الحسين فرده أخوه، وزاده جيشا آخر حتى كسر البريدي، وأسر جماعة من أعيان أصحابه، وقتل منهم خلق كثير وجم غفير، ثم أرسل أخاه سيف الدولة إلى واسط لقتال أبي عبد الله البريدي، فانهزم منه البريدي وأخوه إلى البصرة وتسلم سيف الدولة واسطا، وسيأتي ما كان من خبره مع البريدي في السنة الآتية، إن شاء الله تعالى.
وأما ناصر الدولة، فإنه عاد إلى بغداد فدخلها في ثالث عشر ذي الحجة، وبين يديه الأسارى على الجمال، ففرح الناس واطمأنوا، ونظر في المصالح العامة، وأصلح معيار الدينار، وذلك أنه وجده قد غير عما كان عليه، فضرب دنانير سماها الإبريزية، فكانت تباع كل دينار بثلاثة عشر درهما، وإنما كان يباع التي قبلها بعشرة.
وعزل الخليفة بدرا الخرشني عن الحجابة، وولاها سلامة الطولوني، وجعل بدرا على طريق الفرات، فسار إلى الإخشيد فأكرمه واستنابه على دمشق فمات بها.
وفيها وصلت الروم إلى قريب حلب، فقتلوا خلقا، وأسروا نحوا من خمسة عشر ألف إنسان. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها دخل الثملي من طرسوس إلى بلاد الروم، فقتل وسبى وغنم وسلم، وأسر من بطارقتهم المشهورين فيهم خلقا كثيرا، ولله الحمد والمنة.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ إسحاق بن محمد أبو يعقوب النهرجوري
أحد مشايخ الصوفية، صحب الجنيد بن محمد وغيره من أئمة القوم، وجاور بمكة حتى مات بها.
ومن كلامه الحسن قوله: مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب. ### $ الحسين بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن سعيد بن أبان، أبو عبد الله الضبي القاضي المحاملي
الفقيه الشافعي المحدث، سمع الكثير، وأدرك خلقا من أصحاب ابن عيينة نحوا من سبعين رجلا، وروى عن جماعة من الأئمة، وعنه الدارقطني وخلق، وكان يحضر مجلسه نحو من عشرة آلاف، وكان صدوقا دينا فقيها محدثا، ولي قضاء الكوفة ستين سنة، وأضيف إليه قضاء فارس وأعمالها، ثم استعفى من ذلك كله، ولزم منزله، واقتصر على إسماع الحديث. وكانت وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة عن خمس وتسعين سنة، رحمه الله.
وقد تناظر هو وبعض الشيعة بحضرة بعض الأكابر، فجعل الشيعي يذكر مواقف علي يوم بدر وأحد والخندق وخيبر وحنين وشجاعته، ثم قال للمحاملي: أتعرفها؟ قال: نعم، ولكن أتعرف أين كان الصديق يوم بدر؟ كان
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش بمنزلة الرئيس الذي يحامى عنه كما يحامى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي في مقام المبارزة، ولو فرض أنه انهزم أو قتل، لم يهزم الجيش بسببه، فأفحم الشيعي. وقال له المحاملي: وقد قدمه الذين رووا لنا الصلاة والزكاة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث لا مال له ولا عبيد ولا عشيرة تمنعه وتحاجف عنه، وإنما قدموه لعلمهم أنه خيرهم، فأفحم أيضا. ### $ علي بن محمد بن سهل أبو الحسن الصائغ
أحد العباد الزهاد أصحاب الكرامات. روي عن ممشاد الدينوري أنه شاهد أبا الحسن الصائغ يصلي في الصحراء في شدة الحر، ونسر قد نشر جناحيه يظله من الحر.
قال ابن الأثير: وفيها توفي علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم صاحب المذهب المشهور، وكان مولده سنة ستين ومائتين، وهو من ولد أبي موسى الأشعري.
قلت: والصحيح أن الأشعري توفي سنة أربع وعشرين، كما تقدم. ### $ قال: وفيها توفي محمد بن يوسف بن النضر الهروي الفقيه الشافعي،
وكان مولده سنة تسع وعشرين ومائتين، وأخذ عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعي. ### $$$$ قلت: وقد توفي فيها أبو حامد بن بلال، وزكريا بن أحمد البلخي، وعبد الغافر بن سلامة الحافظ، ومحمد بن رائق الأمير، والشيخ أبو صالح مفلح الحنبلي، واقف مسجد أبي صالح ظاهر باب شرقي من دمشق وكانت له كرامات وأحوال ومقامات.
وهذه ترجمة أبي صالح الدمشقي الذي ينسب إليه المسجد ظاهر باب شرقي بدمشق: ### $ مفلح بن عبد الله أبو صالح المتعبد، صحب الشيخ أبا بكر محمد بن سيد حمدويه الدمشقي، وتأدب به، وروى عنه الموحد بن إسحاق بن البري، وأبو الحسن علي بن القجة قيم المسجد، وأبو بكر بن داود الدينوري الدقي.
روى الحافظ ابن عساكر من طريق الدقي، عن الشيخ أبي صالح قال: كنت أطوف بجبل اللكام ; أطلب الزهاد، فمررت برجل وهو جالس على صخرة مطرقا، فقلت له: ما تصنع هاهنا؟ فقال: أنظر وأرعى. فقلت له: لا أرى بين يديك إلا الحجارة. فقال: أنظر خواطر قلبي، وأرعى أوامر ربي، وبحق الذي أظهرك علي إلا جزت عني. فقلت له: كلمني بشيء أنتفع به حتى أمضي. فقال لي: من لزم الباب أثبت في الخدم، ومن أكثر ذكر الذنوب أكثر الندم، ومن استغنى بالله أمن العدم. ثم تركني ومضى.
وعن الشيخ أبي صالح، قال: مكثت ستة أو سبعة أيام لم آكل ولم أشرب، ولحقني عطش عظيم، فجئت النهر الذي وراء المسجد، فجلست أنظر إلى الماء، فتذكرت قوله تعالى: {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] فذهب عني العطش، فمكثت تمام العشرة أيام.
وعنه قال: مكثت مرة أربعين يوما لم أشرب ماء، فلقيني الشيخ أبو بكر محمد بن سيد حمدويه، فأخذ بيدي وأدخلني منزله، وجاءني بماء، وقال لي: اشرب، فشربت، فأخذ فضلتي وذهب إلى امرأته، وقال لها: اشربي فضل رجل قد مكث أربعين يوما لم يشرب الماء. قال أبو صالح: ولم يكن اطلع على ذلك مني أحد إلا الله عز وجل.
ومن كلام أبي صالح: الدنيا حرام على القلوب، حلال على النفوس ; لأن كل شيء يحل لك أن تنظر إليه بعين رأسك، فيحرم عليك أن تنظر إليه بعين قلبك.
وكان يقول: البدن لباس القلب، والقلب لباس الفؤاد، والفؤاد لباس الضمير، والضمير لباس السر، والسر لباس المعرفة.
ولأبي صالح مناقب كثيرة، رحمه الله. وقد كانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة.