Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 394 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
في هذه السنة دخل سيف الدولة إلى واسط وقد انهزم عنها أبو عبد الله البريدي وأخوه أبو الحسين، ثم اختلف الترك على سيف الدولة ومالوا إلى توزون وهم بالقبض على سيف الدولة، فهرب منهم قاصدا إلى بغداد وبلغ أخاه ناصر الدولة أبا محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان الملقب بأمير الأمراء ببغداد الخبر، فخرج من بغداد إلى الموصل فنهبت داره ببغداد، وكانت إمارة ناصر الدولة على بغداد ثلاثة عشر شهرا وخمسة أيام، وجاء أخوه سيف الدولة بعد خروجه منها، فنزل بباب حرب، وطلب من الخليفة المتقي لله أن يمده بمال يتقوى به على حرب توزون فبعث إليه بأربعمائة ألف درهم، ففرقها في أصحابه. وحين سمع بقدوم توزون خرج من بغداد ودخلها توزون في الخامس والعشرين من رمضان، فخلع عليه الخليفة، وجعله أمير الأمراء، واستقر أمره ببغداد، وعند ذلك رجع أبو عبد الله البريدي إلى واسط وأخرج من كان بها من أصحاب توزون وكان في أسر توزون غلام لسيف الدولة يقال له: ثمال. فأرسله إلى مولاه، فحسن موقع ذلك عند آل حمدان.
وفيها كانت زلزلة عظيمة ببلاد نسا سقط منها عمارات كثيرة، وهلك بسببها خلق كثير.
قال ابن الجوزي: وكان ببغداد في أيلول وتشرين حر شديد يأخذ بالأنفاس، وفي صفر ورد الخبر بورود الروم إلى أرزن وميافارقين، وأنهم سبوا وأحرقوا.
وفي ربيع الآخر من هذه السنة عقد عقد أبي منصور إسحاق بن الخليفة المتقي لله على علوية بنت ناصر الدولة بن محمد بن حمدان، على صداق مائة ألف دينار وألف ألف درهم، وولي العقد على الجارية أبو عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي، ولم يحضر ناصر الدولة. وضرب ناصر الدولة سكة، زاد في الكتابة عليها: عبد آل محمد.
قال ابن الجوزي: وفي آذار من هذه السنة غلت الأسعار حتى أكل الناس الكلاب، ووقع الوباء في الناس، ووافى من الجراد شيء كثير جدا، حتى بيع منه كل خمسين رطلا بدرهم، فارتفق الناس به في الغلاء.
وفيها ورد كتاب ملك الروم إلى الخليفة يطلب فيه منديلا بكنيسة الرها كان المسيح قد مسح وجهه به، فصارت صورة وجهه فيه، ويعد المسلمين أنه إذا أرسل إليه يبعث من أسارى المسلمين خلقا كثيرا، فأحضر الخليفة العلماء فاستشارهم في ذلك ; فمن قائل: نحن أحق بعيسى منهم، وفي بعثه إليهم
غضاضة على المسلمين ووهن. فقال علي بن عيسى الوزير: يا أمير المؤمنين، إنقاذ أسارى المسلمين من أيدي الكفار خير وأنفع للناس من بقاء ذلك المنديل بتلك الكنيسة، فأمر الخليفة بإرسال ذلك المنديل إليهم، وتخليص الأسارى من أيديهم.
قال الصولي: ووصل الخبر بأن القرمطي ولد له مولود، فأهدى إليه أبو عبد الله البريدي هدايا عظيمة، منها مهد من ذهب، مرصع بالجوهر. وكثر الرفض ببغداد، فنودي بها: من ذكر أحدا من الصحابة بسوء فقد برئت منه الذمة.
وبعث الخليفة إلى عماد الدولة بن بويه خلعا، فقبلها ولبسها بحضرة القضاة والأعيان.
وفيها كانت وفاة السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، وقد مرض قبل موته بالسل سنة وشهرا، واتخذ في داره بيتا سماه بيت العبادة، فكان يلبس ثيابا نظافا، ويمشي إليه حافيا، ويصلي فيه، ويتضرع ويكثر الصلاة، وكان يجتنب المنكرات والآثام إلى أن مات، رحمه الله، فقام بالأمر من بعده ولده نوح بن نصر الساماني ولقب بالأمير الحميد، فقتل محمد بن أحمد النسفي - وكان قد طعن فيه عنده - وصلبه.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ سنان بن ثابت بن قرة الصابئ
أبو سعيد المتطبب، أسلم على يد القاهر بالله، ولم يسلم ولده ولا أحد من أهل بيته، وقد كان مقدما في الطب وفي علوم كثيرة. وكانت وفاته في ذي القعدة من هذه السنة بعلة الذرب، فلم تغن عنه صناعته شيئا حين جاءه الموت. وما أحسن ما قال بعض الشعراء في هذا المعنى:
قل للذي صنع الدواء بكفه ... أترد مقدورا عليك قد جرى
مات المداوى والمداوي والذي ... صنع الدواء بكفه ومن اشترى ### $ أبو الحسن الأشعري
ذكر ابن الجوزي في " المنتظم " وفاة الأشعري في هذه السنة، وتكلم فيه، وحط عليه كما جرت عادة الحنابلة، يتكلمون في الأشعرية قديما وحديثا. وذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، وأنه توفي في هذه السنة، وأنه صحب الجبائي أربعين سنة، ثم رجع عنه، وأنه توفي ببغداد، ودفن بمشرعة الروايا.
### $ محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة بن الصلت السدوسي مولاهم أبو بكر
سمع جده وعباسا الدوري وغيرهما، وعنه أبو عمر بن مهدي، وكان ثقة.
وروى الخطيب أن والد محمد هذا حين ولد أخذ طالع مولده المنجمون، فحسبوا عمره، وقالوا: إنه يعيش كذا وكذا. فأرصد له أبوه حبا، فيه عن كل يوم من عمره دينار، ثم أرصد له حبا آخر كذلك، ثم آخر كذلك، فكان يعدل كل يوم بثلاثة دنانير، ومع هذا ما أفاده شيئا، بل افتقر حتى صار يستعطي من الناس، وكان يحضر مجلس السماع عليه بلا إزار، يتصدق عليه أهل المجلس بشيء يقوم بأوده. والسعيد من أسعده الله. ### $ محمد بن مخلد بن حفص أبو عمر الدوري العطار
كان يسكن الدور، وهي محلة بطرف بغداد سمع الحسن بن عرفة والزبير بن بكار ومسلم بن الحجاج وغيرهم، وعنه الدارقطني وجماعة من الحفاظ، وكان ثقة، فهما، واسع الرواية، مشكور الديانة، مشهورا بالعبادة. وكانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة، وقد استكمل سبعا وتسعين سنة وثمانية أشهر وأحدا وعشرين يوما.
### $ المجنون البغدادي
روى ابن الجوزي من طريق أبي بكر الشبلي، قال: رأيت مجنونا عند جامع الرصافة وهو عريان، وهو يقول: أنا مجنون الله، أنا مجنون الله، فقلت له: ما لك؟ ألا تستتر وتدخل الجامع وتصلي؟ فأنشأ يقول:
يقولون زرنا واقض واجب حقنا ... وقد أسقطت حالي حقوقهم عني
إذا هم رأوا حالي ولم يأنفوا لها ... ولم يأنفوا منها أنفت لهم مني