Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
ذكر ما وقع في السنة الثانية من الهجرة، من الحوادث
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 41 of 840
وقع فيها كثير من المغازي والسرايا، ومن أعظمها وأجلها بدر الكبرى، التي كانت في رمضان منها، وقد فرق الله بها بين الحق والباطل، والهدى والغي. وهذا أوان ذكر المغازي والبعوث، فنقول وبالله المستعان.
** [كتاب المغازي] **
** [عداوة اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم وما وقع منهم] **
كتاب المغازي ### $$$$ قال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب " السيرة "، بعد ذكره أحبار اليهود، ونصبهم العداوة للإسلام وأهله، وما نزل فيهم من الآيات: فمنهم، حيي بن أخطب، وأخواه أبو ياسر، وجدي، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن أبي الحقيق، وهو أبو رافع الأعور، تاجر أهل الحجاز، وهو الذي قتله الصحابة بأرض خيبر - كما سيأتي - والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وعمرو بن جحاش، وكعب بن الأشرف، وهو من طيئ، ثم أحد بني نبهان، وأمه من بني النضير - وقد قتله الصحابة قبل أبي رافع كما سيأتي - وحليفاه الحجاج بن عمرو، وكردم بن قيس، لعنهم الله. فهؤلاء من بني النضير. ### $$$$ ومن بني ثعلبة بن الفطيون عبد الله بن صوريا، ولم يكن بالحجاز أحد أعلم بالتوراة منه - قلت: وقد قيل إنه أسلم - وابن صلوبا ومخيريق - وقد أسلم يوم أحد كما سيأتي - وكان حبر قومه. ### $$$$ ومن بني قينقاع، زيد بن اللصيت، وسعد بن حنيف، ومحمود بن سيحان، وعزيز بن أبي عزيز، وعبد الله بن صيف، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وفنحاص، وأشيع، ونعمان بن أضا، وبحري بن عمرو، وشأس بن عدي، وشأس بن قيس، وزيد بن الحارث، ونعمان بن عمرو، وسكين بن أبي سكين، وعدي بن زيد، ونعمان بن أبي أوفى أبو أنس، ومحمود بن دحية، ومالك بن صيف، وكعب بن راشد، وعازر ورافع بن أبي رافع وخالد، وأزار بن أبي أزار - قال ابن هشام: ويقال: آزر بن آزر - ورافع بن حارثة، ورافع بن حريملة، ورافع بن خارجة، ومالك بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، وعبد الله بن سلام - قلت: وقد تقدم إسلامه، رضي الله عنه. قال ابن إسحاق -: وكان حبرهم وأعلمهم، وكان اسمه الحصين، فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله. ### $$$$ قال ابن إسحاق: ومن بني قريظة، الزبير بن باطا بن وهب، وعزال بن شمويل، وكعب بن أسد - وهو صاحب عقدهم الذي نقضوه عام الأحزاب - وشمويل بن زيد، وجبل بن عمرو بن سكينة، والنحام بن زيد، وقردم بن كعب، ووهب بن زيد، ونافع بن أبي نافع، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، وكردم بن زيد، وأسامة بن حبيب، ورافع بن رميلة، وجبل بن أبي قشير، ووهب بن يهوذا.
قال: ومن بني زريق، لبيد بن أعصم، وهو الذي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن يهود بني حارثة كنانة بن صوريا.
ومن يهود بني عمرو بن عوف، قردم بن عمرو.
ومن يهود بني النجار، سلسلة بن برهام.
قال ابن إسحاق: فهؤلاء أحبار يهود، أهل الشرور والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، رضي الله عنهم، وأصحاب المسألة - الذين يكثرون الأسئلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التعنت والعناد والكفر. قال -: وأصحاب النصب لأمر الإسلام، ليطفئوه، إلا ما كان من عبد الله بن سلام ومخيريق.
ثم ذكر إسلام عبد الله بن سلام، وإسلام عمته خالدة، كما قدمناه، وذكر إسلام مخيريق يوم أحد، كما سيأتي، وأنه قال لقومه، وكان يوم السبت: يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم. ثم أخذ سلاحه وخرج، إلى من وراءه من قومه: إن قتلت هذا اليوم فأموالي لمحمد يرى فيها ما أراه الله. وكان كثير الأموال، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل حتى قتل، رضي الله عنه، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما بلغني: " «مخيريق خير يهود» ".
** [فصل ذكر من مال من المنافقين إلى اليهود] **
فصل
ثم ذكر ابن إسحاق من مال إلى هؤلاء الأضداد من اليهود، من المنافقين من الأوس والخزرج، فمن الأوس، زوي بن الحارث، وجلاس بن سويد بن الصامت الأنصاري، وفيه نزل: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} [التوبة: 74] وذلك أنه قال حين تخلف عن غزوة تبوك: لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمر. فنماها ابن امرأته عمير بن سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكر الجلاس ذلك وحلف ما قال، فنزل فيه ذلك. قال: وقد زعموا أنه تاب وحسنت توبته حتى عرف منه الإسلام والخير. قال: وأخوه الحارث بن سويد، وهو الذي قتل المجذر بن ذياد البلوي، وقيس بن زيد أحد بني ضبيعة يوم أحد، خرج مع المسلمين، وكان منافقا فلما التقى الناس، عدا عليهما فقتلهما، ثم لحق بقريش.
قال ابن هشام: وكان المجذر قد قتل أباه سويد بن الصامت في بعض حروب الجاهلية، فأخذ بثأر أبيه منه يوم أحد. كذا قال ابن هشام. وقد ذكر ابن إسحاق أن الذي قتل سويد بن الصامت إنما هو معاذ بن عفراء، قتله في غير حرب، قبل يوم بعاث، رماه بسهم فقتله. وأنكر ابن هشام أن يكون
الحارث قتل قيس بن زيد، قال: لأن ابن إسحاق لم يذكره في قتلى أحد.
قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر به، فبعث الحارث إلى أخيه الجلاس يطلب له التوبة، ليرجع إلى قومه، فأنزل الله، فيما بلغني عن ابن عباس: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين} [آل عمران: 86] إلى آخر القصة. قال: وبجاد بن عثمان بن عامر، «ونبتل بن الحارث، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب أن ينظر إلى شيطان فلينظر إلى هذا» . وكان جسيما، أدلم ثائر شعر الرأس أحمر العينين، أسفع الخدين، وكان يسمع الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينقله إلى المنافقين، وهو الذي قال: إنما محمد أذن، من حدثه بشيء صدقه. فأنزل الله فيه: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن} [التوبة: 61] الآية [التوبة: 61] . قال: وأبو حبيبة بن الأزعر، وكان ممن بنى مسجد الضرار وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وهما اللذان عاهدا الله {لئن آتانا من فضله لنصدقن} [التوبة: 75] ثم نكثا فنزل فيهما ذلك ومعتب هو الذي قال
يوم أحد {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} [آل عمران: 154] فنزل فيه الآية، وهو الذي قال يوم الأحزاب: كأن محمدا يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط، فنزل فيه: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب: 12]
قال ابن إسحاق: والحارث بن حاطب. قال ابن هشام: ومعتب بن قشير، وثعلبة والحارث ابنا حاطب - وهما من بني أمية بن زيد - من أهل بدر، وليسوا من المنافقين، فيما ذكر لي من أثق به من أهل العلم. قال: وقد ذكر ابن إسحاق ثعلبة والحارث في بني أمية بن زيد، في أسماء أهل بدر.
قال ابن إسحاق: وعباد بن حنيف، أخو سهل بن حنيف وبحزج وكان ممن بنى مسجد الضرار، وعمرو بن خذام، وعبد الله بن نبتل، وجارية بن عامر بن العطاف، وابناه يزيد ومجمع ابنا جارية، وهم ممن اتخذ مسجد الضرار، وكان مجمع غلاما حدثا، قد جمع أكثر القرآن وكان يصلي بهم فيه، فلما خرب مسجد الضرار - كما سيأتي بيانه بعد غزوة تبوك - وكان في أيام عمر، سأل أهل قباء عمر أن يصلي بهم مجمع فقال:
لا والله، أوليس إمام المنافقين في مسجد الضرار؟ فحلف بالله ما علمت بشيء من أمرهم. فزعموا أن عمر تركه فصلى بهم. قال: ووديعة بن ثابت، وكان ممن بنى مسجد الضرار، وهو الذي قال: إنما كنا نخوض ونلعب. فنزل فيه ذلك قال: وخذام بن خالد، وهو الذي أخرج مسجد الضرار من داره. قال ابن هشام مستدركا على ابن إسحاق في منافقي بني النبيت من الأوس: وبشر ورافع ابنا زيد.
قال ابن إسحاق: ومربع بن قيظي، وكان أعمى، وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجاز في حائطه وهو ذاهب إلى أحد: لا أحل لك، إن كنت نبيا، أن تمر في حائطي. وأخذ في يده حفنة من تراب، ثم قال: والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك لرميتك بها. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر. وقد ضربه سعد بن زيد الأشهلي بالقوس فشجه. قال: وأخوه أوس بن قيظي، وهو الذي قال: إن بيوتنا عورة. قال الله: {وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا} [الأحزاب: 13] قال: وحاطب بن أمية بن رافع، وكان شيخا جسيما، قد عسا في جاهليته، وكان له ابن من خيار المسلمين يقال له: يزيد بن حاطب. أصيب يوم أحد حتى أثبتته الجراحات، فحمل إلى دار بني ظفر
فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أنه اجتمع إليه من بها من رجال المسلمين ونسائهم وهو يموت، فجعلوا يقولون: أبشر بالجنة يابن حاطب. قال: فنجم نفاق أبيه، فجعل يقول: أجل، جنة من حرمل، غررتم والله هذا المسكين من نفسه. قال: وبشير بن أبيرق أبو طعمة، سارق الدرعين، الذي أنزل الله فيه: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} [النساء: 107] الآيات. قال: وقزمان حليف لبني ظفر، الذي قتل يوم أحد سبعة نفر، ثم لما آلمته الجراحة، قتل نفسه وقال: والله ما قاتلت إلا حمية على قومي. ثم مات، لعنه الله.
قال ابن إسحاق: ولم يكن في بني عبد الأشهل منافق ولا منافقة يعلم، إلا أن الضحاك بن ثابت كان يتهم بالنفاق وحب يهود. فهؤلاء كلهم من الأوس.
قال ابن إسحاق: ومن الخزرج، رافع بن وديعة، وزيد بن عمرو، وعمرو بن قيس، وقيس بن عمرو بن سهل، والجد بن قيس، وهو الذي قال: {ائذن لي ولا تفتني} [التوبة: 49] وعبد الله بن أبي ابن سلول، وكان رأس المنافقين - ورئيس الخزرج والأوس أيضا، كانوا قد أجمعوا على أن يملكوه عليهم في الجاهلية، فلما هداهم الله للإسلام قبل ذلك، شرق اللعين
بريقه وغاظه ذلك جدا - وهو الذي قال: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] وقد نزلت فيه آيات كثيرة جدا، وفيه وفي وديعة - رجل من بني عوف - ومالك بن أبي قوقل، وسويد وداعس، وهم من رهطه نزل قوله تعالى {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم} [الحشر: 12] الآيات. حين مالوا في الباطن إلى بني النضير.
** [فصل: ذكر من أسلم من أحبار اليهود على سبيل التقية] **
فصل
ثم ذكر ابن إسحاق من أسلم من أحبار اليهود على سبيل التقية، فكانوا كفارا في الباطن، فأتبعهم بصنف المنافقين، وهم من شرهم، سعد بن حنيف، وزيد بن اللصيت، وهو الذي قال حين ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، فهي في هذا الشعب، قد حبستها شجرة بزمامها. فذهب رجال من المسلمين فوجدوها كذلك. قال: ونعمان بن أوفى، وعثمان بن أوفى، «ورافع بن حريملة، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات - فيما بلغنا -: قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين» . «ورفاعة بن زيد بن التابوت وهو الذي هبت الريح الشديدة يوم
موته عند مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك فقال: إنها هبت لموت عظيم من عظماء الكفار» . فلما قدموا المدينة، وجدوا رفاعة قد مات في ذلك اليوم. وسلسلة بن برهام، وكنانة بن صوريا. فهؤلاء ممن أسلم من منافقي اليهود.
قال: فكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد، ويسمعون أحاديث المسلمين، ويسخرون ويستهزئون بدينهم، فاجتمع في المسجد يوما منهم أناس، فرآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون بينهم، خافضي أصواتهم، قد لصق بعضهم إلى بعض، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا، فقام أبو أيوب إلى عمرو بن قيس، أحد بني النجار، وكان صاحب آلهتهم في الجاهلية، فأخذ برجله، فسحبه حتى أخرجه، وهو يقول لعنه الله: أتخرجني يا أبا أيوب من مربد بني ثعلبة؟ ثم أقبل أبو أيوب إلى رافع بن وديعة النجاري فلببه بردائه، ثم نتره نترا شديدا، ولطم وجهه فأخرجه من المسجد وهو يقول: أف لك منافقا خبيثا. وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو، وكان طويل اللحية، فأخذ بلحيته وقاده بها قودا عنيفا، حتى أخرجه من المسجد، ثم جمع عمارة يديه جميعا، فلدمه بهما لدمة في صدره خر منها. قال: يقول: خدشتني يا عمارة. فقال عمارة: أبعدك الله يا منافق، فما
أعد الله لك من العذاب أشد من ذلك، فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقام أبو محمد مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار - وكان بدريا - إلى قيس بن عمرو بن سهل - وكان شابا وليس في المنافقين شاب سواه - فجعل يدفع في قفاه حتى أخرجه، وقام رجل من بني خدرة إلى رجل يقال له: الحارث بن عمرو - وكان ذا جمة - فأخذ بجمته فسحبه بها سحبا عنيفا على ما مر به من الأرض حتى أخرجه، فجعل يقول المنافق: قد أغلظت يا أبا الحارث. فقال: إنك أهل لذلك أي عدو الله، لما أنزل فيك فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنك نجس. وقام رجل من بني عمرو بن عوف إلى أخيه زوي بن الحارث، فأخرجه إخراجا عنيفا وأفف منه، وقال: غلب عليك الشيطان وأمره. ثم ذكر ابن إسحاق ما نزل فيهم من الآيات من سورة " البقرة " وغيرها ومن سورة " التوبة "، وتكلم على تفسير ذلك، فأجاد وأفاد، رحمه الله.
[غزوة الأبواء]
** ذكر أول المغازي، وهي غزوة الأبواء، ويقال لها: غزوة ودان، وأول البعوث، وهو بعث حمزة بن عبد المطلب، أو عبيدة بن الحارث، كما سيأتي في المغازي **
قال البخاري: كتاب المغازي، قال ابن إسحاق أول ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأبواء، ثم بواط، ثم العشيرة. ثم روى «عن زيد بن أرقم، أنه سئل: كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: تسع عشرة. شهد منها سبع عشرة، أولهن العسيرة أو العشيرة» . وسيأتي الحديث بإسناده ولفظه والكلام عليه عند غزوة العشيرة، إن شاء الله وبه الثقة.
وفي " صحيح البخاري "، عن بريدة، قال ( «: غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة» . ولمسلم عنه، أنه «غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة
غزوة» وفي رواية له عنه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة، وقاتل في ثمان منهن» .
وقال الحسين بن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا سبع عشرة غزوة، وقاتل في ثمان، يوم بدر، وأحد والأحزاب، والمريسيع، وقديد، وخيبر، ومكة، وحنين، وبعث أربعا وعشرين سرية.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي التنوخي ثنا الهيثم بن حميد، أخبرني النعمان، عن مكحول «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا ثماني عشرة غزوة، قاتل في ثمان غزوات، أولهن بدر، ثم أحد، ثم الأحزاب، ثم قريظة، ثم بئر معونة، ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة مكة ثم حنين والطائف» . قوله: بئر معونة بعد قريظة فيه نظر، والصحيح أنها بعد أحد، كما سيأتي.
قال يعقوب: حدثنا سلمة بن شبيب، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، 103 سمعت سعيد بن المسيب يقول: «غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة غزوة» . وسمعته مرة أخرى يقول أربعا وعشرين. فلا أدري أكان ذلك وهما أو شيئا سمعه بعد ذلك.
وقد روى الطبراني عن الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: «غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا وعشرين غزوة» .
وقال عبد بن حميد في " مسنده ": حدثنا سعيد بن سلام، ثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: «غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين غزوة» .
وقد روى الحاكم من طريق هشام، عن قتادة أن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه كانت ثلاثا وأربعين. ثم قال الحاكم: لعله أراد السرايا دون الغزوات، فقد ذكرت في " الإكليل "، على الترتيب، بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه زيادة على المائة. قال: وأخبرني الثقة من أصحابنا ببخارى أنه قرأ في كتاب أبي عبد الله محمد بن نصر السرايا والبعوث دون الحروب نيفا وسبعين. وهذا الذي ذكره الحاكم غريب جدا وحمله كلام قتادة على ما قال، فيه نظر.
وقد روى الإمام أحمد، عن أزهر بن القاسم الراسبي، عن هشام الدستوائي، عن قتادة أن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه ثلاث وأربعون، أربع وعشرون بعثا وتسع عشرة غزوة خرج في ثمان منها بنفسه، بدر، وأحد،
والأحزاب، والمريسيع، وقديد، وخيبر، وفتح مكة، وحنين.
وقال موسى بن عقبة، عن الزهري: هذه مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قاتل فيها، يوم بدر في رمضان سنة ثنتين ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق - وهو يوم الأحزاب وبني قريظة - في شوال من سنة أربع، ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان من سنة خمس ثم قاتل يوم خيبر سنة ست، ثم قاتل يوم الفتح في رمضان سنة ثمان، ثم قاتل يوم حنين، وحاصر أهل الطائف في شوال سنة ثمان، ثم حج أبو بكر سنة تسع، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع سنة عشر، وغزا ثنتي عشرة غزوة ولم يكن فيها قتال، وكانت أول غزوة غزاها الأبواء.
وقال حنبل بن إسحاق عن هلال بن العلاء، عن عبد الله بن جعفر الرقي، عن مطرف بن مازن اليماني، عن معمر، عن الزهري قال: أول آية نزلت في القتال: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39] الآية [الحج: 39] بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فكان أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر يوم الجمعة، لسبع عشرة من رمضان. إلى أن قال: ثم غزا بني النضير ثم غزا أحدا في شوال - يعني من سنة ثلاث - ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع ثم قاتل بني لحيان في شعبان سنة خمس، ثم قاتل يوم خيبر سنة ست، ثم قاتل يوم الفتح في شعبان سنة ثمان، وكانت حنين في رمضان سنة ثمان،
وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة غزوة لم يقاتل فيها، فكانت أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم الأبواء، ثم العشيرة ثم غزوة غطفان، ثم غزوة بني سليم، ثم غزوة الأبواء، ثم غزوة بدر الأولى، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة الصفراء، ثم غزوة تبوك آخر غزوة. ثم ذكر البعوث. هذا كتبته من تاريخ الحافظ ابن عساكر وهو غريب جدا، والصواب ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله مرتبا.
وهذا الفن مما ينبغي الاعتناء به والاعتبار بأمره والتهيؤ له، كما رواه محمد بن عمر الواقدي، عن عبد الله بن عمر بن علي، عن أبيه سمعت علي بن الحسين يقول: كنا نعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن. قال الواقدي: وسمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت عمي الزهري يقول في علم المغازي: علم الآخرة والدنيا.
وقال محمد بن إسحاق، رحمه الله، في " المغازي " بعد ذكره ما تقدم مما سقناه عنه من تعيين رءوس الكفر من اليهود والمنافقين، لعنهم الله أجمعين وجمعهم في أسفل سافلين: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تهيأ لحربه، وقام فيما أمره الله به من جهاد عدوه وقتال من أمره به ممن يليه من المشركين.
قال: وقد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين حين اشتد الضحاء، وكادت الشمس تعتدل لثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن ثلاث وخمسين سنة، وذلك بعد أن بعثه الله بثلاث عشرة سنة، فأقام بقية شهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، وجماديين، ورجبا، وشعبان، وشهر رمضان، وشوالا، وذا القعدة، وذا الحجة - وولي تلك الحجة المشركون - والمحرم، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه المدينة. قال ابن هشام واستعمل على المدينة سعد بن عبادة. قال ابن إسحاق: حتى بلغ ودان، وهي غزوة الأبواء - قال ابن جرير ويقال لها: غزوة ودان - أيضا يريد قريشا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذي وادعه منهم مخشي بن عمرو الضمري، وكان سيدهم في زمانه ذلك ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا، فأقام بها بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الأول. قال ابن هشام: وهي أول غزوة غزاها، عليه السلام.
قال الواقدي: وكان لواؤه مع عمه حمزة وكان أبيض.
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقامه ذلك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية
المرة، فلقي بها جمعا عظيما من قريش، فلم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم فكان أول سهم رمي به في سبيل الله في الإسلام، ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر المازني حليف بني نوفل بن عبد مناف، وكانا مسلمين، ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار. قال ابن إسحاق: وكان على المشركين يومئذ عكرمة بن أبي جهل. وروى ابن هشام، عن أبي عمرو بن العلاء، عن أبي عمرو المدني أنه قال كان عليهم مكرز بن حفص
قلت: وقد تقدم عن حكاية الواقدي قولان، أحدهما أنه مكرز والثاني أنه أبو سفيان صخر بن حرب وأنه رجح أنه أبو سفيان فالله أعلم.
ثم ذكر ابن إسحاق القصيدة المنسوبة إلى أبي بكر الصديق في هذه السرية التي أولها:
أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث ... أرقت وأمر في العشيرة حادث
ترى من لؤي فرقة لا يصدها ... عن الكفر تذكير ولا بعث باعث
رسول أتاهم صادق فتكذبوا ... عليه وقالوا لست فينا بماكث
إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا ... وهروا هرير المحجرات اللواهث
القصيدة إلى آخرها، وذكر جواب عبد الله بن الزبعرى في مناقضتها التي أولها:
أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث ... بكيت بعين دمعها غير لابث
ومن عجب الأيام والدهر كله ... له عجب من سابقات وحادث
لجيش أتانا ذي عرام يقوده ... عبيدة يدعى في الهياج
ابن حارث
لنترك أصناما
بمكة عكفا
مواريث موروث كريم لوارث
وذكر تمام القصيدة وما منعنا من إيرادها بتمامها إلا أن الإمام عبد الملك بن هشام، رحمه الله - وكان إماما في اللغة - ذكر أن أكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين.
قال ابن إسحاق: وقال: سعد بن أبي وقاص في رميته تلك فيما يذكرون:
ألا هل اتى رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي
أذود بها أوائلهم ذيادا ... بكل حزونة وبكل سهل
فما يعتد رام في عدو ... بسهم يا رسول الله قبلي
وذلك أن دينك دين صدق ... وذو حق أتيت به وفضل
ينجى المؤمنون به ويخزى ... به الكفار عند مقام مهل
فمهلا قد غويت فلا تعبني ... غوي الحي ويحك يا بن جهل
قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسعد.
قال ابن إسحاق فكانت راية عبيدة - فيما بلغنا - أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام لأحد من المسلمين. وقد خالفه الزهري وموسى بن عقبة والواقدي، فذهبوا إلى أن بعث حمزة قبل بعث عبيدة بن الحارث والله أعلم. وسيأتي في حديث سعد بن أبي وقاص أن أول أمراء السرايا عبد الله بن جحش الأسدي.
قال ابن إسحاق: وبعض العلماء يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة. وهكذا حكى موسى بن عقبة عن الزهري.
** [بعث حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر] **
فصل
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقامه ذلك حمزة بن عبد المطلب بن هاشم إلى سيف البحر من ناحية العيص، في ثلاثين راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، فلقي أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان موادعا للفريقين جميعا، فانصرف بعض القوم عن بعض، ولم يكن بينهم قتال.
قال ابن إسحاق وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين. وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا، فشبه ذلك على الناس.
قلت: وقد حكى موسى بن عقبة عن الزهري، أن بعث حمزة قبل عبيدة بن الحارث، ونص على أن بعث حمزة كان قبل غزوة الأبواء، فلما قفل عليه السلام من الأبواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين من المهاجرين، وذكر نحو ما تقدم. وقد تقدم عن الواقدي أنه قال: كانت سرية حمزة في رمضان من السنة الأولى، وبعدها سرية عبيدة في شوال منها. والله أعلم.
وقد أورد ابن إسحاق عن حمزة، رضي الله عنه، شعرا يدل على أن رايته أول راية عقدت في الإسلام، لكن قال ابن إسحاق: فإن كان حمزة قال ذلك فهو كما قال، لم يكن يقول إلا حقا، فالله أعلم أي ذلك كان، فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة أول. والقصيدة هي قوله:
ألا يا لقومي للتحلم والجهل ... وللنقص من رأي الرجال وللعقل
وللراكبينا بالمظالم لم نطأ ... لهم حرمات من سوام ولا أهل
كأنا تبلناهم ولا تبل عندنا ... لهم غير أمر بالعفاف وبالعدل
وأمر بإسلام فلا يقبلونه وينزل ... منهم مثل منزلة الهزل
فما برحوا حتى انتدبت لغارة ... لهم حيث حلوا أبتغي راحة الفضل
بأمر رسول الله أول خافق ... عليه لواء لم يكن لاح من قبلي
لواء لديه النصر من ذي كرامة ... إله عزيز فعله أفضل الفعل
عشية ساروا حاشدين وكلنا ... مراجله من غيظ أصحابه تغلي
فلما تراءينا أناخوا فعقلوا ... مطايا وعقلنا مدى غرض النبل
وقلنا لهم حبل الإله نصيرنا ... وما لكم إلا الضلالة من حبل
فثار أبو جهل هنالك باغيا فخاب ... ورد الله كيد أبي جهل
وما نحن إلا في ثلاثين راكبا
وهم مائتان بعد واحدة فضل ... فيال لؤي لا تطيعوا غواتكم
وفيئوا إلى الإسلام والمنهج السهل ... فإني أخاف أن يصب عليكم عذاب
فتدعوا بالندامة والثكل
قال: فأجابه أبو جهل بن هشام لعنه الله فقال:
عجبت لأسباب الحفيظة والجهل وللشاغبين بالخلاف وبالبطل وللتاركين ما وجدنا جدودنا عليه ذوي الأحساب والسؤدد الجزل ثم ذكر تمامها.
قال ابن هشام وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين لحمزة، رضي الله عنه ولأبي جهل لعنه الله.
** [غزوة بواط] من ناحية رضوى **
قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول - يعني من السنة الثانية - يريد قريشا.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون.
وقال الواقدي: استخلف عليها سعد بن معاذ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتي راكب وكان لواؤه مع سعد بن أبي وقاص، وكان مقصده أن يعترض لعير قريش وكان فيه أمية بن خلف ومائة رجل وألفان وخمسمائة بعير.
قال ابن إسحاق: حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، فلبث بها بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الأولى.
ثم غزا قريشا. يعني بذلك الغزوة التي يقال لها: غزوة العشيرة. وبالمهملة والعشير وبالمهملة والعشيراء وبالمهملة.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد. قال الواقدي: وكان لواؤه مع حمزة بن عبد المطلب. قال: وخرج، عليه
السلام، يتعرض لعيرات قريش ذاهبة إلى الشام.
قال ابن إسحاق فسلك على نقب بني دينار، ثم على فيفاء الخبار فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال لها: ذات الساق. فصلى عندها فثم مسجده، فصنع له عندها طعام، فأكل منه وأكل الناس معه، فرسوم أثافي البرمة معلوم هنالك، واستسقى له من ماء يقال له: المشيرب. ثم ارتحل فترك الخلائق بيسار، وسلك شعبة عبد الله ثم صب لليسار حتى هبط يليل، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة ثم سلك فرش ملل حتى لقي الطريق بصخيرات اليمام، ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع، فأقام بها جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة، ووادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا.
وقد قال البخاري: حدثنا عبد الله ثنا وهب ثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: «كم غزا النبي صلى الله عليه وسلم من
غزوة؟ قال تسع عشرة. قلت: كم غزوة أنت معه؟ قال سبع عشرة غزوة، قلت فأيهم كانت أول؟ قال: العشير، أو العسيرة، فذكرت لقتادة، فقال العشيرة» . وهذا الحديث ظاهر في أن أول الغزوات العشيرة ويقال بالسين. وبهما مع حذف التاء. وبهما مع المد اللهم إلا أن يكون المراد غزاة شهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن أرقم، العشيرة، وحينئذ لا ينفي أن يكون قبلها غيرها لم يشهدها زيد بن أرقم، وبهذا يحصل الجمع بين ما ذكره محمد بن إسحاق وبين هذا الحديث. والله أعلم.
قال محمد بن إسحاق: ويومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي ما قال، فحدثني يزيد بن محمد بن خثيم عن محمد بن كعب القرظي، حدثني أبو يزيد محمد بن خثيم، «عن عمار بن ياسر، قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بها شهرا، فصالح بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة، فوادعهم، فقال لي علي بن أبي طالب: هل لك يا أبا اليقظان أن نأتي هؤلاء النفر من بني مدلج، يعملون في عين لهم ننظر كيف يعملون؟ فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة فغشينا النوم، فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الأرض
فنمنا فيه، فوالله ما أهبنا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركنا بقدمه فجلسنا، وقد تتربنا من تلك الدقعاء، فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: " يا أبا تراب " لما عليه من التراب، فأخبرناه بما كان من أمرنا، فقال: " ألا أخبركم بأشقى الناس رجلين؟ " قلنا: بلى يا رسول الله. فقال: " أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه - ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسه حتى يبل منها هذه ". ووضع يده على لحيته» . وهذا حديث غريب من هذا الوجه وله شاهد من وجه آخر في تسمية علي أبا تراب، كما في صحيح البخاري «أن عليا خرج مغاضبا فاطمة، فجاء المسجد فنام فيه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عنه، فقالت خرج مغاضبا، فجاء إلى المسجد فأيقظه وجعل يمسح التراب عنه ويقول: " قم أبا تراب قم أبا تراب» .
** [غزوة بدر الأولى] **
قال ابن إسحاق: ثم لم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من العشيرة إلا ليالي قلائل لا تبلغ العشرة، حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى بلغ واديا يقال له: سفوان. من ناحية بدر، وهي غزوة بدر الأولى، وفاته كرز فلم يدركه.
وقال الواقدي: وكان لواؤه مع علي بن أبي طالب
قال ابن هشام والواقدي: وكان قد استخلف على المدينة زيد بن حارثة
قال ابن إسحاق: فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام جمادى ورجبا وشعبان، وقد كان بعث بين يدي ذلك سعدا في ثمانية رهط من المهاجرين، فخرج حتى بلغ الخرار من أرض الحجاز - قال ابن هشام: ذكر بعض أهل العلم أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة - ثم رجع ولم يلق كيدا. هكذا ذكره ابن إسحاق مختصرا، وقد تقدم ذكر الواقدي لهذه البعوث الثلاثة، أعني بعث حمزة في رمضان، وبعث عبيدة في شوال، وبعث سعد في ذي القعدة، كلها في السنة الأولى.
وقد قال الإمام أحمد: حدثني عبد المتعالي بن عبد الوهاب، حدثني يحيى بن سعيد. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: وحدثني سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا أبي، ثنا المجالد عن زياد بن علاقة، «عن سعد بن أبي وقاص قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، جاءته جهينة فقالوا: إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق حتى نأتيك وتؤمنا. فأوثق لهم فأسلموا. قال: فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب ولا نكون مائة، وأمرنا أن نغير على حي من بني كنانة إلى جنب جهينة، فأغرنا عليهم، وكانوا كثيرا فلجأنا إلى جهينة، فمنعونا وقالوا، لم تقاتلون في الشهر الحرام؟ فقال بعضنا لبعض: ما ترون؟ فقال بعضنا: نأتي نبي الله صلى الله عليه وسلم فنخبره وقال قوم لا، بل نقيم هاهنا. وقلت أنا في أناس معي: لا بل نأتي عير قريش فنقتطعها. وكان الفيء إذ ذاك: من أخذ شيئا فهو له. فانطلقنا إلى العير، وانطلق أصحابنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه الخبر، فقام غضبان محمر الوجه فقال: أذهبتم من عندي جميعا وجئتم متفرقين؟ إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة، لأبعثن عليكم رجلا ليس بخيركم، أصبركم على الجوع والعطش. فبعث علينا عبد الله بن جحش الأسدي، فكان أول أمير في الإسلام» . وقد رواه البيهقي في " الدلائل " من حديث يحيى بن أبي زائدة، عن مجالد به نحوه، وزاد
بعد قولهم لأصحابه: لم تقاتلون في الشهر الحرام؟ فقالوا: نقاتل في الشهر الحرام من أخرجنا من البلد الحرام. ثم رواه من حديث أبي أسامة عن مجالد، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك، عن سعد بن أبي وقاص، فذكر نحوه، فأدخل بين سعد وزياد قطبة بن مالك، وهذا أنسب والله أعلم.
وهذا الحديث يقتضي أن أول أمراء السرايا عبد الله بن جحش الأسدي، وهو خلاف ما ذكره ابن إسحاق، أن أول الرايات عقدت لعبيدة بن الحارث بن المطلب، وللواقدي حديث زعم أن أول الرايات عقدت لحمزة بن عبد المطلب والله أعلم.
** [باب سرية عبد الله بن جحش] التي كانت سببا لغزوة بدر العظمى، وذلك يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والله على كل شيء قدير **
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وهم أبو حذيفة بن عتبة، وعكاشة بن محصن بن حرثان، حليف بني أسد بن خزيمة، وعتبة بن غزوان حليف بني نوفل، وسعد بن أبي وقاص الزهري، وعامر بن ربيعة الوائلي، حليف بني عدي، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع التميمي، حليف بني عدي أيضا، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث، حليف بني عدي، أيضا وسهيل ابن بيضاء الفهري، فهؤلاء سبعة ثامنهم أميرهم عبد الله بن جحش رضي الله عنه. وقال
يونس، عن ابن إسحاق: كانوا ثمانية، وأميرهم التاسع. فالله أعلم. وستأتي تسميتهم على خلاف ما قال ابن إسحاق
قال ابن إسحاق وكتب له كتابا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا، فلما سار بهم يومين فتح الكتاب، فإذا فيه " «إذا نظرت في كتابي فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم» ". فلما نظر في الكتاب قال: سمعا وطاعة. وأخبر أصحابه بما في الكتاب، وقال: قد نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف منهم أحد، وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران. أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه، حتى نزل نخلة فمرت به عير، لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي - قال ابن هشام: واسم الحضرمي عبد الله بن عباد الصدفي. قال السهيلي: وقيل غير ذلك في نسبه
- وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، وأخوه نوفل، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا: عمار، لا بأس عليكم منهم، وتشاور الصحابة فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقالوا: والله لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام. فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس. فعزله وقسم الباقي بين أصحابه وذلك قبل أن ينزل الخمس. قال: لما نزل الخمس نزل كما قسمه عبد الله بن جحش كما قاله.
قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ". فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا وقالت قريش: قد استحل محمد
وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال. فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان. وقالت يهود، تفائل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله وقدت الحرب. فجعل الله ذلك عليهم لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} [البقرة: 217] أي، إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم أهله، أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم والفتنة أكبر من القتل أي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند الله من القتل، ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين، ولهذا قال الله تعالى ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا الآية.
قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين وبعثت قريش في فداء عثمان والحكم بن كيسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا
نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة، فمات بها كافرا.
قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الأجر فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله فيهم: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} [البقرة: 218] فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء.
قال ابن إسحاق والحديث في ذلك عن الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير. وهكذا ذكر موسى بن عقبة في " مغازيه " عن الزهري وكذا روى شعيب، عن الزهري، عن عروة، نحوا من هذا وفيه: وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين.
وقال عبد الملك بن هشام: هو أول قتيل قتله المسلمون، وهذه أول غنيمة غنمها المسلمون، وعثمان والحكم بن كيسان أول من أسره المسلمون.
قلت: وقد تقدم فيما رواه الإمام أحمد، عن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: فكان عبد الله بن جحش أول أمير في الإسلام.
وقد ذكرنا في " التفسير " لما أورده ابن إسحاق شواهد مسندة، فمن ذلك ما رواه الحافظ أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه حدثني الحضرمي، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح - أو عبيدة بن الحارث - فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال " «لا تكرهن أحدا على السير معك من أصحابك» ". فلما قرأ الكتاب استرجع، وقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله. فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب فرجع رجلان وبقي بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي، فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام. فأنزل الله {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] الآية.
وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في " تفسيره ": عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وكانوا سبعة نفر، عليهم عبد الله بن جحش، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، وسهل ابن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي، حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل، فلما نزل بطن ملل، فتح الكتاب، فإذا فيه أن سر حتى تنزل بطن نخلة. فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض، وليوص فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار، وتخلف عنه سعد وعتبة، أضلا راحلة لهما، فأقاما يطلبانها، وسار هو وأصحابه حتى نزل بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان، والمغيرة بن عثمان، وعبد الله بن المغيرة. فذكر قتل واقد لعمرو بن الحضرمي، ورجعوا بالغنيمة والأسيرين، فكانت أول غنيمة غنمها المسلمون، وقال المشركون: إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب. وقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى.
قال السدي: وكان قتلهم له في أول ليلة من رجب، وآخر ليلة من جمادى الآخرة.
قلت: لعل جمادى كان ناقصا فاعتقدوا بقاء الشهر ليلة الثلاثين، وقد كان الهلال رئي تلك الليلة. فالله أعلم.
وهكذا روى العوفي، عن ابن عباس أن ذلك كان في آخر ليلة من جمادى، وكانت أول ليلة من رجب، ولم يشعروا. وكذا تقدم في حديث جندب الذي رواه ابن أبى حاتم. وقد تقدم في سياق ابن إسحاق أن ذلك كان في آخر ليلة من رجب، وخافوا إن لم يتداركوا هذه الغنيمة وينتهزوا هذه الفرصة، دخل أولئك في الحرم، فيتعذر عليهم ذلك، فأقدموا عليهم عالمين بذلك.
وكذا قال الزهري، عن عروة، رواه البيهقي فالله أعلم أي ذلك كان.
قال الزهري عن عروة: فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقل ابن الحضرمي، وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل الله " براءة ". رواه البيهقي
قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق في غزوة عبد الله بن جحش
جوابا للمشركين فيما قالوا من إحلال الشهر الحرام.
قال ابن هشام هي لعبد الله بن جحش:
تعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد
وإخراجكم من مسجد الله أهله لئلا يرى لله في البيت ساجد ... فإنا وإن عيرتمونا بقتله وأرجف بالإسلام باغ وحاسد
سقينا من
ابن الحضرمي رماحنا بنخلة لما أوقد الحرب واقد دما ... وابن عبد الله عثمان بيننا
ينازعه غل من القد عاند
** [فصل في تحويل القبلة في سنة ثنتين من الهجرة قبل وقعة بدر] **
قال بعضهم: كان ذلك في رجب من سنة ثنتين. وبه قال قتادة وزيد بن أسلم، وهو رواية عن محمد بن إسحاق. وقد روى أحمد عن ابن عباس ما يدل على ذلك، وهو ظاهر حديث البراء بن عازب كما سيأتي. والله أعلم. وقيل: في شعبان منها. قال ابن إسحاق: بعد غزوة عبد الله بن جحش. ويقال: صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. وحكى هذا القول ابن جرير من طريق السدي بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة. قال: وبه قال الجمهور الأعظم، أنها صرفت في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة. ثم حكى عن محمد بن سعد، عن الواقدي أنها حولت يوم الثلاثاء النصف من شعبان. وفي هذا التحديد نظر. والله أعلم. وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في
" التفسير " عند قوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون} [البقرة: 144] وما قبلها وما بعدها من اعتراض سفهاء اليهود والمنافقين والجهلة الطغام على ذلك، لأنه أول نسخ وقع في الإسلام. هذا وقد أحال الله قبل ذلك في سياق القرآن تقرير جواز النسخ عند قوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 106]
وقد قال البخاري: حدثنا أبو نعيم سمع زهيرا، عن أبي إسحاق «عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت، وأنه صلى، أو صلاها، صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه، فمر على
أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة. فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم} [البقرة: 143] » [البقرة: 143] رواه مسلم من وجه آخر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، «عن البراء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة فأنزل الله: قد {نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] . قال: فوجه نحو الكعبة. وقال السفهاء من الناس وهم اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فأنزل الله {قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 142] »
وحاصل الأمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه، كما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس، رضي الله عنه، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه أن يجمع بينهما، فصلى إلى بيت المقدس أول مقدمه المدينة، واستدبر الكعبة ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا. وهذا يقتضي أن يكون ذلك إلى رجب من السنة الثانية. والله أعلم. وكان، عليه
السلام يحب أن تصرف قبلته نحو الكعبة قبلة إبراهيم، وكان يكثر الدعاء والتضرع والابتهال إلى الله، عز وجل، فكان مما يرفع يديه وطرفه إلى السماء سائلا ذلك، فأنزل الله عز وجل: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] الآية. فلما نزل الأمر بتحويل القبلة خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وأعلمهم بذلك. كما رواه النسائي، عن أبي سعيد بن المعلى، وأن ذلك كان وقت الظهر. وقال بعض الناس: نزل تحويلها بين الصلاتين. قاله مجاهد وغيره، ويؤيد ذلك ما ثبت في " الصحيحين " عن البراء أن أول صلاة صلاها، عليه السلام، إلى الكعبة بالمدينة، العصر. والعجب أن أهل قباء لم يبلغهم خبر ذلك إلى صلاة الصبح من اليوم الثاني، كما ثبت في " الصحيحين " «عن ابن عمر، قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة» .
وفي " صحيح مسلم "، عن أنس بن مالك نحو ذلك.
والمقصود أنه لما نزل تحويل القبلة إلى الكعبة ونسخ به الله تعالى حكم الصلاة إلى بيت المقدس، طعن طاعنون من السفهاء والجهلة والأغبياء، وقالوا: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] . هذا والكفرة من أهل الكتاب يعلمون أن ذلك من الله، لما يجدونه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم، من أن المدينة مهاجره، وأنه سيؤمر بالاستقبال إلى الكعبة كما قال: {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم} [البقرة: 144] الآية [البقرة: 144] وقد أجابهم الله تعالى مع هذا كله عن سؤالهم وتعنتهم، فقال: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 142] . أي هو المالك المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه، الذي يفعل ما يشاء في خلقه، ويحكم ما يريد في شرعه، وهو الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ويضل من يشاء عن الطريق القويم، وله في ذلك الحكمة التي يجب لها الرضا والتسليم.
ثم قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] أي خيارا {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] أي وكما اخترنا لكم أفضل الجهات في صلاتكم، وهديناكم إلى قبلة أبيكم إبراهيم والد الأنبياء بعد التي كان يصلي بها موسى فمن قبله من المرسلين، كذلك جعلناكم خيار الأمم، وخلاصة العالم، وأشرف الطوائف،
وأكرم التالد والطارف، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس، لإجماعهم عليكم وإشارتهم يومئذ بالفضيلة إليكم، كما ثبت في " صحيح البخاري " عن أبي سعيد مرفوعا من استشهاد نوح بهذه الأمة يوم القيامة. وإذا استشهد بهم نوح مع تقدم زمانه فمن بعده بطريق الأولى والأحرى.
ثم قال تعالى مبينا حكمته في حلول نقمته بمن شك وارتاب بهذه الواقعة، وحلول نعمته على من صدق وتابع هذه الكائنة، فقال: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول} [البقرة: 143] قال ابن عباس: {إلا لنرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة} [البقرة: 143] أي وإن كانت هذه الكائنة العظيمة الموقع كبيرة المحل شديدة الأمر إلا على الذين هدى الله أي فهم مؤمنون بها مصدقون لها، لا يشكون ولا يرتابون بل يرضون، ويسلمون، ويؤمنون، ويعملون، لأنهم عبيد للحاكم العظيم القادر المقتدر الحليم الخبير اللطيف العليم.
وقوله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] أي بشرعته استقبال بيت المقدس والصلاة إليه. {إن الله بالناس لرءوف رحيم} [البقرة: 143] والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها، وذلك مبسوط في " التفسير " وسنزيد ذلك بيانا في كتابنا " الأحكام الكبير ".
وقد روى الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عمر بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني في أهل الكتاب -: إنهم لم يحسدونا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين
** [فصل في فرضية صوم شهر رمضان سنة ثنتين قبل وقعة بدر] **
قال ابن جرير: وفي هذه السنة فرض صيام شهر رمضان. وقد قيل: إنه فرض في شعبان منها. ثم حكى «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عنه فقالوا: هذا يوم نجى الله فيه موسى. فقال: نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر الناس بصيامه» وهذا الحديث ثابت في " الصحيحين " عن ابن عباس، وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 183] الآية [البقرة: 183 - 185]
وقد تكلمنا على ذلك في " التفسير " بما فيه كفاية من إيراد الأحاديث المتعلقة بذلك، والآثار المروية في ذلك والأحكام المستفادة منه. ولله الحمد.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا المسعودي، حدثنا عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قال: «أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال. فذكر أحوال الصلاة، قال وأما أحوال الصيام، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إن الله عز وجل، فرض عليه الصيام، وأنزل: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: 183] إلى قوله {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا، فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله، عز وجل، أنزل الآية الأخرى {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} [البقرة: 185] إلى قوله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] فأثبت صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حولان» . قال: «وكانوا يأكلون، ويشربون، ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا، امتنعوا ثم إن رجلا من الأنصار يقال له: صرمة. كان يعمل صائما حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلى العشاء، ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح صائما فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جهد جهدا شديدا، فقال: ما لي أراك قد جهدت جهدا شديدا؟ فأخبره، قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزل الله
عز وجل: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم} [البقرة: 187] إلى قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] » [البقرة: 187] ورواه أبو داود في " سننه "، والحاكم في " مستدركه " من حديث المسعودي نحوه.
وفي " الصحيحين " من حديث الزهري، عن عروة عن عائشة أنها قالت: «كان عاشوراء يصام، فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر.» وللبخاري عن ابن عمر وابن مسعود مثله، ولتحرير هذا موضع آخر من " التفسير " ومن " الأحكام الكبير " وبالله المستعان.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة أمر الناس بزكاة الفطر، وقد قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس قبل الفطر بيوم أو يومين، وأمرهم بذلك. قال: وفيها صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد، وخرج بالناس إلى المصلى، فكان أول صلاة عيد صلاها، وخرجوا بين يديه بالحربة، وكانت للزبير، وهبها له النجاشي، فكانت تحمل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأعياد.
قلت: وفي هذه السنة، فيما ذكره غير واحد من المتأخرين، فرضت الزكاة ذات النصب، كما سيأتي تفصيل ذلك كله بعد وقعة بدر، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
** [غزوة بدر العظمى] يوم الفرقان يوم التقى الجمعان **
** [مقدماتها وأحداثها] **
قال الله تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون} [آل عمران: 123] وقال الله تعالى: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون} [الأنفال: 5]
[الأنفال: 5 - 8] وما بعدها إلى تمام القصة من سورة " الأنفال " وقد تكلمنا عليها هنالك، وسنورد هاهنا في كل موضع ما يناسبه.
قال ابن إسحاق، رحمه الله بعد ذكره سرية عبد الله بن جحش: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بأبي سفيان صخر بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة، فيها أموال وتجارة، وفيها ثلاثون رجلا أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص.
قال موسى بن عقبة، عن الزهري: كان ذلك بعد مقتل ابن الحضرمي بشهرين.
قال: وكان في العير ألف بعير، تحمل أموال قريش بأسرها إلا حويطب بن عبد العزى، فلهذا تخلف عن بدر.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، وغيرهم من علمائنا، عن ابن عباس، كل قد حدثني بعض الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر، قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشام، ندب المسلمين إليهم وقال: " هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها " فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعض، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا، وكان أبو سفيان، حين دنا من الحجاز، يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفا على أموال الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان؛ أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا
فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة.
قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم، عن عكرمة عن ابن عباس، ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، قالا: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب، قبل قدوم ضمضم إلى مكة بثلاث ليال، رؤيا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب، فقالت له: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم علي ما أحدثك. قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له، حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا، يا لغدر، لمصارعكم في ثلاث. فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا، يا لغدر، لمصارعكم في ثلاث. ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة. قال العباس: والله إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها، لا تذكريها لأحد.
ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة، وكان له صديقا، فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش. قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا. فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال أبو جهل يا بني عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية؟! قال: قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة. قال: قلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث. فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقا ما تقول، فسيكون وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتابا، أنكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العباس: فوالله ما كان مني إليه كبير شيء، إلا أني جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئا. قال: ثم تفرقنا، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غير لشيء مما سمعت؟! قال: قلت: قد والله فعلت، ما كان مني إليه من كبير، وايم الله لأتعرضن له، فإذا عاد لأكفيكنه. قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب، أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه، أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به،
وكان رجلا خفيفا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر. قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتد. قال: قلت في نفسي: ما له لعنه الله، أكل هذا فرق مني أن أشاتمه؟! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي، واقفا على بعيره قد جدع بعيره، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. قال فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر، فتجهز الناس سراعا وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟ ! والله ليعلمن غير ذلك. وذكر موسى بن عقبة رؤيا عاتكة، كنحو من سياق ابن إسحاق. قال: فلما جاء ضمضم بن عمرو على تلك الصفة، خافوا من رؤيا عاتكة، فخرجوا على الصعب والذلول.
قال ابن إسحاق: فكانوا بين رجلين، إما خارج وإما باعث مكانه رجلا، وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب بعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، استأجره بأربعة آلاف
درهم كانت له عليه، قد أفلس بها.
قال ابن إسحاق: وحدثني ابن أبي نجيح، أن أمية بن خلف كان قد أجمع القعود، وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا، فأتاه عقبة بن أبي معيط وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه، بمجمرة يحملها، فيها نار ومجمر، حتى وضعها بين يديه، ثم قال يا أبا علي استجمر، فإنما أنت من النساء. قال: قبحك الله، وقبح ما جئت به. قال: ثم تجهز، وخرج مع الناس. هكذا قال ابن إسحاق في هذه القصة.
وقد رواها البخاري على نحو آخر، فقال: حدثني أحمد بن عثمان، حدثنا شريح بن مسلمة، ثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، حدثني عمرو بن ميمون، أنه سمع عبد الله بن مسعود حدث عن سعد بن معاذ أنه كان صديقا لأمية بن خلف، وكان أمية إذا مر بالمدينة، نزل على سعد بن معاذ، وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، انطلق سعد بن معاذ معتمرا، فنزل على أمية بمكة، فقال سعد لأمية: انظر لي ساعة خلوة، لعلي أطوف بالبيت. فخرج به قريبا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل، فقال: يا أبا صفوان من هذا معك؟ قال: هذا سعد. قال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا، وقد آويتم
الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم، أما والله، لولا أنك مع أبي صفوان، ما رجعت إلى أهلك سالما. فقال له سعد، ورفع صوته عليه: أما والله، لئن منعتني هذا، لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة. فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي، قال سعد دعنا عنك يا أمية، فوالله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنهم قاتلوك ". قال: بمكة؟ قال: لا أدري. ففزع لذلك أمية فزعا شديدا، فلما رجع إلى أهله قال: يا أم صفوان، ألم تري ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدا أخبرهم أنهم قاتلي، فقلت له: بمكة؟ قال لا أدري. فقال أمية: والله لا أخرج من مكة. فلما كان يوم بدر، استنفر أبو جهل الناس فقال: أدركوا عيركم. فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي، تخلفوا معك. فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذ غلبتني، فوالله لأشترين أجود بعير بمكة. ثم قال أمية: يا أم صفوان، جهزيني. فقالت له: يا أبا صفوان، وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا، وما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا. فلما خرج أمية، أخذ لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدر.
وقد رواه البخاري في موضع آخر، عن أحمد بن إسحاق، عن
عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق به نحوه. تفرد به البخاري.
وقد رواه الإمام أحمد، عن خلف بن الوليد وعن أبي سعيد، كلاهما عن إسرائيل، وفي رواية إسرائيل: قالت له امرأته: والله إن محمدا لا يكذب.
قال ابن إسحاق: ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسير، ذكروا ما كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا. وكانت الحرب التي كانت بين قريش وبين بني بكر، في ابن لحفص بن الأخيف من بني عامر بن لؤي، قتله رجل من بني بكر بإشارة عامر بن يزيد بن عامر بن الملوح، ثم أخذ بثأره أخوه مكرز بن حفص، فقتل عامرا وخاض بسيفه في بطنه، ثم جاء من الليل فعلقه بأستار الكعبة، فخافوهم بسبب ذلك الذي وقع بينهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: لما أجمعت قريش المسير، ذكرت الذي بينها وبين بني بكر، فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه. فخرجوا سراعا
قلت: وهذا معنى قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب} [الأنفال: 47] وقد قال الله تعالى: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} [الإسراء: 81] فإبليس، لعنه الله، لما عاين الملائكة يومئذ تنزل للنصر، فر ذاهبا، فكان أول من هرب يومئذ، بعد أن كان هو المشجع لهم، المجير لهم، كما غرهم ووعدهم ومناهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا.
وقال يونس عن ابن إسحاق: خرجت قريش على الصعب والذلول، في تسعمائة وخمسين مقاتلا، معهم مائتا فرس يقودونها، ومعهم القيان يضربن
بالدفوف، ويغنين بهجاء المسلمين، وذكر المطعمين لقريش يوما يوما.
وذكر الأموي أن أول من نحر لهم، حين خرجوا من مكة، أبو جهل، نحر لهم عشرا، ثم نحر لهم أمية بن خلف بعسفان تسعا، ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشرا، ومالوا من قديد إلى مياه نحو البحر، فظلوا فيها وأقاموا بها يوما، فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعا، ثم أصبحوا بالجحفة، فنحر لهم يومئذ عتبة بن ربيعة عشرا، ثم أصبحوا بالأبواء، فنحر لهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج عشرا، ونحر لهم العباس بن عبد المطلب عشرا، ونحر لهم على ماء بدر أبو البختري عشرا، ثم أكلوا من أزوادهم. قال الأموي: حدثنا أبي، حدثنا أبو بكر الهذلي قال: كان مع المشركين ستون فرسا وستمائة درع، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسان وستون درعا
. هذا ما كان من أمر هؤلاء في نفيرهم من مكة ومسيرهم إلى بدر. وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن إسحاق «: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان، في أصحابه واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس، ورد أبا لبابة من الروحاء، واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، وكان أبيض، وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان، إحداهما
مع علي بن أبي طالب، يقال لها العقاب. والأخرى مع بعض الأنصار. قال ابن هشام: كانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ. وقال الأموي: كانت مع الحباب بن المنذر. قال ابن إسحاق وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار. وقال الأموي: وكان معهم فرسان، على إحداهما مصعب بن عمير، وعلى الأخرى الزبير بن العوام، ومرة سعد بن خيثمة، ومرة المقداد بن الأسود» . وقد روى الإمام أحمد من حديث أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد
. وروى البيهقي من طريق ابن وهب، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن عليا قال له: ما كان معنا إلا فرسان، فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود. يعني يوم بدر.
قال الأموي: حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن البهي قال: كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فارسان، الزبير بن العوام على الميمنة، والمقداد بن الأسود على الميسرة.
قال ابن إسحاق: وكان معهم سبعون بعيرا يعتقبونها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ومرثد بن أبي مرثد يعتقبون بعيرا، وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة يعتقبون بعيرا. كذا قال ابن إسحاق، رحمه الله تعالى.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، عن حماد بن سلمة، حدثنا عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: «كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: نحن نمشي عنك فقال: " ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما» . وقد رواه النسائي عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن حماد بن سلمة به.
قلت: ولعل هذا كان قبل أن يرد أبا لبابة من الروحاء، ثم كان زميلاه علي ومرثد بدل أبي لبابة. والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر» . وهذا على شرط " الصحيحين ". وإنما رواه النسائي، عن أبي الأشعث، عن خالد بن الحارث عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به.
قال شيخنا الحافظ المزي في " الأطراف ": وتابعه سعيد بن بشير، عن قتادة وقد رواه هشام، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة. فالله أعلم.
وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يقول: «لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها، إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتب الله أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش،
حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد» . تفرد به.
قال ابن إسحاق: فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقه من المدينة إلى مكة على نقب المدينة، ثم على العقيق، ثم على ذي الحليفة، ثم على أولات الجيش، ثم مر على تربان، ثم على ملل، ثم على غميس الحمام، ثم على صخيرات اليمام، ثم على السيالة، ثم على فج الروحاء، ثم على شنوكة، وهي الطريق المعتدلة، حتى إذا كان بعرق الظبية، لقي رجلا من الأعراب، فسألوه عن الناس، فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له الناس: سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أوفيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: نعم. فسلم عليه ثم قال: لئن كنت رسول الله، فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه. قال له سلمة بن سلامة بن وقش: لا تسأل رسول الله وأقبل علي، فأنا أخبرك عن ذلك، نزوت عليها، ففي بطنها منك سخلة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مه، أفحشت على الرجل " ثم أعرض عن سلمة ونزل رسول الله سجسج، وهي بئر الروحاء، ثم ارتحل منها حتى إذا كان منها بالمنصرف، ترك طريق مكة بيسار وسلك ذات اليمين على النازية، يريد بدرا، فسلك في ناحية منها، حتى إذا جزع واديا يقال له: رحقان بين النازية وبين مضيق الصفراء، ثم على
المضيق، ثم انصب منه، حتى إذا كان قريبا من الصفراء، بعث بسبس بن عمرو الجهني، حليف بني ساعدة، وعدي بن أبي الزغباء، حليف بني النجار إلى بدر، يتجسسان له الأخبار عن أبي سفيان صخر بن حرب وعيره.
وقال موسى بن عقبة: بعثهما قبل أن يخرج من المدينة، فلما رجعا فأخبراه بخبر العير، استنفر الناس إليها. فإن كان ما ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق محفوظا، فقد بعثهما مرتين. والله أعلم.
قال ابن إسحاق رحمه الله: ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قدمهما، فلما استقبل الصفراء، وهي قرية بين جبلين، سأل عن جبليها: ما أسماؤهما؟ فقالوا: يقال لأحدهما: مسلح. وللآخر: مخرئ. وسأل عن أهلهما، فقيل: بنو النار، وبنو حراق، بطنان من غفار. فكرههما رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرور بينهما، وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما، فتركهما والصفراء بيسار، وسلك ذات اليمين، على واد يقال له: ذفران فجزع فيه ثم نزل، وأتاه الخبر عن قريش ومسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما
مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشيروا علي أيها الناس ". وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله. قال: " أجل " قال: فقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله. قال: فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه. ثم قال: سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم هكذا ذكره ابن إسحاق رحمه الله.
وله شواهد من وجوه كثيرة، فمن ذلك ما رواه البخاري في " صحيحه " حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: «شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك، وبين يديك وخلفك. فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره» . انفرد به البخاري دون مسلم، فرواه في مواضع من " صحيحه " من حديث مخارق به. ورواه النسائي من حديثه، وعنده: جاء المقداد يوم بدر على فرس. فذكره.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبيدة هو ابن حميد، عن حميد الطويل، عن أنس قال: «استشار النبي صلى الله عليه وسلم مخرجه إلى بدر، فأشار عليه أبو بكر، ثم استشارهم فأشار عليه عمر، ثم استشارهم، فقال بعض الأنصار: إياكم يريد رسول الله يا معشر الأنصار. فقال بعض الأنصار: يا رسول الله، إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ولكن والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك» . وهذا الإسناد ثلاثي على شرط الصحيح.
وقال أحمد أيضا: حدثنا عفان، ثنا حماد، عن ثابت عن، أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حيث بلغه إقبال أبي سفيان. قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقال سعد بن عبادة: إيانا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس. قال: فانطلقوا حتى نزلوا بدرا، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسود لبني الحجاج فأخذوه، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه، فيقول ما لي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة، وأمية بن خلف. فإذا قال ذلك ضربوه، فإذا ضربوه، قال: نعم، أنا أخبركم، هذا أبو سفيان. فإذا تركوه فسألوه قال: ما لي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية في الناس. فإذا قال هذا أيضا ضربوه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف فقال: والذي نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدقكم، وتتركونه إذا كذبكم. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا مصرع فلان غدا. يضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا. فما أماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم» ورواه مسلم، عن أبي بكر، عن عفان به نحوه.
وقد روى ابن أبي حاتم في " تفسيره "، وابن مردويه، واللفظ له من
طريق عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم، عن أبي عمران، أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير، لعل الله يغنمناها؟ فقلنا: نعم. فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين، قال لنا: ما ترون في القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم فقلنا: لا والله، ما لنا طاقة بقتال القوم، ولكنا أردنا العير. ثم قال: ما ترون في قتال القوم؟ فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد بن عمرو: إذا لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. قال: فتمنينا معشر الأنصار لو أنا قلنا مثل ما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم. فأنزل الله، عز وجل، على رسوله: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} [الأنفال: 5] » [الأنفال: 5] وذكر تمام الحديث.
وروى ابن مردويه أيضا من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، عن جده، قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، حتى إذا كان بالروحاء، خطب الناس فقال: كيف ترون فقال أبو بكر: يا رسول الله، بلغنا أنهم بكذا وكذا. قال: ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون؟ ". فقال عمر مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون؟ ". فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، إيانا تريد، فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب
ما سلكتها قط، ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن، لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت. فنزل القرآن على قول سعد: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} [الأنفال: 5] الآيات» . وذكره الأموي في " مغازيه " وزاد بعد قوله: وخذ من أموالنا ما شئت: وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت به من أمر، فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك.
قال ابن إسحاق: ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران، فسلك على ثنايا يقال لها: الأصافر. ثم انحط منها إلى بلد يقال له: الدبة. وترك الحنان بيمين، وهو كثيب عظيم كالجبل العظيم، ثم نزل قريبا من بدر، فركب هو ورجل من أصحابه. قال ابن هشام: هو أبو بكر.
قال ابن إسحاق: كما حدثني محمد بن يحيى بن حبان: حتى وقف على شيخ من العرب، فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أخبرتنا أخبرناك ". فقال: أوذاك بذاك؟ قال: " نعم ". قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم - وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذي به قريش - فلما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نحن من ماء " ثم انصرف عنه. قال: يقول الشيخ: ما من ماء؟! أمن ماء العراق؟ قال ابن هشام يقال لهذا الشيخ: سفيان الضمري.
قال ابن إسحاق: ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، في نفر من أصحابه إلى ماء بدر، يلتمسون الخبر له، كما حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، فأصابوا راوية لقريش، فيها أسلم غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما، فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فقالوا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهما،
ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما، فلما أذلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان. فتركوهما، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسجد سجدتيه وسلم، وقال: " إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما! صدقا والله، إنهما لقريش، أخبراني عن قريش " قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. والكثيب: العقنقل. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كم القوم؟ " قالا كثير. قال: " ما عدتهم؟ " قالا: لا ندري. قال: " كم ينحرون كل يوم؟ قالا: يوما تسعا، ويوما عشرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " القوم ما بين التسعمائة إلى الألف " ثم قال لهما: " فمن فيهم من أشراف قريش؟ " قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود. قال: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: " هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها ".
قال ابن إسحاق: وكان بسبس بن عمرو، وعدي بن أبي الزغباء قد مضيا حتى نزلا بدرا، فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنا لهما يستقيان فيه، ومجدي بن عمرو الجهني على الماء، فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما تتلازمان على الماء، والملزومة تقول
لصاحبتها: إنما تأتي العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك. قال مجدي: صدقت. ثم خلص بينهما. وسمع ذلك عدي وبسبس، فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه بما سمعا، وأقبل أبو سفيان حتى تقدم العير حذرا، حتى ورد الماء، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست؟ أحدا قال: ما رأيت أحدا أنكره، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب. فرجع إلى أصحابه سريعا، فضرب وجه عيره عن الطريق، فساحل بها وترك بدرا بيسار، وانطلق حتى أسرع، وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة، رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إني رأيت فيما يرى النائم، وإني لبين النائم واليقظان، إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس، حتى وقف ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وفلان، وفلان. فعد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب في لبة بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه. فبلغت أبا جهل، لعنه الله، فقال: هذا أيضا نبي آخر من بني المطلب، سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.
قال ابن إسحاق: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى
قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاها الله، فارجعوا. فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرا - وكان بدر موسما من مواسم العرب، يجتمع لهم به سوق كل عام - فنقيم عليه ثلاثا، فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا، فامضوا. وقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، وكان حليفا لبني زهرة، وهم بالجحفة: يا بني زهرة، قد نجى الله لكم أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها وارجعوا، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة، لا ما يقول هذا. قال: فرجعوا فلم يشهدها زهري واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعا، ولم يكن بقي بطن من قريش إلا وقد نفر منهم ناس، إلا بني عدي، لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس، فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد. قال: ومضى القوم، وكان بين طالب بن أبي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة، فقالوا: والله لقد عرفنا يا بني هاشم وإن خرجتم معنا، أن هواكم مع محمد. فرجع طالب إلى مكة مع من رجع، وقال في ذلك:
لاهم إما يغزون طالب ... في عصبة محالف محارب
في مقنب من هذه المقانب ... فليكن المسلوب غير السالب
وليكن المغلوب غير الغالب
قال ابن إسحاق: ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي، خلف العقنقل وبطن الوادي، وهو يليل بين بدر وبين العقنقل، الكثيب الذي خلفه قريش، والقليب ببدر، في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة.
قلت: وفي هذا قال تعالى: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم} [الأنفال: 42] أي من ناحية الساحل. {ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا} [الأنفال: 42] .
وبعث الله السماء، وكان الوادي دهسا، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ماء، لبد لهم الأرض، ولم يمنعهم من السير، وأصاب قريشا منها ماء لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.
قلت: وفي هذا قوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام} [الأنفال: 11] فذكر أنه طهرهم ظاهرا وباطنا، وأنه ثبت أقدامهم، وشجع قلوبهم، وأذهب عنهم تخذيل الشيطان، وتخويفه للنفوس ووسوسته
للخواطر وهذا تثبيت الباطن والظاهر، وأنزل النصر عليهم من فوقهم، في قوله: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق} [الأنفال: 12] أي على الرءوس {واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] أي لئلا يستمسك منهم السلاح. {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار} [الأنفال: 13]
[الأنفال: 12 - 14]
قال ابن جرير: حدثني هارون بن إسحاق، ثنا مصعب بن المقدام، ثنا إسرائيل، ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علي بن أبي طالب قال: «أصابنا من الليل طش من المطر، يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر، فانطلقنا تحت الشجر والحجف، نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني قائما يصلي، وحرض على القتال» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي قال: ( «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي
ويبكي حتى أصبح» . وسيأتي هذا الحديث مطولا. ورواه النسائي عن بندار، عن غندر، عن شعبة به. وقال مجاهد: أنزل عليهم المطر، فأطفأ به الغبار، وتلبدت به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم.
قلت: وكانت ليلة بدر، ليلة الجمعة السابعة عشر من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة، وقد بات رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي إلى جذم شجرة هناك، ويكثر في سجوده أن يقول: " يا حي يا قيوم " يكرر ذلك ويلظ به، عليه السلام.
قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر، نزل به.
قال ابن إسحاق: فحدثت عن رجال من بني سلمة، أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: " بل هو الرأي والحرب والمكيدة ". قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس
بمنزل، فامض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أشرت بالرأي
قال الأموي: حدثنا أبي، قال: وزعم الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الأقباص، وجبريل عن يمينه، إذ أتاه ملك من الملائكة، فقال: يا محمد، إن الله يقرأ عليك السلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو السلام، ومنه السلام، وإليه السلام، فقال الملك: إن الله يقول لك إن الأمر هو الذي أمرك به الحباب بن المنذر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل هل تعرف هذا؟ فقال: ما كل أهل السماء أعرف، وإنه لصادق، وما هو بشيطان» .
فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم، نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه، فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية. وذكر بعضهم أن الحباب بن المنذر لما أشار بما أشار به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل ملك من السماء، وجبريل عند
النبي صلى الله عليه وسلم فقال الملك: يا محمد، ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن الرأي ما أشار به الحباب. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل، فقال: ليس كل الملائكة أعرفهم، وإنه ملك وليس بشيطان. وذكر الأموي، أنهم نزلوا على القليب الذي يلي المشركين نصف الليل، وأنهم نزلوا فيه، واستقوا منه، وملئوا الحياض حتى أصبحت ملاء، وليس للمشركين ماء.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر، أنه حدث أن سعد بن معاذ قال: يا نبي الله، ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى، جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد حبا لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير، ثم بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش كان فيه.
قال ابن إسحاق: وقد ارتحلت قريش حين أصبحت، فأقبلت، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل، وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي، قال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم، وهو على جمل له أحمر:
إن يكن في أحد من القوم خير، فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا. قال وقد كان خفاف بن إيماء بن رحضة، أو أبوه إيماء بن رحضة الغفاري، بعث إلى قريش ابنا له بجزائر أهداها لهم، وقال: إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال، فعلنا. قال: فأرسلوا إليه مع ابنه، أن وصلتك رحم وقد قضيت الذي عليك، فلعمري إن كنا إنما نقاتل الناس، ما بنا ضعف عنهم، وإن كنا إنما نقاتل الله، كما يزعم محمد، فما لأحد بالله من طاقة. قال: فلما نزل الناس، أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم حكيم بن حزام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل، ثم أسلم بعد ذلك، فحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا والذي نجاني يوم بدر.
قلت: وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، كما سيأتي بيان ذلك في فصل نعقده بعد الوقعة، ونذكر أسماءهم على حروف المعجم، إن شاء الله.
ففي صحيح البخاري، عن البراء قال: كنا نتحدث أن أصحاب بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوزه معه إلا مؤمن. وللبخاري أيضا عنه قال: «استصغرت أنا وابن عمر يوم
بدر، وكان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين، والأنصار نيفا وأربعين ومائتين»
وروى الإمام أحمد، عن نصر بن باب، عن حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أنه قال: كان أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وكان المهاجرون ستة وسبعين، وكان هزيمة أهل بدر لسبع عشرة، مضين يوم الجمعة، في شهر رمضان. وقال الله تعالى: {إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم} [الأنفال: 43] الآية [الأنفال: 43] . وكان ذلك في منامه تلك الليلة. وقيل: إنه نام في العريش، وأمر الناس أن لا يقاتلوا حتى يأذن لهم، فدنا القوم منهم، فجعل الصديق يوقظه، ويقول: يا رسول الله، دنوا منا، فاستيقظ. وقد أراه الله إياهم في منامه قليلا. ذكره الأموي. وهو غريب جدا. وقال تعالى: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا} [الأنفال: 44] فعندما تقابل الفريقان، قلل الله كلا منهما في أعين الآخرين، ليجترئ هؤلاء على هؤلاء، وهؤلاء على هؤلاء، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وليس هذا معارضا لقوله تعالى في سورة " آل عمران " {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء} [آل عمران: 13]
فإن المعنى في ذلك، على أصح القولين، أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلي عدد الكافرة، على الصحيح أيضا، وذلك عند التحام الحرب، والمسايفة أوقع الله الوهن والرعب في قلوب الذين كفروا، فاستدرجهم أولا بأن أراهم إياهم عند المواجهة قليلا، ثم أيد المؤمنين بنصره، فجعلهم في أعين الكافرين على الضعف منهم، حتى وهنوا وضعفوا وغلبوا، ولهذا قال: {والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} [آل عمران: 13]
قال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر، حتى إني لأقول لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مائة
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار، وغيره من أهل العلم، عن أشياخ من الأنصار قالوا: لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي، فقالوا: احزر لنا القوم أصحاب محمد. قال: فاستجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلا أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر، أللقوم كمين أو مدد. قال: فضرب في الوادي
حتى أبعد، فلم ير شيئا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئا، ولكن قد رأيت، يا معشر قريش، البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم، فما خير العيش بعد ذلك؟! فروا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك، مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة، فقال: يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي. قال: قد فعلت، أنت علي بذلك، إنما هو حليفي، فعلي عقله وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية - يعني أبا جهل - فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره. ثم قام عتبة خطيبا، فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن أصبتموه، لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو رجلا من عشيرته، فارجعوا، وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه، فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك، ألفاكم ولم
تعرضوا منه ما تريدون. قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل، فوجدته قد نثل درعا له، فهو يهنئها، فقلت له: يا أبا الحكم، إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا. فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه، فلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ولكنه رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه، فقد تخوفكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي، فقال هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك. فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ واعمراه واعمراه. قال: فحميت الحرب، وحقب أمر الناس، واستوثقوا على ما هم عليه من الشر، وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة. فلما بلغ عتبة قول أبي جهل: انتفخ والله سحره. قال: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره، أنا أم هو.
ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه، فما وجد في الجيش بيضة تسعه، من عظم رأسه، فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له.
وقد روى ابن جرير من طريق مسور بن عبد الملك اليربوعي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، قال: بينا نحن عند مروان بن الحكم، إذ دخل حاجبه فقال: حكيم بن حزام يستأذن. قال: ائذن له. فلما دخل قال: مرحبا يا أبا خالد، ادن، فحال له عن صدر المجلس حتى جلس بينه وبين الوسادة، ثم استقبله فقال: حدثنا حديث بدر. فقال خرجنا حتى إذا كنا بالجحفة، رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها، فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا، ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي قال الله تعالى، فجئت عتبة بن ربيعة فقلت: يا أبا الوليد هل لك في أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟ قال: أفعل ماذا؟ قلت: إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي، وهو حليفك، فتحمل بديته، ويرجع الناس. فقال: أنت علي بذلك، واذهب إلى ابن الحنظلية، يعني أبا جهل، فقل له: هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك؟ فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن خلفه، وإذا ابن الحضرمي واقف على رأسه وهو يقول: فسخت عقدي من عبد شمس، وعقدي اليوم إلى بني مخزوم. فقلت له: يقول لك عتبة بن ربيعة: هل لك أن
ترجع اليوم عن ابن عمك بمن معك؟ قال: أما وجد رسولا غيرك؟ قلت: لا، ولم أكن لأكون رسولا لغيره. قال: حكيم فخرجت مبادرا إلى عتبة لئلا يفوتني من الخبر شيء، وعتبة متكئ على إيماء بن رحضة الغفاري، وقد أهدى إلى المشركين عشر جزائر، فطلع أبو جهل والشر في وجهه، فقال لعتبة: انتفخ سحرك فقال له عتبة: ستعلم. فسل أبو جهل سيفه، فضرب به متن فرسه. فقال إيماء بن رحضة: بئس الفأل هذا. فعند ذلك قامت الحرب.
وقد صف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وعبأهم أحسن تعبئة، فروى الترمذي، عن عبد الرحمن بن عوف قال: «صفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ليلا» .
وروى الإمام أحمد من حديث ابن لهيعة: حدثني يزيد بن أبي حبيب، أن أسلم أبا عمران حدثه، أنه سمع أبا أيوب يقول: ( «صففنا يوم بدر فبدرت منا بادرة أمام الصف، فنظر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " معي معي» " تفرد به أحمد. وهذا إسناد حسن.
وقال ابن إسحاق: وحدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ
من قومه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار، وهو مستنتل من الصف، فطعن في بطنه بالقدح وقال: " استو يا سواد ". فقال يا رسول الله، أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني. فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه، فقال: " استقد " قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: " ما حملك على هذا يا سواد؟ " قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك، أن يمس جلدي جلدك. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقاله» .
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن عوف بن الحارث، وهو ابن عفراء، قال: «يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده؟ قال: غمسه يده في العدو حاسرا فنزع درعا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه، فقاتل حتى قتل، رضي الله عنه» .
قال ابن إسحاق: ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف، ورجع إلى العريش فدخله، ومعه أبو بكر، ليس معه فيه غيره.
وقال ابن إسحاق وغيره: وكان سعد بن معاذ، رضي الله عنه واقفا
على باب العريش متقلدا بالسيف، ومعه رجال من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا عليه من أن يدهمه العدو من المشركين. والجنائب النجائب مهيأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إن احتاج إليها ركبها ورجع إلى المدينة، كما أشار به سعد بن معاذ.
وقد روى البزار في " مسنده " من حديث محمد بن عقيل، عن علي أنه خطبهم فقال: يا أيها الناس، من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين. فقال: أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، إنا جعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا، فقلنا: من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا أحد إلا أبو بكر، شاهرا بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهوي إليه أحد، إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس. قال: ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش، فهذا يجؤه، وهذا يتلتله، ويقولون: أنت جعلت الآلهة إلها واحدا. فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، يضرب هذا، ويجأ هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله. ثم رفع علي بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلت
لحيته ثم قال: أنشدكم الله، أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فسكت القوم، فقال علي: فوالله لساعة من أبي بكر، خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه. ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه.
فهذه خصوصية للصديق حيث هو مع الرسول صلى الله عليه وسلم في العريش، كما كان معه في الغار، رضي الله عنه وأرضاه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الابتهال والتضرع والدعاء، ويقول: فيما يدعو به: " اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة، لا تعبد بعدها في الأرض " وجعل يهتف بربه، عز وجل، ويقول: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك ". ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه، وجعل أبو بكر، رضي الله عنه، يلتزمه من ورائه، ويسوي عليه رداءه، ويقول مشفقا عليه من كثرة الابتهال: يا رسول الله، بعض مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.
هكذا حكى السهيلي عن قاسم بن ثابت أن الصديق إنما قال: بعض مناشدتك ربك، من باب الإشفاق، لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرع، حتى سقط الرداء عن منكبيه فقال: بعض هذا يا رسول الله أي لم تتعب نفسك هذا التعب، والله قد وعدك بالنصر. وكان رضي الله عنه، رقيق القلب، شديد الإشفاق على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحكى السهيلي عن شيخه أبي بكر بن العربي أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف، والصديق في مقام الرجاء، وكان مقام الخوف في هذا الوقت. يعني أكمل. قال: لأن لله أن يفعل ما يشاء، فخاف أن لا يعبد في الأرض بعدها، فخوفه ذلك عبادة.
قلت: وأما قول بعض الصوفية: إن هذا المقام، في مقابلة ما كان يوم الغار. فهو قول مردود على قائله، إذ لم يتدبر هذا القائل عور ما قال، ولا لازمه، ولا ما يترتب عليه. والله أعلم.
هذا وقد تواجه الفئتان، وتقابل الفريقان، وحضر الخصمان، بين يدي الرحمن، واستغاث بربه سيد الأنبياء، وضج الصحابة بصنوف الدعاء، إلى رب الأرض والسماء، سامع الدعاء وكاشف البلاء، فكان أول من قتل من المشركين، الأسود بن عبد الأسد المخزومي.
قال ابن إسحاق: وكان رجلا شرسا سيئ الخلق فقال: أعاهد الله
لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه. فلما خرج، خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة، فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره، تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد - زعم - أن يبر يمينه، واتبعه حمزة، فضربه حتى قتله في الحوض.
قال الأموي: فحمي عند ذلك عتبة بن ربيعة، وأراد أن يظهر شجاعته، فبرز بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فلما توسطوا بين الصفين، دعوا إلى البراز، فخرج إليهم فتية من الأنصار ثلاثة، وهم: عوف ومعوذ ابنا الحارث، وأمهما عفراء، والثالث عبد الله بن رواحة، فيما قيل، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار. فقالوا: ما لنا بكم من حاجة. وفي رواية: فقالوا: أكفاء كرام، ولكن أخرجوا إلينا من بني عمنا. ونادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي ". وعند الأموي، أن النفر من الأنصار لما خرجوا، كره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه أول موقف واجه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أعداءه، فأحب أن يكون أولئك من عشيرته، فأمرهم بالرجوع، وأمر أولئك الثلاثة بالخروج.
قال ابن إسحاق: فلما دنوا منهم قالوا: من أنتم؟ وفي هذا دليل أنهم كانوا ملبسين، لا يعرفون من السلاح - فقال عبيدة: عبيدة. وقال حمزة: حمزة وقال علي: علي. قالوا نعم أكفاء كرام. فبارز عبيدة، وكان أسن القوم، عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة. فأما حمزة، فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما علي، فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة، فذففا عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه، رضي الله عنه.
وقد ثبت في الصحيحين، من حديث أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي ذر أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] نزلت في حمزة وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه، يوم برزوا في بدر. هذا لفظ البخاري في تفسيرها.
وقال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، ثنا أبو مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب، أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن، عز وجل، في الخصومة يوم القيامة.
قال قيس: وفيهم نزلت: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] قال: هم الذين بارزوا يوم بدر، علي وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. تفرد به البخاري. وقد أوسعنا الكلام عليها في " التفسير " بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة.
وقال الأموي: حدثنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله البهي قال: برز عتبة وشيبة والوليد، وبرز إليهم حمزة وعبيدة وعلي، فقالوا: تكلموا نعرفكم. فقال حمزة: أنا أسد الله، وأسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا حمزة بن عبد المطلب. فقال: كفء كريم. وقال علي: أنا عبد الله، وأخو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عبيدة: أنا الذي في الحلفاء. فقام كل رجل إلى رجل، فقاتلوهم فقتلهم الله. فقالت هند في ذلك:
أعيني جودا بدمع سرب ... على خير خندف لم ينقلب
تداعى له رهطه غدوة ... بنو هاشم وبنو المطلب
يذيقونه حد أسيافهم ... يعلونه بعد ما قد عطب
ولهذا نذرت هند أن تأكل من كبد حمزة.
قلت: وعبيدة هذا هو ابن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، ولما جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعوه إلى جانب موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفرشه رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه، فوضع خده على قدمه الشريفة وقال: يا رسول الله، لو رآني أبو طالب، لعلم أني أحق بقوله:
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ثم مات، رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد أنك شهيد. رواه الشافعي رحمه الله.
وكان أول قتيل من المسلمين في المعركة، مهجع مولى عمر بن الخطاب، رمي بسهم فقتله.
قال ابن إسحاق: فكان أول من قتل، ثم رمي بعده حارثة بن سراقة، أحد بني عدي بن النجار، وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فمات.
وثبت في " الصحيحين " عن أنس، «أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر،
وكان في النظارة، أصابه سهم غرب فقتله، فجاءت أمه فقالت: يا رسول الله، أخبرني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت، وإلا فليرين الله ما أصنع. يعني من النياح، وكانت لم تحرم بعد. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك أهبلت، إنها جنان ثمان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى»
قال ابن إسحاق: ثم تزاحف الناس، ودنا بعضهم من بعض. وقال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل. وفي " صحيح البخاري " عن أبي أسيد قال: «قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: إذا أكثبوكم - يعني المشركين - فارموهم واستبقوا نبلكم»
وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصم، حدثنا أحمد بن
عبد الجبار عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني عمر بن عبد الله بن عروة، عن عروة بن الزبير، قال: «جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شعار المهاجرين يوم بدر: يا بني عبد الرحمن. وشعار الخزرج: يا بني عبد الله. وشعار الأوس: يا بني عبيد الله. وسمى خيله: خيل الله.»
وقال ابن هشام: وكان شعار الصحابة يوم بدر: أحد أحد.
قال ابن إسحاق: ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش، معه أبو بكر، رضي الله عنه يعني، وهو يستغيث الله عز وجل، كما قال تعالى: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} [الأنفال: 9]
[الأنفال: 10، 9]
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نوح قراد، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب، قال: «لما كان يوم بدر، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة
من أهل الإسلام، فلا تعبد بعد في الأرض أبدا قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه، حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا رسول الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} [الأنفال: 9] » وذكر تمام الحديث كما سيأتي. وقد رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي. وابن جرير وغيرهم من حديث عكرمة بن عمار اليماني، وصححه علي بن المديني، والترمذي. وهكذا قال غير واحد عن ابن عباس والسدي وابن جريج وغيرهم، أن هذه الآية نزلت في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر.
وقد ذكر الأموي وغيره، أن المسلمين عجوا إلى الله، عز وجل، في الاستغاثة بجنابه، والاستعانة به. وقوله تعالى: {بألف من الملائكة مردفين} [الأنفال: 9] أي ردفا لكم ومددا لفئتكم. رواه العوفي عن ابن عباس، وقاله مجاهد وابن كثير، وعبد الرحمن بن زيد، وغيرهم. وقال أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: مردفين وراء كل ملك
ملك. وفي رواية عنه بهذا الإسناد: مردفين بعضهم على أثر بعض. وكذا قال أبو ظبيان، والضحاك وقتادة. وقد روى علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: قال: «وأمد الله نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، وكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة.» وهذا هو المشهور.
ولكن قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، ثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن الزمعي، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير، عن علي قال: «نزل جبريل في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا في الميسرة.» ورواه البيهقي في الدلائل من حديث محمد بن جبير عن علي، فزاد: «ونزل إسرافيل في ألف من الملائكة،» وذكر أنه طعن يومئذ بالحربة حتى اختضبت إبطه من الدماء، فذكر أنه نزلت ثلاثة آلاف من الملائكة. وهذا غريب، وفي إسناده ضعف، ولو صح لكان فيه تقوية لما تقدم من الأقوال، ويؤيدها قراءة من
قرأ: " بألف من الملائكة مردفين " بفتح الدال. والله أعلم.
وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصم، ثنا محمد بن سنان القزاز، ثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، أخبرني إسماعيل بن عون بن عبيد الله بن أبي رافع، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه عن جده عن علي قال: «لما كان يوم بدر، قاتلت شيئا من قتال، ثم جئت مسرعا لأنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل. قال: فجئت فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم. لا يزيد عليها، فرجعت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا، فذهبت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا، حتى فتح الله على يده.» وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن بندار عن عبيد الله بن عبد المجيد أبي علي الحنفي به.
وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن
مسعود قال: «ما سمعت مناشدا ينشد أشد من مناشدة محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر، جعل يقول: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد، ثم التفت وكأن شق وجهه القمر، وقال: كأني أنظر إلى مصارع القوم عشية» رواه النسائي من حديث الأعمش به، وقال: «لما التقينا يوم بدر قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فما رأيت مناشدا ينشد حقا له، أشد مناشدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم» وذكره.
وقد ثبت إخباره عليه الصلاة والسلام، بمواضع مصارع رءوس المشركين يوم بدر، في " صحيح مسلم " عن أنس بن مالك، كما تقدم، وسيأتي في " صحيح مسلم " أيضا عن عمر بن الخطاب ومقتضى حديث ابن مسعود، أنه أخبر بذلك يوم الوقعة، وهو مناسب، وفي الحديثين الآخرين عن أنس وعمر، ما يدل على أنه أخبر بذلك قبل ذلك بيوم، ولا مانع من الجمع بين ذلك، بأن يخبر به قبل ذلك بيوم وأكثر، وأن يخبر به قبل ذلك بساعة يوم الوقعة. والله أعلم.
وقد روى البخاري من طرق، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر: «اللهم أنشدك عهدك
ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا. فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك. فخرج وهو يثب في الدرع، وهو يقول {سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} [القمر: 45] قال عمر: أي جمع يهزم؟! وأي جمع يغلب؟! قال عمر: فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} [القمر: 45] فعرفت تأويلها يومئذ.»
وروى البخاري من طريق ابن جريج، عن يوسف بن ماهان، سمع عائشة تقول: «نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} [القمر: 46] »
وقال ابن إسحاق: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: " اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد " وأبو بكر يقول: يا نبي الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. وقد خفق النبي صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال:
أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع. يعني الغبار.
قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم وقال: والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة، وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟! قال: ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل، رحمه الله.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم ثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبسة عينا، ينظر ما صنعت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير النبي صلى الله عليه وسلم - قال لا أدري ما استثنى من بعض نسائه - قال: فحدثه الحديث قال فخرج رسول الله فتكلم فقال: إن لنا طلبة، فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في علو المدينة، قال: لا، إلا من كان ظهره
حاضرا، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء، حتى أكون أنا أوذنه. فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم. قال: بخ بخ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قولك: بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها قال: فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها حياة طويلة. قال: فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل» ، رحمه الله. ورواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي النضر، وجماعة، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة به.
وقد ذكر ابن جرير أن عميرا قاتل وهو يقول، رضي الله عنه:
ركضا إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد ... وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر والرشاد
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب، عن علي قال: لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها وأصابنا بها وعك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخبر عن بدر، فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، وبدر بئر، فسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين منهم، رجلا من قريش، ومولى لعقبة بن أبي معيط، فأما القرشي فانفلت، وأما المولى فأخذناه، فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم. فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: كم القوم؟ قال: هم والله كثير عددهم شديد بأسهم. فجهد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبره كم هم، فأبى، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: كم ينحرون من الجزر؟ فقال: عشرا كل يوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " القوم ألف كل جزور، لمائة وتبعها " ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر، فانطلقنا تحت الشجر والحجف، نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه
ويقول: " اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة، لا تعبد " فلما طلع الفجر نادى: " الصلاة عباد الله " فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرض على القتال، ثم قال إن جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل. فلما دنا القوم منا وصاففناهم، إذا رجل منهم على جمل له أحمر، يسير في القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا علي، ناد لي حمزة - وكان أقربهم من المشركين - من صاحب الجمل الأحمر، وماذا يقول لهم؟ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يكن في القوم أحد يأمر بخير، فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر، فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة، وهو ينهى عن القتال، ويقول لهم: يا قوم إني أرى قوما مستميتين، لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قوم، اعصبوها اليوم برأسي، وقولوا: جبن عتبة بن ربيعة، وقد علمتم أني لست بأجبنكم. فسمع بذلك أبو جهل فقال: أنت تقول ذلك؟! والله لو غيرك يقوله لأعضضته، قد ملأت رئتك جوفك رعبا، فقال: إياي تعير يا مصفر استه؟! ستعلم اليوم أينا الجبان. فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد، حمية، فقالوا: من يبارز؟ فخرج فتية من الأنصار شببة،
فقال عتبة لا نريد هؤلاء، ولكن يبارزنا من بني عمنا من بني عبد المطلب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا علي، وقم يا حمزة، وقم يا عبيدة بن الحارث بن المطلب. فقتل الله عتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة، وجرح عبيدة، فقتلنا منهم سبعين، وأسرنا سبعين، وجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرا، فقال العباس: يا رسول الله، إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح، من أحسن الناس وجها، على فرس أبلق، ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: اسكت، فقد أيدك الله بملك كريم. قال: فأسرنا من بني عبد المطلب، العباس، وعقيلا، ونوفل بن الحارث. هذا سياق حسن، وفيه شواهد لما تقدم ولما سيأتي. وقد تفرد بطوله الإمام أحمد. وروى أبو داود بعضه من حديث إسرائيل به.
ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش، وحرض الناس على القتال، والناس على مصافهم صابرين، ذاكرين الله كثيرا، كما قال الله تعالى آمرا لهم: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا} [الأنفال: 45] الآية. [الأنفال: 45]
وقال الأموي: حدثنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق قال: قال
الأوزاعي: كان يقال: قلما ثبت قوم قياما، فمن استطاع عند ذلك أن يجلس، أو يغض طرفه، ويذكر الله، رجوت أن يسلم من الرياء.
وقال عتبة بن ربيعة يوم بدر لأصحابه: ألا ترونهم، يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جثيا على الركب، كأنهم حرس يتلمظون كما تتلمظ الحيات. أو قال: الأفاعي.
قال الأموي في " مغازيه ": وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، حين حرض المسلمين على القتال، قد نفل كل امرئ ما أصاب، وقال والذي نفسي بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة. وذكر قصة عمير بن الحمام، كما تقدم.
وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالا شديدا ببدنه، وكذلك أبو بكر الصديق، كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء والتضرع، ثم نزلا، فحرضا وحثا على القتال، وقاتلا بالأبدان، جمعا بين المقامين الشريفين.
قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي قال: «لقد رأيتنا يوم بدر، ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أقربنا من العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا»
ورواه النسائي، من حديث أبي إسحاق، عن حارثة، عن علي قال:
«كنا إذا حمي البأس ولقي القوم، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مسعر، عن أبي عون، عن أبي صالح الحنفي، عن علي قال: قيل لعلي ولأبي بكر، رضي الله عنهما يوم بدر: مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم، يشهد القتال ولا يقاتل. أو قال: يشهد الصف.
وهذا يشبه ما تقدم من الحديث، أن أبا بكر كان في الميمنة، ولما تنزل الملائكة يوم بدر تنزيلا، كان جبريل على أحد المجنبتين في خمسمائة من الملائكة، فكان في الميمنة من ناحية أبي بكر الصديق، وكان ميكائيل على المجنبة الأخرى في خمسمائة من الملائكة، فوقفوا في الميسرة، وكان علي بن أبي طالب فيها.
وفي حديث رواه أبو يعلى، من طريق محمد بن جبير بن مطعم، عن علي قال: كنت أمتح على القليب يوم بدر، فجاءت ريح شديدة، ثم أخرى، ثم أخرى، فنزل ميكائيل في ألف من الملائكة، فوقف على يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهناك أبو بكر، وإسرافيل في ألف في الميسرة وأنا فيها، وجبريل في
ألف. قال: ولقد طعنت يومئذ حتى بلغ الدم إبطي.
وقد ذكر صاحب " العقد " وغيره، أن أفخر بيت قالته العرب، قول حسان بن ثابت:
وببئر بدر إذ يكف مطيهم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد
وقد قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه، وكان أبوه من أهل بدر، قال: «جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: " من أفضل المسلمين " - أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة» . انفرد به البخاري.
وقد قال الله تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق} [الأنفال: 12] يعني الرءوس {واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12]
وفي " صحيح مسلم " من طريق عكرمة بن عمار، عن أبي زميل،
حدثني ابن عباس «قال بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم. إذ نظر إلى المشرك أمامه قد خر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة. فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين» .
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عمن حدثه عن ابن عباس، عن رجل من بني غفار، قال: حضرت أنا وابن عم لي بدرا، ونحن على شركنا، فإنا لفي جبل ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة، فننتهب، فأقبلت سحابة، فلما دنت من الجبل، سمعنا منها حمحمة الخيل، وسمعنا فارسا يقول: أقدم حيزوم. فأما صاحبي فانكشف قناع قلبه، فمات مكانه، وأما أنا فكدت أن أهلك، ثم انتعشت بعد ذلك.
وقال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني
ساعدة، عن أبي أسيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرا، قال بعد أن ذهب بصره: لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري، لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك فيه ولا أتمارى.
فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس، وأوحى الله إليهم: {أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} [الأنفال: 12] وتثبيتهم أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه، فيقول له: أبشروا فإنهم ليسوا بشيء، والله معكم كروا عليهم. ولما رأى إبليس الملائكة، {نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون} [الأنفال: 48] وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحرض أصحابه ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه. ثم قال: واللات والعزى، لا نرجع حتى نفرق محمدا وأصحابه في الجبال، فلا تقتلوهم وخذوهم أخذا.
وقال الواقدي: حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الملك يتصور في صورة من يعرفون، فيقول: إني قد دنوت منهم وسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا. ليسوا بشيء. إلى غير ذلك من القول، فذلك قوله {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} [الأنفال: 12] الآية.
وروى البيهقي، من طريق سلامة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي
حازم عن سهل بن سعد قال: قال أبو أسيد، بعدما ذهب بصره: يا ابن أخي، والله لو كنت أنا وأنت ببدر، ثم أطلق الله بصري، لأريتك الشعب الذي خرجت علينا منه الملائكة، من غير شك ولا تمار.
وروى البخاري، عن إبراهيم بن موسى، عن عبد الوهاب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: «هذا جبريل آخذ برأس فرسه، وعليه أداة الحرب» .
وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، وأخبرني موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، وحدثني عائذ بن يحيى، عن أبي الحويرث، عن عمارة بن أكيمة الليثي، عن حكيم بن حزام، قالوا: «لما حضر القتال ورسول الله صلى الله عليه وسلم رافع يديه، يسأل الله النصر وما وعده، يقول: اللهم إن ظهروا على هذه العصابة، ظهر الشرك، ولا يقوم لك دين. وأبو بكر يقول: والله لينصرنك الله، وليبيضن وجهك. فأنزل الله ألفا من الملائكة مردفين، عند أكتاف العدو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامة
صفراء، آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض، فلما نزل إلى الأرض تغيب عني ساعة، ثم طلع وعلى ثناياه النقع، يقول: أتاك نصر الله إذ دعوته» . وروى البيهقي، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه قال: يا بني، لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير إلى رأس المشرك، فيقع رأسه عن جسده، قبل أن يصل إليه السيف.
وقال ابن إسحاق: حدثني والدي، حدثني رجال من بني مازن، عن أبي واقد الليثي قال: إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن غيري قد قتله.
وقال يونس بن بكير، عن عيسى بن عبد الله التيمي، عن الربيع بن أنس قال: كان الناس يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم، بضرب فوق الأعناق وعلى البنان، مثل سمة النار وقد أحرق به.
وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرخوها على ظهورهم
إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء.
وقد قال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا، لا يضربون.
وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن موسى بن أبي أمية، عن مصعب بن عبد الله، عن مولى لسهيل بن عمرو، سمعت سهيل بن عمرو يقول: لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق، بين السماء والأرض معلمين، يقتلون ويأسرون، وكان أبو أسيد يحدث بعد أن ذهب بصره قال: لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري، لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمتري.
قال: وحدثني خارجة بن إبراهيم، عن أبيه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: من القائل يوم بدر من الملائكة: أقدم حيزوم؟ فقال جبريل: يا محمد، ما كل أهل السماء أعرف» .
قلت: وهذا الأثر مرسل وهو يرد قول من زعم أن حيزوم اسم فرس جبريل، كما قاله السهيلي وغيره. والله أعلم.
وقال الواقدي: حدثني إسحاق بن يحيى، عن حمزة بن صهيب، عن أبيه قال: فما أدري كم يد مقطوعة، وضربة جائفة لم يدم كلمها، قد رأيتها يوم بدر.
وحدثني محمد بن يحيى، عن أبي عفير، عن رافع بن خديج، «عن أبي بردة بن نيار قال: جئت يوم بدر بثلاثة أرؤس، فوضعتهن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أما رأسان فقتلتهما، وأما الثالث فإني رأيت رجلا طويلا ضربه، فتدهدى أمامه، فأخذت رأسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك فلان من الملائكة» .
وحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: «كان السائب بن أبي حبيش يحدث في زمن عمر يقول: والله ما أسرني أحد من الناس. فيقال: فمن؟ يقول: لما انهزمت قريش، انهزمت معها فأدركني رجل أبيض
طويل، على فرس أبيض بين السماء والأرض، فأوثقني رباطا، وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطا، فنادى في العسكر: من أسر هذا؟ حتى انتهى بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أسرك؟ قلت: لا أعرفه. وكرهت أن أخبره بالذي رأيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسرك ملك من الملائكة، اذهب يا ابن عوف بأسيرك» .
وقال الواقدي: حدثني عائذ بن يحيى، حدثنا أبو الحويرث، عن عمارة بن أكيمة، عن حكيم بن حزام قال: لقد رأيتنا يوم بدر، وقد وقع بوادي خلص بجاد من السماء قد سد الأفق، فإذا الوادي يسيل نملا فوقع في نفسي أن هذا شيء من السماء أيد به محمد، فما كانت إلا الهزيمة، وهي الملائكة.
وقال إسحاق ابن راهويه: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني أبي، عن جبير بن مطعم قال: رأيت قبل هزيمة
القوم، والناس يقتتلون، مثل البجاد الأسود قد نزل من السماء مثل النمل الأسود، فلم أشك أنها الملائكة، فلم يكن إلا هزيمة القوم.
ولما تنزلت الملائكة للنصر، ورآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أغفى إغفاءة ثم استيقظ، وبشر بذلك أبا بكر وقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل يقود فرسه، على ثناياه النقع. يعني من المعركة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش في الدرع، فجعل يحرض على القتال، ويبشر الناس بالجنة، ويشجعهم بنزول الملائكة، والناس بعد على مصافهم لم يحملوا على عدوهم، حصل لهم السكينة والطمأنينة، وقد حصل النعاس الذي هو دليل على الطمأنينة والثبات والإيمان، كما قال إذ يغشاكم النعاس أمنة منه [الأنفال: 11]
وهذا كما حصل لهم بعد ذلك يوم أحد بنص القرآن، ولهذا قال ابن مسعود: النعاس في المصاف من الإيمان، والنعاس في الصلاة من النفاق. وقال الله تعالى: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين} [الأنفال: 19]
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا محمد بن إسحاق،
حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة. فكان هو المستفتح. وكذا ذكره ابن إسحاق في السيرة، ورواه النسائي، من طريق صالح بن كيسان، عن الزهري. ورواه الحاكم، من حديث الزهري أيضا، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وقال الأموي: حدثنا أسباط بن محمد القرشي، عن عطية عن مطرف، في قوله {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] قال: قال أبو جهل: اللهم انصر أعز الفئتين، وأكرم القبيلتين، وأكثر الفريقين. فنزلت {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19]
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} [الأنفال: 7] قال: أقبلت عير أهل مكة تريد الشام، فبلغ ذلك أهل المدينة، فخرجوا ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون العير،
فبلغ ذلك أهل مكة، فأسرعوا السير إليها، لكيلا يغلب عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الله قد وعدهم إحدى الطائفتين، وكانوا يحبون أن يلقوا العير، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين يريد القوم، وكره القوم مسيرهم لشوكة القوم، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وبينهم وبين الماء رملة دعصة، فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم القنط، يوسوسهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم كذا؟! فأمطر الله عليهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون وتطهروا، فأذهب الله عنهم رجز الشيطان، فصار الرمل لبدا، ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم، وأيد الله نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وجاء إبليس في جند الشياطين ومعه رايته، وهم في صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وقال الشيطان للمشركين: {لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} [الأنفال: 48] فلما اصطف الناس قال
أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره. ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا. فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب. فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع إبليس يده ثم ولى مدبرا وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة، أما زعمت أنك لنا جار؟ قال: {إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب} [الأنفال: 48] وذلك حين رأى الملائكة. رواه البيهقي في الدلائل.
وقال الطبراني: حدثنا مسعدة بن سعد العطار، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا عبد العزيز بن عمران ثنا هشام بن سعد، عن عبد ربه بن سعيد بن قيس الأنصاري، عن رفاعة بن رافع قال: لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر، أشفق أن يخلص القتل إليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر، ورفع يديه فقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي. وخاف أن يخلص القتل إليه. وأقبل أبو جهل فقال: يا معشر
الناس، لا يهولنكم خذلان سراقة بن مالك، فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل شيبة وعتبة والوليد، فإنهم قد عجلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نفرقهم بالحبال، فلا ألفين رجلا منكم قتل رجلا، ولكن خذوهم أخذا حتى تعرفوهم سوء صنيعهم، من مفارقتهم إياكم، ورغبتهم عن اللات والعزى. ثم قال أبو جهل متمثلا:
ما تنقم الحرب الشموس مني ... بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
وروى الواقدي، عن موسى بن يعقوب الزمعي، عن عمه، عن أبي بكر بن أبي سليمان عن أبي حثمة، سمعت مروان بن الحكم يسأل حكيم بن حزام عن يوم بدر، فجعل الشيخ يكره ذلك، فألح عليه، فقال حكيم: التقينا فاقتتلنا، فسمعت صوتا وقع من السماء إلى الأرض، مثل وقعة الحصاة في الطست، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم القبضة التراب، فرمى بها فانهزمنا.
قال الواقدي: وحدثنا إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، سمعت نوفل بن معاوية الديلي يقول: انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع صوتا كوقع الحصى في الطساس، في أفئدتنا ومن خلفنا، وكان ذلك من أشد الرعب علينا.
وقال الأموي: حدثنا أبي، ثنا ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، أن أبا جهل حين التقى القوم قال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة. فكان هو المستفتح. فبينما هم على تلك الحال، وقد شجع الله المسلمين على لقاء عدوهم، وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم، خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة في العريش، ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل معتجر بعمامته، آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع، أتاك نصر الله وعدته. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ كفا من الحصى بيده، ثم خرج فاستقبل القوم فقال: " شاهت الوجوه " ثم نفحهم بها، ثم قال لأصحابه: احملوا فلم تكن إلا الهزيمة، فقتل الله من قتل من
صناديدهم، وأسر من أسر منهم.
وقال زياد، عن ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء، فاستقبل بها قريشا ثم قال: شاهت الوجوه. ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه فقال: شدوا. فكانت الهزيمة فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم.
وقال السدي الكبير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي يوم بدر: أعطني حصى من الأرض. فناوله حصى عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء، ثم ردفهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله في ذلك: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] وهكذا قال عروة، وعكرمة، ومجاهد، ومحمد بن كعب، ومحمد بن قيس، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم، أن هذه الآية نزلت في ذلك يوم بدر. وقد فعل، عليه الصلاة والسلام، مثل ذلك في غزوة حنين، كما سيأتي في موضعه، إذا انتهينا إليه إن شاء الله وبه الثقة.
وذكر ابن إسحاق، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حرض أصحابه على القتال، ورمى المشركين بما رماهم به من التراب، وهزمهم الله تعالى، صعد إلى العريش أيضا ومعه أبو بكر، ووقف سعد بن معاذ ومن معه من الأنصار على باب
العريش ومعهم السيوف، خيفة أن تكر راجعة من المشركين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن إسحاق: ولما وضع القوم أيديهم يأسرون، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما ذكر لي، في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال له: كأني بك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟ قال: أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك فكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال.
قال ابن إسحاق: وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، عن عبد الله بن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يومئذ: إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقتله، فإنه إنما خرج مستكرها. فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنه بالسيف. فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر: يا أبا حفص - قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي حفص - أيضرب
وجه عم رسول الله بالسيف؟! فقال عمر: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق. فقال أبو حذيفة: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة. فقتل يوم اليمامة شهيدا، رضي الله عنه.
** [مقتل أبي البختري بن هشام] **
قال ابن إسحاق: وإنما «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري، لأنه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة، فلقيه المجذر بن ذياد البلوي حليف الأنصار فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن قتلك. ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة، وهو جنادة ابن مليحة، وهو من بني ليث. قال: وزميلي؟ فقال له المجذر: لا والله، ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله إلا بك وحدك. قال: لا والله، إذا لأموتن أنا وهو جميعا، لا يتحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة. وقال أبو البختري وهو ينازل المجذر:
لن يسلم ابن حرة زميله ... حتى يموت أو يرى سبيله
قال: فاقتتلا فقتله المجذر بن ذياد، وقال في ذلك
إما جهلت أو نسيت نسبي ... فأثبت النسبة إني من بلي
الطاعنين برماح اليزني ... والضاربين الكبش حتى ينحني
بشر بيتم من أبوه البختري ... أو بشرن بمثلها مني بني
أنا الذي يقال أصلي من بلي ... أطعن بالصعدة حتى تنثني
وأعبط القرن بعضب مشرفي ... أرزم للموت كإرزام المري
فلا يرى مجذرا يفري فري
ثم أتى المجذر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذي بعثك بالحق، لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به، فأبى إلا أن يقاتلني، فقاتلته فقتلته» .
** [فصل في مقتل أمية بن خلف] **
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، وحدثنيه أيضا عبد الله بن أبي بكر وغيرهما، عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فتسميت حين أسلمت: عبد الرحمن. فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو، أرغبت عن اسم سماكه أبواك؟ قال: فأقول: نعم. قال: فإني لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به، أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال: وكان إذا دعاني: يا عبد عمرو، لم أجبه. قال: فقلت له: يا أبا علي، اجعل ما شئت. قال فأنت عبد الإله. قال: قلت: نعم. قال: فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الإله. فأجيبه فأتحدث معه، حتى إذا كان يوم بدر، مررت به وهو واقف مع ابنه علي، وهو آخذ بيده. قال: ومعي أدراع لي قد استلبتها، فأنا أحملها، فلما رآني قال: يا عبد عمرو. فلم أجبه. فقال: يا عبد الإله. فقلت: نعم. قال: هل لك في، فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ قال: قلت: نعم، ها الله. قال: فطرحت الأدراع من يدي، وأخذت بيده وبيد ابنه،
وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟ ثم خرجت أمشي بهما.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الواحد بن أبي عون، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال لي أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما: يا عبد الإله، من الرجل منكم، المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قال: قلت: ذاك حمزة. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. قال عبد الرحمن: فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي، وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة على الإسلام، فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. قال: قلت: أي بلال، أبأسيري؟ قال: لا نجوت إن نجا. قال: ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة، فأنا أذب عنه. قال: فأخلف رجل السيف، فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط. قال: قلت: انج بنفسك ولا نجاء، فوالله ما أغني عنك شيئا. قال: فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما. قال: فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالا، فجعني بأدراعي وبأسيري.
وهكذا رواه البخاري في " صحيحه " قريبا من هذا السياق، فقال في الوكالة: حدثنا عبد العزيز، هو ابن عبد الله، حدثنا يوسف، هو ابن الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده عبد الرحمن بن عوف قال: كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت الرحمن قال: لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية. فكاتبته عبد عمرو، فلما كان يوم بدر، خرجت إلى جبل لأحرزه حين نام الناس، فأبصره بلال، فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار فقال: أمية بن خلف؟ ! لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلما خشيت أن يلحقونا، خلفت لهم ابنه لأشغلهم فقتلوه ثم أتوا حتى تبعونا، وكان رجلا ثقيلا، فلما أدركونا قلت له: ابرك. فبرك فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه. فكان عبد الرحمن بن عوف يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه. سمع يوسف صالحا، وإبراهيم أباه. تفرد به البخاري من بينهم كلهم. وفي مسند رفاعة بن رافع، أنه هو الذي قتل أمية بن خلف.
** [مقتل أبي جهل لعنه الله] **
قال ابن هشام: وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز ويقول:
ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
قال ابن إسحاق: «ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه، أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى، وكان أول من لقي أبا جهل، كما حدثني ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، وعبد الله بن أبي بكر أيضا قد حدثني ذلك، قالا: قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة: سمعت القوم، وأبو جهل في مثل الحرجة، وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه. فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدت نحوه، فلما أمكنني، حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فوالله ما شبهتها حين طاحت، إلا
بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها. قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها - قال ابن إسحاق: ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان - ثم مر بأبي جهل، وهو عقير، معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته، وتركه وبه رمق، وقاتل معوذ حتى قتل، فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل، حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس في القتلى، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني: انظروا، إن خفي عليكم في القتلى، إلى أثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان، وكنت أشف منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش في إحداهما جحشا لم يزل أثره به. قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه - قال: وقد كان ضبث بي
مرة بمكة، فآذاني ولكزني - ثم قلت له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وبماذا أخزاني؟ قال: أعمد من رجل قتلتموه، أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قال: قلت: لله ولرسوله» .
قال ابن إسحاق: وزعم رجال من بني مخزوم، أن ابن مسعود كان يقول: قال لي: «لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم. قال: ثم احتززت رأسه، ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله. فقال: آلله الذي لا إله غيره؟ وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: نعم، والله الذي لا إله غيره. ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله فحمد الله.» هكذا ذكر ابن إسحاق رحمه الله.
وقد ثبت في " الصحيحين "، من طريق يوسف بن يعقوب بن الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف، قال: «إني لواقف يوم بدر في الصف، فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم، أتعرف أبا جهل؟ فقلت:
نعم، وما حاجتك إليه؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته، لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي أيضا مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس، فقلت ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه. فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: أيكما قتله؟ قال كل منهما: أنا قتلته. قال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا. قال: فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في السيفين فقال: كلاكما قتله. وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. والآخر معاذ ابن عفراء.»
وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده قال: قال عبد الرحمن: «إني لفي الصف يوم بدر، إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل. فقلت: يا ابن أخي،
ما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته، أن أقتله أو أموت دونه. فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله. قال: فما سرني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء.»
وفي " الصحيحين " أيضا، من حديث سليمان التيمي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ينظر ما صنع أبو جهل؟ قال ابن مسعود: أنا يا رسول الله، فانطلق، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد قال فأخذ بلحيته. قال: فقلت: أنت أبو جهل؟ فقال: وهو فوق رجل قتلتموه. أو قال قتله قومه.»
وعند البخاري، عن أبي أسامة، عن إسماعيل، عن قيس، عن ابن مسعود، «أنه أتى أبا جهل فقال: هل أخزاك الله؟ فقال هل أعمد من
رجل قتلتموه.»
وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: «انتهيت إلى أبي جهل وهو صريع وعليه بيضة ومعه سيف جيد، ومعي سيف رديء، فجعلت أنقف رأسه بسيفي وأذكر نقفا كان ينقف رأسي بمكة، حتى ضعفت يده، فأخذت سيفه، فرفع رأسه فقال: على من كانت الدائرة، لنا أو علينا؟ ألست رويعينا بمكة؟ قال: فقتلته ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: قتلت أبا جهل فقال: آلله الذي لا إله إلا هو؟ فاستحلفني ثلاث مرات، ثم قام معي إليهم فدعا عليهم.»