John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

ذكر ما وقع في السنة الثانية من الهجرة، من الحوادث — تتمة ٢

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 42 of 840

وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: «انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد ضربت رجله، وهو يذب الناس عنه بسيف له، فقلت: الحمد لله الذي أخزاك الله يا عدو الله، قال: هل هو إلا رجل قتله قومه قال: فجعلت أتناوله بسيف لي غير طائل، فأصبت يده، فندر سيفه، فأخذته فضربته حتى قتلته. قال: ثم خرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم كأنما أقل من الأرض، فأخبرته فقال: آلله

الذي لا إله إلا هو. فرددها ثلاثا. قال: قلت: آلله الذي لا إله إلا هو. قال: فخرج يمشي معي حتى قام عليه فقال الحمد لله الذي قد أخزاك الله يا عدو الله، هذا كان فرعون هذه الأمة» وفي رواية أخرى قال ابن مسعود: فنفلني سيفه.

وقال أبو إسحاق الفزاري، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فقلت: قد قتلت أبا جهل. فقال: آلله الذي لا إله إلا هو؟ فقلت: آلله الذي لا إله إلا هو. مرتين أو ثلاثا. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم قال: انطلق فأرنيه. فانطلقت فأريته فقال: هذا فرعون هذه الأمة.» ورواه أبو داود، والنسائي. من حديث أبي إسحاق السبيعي به.

وقال الواقدي: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصرع ابني عفراء فقال: «رحم الله ابني عفراء، فهما شركاء في قتل فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر. فقيل يا رسول الله، ومن قتله معهما؟ قال: الملائكة، وابن مسعود قد شرك في قتله.» رواه البيهقي.

وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن عنبسة بن الأزهر، عن أبي إسحاق قال: «لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم البشير يوم بدر بقتل أبي جهل، استحلفه ثلاثة أيمان بالله الذي لا إله إلا هو، لقد رأيته قتيلا؟ فحلف له، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا.»

ثم روى البيهقي، من طريق أبي نعيم، عن «سلمة بن رجاء،» عن الشعثاء، امرأة من بني أسد، عن عبد الله بن أبي أوفى، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين، حين بشر بالفتح وحين جيء برأس أبي جهل»

وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بشر بكر بن خلف، حدثنا سلمة بن رجاء قال: حدثتني شعثاء، عن عبد الله بن أبي أوفى «، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم بشر برأس أبي جهل ركعتين.»

وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبي، حدثنا هشيم، أخبرنا مجالد، عن الشعبي، «أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج

من الأرض، فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في الأرض، ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك مرارا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة.»

وقال الأموي في " مغازيه ": سمعت أبي، ثنا المجالد بن سعيد، عن عامر قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت رجلا جالسا في بدر ورجل يضرب رأسه بعمود من حديد، حتى يغيب في الأرض. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أبو جهل، وكل به ملك يفعل به كلما خرج، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة»

وقال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه قال: قال الزبير: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وهو يكنى أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش. فحملت عليه بعنزة، فطعنته في عينه فمات. قال هشام: فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطيت فكان الجهد أن

نزعتها، وقد انثنى طرفاها. قال عروة: فسأله إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، ثم طلبها أبو بكر، فأعطاه، فلما قبض أبو بكر سألها إياه عمر، فأعطاه إياها فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان منه، فأعطاه إياها فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قتل.

وقال ابن هشام حدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي، أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص، ومر به: إني أراك كأن في نفسك شيئا، أراك تظن أني قتلت أباك، إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة، فأما أبوك فإني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه، فحدت عنه، وقصد له ابن عمه علي فقتله.

قال ابن إسحاق: «وقاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الأسدي، حليف بني عبد شمس، يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلا من حطب فقال: قاتل بهذا يا عكاشة. فلما أخذه من

رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه، فعاد سيفا في يده طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى " العون "، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتله طليحة الأسدي أيام الردة،» وأنشد طليحة في ذلك قصيدة، منها قوله

عشية غادرت ابن أقرم ثاويا ... وعكاشة الغنمي عند مجال

وقد أسلم بعد ذلك طليحة، كما سيأتي بيانه.

قال ابن إسحاق: وعكاشة هو الذي قال: حين بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بسبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: ادع الله أن يجعلني منهم. قال «اللهم اجعله منهم.» وهذا الحديث مخرج في الصحاح والحسان وغيرها.

قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني: منا خير فارس في العرب. قالوا: ومن هو يا رسول الله؟ قال: عكاشة بن محصن.

فقال ضرار بن الأزور الأسدي: ذاك رجل منا يا رسول الله. قال ليس منكم ولكنه منا للحلف.

وقد روى البيهقي عن الحاكم، من طريق محمد بن عمر الواقدي، حدثني عمر بن عثمان الجحشي عن أبيه، عن عمته قالت: «قال عكاشة بن محصن: انقطع سيفي يوم بدر، فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا، فإذا هو سيف أبيض طويل، فقاتلت به حتى هزم الله المشركين. ولم يزل عنده حتى هلك.»

وقال الواقدي: وحدثني أسامة بن زيد، عن داود بن الحصين، عن رجال من بني عبد الأشهل عدة قالوا: انكسر سيف سلمة بن حريش يوم بدر، فبقي أعزل لا سلاح معه، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب، فقال: اضرب به فإذا سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد

** [رده عليه السلام عين قتادة] **

قال البيهقي في " الدلائل ": أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد بن عدي، حدثنا أبو يعلى، حدثنا يحيى الحماني، ثنا عبد الرحمن بن سليمان، ابن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، أنه «أصيبت عينه يوم بدر، فسالت حدقته على وجنته، فأرادوا أن يقطعوها، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا. فدعا به فغمز حدقته براحته، فكان لا يدري أي عينيه أصيبت. وفي رواية: فكانت أحسن عينيه.» وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، أنه لما أخبره بهذا الحديث عاصم بن عمر بن قتادة، وأنشد مع ذلك:

أنا ابن الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أيما رد

فقال عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، عند ذلك منشدا قول أمية بن أبي الصلت في سيف بن ذي يزن، فأنشده عمر في موضعه: حقا

تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

** [فصل قصة أخرى شبيهة بها] **

قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا محمد بن صالح، أخبرنا الفضل بن محمد الشعراني، حدثنا إبراهيم بن المنذر، أخبرنا عبد العزيز بن عمران، حدثني رفاعة بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه رفاعة بن رافع بن مالك، عن أبيه قال: «لما كان يوم بدر تجمع الناس على أمية بن خلف، فأقبلت إليه، فنظرت إلى قطعة من درعه قد انقطعت من تحت إبطه قال: فطعنته بالسيف فيها طعنة فقطعته، ورميت بسهم يوم بدر، ففقئت عيني فبصق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لي، فما آذاني منها شيء.» وهذا غريب من هذا الوجه وإسناده جيد، ولم يخرجوه. ورواه الطبراني من حديث إبراهيم بن المنذر.

قال ابن هشام: ونادى أبو بكر ابنه عبد الرحمن وهو يومئذ مع المشركين لم يسلم بعد، فقال أين مالي يا خبيث؟ فقال عبد الرحمن:

لم يبق إلا شكة ويعبوب ... وصارم يقتل ضلال الشيب

يعني لم يبق إلا عدة الحرب، وحصان - وهو اليعبوب - يقاتل عليه شيوخ الضلالة، هذا يقوله في حال كفره.

وقد روينا في " مغازي الأموي " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمشي يوم بدر هو وأبو بكر الصديق بين القتلى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

: نفلق هاما. . . . . . . . . . . . . . . فيقول الصديق: ... . . . . . . . من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما

** [ذكر طرح رءوس الكفر في بئر بدر] **

قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، قالت: «لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب، طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليخرجوه فتزايل لحمه، فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة، فلما ألقاهم في القليب وقف عليهم، فقال: يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا. قالت: فقال له أصحابه: يا رسول الله، أتكلم قوما موتى؟! فقال: لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق. قالت عائشة: والناس يقولون: " لقد سمعوا ما قلت لهم ". وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد علموا»

قال ابن إسحاق: وحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: «سمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله من جوف الليل وهو يقول: يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل

بن هشام - فعدد من كان منهم في القليب - هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا. فقال المسلمون: يا رسول الله، أتنادي قوما قد جيفوا؟! فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني.» وقد رواه الإمام أحمد، عن ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، فذكر نحوه. وهذا على شرط الشيخين.

قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا.»

قلت: وهذا مما كانت عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، تتأوله من الأحاديث - كما قد جمع ما كانت تتأوله من الأحاديث في جزء - وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات، وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله: {وما أنت بمسمع من في القبور} [فاطر: 22] وليس هو بمعارض له، والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم، للأحاديث الدالة نصا على خلاف ما ذهبت إليه، رضي الله عنها وأرضاها.

وقال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام

بن عروة، عن أبيه قال: «ذكر عند عائشة، رضي الله عنها، أن ابن عمر رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله، فقالت: وهل، رحمه الله، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن. قالت وذاك مثل قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال، قال: إنهم ليسمعون ما أقول. وإنما قال: إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق. ثم قرأت: {إنك لا تسمع الموتى} [النمل: 80] {وما أنت بمسمع من في القبور} [فاطر: 22] تقول: حين تبوءوا مقاعدهم في النار.»

وقد رواه مسلم عن أبي كريب، عن أبي أسامة به. وقد جاء التصريح بسماع الميت بعد دفنه في غير ما حديث، كما سنقرر ذلك في كتاب الجنائز من " الأحكام الكبير " إن شاء الله.

ثم قال البخاري: حدثني عثمان، ثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر قال: «وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر، فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا. ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم. وذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق. ثم قرأت {إنك لا تسمع الموتى} [النمل: 80] حتى قرأت الآية.» وقد رواه

مسلم، عن أبي كريب، عن أبي أسامة. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، كلاهما عن هشام بن عروة.

وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، سمع روح بن عبادة، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث، أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته. حتى قام على شفة الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان: أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم قال قتادة أحياهم الله حتى

أسمعهم قوله، توبيخا، وتصغيرا، ونقمة، وحسرة، وندما.» وقد أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه، من طرق، عن سعيد بن أبي عروبة.

ورواه الإمام أحمد، عن يونس بن محمد المؤدب، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة قال: حدث أنس بن مالك. فذكر مثله، فلم يذكر أبا طلحة، وهذا إسناد صحيح، ولكن الأول أصح وأظهر. والله أعلم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ترك قتلى بدر ثلاثة أيام حتى جيفوا، ثم أتاهم فقام عليهم فقال: يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا. قال فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله، أتناديهم بعد ثلاث؟ وهل يسمعون؟ يقول الله تعالى {إنك لا تسمع الموتى} [النمل: 80] فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا.» ورواه مسلم عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به.

وقال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت:

عرفت ديار زينب بالكثيب ... كخط الوحي في الورق القشيب

تداولها الرياح وكل جون ... من الوسمي منهمر سكوب

فأمسى رسمها خلقا وأمست ... يبابا بعد ساكنها الحبيب

فدع عنك التذكر كل يوم ... ورد حرارة القلب الكئيب

وخبر بالذي لا عيب فيه ... بصدق غير إخبار الكذوب

بما صنع المليك غداة بدر ... لنا في المشركين من النصيب

غداة كأن جمعهم حراء ... بدت أركانه جنح الغروب

فلاقيناهم منا بجمع ... كأسد الغاب مردان وشيب

أمام محمد قد وازروه ... على الأعداء في لفح الحروب

بأيديهم صوارم مرهفات ... وكل مجرب خاظي الكعوب

بنو الأوس الغطارف وازرتها ... بنو النجار في الدين الصليب

فغادرنا أبا جهل صريعا

وعتبة قد تركنا بالجبوب ... وشيبة قد تركنا في رجال

ذوي حسب إذا نسبوا حسيب ... يناديهم رسول الله لما

قذفناهم كباكب في القليب ... ألم تجدوا كلامي كان حقا

وأمر الله يأخذ بالقلوب ... فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا

صدقت وكنت ذا رأي مصيب

قال ابن إسحاق: «ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب في القليب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني، في وجه أبي حذيفة بن عتبة، فإذا هو كئيب قد تغير لونه، فقال: يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء. أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وقال له خيرا.»

وقال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، ثنا عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: {الذين بدلوا نعمة الله كفرا} [إبراهيم: 28] قال: هم والله كفار

قريش قال عمرو: هم قريش ومحمد صلى الله عليه وسلم نعمة الله، {وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: النار يوم بدر

قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت:

قومي الذين هم آووا نبيهم ... وصدقوه وأهل الأرض كفار

إلا خصائص أقوام هم سلف ... للصالحين من الأنصار أنصار

مستبشرين بقسم الله قولهم ... لما أتاهم كريم الأصل مختار

أهلا وسهلا ففي أمن وفي سعة ... نعم النبي ونعم القسم والجار

فأنزلوه بدار لا يخاف بها ... من كان جارهم دارا هي الدار

وقاسموه بها الأموال إذ قدموا ... مهاجرين وقسم الجاحد النار

سرنا وساروا إلى بدر لحينهم ... لو يعلمون يقين العلم ما ساروا

دلاهم بغرور ثم أسلمهم ... إن الخبيث لمن والاه غرار

وقال إني لكم جار فأوردهم ... شر الموارد فيه الخزي والعار

ثم التقينا فولوا عن سراتهم

من منجدين ومنهم فرقة غاروا

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن أبي بكير وعبد الرزاق قالا: حدثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القتلى، قيل له: عليك العير، ليس دونها شيء. فناداه العباس وهو في الوثاق: إنه لا يصلح لك. قال: لم، قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أنجز لك ما وعدك.»

وقد كانت جملة من قتل من سراة الكفار يوم بدر سبعين، هذا مع حضور ألف من الملائكة، وكان قدر الله السابق فيمن بقي منهم، أن سيسلم منهم بشر كثير، ولو شاء الله لسلط عليهم ملكا واحدا فأهلكهم عن آخرهم، ولكن قتلوا من لا خير فيه بالكلية، وقد كان في الملائكة جبريل، الذي أمره الله تعالى فاقتلع مدائن قوم لوط وكن سبعا، فيهن من الأمم والدواب والأراضي والمزروعات، وما لا يعلمه إلا الله، فرفعهن حتى بلغ بهن عنان السماء على طرف جناحه ثم قلبهن منكسات، وأتبعهن بالحجارة التي سومت لهم، كما ذكرنا ذلك في قصة قوم لوط فيما تقدم.

وقد شرع الله جهاد المؤمنين للكافرين، وبين تعالى حكمه في ذلك فقال: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض} [محمد: 4] الآية [محمد: 4] . وقال تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء} [التوبة: 14] الآية [التوبة: 15، 14] . فكان قتل أبي جهل على يدي شاب من الأنصار، ثم بعد ذلك يوقف عليه عبد الله بن مسعود، ويمسك بلحيته ويصعد على صدره حتى قال له: لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم. ثم بعد هذا حز رأسه واحتمله حتى وضعه بين يدي رسول الله، فشفى الله به قلوب المؤمنين، كان هذا أبلغ من أن تأتيه صاعقة، أو أن يسقط عليه سقف منزله، أو يموت حتف أنفه. والله أعلم.

وقد ذكر ابن إسحاق فيمن قتل يوم بدر مع المشركين ممن كان مسلما، ولكنه خرج معهم تقية منهم، لأنه كان فيهم مضطهدا قد فتنوه عن إسلامه، جماعة، منهم الحارث بن زمعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف،

والعاص بن منبه بن الحجاج. قال: وفيهم نزل قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 97] . وكان جملة الأسارى يومئذ سبعين أسيرا، كما سيأتي الكلام عليهم فيما بعد إن شاء الله، منهم من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عمه العباس بن عبد المطلب، وابن عمه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب. وقد استدل الشافعي والبخاري وغيرهما بذلك، على أنه ليس كل من ملك ذا رحم محرم يعتق عليه، وعارضوا به حديث الحسن، عن ابن سمرة في ذلك. فالله أعلم. وكان فيهم أبو العاص بن الربيع بن عبد شمس بن أمية، زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم.

** [فصل: اختلاف الصحابة في شأن الأسارى] **

فصل

وقد اختلف الصحابة في الأسارى، أيقتلون أو يفادون على قولين، كما قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، عن حميد، عن أنس، وذكر رجلا، عن الحسن قال: «استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: إن الله، عز وجل، قد أمكنكم منهم. قال فقام عمر فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم. قال: فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس. قال فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق، فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء. قال فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من

الغم، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء. قال: وأنزل الله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم} [الأنفال: 68] إلى آخر الآية» [الأنفال: 68] . انفرد به أحمد.

وقد روى الإمام أحمد - واللفظ له - ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وصححه وكذا علي بن المديني، وصححه من حديث عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب، قال: «نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه يوم بدر، وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألف وزيادة، فذكر الحديث كما تقدم إلى قوله: فقتل منهم سبعون رجلا، وأسر منهم سبعون رجلا، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله، فيكونوا لنا عضدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا بن الخطاب؟ قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم

فإذا هو قاعد وأبو بكر، رضي الله عنه، وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، قد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله تعالى: {ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم} [الأنفال: 67] من الفداء، ثم أحل لهم الغنائم وذكر تمام الحديث.»

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: «لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم. قال: وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك وكذبوك، قربهم فاضرب أعناقهم. قال: وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه

عليهم نارا. فقال العباس: قطعت رحمك. قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عمر. وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. فخرج عليهم فقال إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر، كمثل إبراهيم، عليه السلام، قال: {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.} [المائدة: 118] وإن مثلك يا عمر كمثل نوح، قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] وإن مثلك يا عمر كمثل موسى، قال: {ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 88] أنتم عالة، فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضربة عنق. قال عبد الله: فقلت: يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء، فإني قد سمعته يذكر

الإسلام. قال فسكت. قال فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء من ذلك اليوم، حتى قال: " إلا سهيل بن بيضاء " قال: فأنزل الله {ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم} [الأنفال: 67] إلى آخر الآيتين.» وهكذا رواه الترمذي، والحاكم من حديث أبي معاوية، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن عمر وأبي هريرة بنحو ذلك، وقد روي عن أبي أيوب الأنصاري بنحوه.

وقد روى ابن مردويه، والحاكم في " المستدرك " من حديث عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: «لما أسر الأسارى يوم بدر أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار، قال: وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه.

قال عمر: أفآتيهم؟ قال: نعم. فأتى عمر الأنصار، فقال لهم: أرسلوا العباس. فقالوا: لا والله، لا نرسله. فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله رضى؟ قالوا: فإن كان له رضى فخذه. فأخذه عمر، فلما صار في يده قال له عمر: يا عباس، أسلم فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله يعجبه إسلامك. قال واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر: فقال أبو بكر عشيرتك، فأرسلهم. واستشار عمر، فقال: اقتلهم، ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67] الآية.» ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

وروى الترمذي، والنسائي، وابن حبان في " صحيحه " من حديث سفيان الثوري، عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال خير أصحابك في الأسارى، إن شاءوا الفداء وإن شاءوا القتل، على أن يقتل عاما قابلا منهم مثلهم. قالوا: الفداء ويقتل منا.» وهذا حديث غريب جدا، ومنهم من رواه مرسلا، عن عبيدة. والله أعلم.

وقد قال ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 68] يقول: لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه، لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. وهكذا روي عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أيضا، واختاره ابن إسحاق وغيره.

وقال الأعمش: سبق منه أن لا يعذب أحدا شهد بدرا. وهكذا روي عن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح.

وقال مجاهد والثوري: {لولا كتاب من الله سبق} [الأنفال: 68] أي: لهم بالمغفرة.

وقال الوالبي، عن ابن عباس: سبق في أم الكتاب الأول، أن المغانم وفداء الأسارى حلال لكم، ولهذا قال بعده: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} [الأنفال: 69] . وهكذا روي عن أبي هريرة، وابن مسعود، وسعيد بن

جبير، وعطاء، والحسن، وقتادة، والأعمش، واختاره ابن جرير، وقد ترجح هذا القول بما ثبت في " الصحيحين " عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة.»

وروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تحل الغنائم لسود الرءوس غيرنا. ولهذا قال تعالى: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} [الأنفال: 69] فأذن الله تعالى في أكل الغنائم، وفداء الأسارى.»

وقد قال أبو داود: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي، ثنا سفيان بن حبيب، ثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة» . وهذا كان أقل ما فودي به أحد منهم من المال، وأكثر ما فودي به الرجل منهم أربعة آلاف درهم.

وقد وعد الله من آمن منهم بالخلف عما أخذ منه في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم} [الأنفال: 70] الآية [الأنفال: 70] . وقال الوالبي، عن ابن عباس: نزلت في العباس، ففادى نفسه بالأربعين أوقية من ذهب. قال العباس: فآتاني الله أربعين عبدا - يعني كلهم يتجر له - قال: وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله جل ثناؤه.

وقال ابن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، «عن ابن عباس، قال: لما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، والأسارى محبوسون بالوثاق بات النبي صلى الله عليه وسلم ساهرا أول الليل، فقال له أصحابه: ما لك لا تنام يا رسول الله؟ فقال: سمعت أنين عمي العباس في وثاقه. فأطلقوه، فسكت، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم.»

قال ابن إسحاق: وكان رجلا موسرا ففادى نفسه بمائة أوقية من ذهب.

قلت: وهذه المائة كانت عن نفسه، وعن ابني أخويه عقيل ونوفل، وعن حليفه عتبة بن عمرو أحد بني الحارث بن فهر، كما أمره بذلك رسول الله

صلى الله عليه وسلم حين ادعى أنه كان قد أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما ظاهرك فكان علينا، والله أعلم بإسلامك وسيجزيك، فادعى أنه لا مال عنده، قال: فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل، وقلت لها: إن أصبت في سفري فهذا لبني، الفضل وعبد الله وقثم؟ فقال: والله إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا شيء ما علمه إلا أنا وأم الفضل.» رواه ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس.

وثبت في " صحيح البخاري " من طريق موسى بن عقبة، قال الزهري: حدثني أنس بن مالك قال: «إن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه. فقال: لا والله لا تذرون منه درهما» .

قال البخاري: وقال إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بمال من البحرين، فقال: انثروه في المسجد. فكان أكثر مال أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه العباس، فقال: يا رسول الله، أعطني، إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا. فقال: خذ. فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله، فلم يستطع، فقال: مر بعضهم يرفعه إلي. قال: لا. قال: فارفعه أنت علي. قال: لا. فنثر منه ثم ذهب يقله، فلم يستطع.

فقال: مر بعضهم يرفعه إلي. قال: لا. قال: فارفعه أنت علي قال: لا. فنثر منه، ثم احتمله على كاهله ثم انطلق، فما زال يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبا من حرصه، فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم.»

وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس، عن أسباط بن نصر، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، قال: كان فداء العباس وابني أخويه، عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، كل رجل أربعمائة دينار، ثم توعد تعالى الآخرين، فقال: {وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم} [الأنفال: 71]

** [فصل في ذكر عدد القتلى وعدد الأسارى] **

فصل

والمشهور أن الأسارى يوم بدر كانوا سبعين، والقتلى من المشركين سبعين، كما ورد في غير ما حديث مما تقدم، وسيأتي إن شاء الله، وكما في حديث البراء بن عازب في " صحيح البخاري " أنهم قتلوا يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين.

وقال موسى بن عقبة: قتل يوم بدر من المسلمين من قريش ستة، ومن الأنصار ثمانية، وقتل من المشركين تسعة وأربعون، وأسر منهم تسعة وثلاثون. هكذا رواه البيهقي عنه. قال: وهكذا ذكر ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة في عدد من استشهد من المسلمين وقتل من المشركين.

ثم قال: أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصم، أخبرنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: واستشهد من المسلمين يوم بدر أحد عشر رجلا، أربعة من قريش، وسبعة من الأنصار، وقتل من

المشركين بضعة وأربعون رجلا. وقال في موضع آخر: وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة وأربعون أسيرا، وكانت القتلى مثل ذلك.

ثم روى البيهقي، من طريق أبي صالح كاتب الليث، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، قال: وكان أول قتيل من المسلمين مهجع مولى عمر، ورجل من الأنصار، وقتل يومئذ من المشركين زيادة على سبعين، وأسر منهم مثل ذلك. قال ورواه ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري عن، عروة بن الزبير

قال البيهقي: وهو الأصح فيما رويناه في عدد من قتل من المشركين وأسر منهم. ثم استدل على ذلك بما ساقه هو والبخاري أيضا من طريق أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد عبد الله بن جبير، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرا، وسبعين قتيلا.»

قلت: والصحيح أن جملة المشركين كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وقد صرح قتادة بأنهم كانوا تسعمائة وخمسين رجلا، وكأنه أخذه من هذا الذي ذكرناه. والله أعلم. وفي حديث عمر المتقدم، أنهم كانوا زيادة على الألف. والصحيح الأول، لقوله عليه السلام: «القوم ما بين التسعمائة إلى الألف» . وأما الصحابة يومئذ فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، كما سيأتي التنصيص على ذلك، وعلى أسمائهم، إن شاء الله، وتقدم في حديث الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان. وقاله أيضا، عروة بن الزبير، وقتادة وإسماعيل السدي الكبير، وأبو جعفر الباقر.

وروى البيهقي من طريق قتيبة، عن جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله بن مسعود في ليلة القدر، قال: تحروها لإحدى عشرة بقين، فإن صبيحتها يوم بدر. .

قال البيهقي: وروي عن زيد بن أرقم، أنه سئل عن ليلة القدر، فقال:

ليلة تسع عشرة. ما شك وقال: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.

قال البيهقي: والمشهور عن أهل المغازي أن ذلك لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان.

ثم قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، حدثنا أبو عمرو بن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، ثنا أبو نعيم، ثنا عمرو بن عثمان، سمعت موسى بن طلحة يقول: سئل أبو أيوب الأنصاري عن يوم بدر فقال: إما لسبع عشرة خلت، أو ثلاث عشرة خلت، أو لإحدى عشرة بقيت، وإما لسبع عشرة بقيت. وهذا غريب جدا.

وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة قباث بن أشيم الليثي، من طريق الواقدي وغيره بإسنادهم إليه، أنه شهد يوم بدر مع المشركين، فذكر هزيمتهم مع قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وجعلت أقول في نفسي: ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء، والله لو خرجت نساء قريش بأكمتها، ردت محمدا وأصحابه، فلما كان بعد الخندق، قلت: لو قدمت المدينة فنظرت إلى ما يقول محمد، وقد وقع في نفسي الإسلام. قال:

فقدمتها، فسألت عنه فقالوا: هو ذاك في ظل المسجد في ملأ من أصحابه، فأتيته وأنا لا أعرفه من بين أصحابه، فسلمت فقال: " يا قباث بن أشيم، أنت القائل يوم بدر: ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء؟ فقلت: أشهد أنك رسول الله، فإن هذا الأمر ما خرج مني إلى أحد قط، ولا ترمرمت به إلا شيئا حدثت به نفسي، فلولا أنك نبي ما أطلعك الله عليه، هلم أبايعك على الإسلام، فأسلمت.

** [فصل: اختلاف الصحابة في غنائم بدر لمن تكون] **

فصل

وقد اختلفت الصحابة، رضي الله عنهم، يوم بدر في المغانم من المشركين يومئذ، لمن تكون منهم، وكانوا ثلاثة أصناف حين ولى المشركون، ففرقة أحدقت برسول الله صلى الله عليه وسلم، تحرسه خوفا من أن يرجع أحد من المشركين إليه، وفرقة ساقت وراء المشركين يقتلون منهم ويأسرون، وفرقة جمعت المغانم من متفرقات الأماكن، فادعى كل فريق من هؤلاء أنه أحق بالمغنم من الآخرين، لما صنع من الأمر المهم.

قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهلي، قال: «سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، فقال فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه بين المسلمين عن بواء، يقول: عن سواء» . وهكذا رواه أحمد، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق به.

ومعنى قوله: على السواء. أي ساوى فيها بين الذين جمعوها، وبين

الذين اتبعوا العدو، وبين الذين ثبتوا تحت الرايات، لم يخصص بها فريقا منهم ممن ادعى التخصيص بها، ولا ينفي هذا تخميسها وصرف الخمس في مواضعه، كما قد يتوهمه بعض العلماء، منهم أبو عبيد وغيره. والله أعلم. بل قد تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار من مغانم بدر.

قال ابن جرير: وكذا اصطفى جملا لأبي جهل، كان في أنفه برة من فضة. وهذا قبل إخراج الخمس أيضا.

وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، «عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على العسكر يحوونه

ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب. وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا منها العدو وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: خفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به فنزلت: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} [الأنفال: 1] . فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، على فواق بين المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أغار في أرض العدو نفل الربع، فإذا أقبل راجعا نفل الثلث، وكان يكره الأنفال» .

وقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث. . . . آخره. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. ورواه ابن حبان في " صحيحه "، والحاكم في " مستدركه " من حديث عبد الرحمن. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه.

وقد روى أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم من طرق، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، «عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا. فتسارع في ذلك شبان الرجال، وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت الغنائم جاءوا يطلبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا ردءا لكم، ولو انكشفتم لفئتم إلينا، فتنازعوا، فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} [الأنفال: 1] » وقد ذكرنا في سبب نزول هذه الآية آثارا أخر يطول بسطها هاهنا، ومعنى الكلام أن الأنفال مرجعها إلى حكم الله ورسوله، يحكمان فيها بما فيه المصلحة للعباد في المعاش والمعاد، ولهذا قال تعالى: {قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} [الأنفال: 1] ثم ذكر ما وقع في قصة بدر، وما كان من الأمر حتى انتهى إلى قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] الآية [الأنفال: 41] . فالظاهر أن هذه الآية مبينة لحكم الله في الأنفال، الذي جعل مرده إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فبينه تعالى، وحكم فيها بما أراد تعالى، وهو قول

ابن زيد، وقد زعم أبو عبيد القاسم بن سلام، رحمه الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر على السواء بين الناس، ولم يخمسها، ثم نزل بيان الخمس بعد ذلك ناسخا لما تقدم، وهكذا روى الوالبي، عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة والسدي، وفي هذا نظر. والله أعلم، فإن سياق الآيات قبل آية الخمس وبعدها، كلها في غزوة بدر، فيقتضي أن ذلك نزل جملة في وقت واحد غير متفاصل بتأخر يقتضي نسخ بعضه بعضا، ثم في " الصحيحين " «عن علي، رضي الله عنه، أنه قال في قصة شارفيه اللذين اجتب أسنمتهما حمزة: إن إحداهما كانت من الخمس يوم بدر. ما يرد صريحا على أبي عبيد، أن غنائم بدر لم تخمس» . والله أعلم. بل خمست كما هو قول البخاري وابن جرير، وغيرهما، وهو الصحيح الراجح. والله أعلم.

** [فصل في رجوعه عليه السلام من بدر إلى المدينة وما كان من الأمور في مسيره إليها] مؤيدا منصورا، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام **

وقد تقدم أن الوقعة كانت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة.

وثبت في " الصحيحين " أنه كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاثة أيام، وقد أقام، عليه الصلاة والسلام، بعرصة بدر ثلاثة أيام كما تقدم، وكان رحيله منها ليلة الاثنين، فركب ناقته ووقف على قليب بدر، فقرع أولئك الذين سحبوا إليه كما تقدم ذكره، ثم سار، عليه الصلاة والسلام، ومعه الأسارى والغنائم الكثيرة، وقد بعث، عليه الصلاة والسلام، بين يديه بشيرين إلى المدينة بالفتح والنصر والظفر على من أشرك بالله وجحده وبه كفر، أحدهما عبد الله بن رواحة إلى أعالي المدينة، والثاني زيد بن حارثة إلى السافلة. قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان زوجها

عثمان بن عفان رضي الله عنه، قد احتبس عندها يمرضها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ضرب له رسول الله بسهمه وأجره في بدر. قال أسامة: فلما قدم أبي زيد بن حارثة جئته وهو واقف بالمصلى، وقد غشيه الناس، وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وزمعة بن الأسود، وأبو البختري العاص بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج. قال: قلت: يا أبت، أحق هذا؟ قال: إي والله يا بني.

وروى البيهقي، من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسامة بن زيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم خلف عثمان وأسامة بن زيد على بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبشارة، قال أسامة: فسمعت الهيعة، فخرجت فإذا زيد قد جاء بالبشارة، فوالله ما صدقت حتى رأينا الأسارى، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بسهمه.»

وقال الواقدي: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من بدر العصر بالأثيل، فلما صلى ركعة تبسم، فسئل عن تبسمه، فقال: مر بي ميكائيل وعلى جناحه النقع، فتبسم إلي، وقال: إني كنت في طلب القوم. وأتاه جبريل حين فرغ من قتال أهل بدر، على فرس أنثى معقود

الناصية، قد عصم ثنيته الغبار فقال: يا محمد، إن ربي بعثني إليك، وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى، هل رضيت؟ قال: نعم.»

قال الواقدي: قالوا: «وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة من الأثيل، فجاءا يوم الأحد حين اشتد الضحى، وفارق عبد الله بن رواحة زيد بن حارثة من العقيق، فجعل عبد الله بن رواحة ينادي على راحلته: يا معشر الأنصار، أبشروا بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل المشركين وأسرهم، قتل ابنا ربيعة، وابنا الحجاج، وأبو جهل، وقتل زمعة بن الأسود، وأمية بن خلف، وأسر سهيل بن عمرو. قال عاصم بن عدي: فقمت إليه، فنحوته فقلت: أحقا ما تقول يا بن رواحة؟ فقال إي والله، وغدا يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسرى مقرنين. ثم تتبع دور الأنصار بالعالية يبشرهم دارا دارا، والصبيان يشتدون معه يقولون: قتل أبو جهل الفاسق. حتى إذا انتهى إلى دار بني أمية، وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء، يبشر أهل المدينة، فلما جاء المصلى صاح على راحلته: قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وابنا الحجاج، وقتل أمية بن خلف، وأبو جهل، وأبو البختري، وزمعة بن الأسود، وأسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب، في أسرى كثير. فجعل بعض

الناس لا يصدقون زيدا، ويقولون: ما جاء زيد بن حارثة إلا فلا. حتى غاظ المسلمين ذلك وخافوا، وقدم زيد حين سوينا على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب بالبقيع، وقال رجل من المنافقين لأسامة: قتل صاحبكم ومن معه. وقال آخر لأبي لبابة: قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون فيه أبدا، وقد قتل علية أصحابه، وقتل محمد، وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب، وجاء فلا. فقال أبو لبابة: يكذب الله قولك. وقالت اليهود: ما جاء زيد إلا فلا. قال أسامة: فجئت حتى خلوت بأبي، فقلت: أحق ما تقول؟ فقال: إي والله حق ما أقول يا بني. فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق، فقلت: أنت المرجف برسول الله وبالمسلمين، لنقدمنك إلى رسول الله إذا قدم، فليضربن عنقك. فقال: إنما هو شيء سمعته من الناس يقولونه. قال فجيء بالأسرى، وعليهم شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد شهد معهم بدرا، وهم تسع وأربعون رجلا، الذين أحصوا.»

قال الواقدي: وهم سبعون في الأصل، مجتمع عليه، لا شك فيه. قال: «ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الروحاء رءوس الناس يهنئونه بما فتح الله عليه، فقال له أسيد بن الحضير: يا رسول الله، الحمد لله الذي أظفرك، وأقر عينك، والله يا رسول الله، ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوا، ولكن

ظننت أنها عير، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت.»

قال ابن إسحاق: ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة ومعه الأسارى وفيهم عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وقد جعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، فقال راجز من المسلمين - قال ابن هشام يقال إنه هو عدي بن أبي الزغباء -:

أقم لها صدورها يا بسبس ... ليس بذي الطلح لها معرس

ولا بصحراء غمير محبس ... إن مطايا القوم لا تحبس

فحملها على الطريق أكيس ... قد نصر الله وفر الأخنس

قال: ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على

كثيب بين المضيق وبين النازية، يقال له: سير. إلى سرحة به، فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء، ثم ارتحل حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين، فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش، كما حدثني عاصم بن عمر، ويزيد بن رومان: ما الذي تهنئوننا به؟ والله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقلة فنحرناها. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أي ابن أخي، أولئك الملأ. قال ابن هشام: يعني الأشراف والرؤساء.

** [مقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط لعنهما الله] **

قال ابن إسحاق: حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث، قتله علي بن أبي طالب، كما أخبرني بعض أهل العلم من أهل مكة، ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط.

قال ابن إسحاق: «فقال عقبة حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله: فمن للصبية يا محمد؟ قال: النار» . وكان الذي قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف، كما حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر. وكذا قال موسى بن عقبة في " مغازيه "، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل من الأسارى أسيرا غيره. قال: ولما أقبل إليه عاصم بن ثابت، قال: يا معشر قريش، علام أقتل من بين من هاهنا؟ قال: على عداوتك الله ورسوله.

وقال حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، قال: «لما أمر

النبي صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة، قال: أتقتلني يا محمد من بين قريش؟ قال: نعم! أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها، فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستندران، وجاء مرة أخرى بسلى شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي.» قال ابن هشام: ويقال: بل قتل عقبة علي بن أبي طالب، فيما ذكره الزهري وغيره من أهل العلم.

قلت: كان هذان الرجلان من شر عباد الله، وأكثرهم كفرا، وعنادا، وبغيا، وحسدا، وهجاء للإسلام وأهله، لعنهما الله، وقد فعل.

قال ابن هشام: فقالت قتيلة بنت الحارث، أخت النضر بن الحارث في مقتل أخيها:

يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق

أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما إن تزال بها النجائب تخفق

مني إليك وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق

هل يسمعن النضر إن ناديته

أم كيف يسمع ميت لا ينطق ... أمحمد يا خير ضنء كريمة

من قومها والفحل فحل معرق ... ما كان ضرك لو مننت وربما

من الفتى وهو المغيظ المحنق ... أو كنت قابل فدية فلينفقن

بأعز ما يغلو به ما ينفق ... والنضر أقرب من أسرت قرابة

وأحقهم إن كان عتق يعتق ... ظلت سيوف بني أبيه تنوشه

لله أرحام هنالك تشقق ... صبرا يقاد إلى المنية متعبا

رسف المقيد وهو عان موثق

قال ابن هشام: ويقال، والله أعلم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر قال: لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه.

قال ابن إسحاق: وقد تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الموضع أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضي حجامه، عليه الصلاة والسلام، ومعه زق مملوء حيسا وهو التمر والسويق بالسمن - هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله منه، ووصى به الأنصار.

قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل

الأسارى بيوم.

قال ابن إسحاق: وحدثني نبيه بن وهب أخو بني عبد الدار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالأسارى فرقهم بين أصحابه، وقال: استوصوا بهم خيرا. قال: وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه، في الأسارى، قال أبو عزيز: مر بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني، فقال: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك. قال أبو عزيز: فكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحي فأردها فيردها علي ما يمسها.

قال ابن هشام: وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث، ولما قال أخوه مصعب لأبي اليسر، وهو الذي أسره، ما قال، قال له أبو عزيز: يا أخي، هذه وصايتك بي؟ فقال له مصعب: إنه أخي دونك. فسألت أمه عن أغلى ما فدي به قرشي، فقيل لها: أربعة آلاف درهم. فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها.

قلت: وأبو عزيز هذا اسمه زرارة، فيما قاله ابن الأثير في " غابة الصحابة "، وعده خليفة بن خياط في أسماء الصحابة. وكان أخا مصعب بن عمير لأبويه، وكان لهما أخ آخر لأبويهما، وهو أبو الروم بن عمير، وقد غلط من جعله قتل يوم أحد كافرا، ذاك أبو عزة، كما سيأتي في موضعه. والله أعلم.

قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، أن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، قال: قدم بالأسارى حين قدم بهم، وسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء. قال: وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب. قال: تقول سودة: والله إني لعندهم إذ أتينا، فقيل: هؤلاء الأسارى قد أتي بهم. قالت فرجعت إلى بيتي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. قالت: فلا والله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: أي أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم، ألا متم كراما؟ فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت يا سودة، أعلى الله وعلى رسوله تحرضين؟ قالت: قلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت

ما قلت. ثم كان من قصة الأسارى بالمدينة ما سيأتي بيانه وتفصيله فيما بعد من كيفية فدائهم وكميته، إن شاء الله.

** [ذكر فرح النجاشي رضي الله عنه بوقعة بدر] **

قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي ببغداد، حدثنا أحمد بن سليمان النجاد، حدثنا عبد الله بن أبي الدنيا، حدثني حمزة بن العباس، ثنا عبدان بن عثمان، ثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عبد الرحمن - رجل من أهل صنعاء - قال: أرسل النجاشي ذات يوم إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خلقان ثياب، جالس على التراب، قال جعفر: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما أن رأى ما في وجوهنا قال: إني أبشركم بما يسركم، إنه جاءني من نحو أرضكم عين لي، فأخبرني أن الله قد نصر نبيه، وأهلك عدوه، وأسر فلان وفلان، وقتل فلان وفلان، التقوا بواد يقال له: بدر. كثير الأراك، كأني أنظر إليه، كنت أرعى به لسيدي - رجل من بني ضمرة - إبله. فقال له جعفر: ما بالك جالسا على التراب ليس تحتك بساط، وعليك هذه الأخلاق؟ قال إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى: إن حقا على

عباد الله أن يحدثوا لله تواضعا عندما يحدث لهم من نعمة. فلما أحدث الله لي نصر نبيه صلى الله عليه وسلم، أحدثت له هذا التواضع.

** [فصل في وصول خبر مصاب أهل بدر إلى أهاليهم بمكة] **

قال ابن إسحاق: وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعي، فقالوا له: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام. فلما جعل يعدد أشراف قريش، قال صفوان بن أمية: والله إن يعقل هذا، فسلوه عني. فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: هو ذاك جالسا في الحجر، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا.

قال موسى بن عقبة: ولما وصل الخبر إلى أهل مكة وتحققوه قطعت النساء شعورهن، وعقرت خيول كثيرة ورواحل.

وذكر السهيلي عن كتاب " الدلائل " لقاسم بن ثابت أنه قال: لما كانت وقعة بدر سمع أهل مكة هاتفا من الجن يقول:

أزار الحنيفيون بدرا وقيعة ... سينقض منها ركن كسرى وقيصرا

أبادت رجالا من لؤي وأبرزت ... خرائد يضربن الترائب حسرا

فيا ويح من أمسى عدو محمد ... لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا

قال ابن إسحاق: وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش، كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا. قال: وكنت رجلا ضعيفا، وكنت أعمل الأقداح أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر، حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينا هو جالس إذ قال

الناس: هذا أبو سفيان - واسمه المغيرة - ابن الحارث بن عبد المطلب قد قدم. قال: فقال أبو لهب: هلم إلي، فعندك لعمري الخبر. قال فجلس إليه والناس قيام عليه فقال: يا بن أخي، أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك والله الملائكة. قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة. قال: وثاورته، فاحتملني وضرب بي الأرض، ثم برك علي يضربني، وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته، فضربته به ضربة فلعت في رأسه شجة منكرة، وقالت: أستضعفته أن غاب عنه سيده؟ فقام موليا، ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته. زاد يونس، عن ابن إسحاق: فلقد تركه ابناه بعد موته ثلاثا، ما دفناه حتى أنتن، وكانت قريش تتقي هذه العدسة كما تتقي الطاعون، حتى قال لهما رجل من قريش: ويحكما، ألا تستحيان! إن أباكما قد أنتن في بيته، لا تدفنانه؟! فقالا: إنا

نخشى عدوى هذه القرحة. فقال: انطلقا فأنا أعينكما عليه. فوالله ما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد، ما يدنون منه، ثم احتملوه إلى أعلى مكة، فأسندوه إلى جدار ثم رضموا عليه بالحجارة.

قال يونس، عن ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت لا تمر على مكان أبي لهب هذا إلا تسترت بثوبها حتى تجوز.

قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد، عن أبيه قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم، لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء.

قلت: وكان هذا من تمام ما عذب الله به أحياءهم في ذلك الوقت، وهو تركهم النوح على قتلاهم، فإن البكاء على الميت مما يبل فؤاد الحزين.

قال ابن إسحاق: وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده،

زمعة، وعقيل، والحارث، وكان يحب أن يبكي على بنيه. قال: فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل، فقال لغلام له، وكان قد ذهب بصره: انظر هل أحل النحب؟ هل بكت قريش على قتلاها؟ لعلي أبكي على أبي حكيمة - يعني ولده زمعة - فإن جوفي قد احترق. قال: فلما رجع إليه الغلام قال: إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته. قال: فذاك حين يقول الأسود:

أتبكي أن أضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود

فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود

على بدر سراة بني هصيص ... ومخزوم ورهط أبي الوليد

وبكي إن بكيت على عقيل ... وبكي حارثا أسد الأسود

وبكيهم ولا تسمي جميعا ... وما لأبي حكيمة من نديد

ألا قد ساد بعدهم رجال ... ولولا يوم بدر لم يسودوا

** [فصل في بعث قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم] **

قال ابن إسحاق: وكان في الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال، وكأنكم به قد جاء في طلب فداء أبيه. فلما قالت قريش: لا تعجلوا بفداء أسراكم، لا يأرب عليكم محمد وأصحابه. قال المطلب بن أبي وداعة - وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى -: صدقتم، لا تعجلوا وانسل من الليل، وقدم المدينة، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم فانطلق به.»

قلت: وكان هذا أول أسير فدي، ثم بعثت قريش في فداء أسراهم، فقدم مكرز بن حفص بن الأخيف في فداء سهيل بن عمرو، وكان الذي أسره مالك بن الدخشم، أخو بني سالم بن عوف، فقال في ذلك:

أسرت سهيلا فلا أبتغي ... أسيرا به من جميع الأمم

وخندف تعلم أن الفتى ... فتاها سهيل إذا يظلم

ضربت بذي الشفر حتى انثنى ... وأكرهت نفسي على ذي العلم

قال ابن إسحاق: وكان سهيل رجلا أعلم من شفته السفلى.

قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن عمرو بن عطاء أخو بني عامر بن لؤي، أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيا.»

قلت: وهذا حديث مرسل بل معضل.

قال ابن إسحاق: وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في هذا: «إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه.»

قلت: وهذا هو المقام الذي قامه سهيل بمكة، حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد من العرب، ونجم النفاق بالمدينة وغيرها، فقام بمكة فخطب الناس، وثبتهم على الدين الحنيف، كما سيأتي في موضعه.

قال ابن إسحاق: فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضائهم قالوا:

هات الذي لنا. قال: اجعلوا رجلي مكان رجله وخلوا سبيله، حتى يبعث إليكم بفدائه. فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرزا عندهم. وأنشد له ابن إسحاق في ذلك شعرا أنكره ابن هشام. فالله أعلم.

قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر قال: وكان في الأسارى عمرو بن أبي سفيان صخر بن حرب. قال ابن إسحاق: وكانت أمه بنت عقبة بن أبي معيط. قال ابن هشام: بل كانت أمه أخت أبي معيط. قال ابن هشام: وكان الذي أسره علي بن أبي طالب.

قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر قال: فقيل لأبي سفيان: افد عمرا ابنك. قال أيجمع علي دمي ومالي؟ قتلوا حنظلة وأفدي عمرا؟ ! دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم. قال: فبينما هو كذلك محبوس بالمدينة، إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال، أخو بني عمرو بن عوف، ثم أحد بني معاوية معتمرا، ومعه مرية له، وكان شيخا مسلما في غنم له بالنقيع، فخرج من هنالك معتمرا، ولا يخشى الذي صنع به، ولم يظن أنه يحبس بمكة، إنما جاء معتمرا، وقد كان عهد قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجا أو

معتمرا إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة، فحبسه بابنه عمرو، وقال في ذلك:

أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه ... تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا

فإن بني عمرو لئام أذلة ... لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا

قال: فأجابه حسان بن ثابت يقول:

لو كان سعد يوم مكة مطلقا ... لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا

بعضب حسام أو بصفراء نبعة ... تحن إذا ما أنبضت تحفز النبلا

قال: ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكوا به صاحبهم، فأعطاهم النبي فبعثوا به إلى أبي سفيان، فخلى سبيل سعد.

قال ابن إسحاق: وقد كان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن أمية، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته زينب. قال

ابن هشام: وكان الذي أسره خراش بن الصمة أحد بني حرام. قال ابن إسحاق: وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة، وكانت أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد، وكانت خديجة هي التي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه بابنتها زينب، وكان لا يخالفها، وذلك قبل الوحي، وكان عليه السلام، قد زوج ابنته رقية أو أم كلثوم من عتبة بن أبي لهب، فلما جاء الوحي قال أبو لهب: اشغلوا محمدا بنفسه. وأمر ابنه عتبة فطلق ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الدخول، فتزوجها عثمان بن عفان، رضي الله عنه، ومشوا إلى أبي العاص فقالوا له: فارق صاحبتك ونحن نزوجك بأي امرأة من قريش شئت. قال: لا والله إذا، لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه في صهره، فيما بلغني.

قلت: الحديث بذلك في الثناء عليه في صهره ثابت في الصحيح كما سيأتي.

قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم، مغلوبا على أمره، وكان الإسلام قد فرق بين زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبي العاص، وكان لا يقدر على أن يفرق بينهما.

قلت: إنما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية، سنة ست من الهجرة، كما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.

قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة قالت: «لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها. قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها، فافعلوا، قالوا نعم يا رسول الله. فأطلقوه وردوا عليها الذي لها»

قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب. يعني أن تهاجر إلى المدينة، فوفى أبو العاص بذلك، كما سيأتي. وقد ذكر ذلك ابن إسحاق هاهنا فأخرناه، لأنه أنسب. والله أعلم. وقد تقدم ذكر افتداء العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وعقيلا ونوفلا ابني أخويه بمائة أوقية من الذهب.

قال ابن إسحاق: فكان ممن سمي لنا ممن من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسارى بغير فداء، من بني أمية أبو العاص بن الربيع، ومن بني مخزوم المطلب

بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم، أسره بعض بني الحارث بن الخزرج فترك في أيديهم حتى خلوا سبيله، فلحق بقومه.

وقال ابن هشام: كان الذي أسره أبو أيوب خالد بن زيد.

قال ابن إسحاق: وصيفي بن أبي رفاعة بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ترك في أيدي أصحابه، فأخذوا عليه ليبعثن لهم بفدائه، فخلوا سبيله، ولم يف لهم، فقال حسان بن ثابت في ذلك:

وما كان صيفي ليوفي أمانة ... قفا ثعلب أعيا ببعض الموارد

قال ابن إسحاق: وأبو عزة عمرو بن عبد الله بن عثمان بن أهيب بن حذافة بن جمح، كان محتاجا ذا بنات، قال: يا رسول الله، لقد عرفت ما لي من مال، وإني لذو حاجة وذو عيال، فامنن علي. فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا، فقال أبو عزة يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك

من مبلغ عني الرسول محمدا ... بأنك حق والمليك حميد

وأنت امرؤ تدعو إلى الحق والهدى ... عليك من الله العظيم شهيد

وأنت امرؤ بوئت فينا مباءة ... لها درجات سهلة وصعود

فإنك من حاربته لمحارب ... شقي ومن سالمته لسعيد

ولكن إذا ذكرت بدرا وأهله ... تأوب ما بي حسرة وقعود

قلت: ثم إن أبا عزة هذا نقض ما كان عاهد الرسول عليه، ولعب المشركون بعقله فرجع إليهم، فلما كان يوم أحد أسر أيضا، فسأل من النبي صلى الله عليه وسلم أن يمن عليه أيضا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أدعك تمسح عارضيك وتقول: خدعت محمدا مرتين. ثم أمر به، فضربت عنقه.» كما سيأتي في غزوة أحد.

ويقال: إن فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.» وهذا من الأمثال التي لم تسمع إلا منه، عليه الصلاة والسلام.

قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير قال: جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحجر، بعد مصاب أهل بدر بيسير، وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش، وممن

كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويلقون منه عناء وهو بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر. قال ابن هشام: والذي أسره رفاعة بن رافع، أحد بني زريق.

قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر، عن عروة قال: فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله إن في العيش بعدهم خير. قال له عمير: صدقت والله، أما والله لولا دين علي ليس عندي قضاؤه، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي فيهم علة، ابني أسير في أيديهم. قال: فاغتنمها صفوان بن أمية، فقال: علي دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم. فقال له عمير: فاكتم علي شأني وشأنك. قال: سأفعل. قال: ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسم، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، وما أراهم من عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب، وقد أناخ على باب المسجد متوشحا السيف، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، ما جاء إلا لشر، وهو الذي حرش بيننا، وحزرنا للقوم

يوم بدر. ثم «دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، هذا عدو الله عمير بن وهب، قد جاء متوشحا سيفه. قال: فأدخله علي. قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها، وقال لمن كان معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون. ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه. قال: أرسله يا عمر، ادن يا عمير. فدنا ثم قال: أنعموا صباحا. وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول الله قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة. قال: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد. قال: فما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم، فأحسنوا فيه. قال: فما بال السيف في عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت شيئا؟ " قال: اصدقني، ما الذي جئت له؟ " قال: ما جئت إلا لذلك. قال: بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا. فتحمل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك، على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك. فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا

أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق. ثم شهد شهادة الحق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقهوا أخاكم في دينه، وعلموه القرآن، وأطلقوا أسيره. ففعلوا. ثم قال: يا رسول الله، إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة، فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام، تنسيكم وقعة بدر. وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبدا، ولا ينفعه بنفع أبدا. قال ابن إسحاق: فلما قدم عمير مكة، أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذي من خالفه أذى شديدا، فأسلم على يديه ناس كثير» . قال ابن إسحاق: وعمير بن وهب، أو الحارث بن هشام، هو الذي رأى عدو الله إبليس، حين نكص على عقبيه يوم بدر، وفر هاربا، وقال إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون. وكان إبليس يومئذ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم أمير مدلج

** [فصل في ما نزل من القرآن في قصة بدر] **

فصل

ثم إن الإمام محمد بن إسحاق، رحمه الله تكلم على ما نزل من القرآن في قصة بدر، وهو من أول سورة الأنفال إلى آخرها، فأجاد وأفاد، وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا " التفسير " فمن أراد الاطلاع على ذلك فلينظره ثم، ولله الحمد والمنة

** [فصل في تسمية من شهد بدرا من المسلمين] **

[حرف الألف]

فصل

ثم شرع ابن إسحاق في تسمية من شهد بدرا من المسلمين، فسرد أسماء من شهدها من المهاجرين أولا، ثم أسماء من شهدها من الأنصار أوسها وخزرجها، إلى أن قال: فجميع من شهد بدرا من المسلمين، من المهاجرين والأنصار، من شهدها ومن ضرب له بسهمه وأجره، ثلاثمائة رجل وأربعة عشر رجلا، من المهاجرين ثلاثة وثمانون، ومن الأوس أحد وستون رجلا، ومن الخزرج مائة وسبعون رجلا. وقد سردهم البخاري في " صحيحه " مرتبين على حروف المعجم، بعد البداءة برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله عنهم.

وهذه تسمية من شهد بدرا من المسلمين مرتبين على حروف المعجم، وذلك من كتاب " الأحكام الكبير " للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي، وغيره، بعد البداءة باسم رئيسهم وفخرهم وسيد ولد آدم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم

** حرف الألف **

### $$$$ أبي بن كعب النجاري سيد القراء. الأرقم بن أبى الأرقم، - وأبو الأرقم - عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي. أسعد بن يزيد بن الفاكه بن يزيد بن خلدة بن عامر بن العجلان. أسود بن زيد بن ثعلبة بن عبيد بن غنم. كذا قال موسى بن عقبة. وقال الأموي: سواد بن رزام بن ثعلبة بن عبيد بن عدي. شك فيه. وقال سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق: سواد بن رزيق بن ثعلبة. وقال ابن عائذ: سواد بن زيد. أسير بن عمرو الأنصاري أبو سليط. وقيل: أسير بن عمرو بن أمية بن لوذان بن سالم بن ثابت الخزرجي. ولم يذكره موسى بن عقبة. أنس بن قتادة بن ربيعة بن خالد بن الحارث الأوسي. كذا سماه موسى بن عقبة. وسماه الأموي في " السيرة " أنيسا.

قلت: وأنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم، لما روى عمر بن شبة النميري، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة بن أنس قال: قيل لأنس بن مالك: أشهدت بدرا؟ قال: وأين أغيب عن بدر لا أم لك؟! .

وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا أبي عن مولى لأنس بن مالك، أنه قال لأنس: شهدت بدرا؟ قال: لا أم لك، وأين أغيب عن بدر؟! قال محمد بن عبد الله الأنصاري: خرج أنس بن مالك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، وهو غلام يخدمه. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في " تهذيبه ": هكذا قال الأنصاري، ولم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازي.

أنس بن معاذ بن أنس بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار. أنسة الحبشي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. أوس بن ثابت بن المنذر النجاري. أوس بن خولي بن عبد الله بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج الخزرجي. وقال موسى بن عقبة: أوس بن عبد الله

بن الحارث بن خولي. أوس بن الصامت الخزرجي أخو عبادة بن الصامت. إياس بن البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر حليف بني عدي بن كعب.

** [حرف الباء] **

### $$$$ بجير بن أبي بجير حليف بني النجار. بحاث بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة البلوي حليف الأنصار. بسبس بن عمرو بن ثعلبة بن خرشة بن زيد بن عمرو بن سعيد بن ذبيان بن رشدان بن قيس بن جهينة الجهني حليف بني ساعدة وهو أحد العينين هو وعدي بن أبي الزغباء كما تقدم. بشر بن البراء بن معرور الخزرجي الذي مات بخيبر من الشاة المسمومة. بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي والد النعمان بن بشير

ويقال: إنه أول من بايع الصديق. بشير بن عبد المنذر أبو لبابة الأوسي، رده، عليه الصلاة والسلام، من الروحاء واستعمله على المدينة، وضرب له بسهمه وأجره.

** [حرف التاء] **

### $$$$ تميم بن يعار بن قيس بن عدي بن أمية بن جدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج. تميم مولى خراش بن الصمة. تميم مولى بني غنم بن السلم. وقال ابن هشام هو مولى سعد بن خيثمة.

** [حرف الثاء] **

### $$$$ ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان. ثابت بن ثعلبة. ويقال لثعلبة هذا: الجذع بن زيد بن الحارث بن حرام بن كعب بن غنم بن

كعب بن سلمة. ثابت بن خالد بن النعمان بن خنساء بن عسيرة بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار النجاري. ثابت بن خنساء بن عمرو بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار النجاري. ثابت بن عمرو بن زيد بن عدي بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار النجاري. ثابت بن هزال الخزرجي. ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن مالك بن الأوس. ثعلبة بن عمرو بن عبيد بن مالك النجاري. ثعلبة بن عمرو بن محصن الخزرجي. ثعلبة بن عنمة بن عدي بن نابي السلمي. ثقف بن عمرو، من بني حجر آل بني سليم، وهو من حلفاء بني كثير بن غنم بن دودان بن أسد.

** [حرف الجيم] **

جابر بن خالد بن مسعود بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار بن النجار

النجاري. جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي، أحد الذين شهدوا العقبة.

قلت: فأما جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي أيضا، فذكره البخاري فيهم في مسند، عن سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر وقال: كنت أميح لأصحابي الماء يوم بدر. وهذا الإسناد على شرط مسلم، لكن قال محمد بن سعد: ذكرت لمحمد بن عمر - يعني الواقدي - هذا الحديث، فقال: هذا وهم من أهل العراق. وأنكر أن يكون جابر شهد بدرا.

وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا روح بن عبادة، ثنا زكريا بن إسحاق، ثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة، ولم أشهد بدرا ولا أحدا، منعني أبي، فلما قتل

أبي يوم أحد، لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزاة. ورواه مسلم، عن أبي خيثمة عن روح.

جبار بن صخر السلمي. جبر بن عتيك الأنصاري. جبير بن إياس الخزرجي.

** [حرف الحاء] **

### $$$$ الحارث بن أنس بن رافع الخزرجي. الحارث بن أوس بن معاذ، ابن أخي سعد بن معاذ الأوسي. الحارث بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن مالك بن الأوس، رده عليه الصلاة والسلام، من الطريق، وضرب له بسهمه وأجره. الحارث بن خزمة بن عدي بن أبي غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، حليف لبني ذعورا بن عبد الأشهل. الحارث بن الصمة الخزرجي، رده عليه الصلاة والسلام، لأنه كسر من الطريق، وضرب له بسهمه وأجره. الحارث بن عرفجة الأوسي. الحارث بن قيس بن خالد

أبو خالد الخزرجي. الحارث بن النعمان بن أمية الأنصاري. حارثة بن سراقة النجاري، أصابه سهم غرب وهو في النظارة، فرفع إلى الفردوس. حارثة بن النعمان بن رافع الأنصاري. حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، حليف بني أسد بن عبد العزى بن قصي. حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية الأشجعي، من بني دهمان. هكذا ذكره ابن هشام عن غير ابن إسحاق. وقال الواقدي: حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود. وكذا ذكره ابن عائذ في " مغازيه ". وقال ابن أبي حاتم: حاطب بن عمرو بن عبد شمس. سمعته من أبي، وقال: هو رجل مجهول.

الحباب بن المنذر الخزرجي. ويقال: كان لواء الخزرج معه يومئذ. حبيب بن أسود مولى بني حرام من بني سلمة. وقال موسى بن عقبة: حبيب بن سعد. بدل أسود.

وقال ابن أبي حاتم: حبيب بن أسلم مولى آل جشم بن الخزرج. أنصاري بدري. حريث بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الأنصاري أخو عبد الله بن زيد الذي أري النداء. الحصين بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف.

حمزة بن عبد المطلب بن هاشم عم رسول الله صلى الله عليه وسلم

** [حرف الخاء] **

### $$$$ خالد بن البكير أخو إياس المتقدم. خالد بن زيد أبو أيوب النجاري. خالد بن قيس بن مالك بن العجلان الأنصاري. خارجة بن الحمير، حليف بني خنساء من الخزرج، وقيل: اسمه حمزة بن الحمير. وسماه ابن عائذ: أبا خارجة. فالله أعلم. خارجة بن زيد الخزرجي صهر الصديق. خباب بن الأرت، حليف بني زهرة، وهو من المهاجرين الأولين، وأصله من بني تميم، ويقال: من خزاعة. خباب مولى عتبة بن غزوان، من المهاجرين الأولين. خراش بن الصمة السلمي. خبيب بن إساف بن عنبة الخزرجي. خريم بن فاتك. ذكره البخاري فيهم. خليفة بن عدي الخزرجي. خليد بن قيس بن النعمان بن سنان بن عبيد الأنصاري السلمي. خنيس بن

حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي السهمي. قتل يومئذ فتأيمت منه حفصة بنت عمر بن الخطاب. خوات بن جبير الأنصاري، ضرب له بسهمه وأجره، ولم يشهدها بنفسه. خولي بن أبي خولي العجلي حليف بني عدي. من المهاجرين الأولين. خلاد بن رافع وخلاد بن سويد. وخلاد بن عمرو بن الجموح الخزرجيون.

** [حرف الذال] **

ذكوان بن عبد قيس الخزرجي. ذو الشمالين بن عبد بن عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر، من خزاعة، حليف لبني زهرة، قتل يومئذ شهيدا. قال ابن هشام: واسمه عمير، وإنما قيل له: ذو الشمالين، لأنه كان أعسر.

** [حرف الراء] **

### $$$$ رافع بن الحارث الأوسي. رافع بن عنجدة. قال ابن هشام: هي أمه. رافع بن المعلى بن لوذان الخزرجي قتل يومئذ. ربعي بن رافع بن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجد بن عجلان بن ضبيعة. وقال موسى بن عقبة ربعي بن أبي رافع. ربيع بن إياس الخزرجي. ربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو بن لكيز بن عامر بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، حليف لبني عبد شمس بن عبد مناف، وهو من المهاجرين الأولين. رخيلة بن ثعلبة بن خالد بن ثعلبة بن عامر بن بياضة الخزرجي. رفاعة بن رافع الزرقي، أخو خلاد

بن رافع. رفاعة بن عبد المنذر بن زنبر الأوسي أخو أبي لبابة. رفاعة بن عمرو بن زيد الخزرجي.

** [حرف الزاي] **

### $$$$ الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه. زياد بن عمرو. وقال موسى بن عقبة: زياد بن الأخرس بن عمرو الجهني. وقال الواقدي: زياد بن كعب بن عمرو بن عدي بن عمرو بن رفاعة بن كليب بن مودوعة بن عدي بن عمرو بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة. زياد بن لبيد الزرقي. زياد بن المزين بن قيس الخزرجي. زيد بن أسلم بن ثعلبة بن عدي بن عجلان بن ضبيعة. زيد بن

حارثة بن شراحيل مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنه. زيد بن الخطاب بن نفيل، أخو عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما. زيد بن سهل بن الأسود بن حرام النجاري أبو طلحة، رضي الله عنه

** [حرف السين] **

### $$$$ سالم بن عمير الأوسي. سالم بن عوف الخزرجي. سالم بن معقل مولى أبي حذيفة. السائب بن عثمان بن مظعون الجمحي، شهد مع أبيه. سبيع بن قيس بن عيشة الخزرجي. سبرة بن فاتك. ذكره البخاري. سراقة بن عمرو النجاري. سراقة بن كعب النجاري أيضا. سعد بن خولة مولى بني عامر بن لؤي، من المهاجرين الأولين. سعد بن خيثمة الأوسي قتل

يومئذ شهيدا. سعد بن الربيع الخزرجي الذي قتل يوم أحد شهيدا. سعد بن زيد بن مالك الأوسي. سعد بن زيد بن الفاكه الخزرجي. سعد بن سهيل بن عبد الأشهل النجاري. سعد بن عبيد الأنصاري. سعد بن عثمان بن خلدة الخزرجي أبو عبادة. وقال ابن عائذ: أبو عبيدة. سعد بن معاذ الأوسي. كان لواء الأوس معه. سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي. ذكره غير واحد، منهم عروة، والبخاري، وابن أبي حاتم، والطبراني فيمن شهد بدرا، ووقع في " صحيح مسلم " ما يشهد بذلك حين شاور النبي صلى الله عليه وسلم في ملتقى النفير من قريش، فقال سعد بن عبادة: كأنك تريدنا يا رسول الله. الحديث. والصحيح أن ذلك سعد بن معاذ. والمشهور أن سعد بن عبادة رده من الطريق، قيل: لاستنابته على المدينة. وقيل: لدغته حية، فلم يتمكن من الخروج إلى بدر. حكاه السهيلي عن ابن قتيبة. فالله أعلم.

سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب الزهري، أحد العشرة. سعد بن مالك أبو سهل. قال الواقدي: تجهز ليخرج، فمرض فمات قبل الخروج. سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، ابن عم عمر بن الخطاب، يقال: قدم من الشام بعد مرجعهم من بدر، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره. سفيان بن بشر بن عمرو الخزرجي. سلمة بن أسلم بن حريش الأوسي. سلمة بن ثابت بن وقش بن زغبة. سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة. سليم بن الحارث النجاري. سليم بن عمرو السلمي. سليم بن قيس بن فهد الخزرجي. سليم بن ملحان، أخو حرام بن ملحان النجاري. سماك بن أوس بن خرشة، أبو دجانة. ويقال: سماك بن خرشة. سماك بن سعد بن ثعلبة الخزرجي. وهو أخو بشير بن سعد المتقدم. سهل بن حنيف الأوسي. سهل بن عتيك النجاري. سهل بن قيس السلمي. سهيل بن رافع النجاري. الذي كان له ولأخيه موضع المسجد النبوي كما تقدم. سهيل بن وهب

الفهري، وهو ابن بيضاء، وهي أمه. سنان بن أبي سنان بن محصن بن حرثان، من المهاجرين، حليف بنى عبد شمس بن عبد مناف. سنان بن صيفي السلمي. سواد بن زريق بن زيد الأنصاري. وقال الأموي: سواد بن رزام. سواد بن غزية بن أهيب البلوي. سويبط بن سعد بن حرملة العبدري. سويد بن مخشي أبو مخشي الطائي، حليف بني عبد شمس، وقيل: اسمه أربد بن حمير

** [حرف الشين] **

### $$$$ شجاع بن وهب بن ربيعة الأسدي، أسد خزيمة، حليف بني عبد شمس، من المهاجرين الأولين. شماس بن عثمان المخزومي. قال ابن هشام واسمه عثمان

بن عثمان، وإنما سمي شماسا، لحسنه وشبهه شماسا كان في الجاهلية. شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الواقدي: لم يسهم له، وكان على الأسرى، فأعطاه كل رجل ممن له في الأسرى شيئا، فحصل له أكثر من سهم.

** [حرف الصاد] **

### $$$$ صهيب بن سنان الرومي، من المهاجرين الأولين. صفوان بن وهب بن ربيعة الفهري، أخو سهيل بن بيضاء، قتل شهيدا يومئذ. صخر بن أمية بن خنساء السلمي.

** [حرف الضاد] **

### $$$$ ضحاك بن حارثة بن زيد السلمي. ضحاك بن عبد عمرو النجاري. ضمرة بن عمرو الجهني. وقال موسى بن عقبة ضمرة بن كعب بن عمرو حليف الأنصار، وهو أخو زياد بن عمرو.

** [حرف الطاء] **

### $$$$ طلحة بن عبيد الله التيمي، أحد العشرة، قدم من الشام بعد مرجعهم من بدر، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره. طفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، من المهاجرين، وهو أخو حصين وعبيدة. طفيل بن مالك بن خنساء السلمي. طفيل بن النعمان بن خنساء السلمي، ابن عم الذي قبله. طليب بن عمير بن وهب بن أبي كثير بن عبد بن قصي. ذكره الواقدي.

** [حرف الظاء] **

ظهير بن رافع الأوسي. ذكره البخاري.

** [حرف العين] **

### $$$$ عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري، الذي حمته الدبر حين قتل بالرجيع. عاصم بن عدي بن الجد بن عجلان، رده عليه السلام من الروحاء، وضرب له بسهمه وأجره. عاصم بن قيس بن ثابت الخزرجي. عاقل بن البكير، أخو إياس وخالد وعامر. عامر بن أمية بن زيد بن الحسحاس النجاري. عامر بن الحارث الفهري. كذا ذكره سلمة، عن ابن إسحاق، وابن عائذ. وقال موسى بن عقبة وزياد، عن ابن إسحاق: عمرو بن الحارث. عامر بن ربيعة بن مالك العنزي، حليف بني عدي، من المهاجرين. عامر بن سلمة بن عامر بن عبد الله البلوي القضاعي، حليف بني مالك بن سالم بن غنم. قال ابن هشام: ويقال عمرو بن سلمة. عامر بن عبد الله بن

الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، أبو عبيدة بن الجراح، أحد العشرة، من المهاجرين الأولين. عامر بن فهيرة مولى أبي بكر. عامر بن مخلد النجاري. عائذ بن ماعص بن قيس الخزرجي. عباد بن بشر بن وقش الأوسي. عباد بن قيس بن عامر الخزرجي. عباد بن قيس بن عيشة الخزرجي، أخو سبيع المتقدم. عبادة بن الخشخاش القضاعي. عبادة بن الصامت الخزرجي. عبادة بن قيس بن كعب بن قيس. عبد الله بن أمية بن عرفطة. عبد الله بن ثعلبة بن خزمة، أخو بحاث المتقدم. عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي. عبد الله بن جبير بن النعمان الأوسي. عبد الله بن الجد بن قيس السلمي. عبد الله بن حق بن أوس الساعدي. وقال موسى بن عقبة، والواقدي، وابن عائذ: عبد رب بن حق، وقال ابن هشام:

عبد ربه بن حق. عبد الله بن الحمير، حليف لبني حرام، وهو أخو خارجة بن الحمير من أشجع. عبد الله بن الربيع بن قيس الخزرجي. عبد الله بن رواحة الخزرجي. عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة الخزرجي، الذي أري النداء. عبد الله بن سراقة العدوي. لم يذكره موسى بن عقبة ولا الواقدي ولا ابن عائذ، وذكره ابن إسحاق وغيره. عبد الله بن سلمة بن مالك العجلاني، حليف الأنصار. عبد الله بن سهل بن رافع، أخو بني زعورا. عبد الله بن سهيل بن عمرو، خرج مع أبيه والمشركين، ثم فر من المشركين إلى المسلمين فشهدها معهم. عبد الله بن طارق بن مالك القضاعي، حليف الأوس. عبد الله بن عامر، من بلي، ذكره ابن إسحاق. عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول الخزرجي، وكان أبوه رأس المنافقين. عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو سلمة، زوج أم سلمة،

قتل يومئذ. عبد الله بن عبد مناف بن النعمان السلمي. عبد الله بن عبس. عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب، أبو بكر الصديق، رضي الله عنه. عبد الله بن عرفطة بن عدي الخزرجي. عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي، أبو جابر. عبد الله بن عمير بن عدي الخزرجي. عبد الله بن قيس بن خالد النجاري. عبد الله بن قيس بن صخر بن حرام السلمي. عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، جعله النبي صلى الله عليه وسلم مع عدي بن أبي الزغباء على النفل يوم بدر. . عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى، من المهاجرين الأولين. عبد الله بن مسعود الهذلي، حليف بني زهرة، من المهاجرين الأولين. عبد الله بن مظعون الجمحي، من المهاجرين الأولين. عبد الله بن النعمان بن بلدمة السلمي. عبد الله بن أنيسة بن النعمان السلمي. عبد الرحمن بن جبر بن عمرو، أبو عبس الخزرجي. عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة أبو عقيل القضاعي البلوي. عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف

بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري، أحد العشرة، رضي الله عنهم. عبس بن عامر بن عدي السلمي. عبيد بن التيهان أخو أبي الهيثم بن التيهان، ويقال: عتيك بدل عبيد. عبيد بن ثعلبة، من بني غنم بن مالك. عبيد بن زيد بن عامر بن العجلان بن عمرو بن عامر. عبيد بن أبي عبيد. عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، أخو الحصين والطفيل، وكان أحد الثلاثة الذين بارزوا يوم بدر، فقطعت يده، ثم مات بعد المعركة، رضي الله عنه. عتبان بن مالك بن عمرو الخزرجي. عتبة بن ربيعة بن خالد بن معاوية البهراني، حليف بني أمية بن لوذان. عتبة بن عبد الله بن صخر السلمي. عتبة بن غزوان بن جابر، من المهاجرين الأولين. عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي، أمير المؤمنين، أحد الخلفاء الأربعة وأحد العشرة، تخلف على زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرضها حتى ماتت، فضرب له بسهمه وأجره. عثمان بن مظعون الجمحي أبو السائب، أخو عبد الله وقدامة، من المهاجرين الأولين. عدي بن أبي الزغباء الجهني، وهو الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وبسبس بن عمرو بين يديه

عينا. عصمة بن الحصين بن وبرة بن خالد بن العجلان. عصيمة، حليف لبني الحارث بن سواد، من أشجع، وقيل من بني أسد بن خزيمة. عطية بن نويرة بن عامر بن عطية الخزرجي. عقبة بن عامر بن نابي السلمي. عقبة بن عثمان بن خلدة الخزرجي، أخو سعد بن عثمان. عقبة بن عمرو، أبو مسعود البدري، وقع في " صحيح البخاري " أنه شهد بدرا، وفيه نظر عند كثير من أصحاب المغازي، ولهذا لم يذكروه. عقبة بن وهب بن ربيعة الأسدي، أسد خزيمة حليف لبني عبد شمس، وهو أخو شجاع بن وهب، من المهاجرين الأولين. عقبة بن وهب بن كلدة، حليف بني غطفان. عكاشة بن محصن الغنمي، من المهاجرين الأولين وممن لا حساب عليه. علي بن أبي طالب الهاشمي، أمير المؤمنين، أحد الخلفاء الأربعة وأحد الثلاثة الذين بارزوا يومئذ، رضي الله عنه. عمار بن ياسر العنسي المذحجي، من المهاجرين

الأولين. عمارة بن حزم بن زيد النجاري. عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين، أحد الخلفاء الأربعة، وأحد الشيخين المقتدى بهما، رضي الله عنهما. عمرو بن إياس من أهل اليمن، حليف لبني لوذان بن عمرو بن سالم، وقيل: هو أخو ربيع وودفة. عمرو بن ثعلبة بن وهب بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر، أبو حكيم. عمرو بن الحارث بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر الفهري. عمرو بن سراقة العدوي، من المهاجرين. عمرو بن أبي سرح الفهري، من المهاجرين وقال الواقدي، وابن عائذ: معمر بدل عمرو. عمرو بن طلق بن زيد بن أمية بن سنان بن كعب بن غنم، وهو في بني حرام. عمرو بن الجموح بن حرام الأنصاري. عمرو بن قيس بن زيد بن سواد بن مالك بن غنم، ذكره الواقدي والأموي

عمرو بن قيس بن مالك بن عدي بن عامر، أبو خارجة. ولم يذكره موسى بن عقبة عمرو بن عامر بن الحارث الفهري. ذكره موسى بن عقبة. عمرو بن معبد بن الأزعر الأوسي. عمرو بن معاذ الأوسي، أخو سعد بن معاذ. عمير بن الحارث بن ثعلبة، ويقال: عمير بن الحارث بن لبدة بن ثعلبة السلمي. عمير بن حرام بن الجموح السلمي. ذكره ابن عائذ والواقدي. عمير بن الحمام بن الجموح، ابن عم الذي قبله، قتل يومئذ شهيدا. عمير بن عامر بن مالك بن الخنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن، أبو داود المازني. عمير بن عوف، مولى سهيل بن عمرو وسماه الأموي وغيره عمرو بن عوف. وكذا وقع في " الصحيحين " في حديث بعث أبي عبيدة إلى البحرين. عمير بن مالك بن أهيب الزهري، أخو سعد بن

أبي وقاص، قتل يومئذ شهيدا. عنترة مولى بني سليم، وقيل: إنه منهم. فالله أعلم. عوف بن الحارث بن رفاعة بن الحارث النجاري، وهو ابن عفراء بنت عبيد بن ثعلبة النجارية، قتل يومئذ شهيدا. عويم بن ساعدة الأنصاري من بني أمية بن زيد. عياض بن غنم الفهري، من المهاجرين الأولين، رضي الله عنهم أجمعين.

** [حرف الغين] **

غنام بن أوس الخزرجي. ذكره الواقدي، وليس بمجمع عليه.

** [حرف الفاء] **

الفاكه بن بشر بن الفاكه الخزرجي. فروة بن عمرو بن ودقة الخزرجي.

** [حرف القاف] **

### $$$$ قتادة بن النعمان الأوسي. قدامة بن مظعون الجمحي، من المهاجرين، أخو عثمان وعبد الله. قطبة بن عامر بن حديدة السلمي. قيس بن السكن النجاري. قيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد المازني، كان على الساقة يوم بدر. قيس بن محصن بن خالد الخزرجي. قيس بن مخلد بن ثعلبة النجاري.

** [حرف الكاف] **

### $$$$ كعب بن حمار. ويقال: جماز. ويقال: حمان. وقال ابن هشام: من غبشان. ويقال: كعب بن مالك بن ثعلبة بن جماز. وقال الأموي: كعب بن ثعلبة بن حبالة بن غنم الغساني، من حلفاء بني الخزرج بن

ساعدة. كعب بن زيد بن قيس النجاري. كعب بن عمرو، أبو اليسر السلمي. كلفة بن ثعلبة، أحد البكائين. ذكره موسى بن عقبة. كناز بن حصين بن يربوع، أبو مرثد الغنوي، من المهاجرين الأولين.

** [حرف الميم] **

### $$$$ مالك بن الدخشم. ويقال: ابن الدخشن الخزرجي. مالك بن أبي خولي الجعفي، حليف بني عدي. مالك بن ربيعة، أبو أسيد الساعدي. مالك بن قدامة الأوسي. مالك بن عمرو، أخو ثقف بن عمرو وكلاهما مهاجري، وهما من حلفاء بني تميم بن دودان بن أسد. مالك بن مسعود

الخزرجي. مالك بن نميلة. وقال الواقدي: مالك بن ثابت بن نميلة المزني، حليف لبني عمرو بن عوف. مبشر بن عبد المنذر بن زنبر الأوسي، أخو أبي لبابة ورفاعة، قتل يومئذ شهيدا. المجذر بن ذياد البلوي، مهاجري. محرز بن عامر النجاري. محرز بن نضلة الأسدي، حليف بني عبد شمس، مهاجري، محمد بن مسلمة، حليف بني عبد الأشهل. مدلج، ويقال: مدلاج بن عمرو، أخو ثقف بن عمرو، مهاجري. مرثد بن أبي مرثد الغنوي. مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، من المهاجرين الأولين، وقيل: اسمه عوف. مسعود بن أوس الأنصاري النجاري. مسعود بن خلدة الخزرجي.

مسعود بن ربيعة القاري، حليف بني زهرة مهاجري. مسعود بن سعد - ويقال: ابن عبد سعد - ابن عامر بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث. مسعود بن سعد بن قيس الخزرجي. مصعب بن عمير العبدري، مهاجري، كان معه اللواء يومئذ. معاذ بن جبل الخزرجي. معاذ بن الحارث النجاري، هذا هو ابن عفراء، أخو عوف ومعوذ. معاذ بن عمرو بن الجموح

الخزرجي. معاذ بن ماعص الخزرجي، أخو عائذ. معبد بن عباد بن قشير بن الفدم بن سالم بن غنم. ويقال: معبد بن عبادة بن قيس. وقال الواقدي: قشعر بدل قشير. وقال ابن هشام قشغر. أبو حميضة. معبد بن قيس بن صخر السلمي، أخو عبد الله بن قيس. معتب بن عبيد بن إياس البلوي القضاعي. معتب بن عوف الخزاعي، حليف بني مخزوم من المهاجرين. معتب بن قشير الأوسي. معقل بن المنذر السلمي. معمر بن الحارث الجمحي، من المهاجرين. معن بن عدي الأوسي. معوذ بن الحارث النجاري، وهو ابن عفراء، أخو معاذ وعوف. معوذ بن عمرو بن الجموح السلمي، لعله أخو معاذ بن عمرو. المقداد بن عمرو البهراني، وهو المقداد بن الأسود، من المهاجرين الأولين، وهو ذو المقال المحمود الذي تقدم

ذكره، وكان أحد الفرسان يومئذ. مليل بن وبرة الخزرجي. المنذر بن عمرو بن خنيس الساعدي. المنذر بن قدامة بن عرفجة الخزرجي. المنذر بن محمد بن عقبة الأنصاري، من بني جحجبى. مهجع مولى عمر بن الخطاب، أصله من اليمن، وكان أول قتيل من المسلمين يومئذ.

** [حرف النون] **

### $$$$ نصر بن الحارث بن عبد رزاح بن ظفر وهو كعب. نعمان بن عبد عمرو النجاري، وهو أخو الضحاك. نعمان بن عمرو بن رفاعة النجاري. نعمان بن عصر بن الربيع بن الحارث، حليف لبني الأوس. نعمان بن مالك بن ثعلبة الخزرجي، ويقال له قوقل. نعمان بن يسار، مولى لبني نعمان بن سنان بن عبيد ويقال: نعمان بن سنان. نوفل بن عبد الله بن نضلة الخزرجي.

** [حرف الهاء] **

### $$$$ هانئ بن نيار، أبو بردة البلوي، خال البراء بن عازب. هلال بن أمية الواقفي، وقع ذكره في أهل بدر في " الصحيحين "، في قصة كعب بن مالك ولم يذكره أحد من أصحاب المغازي. هلال بن المعلى الخزرجي، أخو رافع بن المعلى.

** [حرف الواو] **

### $$$$ واقد بن عبد الله التميمي، حليف بني عدي، من المهاجرين. وديعة بن عمرو بن جراد الجهني. ذكره الواقدي وابن عائذ. ودقة بن إياس بن عمرو الخزرجي، أخو ربيع بن إياس. وهب بن سعد بن أبي سرح، ذكره

موسى بن عقبة وابن عائذ والواقدي، في بني عامر بن لؤي، ولم يذكره ابن إسحاق

** [حرف الياء] **

### $$$$ يزيد بن الأخنس بن جناب بن حبيب بن جرة السلمي، قال السهيلي: شهد هو وأبوه وابنه - يعني بدرا - ولا يعرف لهم نظير في الصحابة، ولم يذكرهم ابن إسحاق ولا الأكثرون، لكن شهدوا معه بيعة الرضوان. يزيد بن الحارث بن قيس الخزرجي، وهو الذي يقال له: ابن فسحم. وهي أمه، قتل يومئذ شهيدا ببدر. يزيد بن عامر بن حديدة، أبو المنذر السلمي. يزيد بن المنذر بن سرح السلمي، وهو أخو معقل بن المنذر.

** [باب الكنى] **

### $$$$ أبو أسيد مالك بن ربيعة، تقدم. أبو الأعور بن الحارث بن ظالم النجاري، وقال ابن هشام: أبو الأعور الحارث بن ظالم. وقال الواقدي: أبو الأعور كعب بن الحارث بن جندب بن ظالم. أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان، تقدم. أبو حبة بن عمرو بن ثابت، أحد بني ثعلبة بن عمرو بن عوف الأنصاري. أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، من المهاجرين، وقيل: اسمه مهشم. أبو الحمراء مولى الحارث بن رفاعة ابن عفراء. أبو خزيمة بن أوس بن أصرم النجاري، أبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى، من المهاجرين. أبو سنان بن محصن بن حرثان، أخو عكاشة ومعه ابنه سنان من المهاجرين. أبو الضياح النعمان، - وقيل: عمير - ابن ثابت بن النعمان بن

أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة، رجع من الطريق، وقتل يوم خيبر، رجع لجرح أصابه من حجر فضرب له بسهمه. أبو عرفجة، من حلفاء بني جحجبى. أبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. أبو لبابة بشير بن عبد المنذر، تقدم. أبو مرثد الغنوي كناز بن حصين، تقدم. أبو مسعود البدري عقبة بن عمرو، تقدم. أبو مليل بن الأزعر بن زيد الأوسي

** [فصل في جملة من شهد بدرا من المسلمين] **

فصل

فكان جملة من شهد بدرا من المسلمين ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا، منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال البخاري: حدثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير ثنا أبو إسحاق، سمعت البراء بن عازب يقول: حدثني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم، ممن شهد بدرا، أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، بضعة عشر وثلاثمائة. قال البراء: لا والله ما جاوز معه النهر إلا مؤمن. ثم رواه البخاري من طريق إسرائيل وسفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء نحوه.

قال ابن جرير: وهذا قول عامة السلف، أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا.

وقال البخاري أيضا: حدثنا محمود، ثنا وهب، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر، وكان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين، والأنصار نيفا وأربعين ومائتين. هكذا وقع في هذه الرواية.

وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، ثنا أبو مالك الجنبي، عن الحجاج وهو - ابن أرطاة - عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس قال: كان المهاجرون يوم بدر سبعين رجلا، وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلا، وكان حامل راية النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وحامل راية الأنصار سعد بن عبادة. وهذا يقتضي أنهم كانوا ثلاثمائة وستة رجال. قال ابن جرير: وقيل: كانوا ثلاثمائة وسبعة رجال.

قلت: وقد يكون هذا عد معهم النبي صلى الله عليه وسلم، والأول عدهم بدونه. فالله أعلم. وقد تقدم عن ابن إسحاق أن المهاجرين كانوا ثلاثة وثمانين رجلا، وأن الأوس أحد وستون رجلا، والخزرج مائة وسبعون رجلا، وسردهم وهذا مخالف لما ذكره البخاري، ولما روي عن ابن عباس فالله أعلم.

وفي " الصحيح " عن أنس، أنه قيل له شهدت بدرا؟ فقال: وأين أغيب؟

وفي سنن أبي داود عن سعيد بن منصور، عن أبى معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام أنه قال: كنت أميح لأصحابي الماء يوم بدر. وهذان لم يذكرهما البخاري ولا الضياء. فالله أعلم.

قلت: وفي الذين عدهم ابن إسحاق في أهل بدر من ضرب له بسهم في مغنمها وأنه لم يحضرها، تخلف عنها لعذر أذن له في التخلف بسببه، وكانوا ثمانية أو تسعة، وهم، عثمان بن عفان، تخلف على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرضها حتى ماتت، فضرب له بسهمه وأجره، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، كان بالشام، فضرب له بسهمه وأجره، وطلحة بن عبيد الله، كان بالشام أيضا فضرب له بسهمه وأجره، وأبو لبابة بشير بن عبد المنذر، رده رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروحاء حين بلغه خروج النفير من مكة، فاستعمله على المدينة، وضرب له بسهمه وأجره، والحارث بن حاطب بن عبيد بن أمية، رده رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا من الطريق، وضرب له بسهمه وأجره، والحارث بن الصمة، كسر بالروحاء فرجع، فضرب له بسهمه - زاد

الواقدي: وأجره - وخوات بن جبير، لم يحضر الوقعة وضرب له بسهمه وأجره، وأبو الضياح بن ثابت، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصاب ساقه فصيل حجر، فرجع، وضرب له بسهمه وأجره. قال الواقدي: وسعد بن مالك تجهز ليخرج فمات وقيل إنه مات بالروحاء. فضرب له بسهمه وأجره.

وكان الذين استشهدوا من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا، من المهاجرين ستة وهم، عبيدة بن الحارث بن المطلب، قطعت رجله فمات بالصفراء، رحمه الله، وعمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص الزهري، قتله العاص بن سعيد، وهو ابن ست عشرة سنة، ويقال: إنه كان قد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع لصغره فبكى، فأذن له في الذهاب، فقتل، رضي الله

عنه. وحليفهم ذو الشمالين بن عبد عمرو الخزاعي، وصفوان بن بيضاء، وعاقل بن البكير الليثي، حليف بني عدي، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، وكان أول قتيل قتل من المسلمين يومئذ. ومن الأنصار ثمانية وهم: حارثة بن سراقة، رماه حبان بن العرقة بسهم، فأصاب حنجرته، فمات، ومعوذ وعوف ابنا عفراء، ويزيد بن الحارث - ويقال ابن فسحم - وعمير بن الحمام، ورافع بن المعلى بن لوذان، وسعد بن خيثمة. ومبشر بن عبد المنذر، رضي الله عن جميعهم.

وكان مع المسلمين سبعون بعيرا كما تقدم. قال ابن إسحاق: وكان معهم فرسان، على أحدهما المقداد بن الأسود، واسمها بعزجة - ويقال: سبحة - وعلى الأخرى الزبير بن العوام، واسمها اليعسوب. وكان معهم لواء يحمله مصعب بن عمير، ورايتان، يحمل إحداهما للمهاجرين علي بن أبي طالب، والتي للأنصار يحملها سعد بن عبادة، وكان رأس مشورة المهاجرين أبو بكر الصديق، ورأس مشورة الأنصار سعد بن معاذ

وأما جمع المشركين فأحسن ما يقال فيهم: إنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وقد نص عروة وقتادة أنهم كانوا تسعمائة وخمسين رجلا.

وقال الواقدي: كانوا تسعمائة وثلاثين رجلا. وهذا التحديد يحتاج إلى دليل. وقد تقدم في بعض الأحاديث أنهم كانوا أزيد من ألف، فلعله عدد أتباعهم معهم. والله أعلم. وقد تقدم في الحديث الصحيح عند البخاري، عن البراء أنه قتل منهم سبعون، وأسر سبعون. وهذا قول الجمهور، ولهذا قال كعب بن مالك في قصيدة له:

فأقام بالعطن المعطن منهم ... سبعون عتبة منهم والأسود

وقد حكى الواقدي الإجماع على ذلك، وفيما قاله نظر، فإن موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا خلاف ذلك، وهما من أئمة هذا الشأن، فلا يمكن حكاية الاتفاق بدون قولهما، وإن كان قولهما مرجوحا بالنسبة إلى الحديث الصحيح والله أعلم. وقد سرد أسماء القتلى والأسارى ابن إسحاق وغيره، وحرر ذلك الحافظ الضياء في " أحكامه " جيدا، وقد

تقدم في غضون سياقات القصة ذكر أول من قتل منهم، وهو الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وأول من فر، وهو خالد بن الأعلم الخزاعي - أو العقيلي - حليف بني مخزوم، وما أفاده ذلك، فإنه أسر، وهو القائل في شعره:

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا يقطر الدم

فما صدق في ذلك، وأول من أسروا: عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، قتلا صبرا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الأسارى، وقد اختلف في أيهما قتل أولا على قولين، وأنه عليه الصلاة والسلام، أطلق جماعة من الأسارى مجانا بلا فداء، منهم، أبو العاص بن الربيع الأموي، والمطلب بن حنطب بن الحارث المخزومي، وصيفي بن أبي رفاعة كما تقدم، وأبو عزة الشاعر، ووهب بن عمير بن وهب الجمحي، كما تقدم، وفادى بقيتهم، حتى عمه العباس أخذ منه أكثر مما أخذ من سائر الأسرى، لئلا يحابيه لكونه عمه، مع أنه قد سأله الذين أسروه من الأنصار أن يتركوا له فداءه، فأبى عليهم ذلك، وقال «لا تتركوا منه درهما» ". وقد كان فداؤهم متفاوتا، فأقل ما أخذ أربعمائة، ومنهم من أخذ منه أربعون أوقية من ذهب. قاله موسى بن عقبة.

وأخذ من العباس مائة أوقية من ذهب، ومنهم من استؤجر على عمل بمقدار فدائه، كما قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم قال: قال داود ثنا عكرمة، عن ابن عباس قال: كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة. قال: فجاء غلام يوما يبكي إلى أبيه فقال: ما شأنك؟ فقال: ضربني معلمي. فقال: الخبيث يطلب بذحل بدر، والله لا تأتيه أبدا. انفرد به أحمد، وهو على شرط السنن. وتقدم بسط ذلك كله، ولله الحمد والمنة.

** [فصل في فضل من شهد بدرا من المسلمين] **

قال البخاري في هذا الباب: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق، عن حميد، سمعت أنسا يقول: «أصيب حارثة يوم بدر، فجاءت أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة، مني فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع. فقال: ويحك، أوهبلت، أوجنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس.» تفرد به البخاري من هذا الوجه

وقد روي من غير هذا الوجه من حديث ثابت وقتادة، عن أنس، وأن حارثة كان في النظارة، وفيه: «إن ابنك أصاب الفردوس الأعلى» وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر، فإن هذا الذي لم يكن في بحبحة القتال

ولا في حومة الوغى، بل كان من النظارة من بعيد، وإنما أصابه سهم غرب، وهو يشرب من الحوض، ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس، التي هي أعلى الجنان وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، التي أمر الشارع أمته إذا سألوا الله الجنة أن يسألوه إياها، فإذا كان هذا حال هذا، فما ظنك بمن كان واقفا في نحر العدو، وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عددا وعددا.

ثم روى البخاري ومسلم جميعا عن إسحاق ابن راهويه، عن عبد الله بن إدريس، عن حصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، قصة حاطب بن أبي بلتعة وبعثه الكتاب إلى أهل مكة عام الفتح، وأن عمر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ولفظ البخاري: «أليس من أهل بدر؟! ولعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة " أو " قد غفرت لكم " فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.»

وروى مسلم، عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، «أن

عبدا لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبا، فقال: يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبت، لا يدخلها، فإنه شهد بدرا والحديبية.»

وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا أبو بكر بن عياش، حدثني الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل النار رجل شهد بدرا أو الحديبية» . تفرد به أحمد، وهو على شرط مسلم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أنبأنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.» ورواه أبو داود، عن أحمد بن سنان، وموسى بن إسماعيل، كلاهما عن يزيد بن هارون به.

وروى البزار في " مسنده " ثنا محمد بن مرزوق، ثنا أبو حذيفة، ثنا

عكرمة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: «قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأرجو أن لا يدخل النار من شهد بدرا إن شاء الله» . ثم قال لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه. قلت: وقد تفرد البزار بهذا الحديث ولم يخرجوه، وهو على شرط الصحيح. والله أعلم.

وقال البخاري في باب شهود الملائكة بدرا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم قال: من أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة» . انفرد به البخاري.

[فصل في قدوم زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم مهاجرة بعد وقعة بدر]

** فصل في قدوم زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، مهاجرة من مكة إلى المدينة بعد وقعة بدر بشهر، بمقتضى ما كان شرط زوجها أبو العاص للنبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم **

قال ابن إسحاق: ولما رجع أبو العاص إلى مكة وقد خلي سبيله - يعني كما تقدم - «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار مكانه، فقال: كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب، فتصاحباها فتأتياني بها فخرجا مكانهما، وذلك بعد بدر بشهر - أو شيعه - فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها، فخرجت تجهز.»

قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر، قال: حدثت عن زينب أنها قالت: بينا أنا أتجهز لقيتني هند بنت عتبة، فقالت: يا ابنة محمد، ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك؟ قالت: فقلت: ما أردت ذلك. فقالت: أي ابنة عم، لا تفعلي، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو بمال تتبلغين به إلى أبيك، فإن عندي حاجتك فلا تضطني مني فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال. قالت: والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل. قالت ولكني خفتها، فأنكرت أن أكون أريد ذلك. قال ابن إسحاق: فتجهزت، فلما فرغت من جهازها قدم إليها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيرا فركبته، وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهارا يقود بها، وهي في هودج لها، وتحدث بذلك رجال من قريش، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى، فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والفهري، فروعها هبار بالرمح، وهي في

الهودج، وكانت حاملا - فيما يزعمون - فطرحت، وبرك حموها كنانة، ونثر كنانته، ثم قال: والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما. فتكركر الناس عنه، وأتى أبو سفيان في جلة من قريش، فقال: يا أيها الرجل، كف عنا نبلك حتى نكلمك. فكف، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه، فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذ خرجت بابنته إليه علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا، أن ذلك عن ذل أصابنا، وأن ذلك منا ضعف ووهن، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا من ثؤرة، ولكن ارجع بالمرأة، حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها، فسلها سرا وألحقها بأبيها. قال: ففعل. وقد ذكر ابن إسحاق أن أولئك النفر الذين ردوا زينب لما رجعوا إلى مكة قالت هند تذمهم على ذلك:

أفي السلم أعيار جفاء وغلظة ... وفي الحرب أشباه النساء العوارك

وقد قيل: إنها قالت ذلك للذين رجعوا من بدر، بعدما قتل منهم الذين قتلوا.

قال ابن إسحاق: فأقامت ليالي حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها ليلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد روى البيهقي في " الدلائل " من طريق عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن عروة، «عن عائشة، فذكر قصة خروجها وردهم لها ووضعها ما في بطنها، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة وأعطاه خاتمه، لتجيء معه، فتلطف زيد، فأعطاه راعيا من مكة، فأعطى الخاتم لزينب، فلما رأته عرفته، فقالت: من دفع إليك هذا؟ قال: رجل في ظاهر مكة. فخرجت زينب ليلا فركبت وراءه حتى قدم بها المدينة. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هي أفضل بناتي أصيبت في قال: فبلغ ذلك علي بن الحسين بن زين العابدين، فأتى عروة فقال: ما حديث بلغني أنك تحدثه تنتقص فيه فاطمة؟ فقال عروة: والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب وأني أنتقص فاطمة حقا هو لها، وأما بعد فلك أن لا أحدثه أبدا» . قال ابن إسحاق: فقال في ذلك عبد الله بن رواحة، أو أبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف - قال ابن هشام: هي لأبي خيثمة -:

أتاني الذي لا يقدر الناس قدره ... لزينب فيهم من عقوق ومأثم

وإخراجها لم يخز فيها محمد ... على مأقط وبيننا عطر منشم

وأمسى أبو سفيان من حلف ضمضم ... ومن حربنا في رغم أنف ومندم

قرنا ابنه عمرا ومولى يمينه ... بذي حلق جلد الصلاصل محكم

فأقسمت لا تنفك منا كتائب ... سراة خميس من لهام مسوم

نروع قريش الكفر حتى نعلها ... بخاطمة فوق الأنوف بميسم

ننزلهم أكناف نجد ونخلة ... وإن يتهموا بالخيل والرجل نتهم

يد الدهر حتى لا يعوج سربنا ... ونلحقهم آثار عاد وجرهم

ويندم قوم لم يطيعوا محمدا

على أمرهم وأي حين تندم ... فأبلغ أبا سفيان إما لقيته

لئن أنت لم تخلص سجودا وتسلم ... فأبشر بخزي في الحياة معجل

وسربال قار خالدا في جهنم

قال ابن إسحاق: ومولى يمين أبي سفيان الذي عناه الشاعر، هو عامر بن الحضرمي.

وقال ابن هشام: إنما هو عقبة بن عبد الحارث بن الحضرمي، فأما عامر بن الحضرمي، فإنه قتل يوم بدر.

قال ابن إسحاق: وقد حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي إسحاق الدوسي، عن أبي هريرة قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيها، فقال: " إن ظفرتم بهبار بن الأسود، والرجل الذي سبق معه إلى زينب فحرقوهما بالنار " فلما كان الغد بعث إلينا، فقال: إني قد كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما، ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يحرق بالنار إلا الله، عز وجل، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما.» تفرد به ابن إسحاق، وهو على شرط السنن ولم يخرجوه.

وقال البخاري: حدثنا قتيبة، ثنا الليث، عن بكير، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أنه قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث، فقال إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار» ثم قال حين أردنا الخروج: «إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما»

وقد ذكر ابن إسحاق «أن أبا العاص أقام بمكة على كفره، واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش، فلما قفل من الشام لقيته سرية، فأخذوا ما معه، وأعجزهم هربا، وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب فاستجار بها فأجارته، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الصبح، وكبر، وكبر الناس، صرخت من صفة النساء: أيها الناس، إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقبل على الناس، فقال، أيها الناس، هل سمعتم الذي سمعت؟ . قالوا: نعم. قال: أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء حتى سمعت ما سمعتم، وإنه يجير على المسلمين أدناهم. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم،

فدخل على ابنته زينب فقال: أي بنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له. قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثهم على رد ما كان معه، فردوه بأسره لا يفقد منه شيئا، فأخذه أبو العاص فرجع به إلى مكة، فأعطى كل إنسان ما كان له، ثم قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيا كريما. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعني عن الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت. ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

قال ابن إسحاق: فحدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، زينب على النكاح الأول، ولم يحدث شيئا» . وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث محمد بن إسحاق، وقال الترمذي: ليس بإسناده بأس، ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء من قبل حفظ داود بن الحصين.

وقال السهيلي: لم يقل به أحد من الفقهاء، فيما علمت. وفي لفظ: ردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ست سنين. وفي رواية: بعد سنتين بالنكاح الأول. رواه ابن جرير، وفي رواية لم يحدث نكاحا. وهذا الحديث قد أشكل على كثير من العلماء، فإن القاعدة عندهم أن المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر، فإن كان قبل الدخول تعجلت الفرقة، وإن كان بعده انتظر إلى انقضاء العدة، فإن أسلم فيها استمر على نكاحها، وإن انقضت ولم يسلم انفسخ نكاحها، وزينب، رضي الله عنها، أسلمت حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهاجرت بعد بدر بشهر، وحرم المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست، وأسلم أبو العاص قبل الفتح سنة ثمان، فمن قال: ردها عليه بعد ست سنين. أي من حين هجرتها، فهو صحيح، ومن قال: بعد سنتين. أي من حين حرمت المسلمات على المشركين، فهو صحيح أيضا، وعلى كل تقدير، فالظاهر انقضاء عدتها في هذه المدة التي أقلها سنتان من حين التحريم أو قريب منها، فكيف ردها عليه بالنكاح الأول؟ فقال قائلون: يحتمل أن عدتها لم تنقض، وهذه قصة عين يتطرق إليها الاحتمال. وعارض آخرون هذا

الحديث بالحديث الأول الذي رواه أحمد والترمذي، وابن ماجه من حديث الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد بنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد.»

قال الإمام أحمد: هذا حديث ضعيف واه ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب، إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي، والعرزمي لا يساوي حديثه شيئا، والحديث الصحيح الذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهما على النكاح الأول.

وهكذا قال الدارقطني: لا يثبت هذا الحديث، والصواب حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بالنكاح الأول.

وقال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال، والعمل عليه عند أهل العلم أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم زوجها أنه أحق بها ما كانت في العدة، وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.

وقال آخرون: بل الظاهر انقضاء عدتها، ومن روى أنه جدد لها نكاحا فضعيف، ففي قضية زينب، والحالة هذه، دليل على أن المرأة إذا أسلمت

وتأخر إسلام زوجها حتى انقضت عدتها فنكاحها لا ينفسخ بمجرد ذلك، بل تبقى بالخيار، إن شاءت تزوجت غيره، وإن شاءت تربصت وانتظرت إسلام زوجها أي وقت كان، وهي امرأته ما لم تتزوج، وهذا القول فيه قوة، وله حظ من جهة الفقه. والله تعالى أعلم.

ويستشهد لذلك بما ذكره البخاري حيث قال: نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن. حدثنا إبراهيم بن موسى، ثنا هشام، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: كان المشركون على منزلتين من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، كانوا مشركي أهل حرب يقاتلونهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه، وإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران ولهما ما للمهاجرين، ثم ذكر من أهل العهد مثل حديث مجاهد. هذا لفظه بحروفه، فقوله: فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر. يقتضي أنها كانت تستبرئ بحيضة، لا تعتد بثلاثة قروء، وقد ذهب قوم إلى هذا. وقوله: فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه. يقتضي أنه، وإن هاجر بعد انقضاء مدة الاستبراء والعدة، أنها ترد إلى زوجها الأول ما لم تنكح زوجا غيره، كما هو الظاهر من قصة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم،

وكما ذهب إليه من ذهب من العلماء. والله أعلم.

** [فصل فيما قيل من الأشعار في غزوة بدر العظمى] **

فمن ذلك ما ذكره ابن إسحاق، عن حمزة بن عبد المطلب، وأنكرها ابن هشام:

ألم تر أمرا كان من عجب الدهر ... وللحين أسباب مبينة الأمر

وما ذاك إلا أن قوما أفادهم ... فخانوا تواص بالعقوق وبالكفر

عشية راحوا نحو بدر بجمعهم ... فكانوا رهونا للركية من بدر

وكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها ... فساروا إلينا فالتقينا على قدر

فلما التقينا لم تكن مثنوية ... لنا غير طعن بالمثقفة السمر

وضرب ببيض يختلي الهام حدها

مشهرة الألوان بينة الأثر ... ونحن تركنا عتبة الغي ثاويا

وشيبة في قتلى تجرجم في الجفر ... وعمرو ثوى فيمن ثوى من حماتهم

فشقت جيوب النائحات على عمرو ... جيوب نساء من لؤي بن غالب

كرام تفرعن الذوائب من فهر ... أولئك قوم قتلوا في ضلالهم

وخلوا لواء غير محتضر النصر ... لواء ضلال قاد إبليس أهله

فخاس بهم إن الخبيث إلى غدر ... وقال لهم إذ عاين الأمر واضحا

برئت إليكم ما بي اليوم من صبر ... فإني أرى ما لا ترون وإنني

أخاف عقاب الله والله ذو قسر ... فقدمهم للحين حتى تورطوا

وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر ... فكانوا غداة البئر ألفا وجمعنا

ثلاث مئين كالمسدمة الزهر ... وفينا جنود الله حين يمدنا

بهم في مقام ثم مستوضح الذكر ... فشد بهم جبريل تحت لوائنا

لدى مأزق فيه مناياهم تجري

وقد ذكر ابن إسحاق جوابها من الحارث بن هشام، أخي أبي جهل عمرو بن هشام، تركناها عمدا.

وقال علي بن أبي طالب - وأنكرها ابن هشام -:

ألم تر أن الله أبلى رسوله ... بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل

بما أنزل الكفار دار مذلة ... فلاقوا هوانا من إسار ومن قتل

فأمسى رسول الله قد عز نصره ... وكان رسول الله أرسل بالعدل

فجاء بفرقان من الله منزل ... مبينة آياته لذوي العقل

فآمن أقوام بذاك وأيقنوا ... فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل

وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم ... فزادهم ذو العرش خبلا على خبل

وأمكن منهم يوم بدر رسوله ... وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل

بأيديهم بيض خفاف عصوا بها ... وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل

فكم تركوا من ناشئ ذي حمية ... صريعا ومن ذي نجدة منهم كهل

تبيت عيون النائحات عليهم ... تجود بإسبال الرشاش وبالوبل

نوائح تنعي عتبة الغي وابنه

وشيبة تنعاه وتنعي أبا جهل ... وذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم

مسلبة حرى مبينة الثكل ... ثوى منهم في بئر بدر عصابة

ذوو نجدات في الحروب وفي المحل ... دعا الغي منهم من دعا فأجابه

وللغي أسباب مرمقة الوصل ... فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل

عن الشغب والعدوان في أسفل السفل

وقد ذكر ابن إسحاق نقيضها من الحارث بن هشام أيضا، تركناها قصدا. وقال كعب بن مالك:

عجبت لأمر الله والله قادر ... على ما أراد ليس لله قاهر

قضى يوم بدر أن نلاقي معشرا ... بغوا وسبيل البغي بالناس جائر

وقد حشدوا واستنفروا من يليهم ... من الناس حتى جمعهم متكاثر

وسارت إلينا لا تحاول غيرنا ... بأجمعها كعب جميعا وعامر

وفينا رسول الله والأوس حوله ... له معقل منهم عزيز وناصر

وجمع بني النجار تحت لوائه

يمشون في الماذي والنقع ثائر ... فلما لقيناهم وكل مجاهد

لأصحابه مستبسل النفس صابر ... شهدنا بأن الله لا رب غيره

وأن رسول الله بالحق ظاهر ... وقد عريت بيض خفاف كأنها

مقابيس يزهيها لعينيك شاهر ... بهن أبدنا جمعهم فتبددوا

وكان يلاقي الحين من هو فاجر ... فكب أبو جهل صريعا لوجهه

وعتبة قد غادرته وهو عاثر ... وشيبة والتيمي غادرت في الوغى

وما منهم إلا بذي العرش كافر ... فأمسوا وقود النار في مستقرها

وكل كفور في جهنم صائر ... تلظى عليهم وهي قد شب حميها

بزبر الحديد والحجارة ساجر ... وكان رسول الله قد قال أقبلوا

فولوا وقالوا إنما أنت ساحر ... لأمر أراد الله أن يهلكوا به

وليس لأمر حمه الله زاجر

وقال كعب في يوم بدر

ألا هل أتى غسان في نأي دارها ... وأخبر شيء بالأمور عليمها

بأن قد رمتنا عن قسي عداوة ... معد معا جهالها وحليمها

لأنا عبدنا الله لم نرج غيره ... رجاء الجنان إذ أتانا زعيمها

نبي له في قومه إرث عزة ... وأعراق صدق هذبتها أرومها

فساروا وسرنا فالتقينا كأننا ... أسود لقاء لا يرجى كليمها

ضربناهم حتى هوى في مكرنا ... لمنخر سوء من لؤي عظيمها

فولوا ودسناهم ببيض صوارم ... سواء علينا حلفها وصميمها

وقال كعب أيضا:

لعمر أبيكما يا ابني لؤي ... على زهو لديكم وانتخاء

لما حامت فوارسكم ببدر ... ولا صبروا به عند اللقاء

وردناه ونور الله يجلو ... دجى الظلماء عنا والغطاء

رسول الله يقدمنا بأمر ... من امر الله أحكم بالقضاء

فما ظفرت فوارسكم ببدر ... وما رجعوا إليكم بالسواء

فلا تعجل أبا سفيان وارقب ... جياد الخيل تطلع من كداء

بنصر الله روح القدس فيها ... وميكال فيا طيب الملاء

وقال حسان بن ثابت: قال ابن هشام: ويقال هي لعبد الله بن الحارث السهمي:

مستشعري حلق الماذي يقدمهم ... جلد النحيزة ماض غير رعديد

أعني رسول إله الخلق فضله ... على البرية بالتقوى وبالجود

وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم ... وماء بدر زعمتم غير مورود

ثم وردنا ولم نسمع لقولكم ... حتى شربنا رواء غير تصريد

مستعصمين بحبل غير منجذم ... مستحكم من حبال الله ممدود

فينا الرسول وفينا الحق نتبعه ... حتى الممات ونصر غير محدود

واف وماض شهاب يستضاء به ... بدر أنار على كل الأماجيد

وقال حسان بن ثابت أيضا:

ألا ليت شعري هل أتى أهل مكة ... إبارتنا الكفار في ساعة العسر

قتلنا سراة القوم عند مجالنا ... فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر

قتلنا أبا جهل وعتبة قبله ... وشيبة يكبو لليدين وللنحر

قتلنا سويدا ثم عتبة بعده ... وطعمة أيضا عند ثائرة القتر

فكم قد قتلنا من كريم مرزأ ... له حسب في قومه نابه الذكر

تركناهم للعاويات ينبنهم ... ويصلون نارا بعد حامية القعر

لعمرك ما حامت فوارس مالك ... وأشياعهم يوم التقينا على بدر

وقال عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، في يوم بدر، وفي قطع رجله في مبارزته هو وحمزة وعلي مع عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، وأنكرها ابن هشام:

ستبلغ عنا أهل مكة وقعة ... يهب لها من كان عن ذاك نائيا

بعتبة إذ ولى وشيبة بعده ... وما كان فيها بكر عتبة راضيا

فإن تقطعوا رجلي فإني مسلم ... أرجي بها عيشا من الله دانيا

مع الحور أمثال التماثيل أخلصت ... من الجنة العليا لمن كان عاليا

وبعت بها عيشا تعرفت صفوه ... وعاجلته حتى فقدت الأدانيا

فأكرمني الرحمن من فضل منه ... بثوب من الإسلام غطى المساويا

وما كان مكروها إلي قتالهم ... غداة دعا الأكفاء من كان داعيا

ولم يبغ إذ سالوا النبي سواءنا ... ثلاثتنا حتى حضرنا المناديا

لقيناهم كالأسد تخطر بالقنا ... نقاتل في الرحمن من كان عاصيا

فما برحت أقدامنا من مقامنا ... ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا

وقال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا، يذم الحارث بن هشام على فراره يوم بدر، وتركه قومه لا يقاتل دونهم:

تبلت فؤادك في المنام خريدة ... تشفي الضجيع ببارد بسام

كالمسك تخلطه بماء سحابة ... أو عاتق كدم الذبيح مدام

نفج الحقيبة بوصها متنضد ... بلهاء غير وشيكة الأقسام

بنيت على قطن أجم كأنه ... فضلا إذا قعدت مداك رخام

وتكاد تكسل أن تجيء فراشها ... في جسم خرعبة وحسن قوام

أما النهار فلا أفتر ذكرها ... والليل توزعني بها أحلامي

أقسمت أنساها وأترك ذكرها ... حتى تغيب في الضريح عظامي

يا من لعاذلة تلوم سفاهة ... ولقد عصيت على الهوى لوامي

بكرت علي بسحرة بعد الكرى ... وتقارب من حادث الأيام

زعمت بأن المرء يكرب عمره ... عدم لمعتكر من الأصرام

إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام

ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام

تذر العناجيج الجياد بقفرة ... مر الدموك بمحصد ورجام

ملأت به الفرجين فارمدت به ... وثوى أحبته بشر مقام

وبنو أبيه ورهطه في معرك ... نصر الإله به ذوي الإسلام

طحنتهم والله ينفذ أمره ... حرب يشب سعيرها بضرام

لولا الإله وجريها لتركنه ... جزر السباع ودسنه بحوام

من بين مأسور يشد وثاقه ... صقر إذا لاقى الأسنة حام

ومجدل لا يستجيب لدعوة ... حتى تزول شوامخ الأعلام

بالعار والذل المبين إذ رأى ... بيض السيوف تسوق كل همام

بيدي أغر إذا انتمى لم يخزه ... نسب القصار سميدع مقدام

بيض إذا لاقت حديدا صممت ... كالبرق تحت ظلال كل غمام

قال ابن هشام: تركنا في آخرها ثلاثة أبيات أقذع فيها.

قال ابن هشام: فأجابه الحارث بن هشام، أخو أبي جهل عمرو بن هشام فقال:

القوم أعلم ما تركت قتالهم ... حتى حبوا مهري بأشقر مزبد

وعرفت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا ينكي عدوي مشهدي

فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مفسد

وقال حسان أيضا:

يا حار قد عولت غير معول ... عند الهياج وساعة الأحساب

إذ تمتطي سرح اليدين نجيبة ... مرطى الجراء طويلة الأقراب

والقوم خلفك قد تركت قتالهم ... ترجو النجاة وليس حين ذهاب

ألا عطفت على ابن أمك إذ ثوى ... قعص الأسنة ضائع الأسلاب

عجل المليك له فأهلك جمعه ... بشنار مخزية وسوء عذاب

وقال حسان أيضا:

لقد علمت قريش يوم بدر ... غداة الأسر والقتل الشديد

بأنا حين تشتجر العوالي ... حماة الحرب يوم أبي الوليد

قتلنا ابني ربيعة يوم سارا ... إلينا في مضاعفة الحديد

وفر بها حكيم يوم جالت ... بنو النجار تخطر كالأسود

وولت عند ذاك جموع فهر ... وأسلمها الحويرث من بعيد

لقد لاقيتم ذلا وقتلا ... جهيزا نافذا تحت الوريد

وكل القوم قد ولوا جميعا ... ولم يلووا على الحسب التليد

وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب، ترثي عبيدة بن الحارث بن المطلب:

لقد ضمن الصفراء مجدا وسؤددا ... وحلما أصيلا وافر اللب والعقل

عبيدة فابكيه لأضياف غربة ... وأرملة تهوي لأشعث كالجذل

وبكيه للأقوام في كل شتوة ... إذا احمر آفاق السماء من المحل

وبكيه للأيتام والريح زفزف ... وتشبيب قدر طالما أزبدت تغلي

فإن تصبح النيران قد مات ضوءها ... فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل

لطارق ليل أو لملتمس القرى ... ومستنبح أضحى لديه على رسل

وقال الأموي في " مغازيه " حدثني سعيد بن قطن، قال: قالت عاتكة بنت عبد المطلب في رؤياها التي رأت وتذكر بدرا:

ألما تكن رؤياي حقا ويأتكم ... بتأويلها فل من القوم هارب

رأى فأتاكم باليقين الذي رأى ... بعينيه ما تفري السيوف القواضب

فقلتم ولم أكذب كذبت وإنما ... يكذبني بالصدق من هو كاذب

وما جاء إلا رهبة الموت هاربا ... حكيم وقد أعيت عليه المذاهب

أقامت سيوف الهند دون رءوسكم ... وخطية فيها الشبا والثعالب

كأن حريق النار لمع ظباتها ... إذا ما تعاطتها الليوث المشاغب

ألا بأبي يوم اللقاء محمدا ... إذا عض من عون الحروب الغوارب

مرى بالسيوف المرهفات نفوسكم ... كفاحا كما تمري السحاب الجنائب

فكم بردت أسيافه من مليكة ... وزعزع ورد بعد ذلك صالب

فما بال قتلى في القليب ومثلهم ... لدى ابن أخي أسرى له ما تضارب

فكانوا نساء أم أتى لنفوسهم ... من الله حين ساق والحين حالب

فكيف رأى عند اللقاء محمدا ... بنو عمه والحرب فيها التجارب

ألم يغشكم ضربا يحار لوقعه ال ... جبان وتبدو بالنهار الكواكب

حلفت لئن عادوا لنصطلينهم ... بحارا تردى تجربتها المقانب

كأن ضياء الشمس لمع ظباتها ... لها من شعاع النور قرن وحاجب

وقالت عاتكة أيضا فيما نقله الأموي:

هلا صبرتم للنبي محمد ... ببدر ومن يغشى الوغى حق صابر

ولم ترجعوا عن مرهفات كأنها ... حريق بأيدي المؤمنين بواتر

ولم تصبروا للبيض حتى أخذتموا ... قليلا بأيدي المؤمنين المساعر

ووليتم نفرا وما البطل الذي ... يقاتل من وقع السلاح بنافر

أتاكم بما جاء النبيون قبله ... وما ابن أخي البر الصدوق بشاعر

سيكفي الذي ضيعتم من نبيكم ... وينصره الحيان عمرو وعامر

وقال طالب بن أبي طالب يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرثي أصحاب القليب من قريش الذين قتلوا يومئذ من قومه، وهو بعد على دين قومه إذ ذاك:

ألا إن عيني أنفدت دمعها سكبا ... تبكي على كعب وما إن ترى كعبا

ألا إن كعبا في الحروب تخاذلوا ... وأرداهم ذا الدهر واجترحوا ذنبا

وعامر تبكي للملمات غدوة ... فيا ليت شعري هل أرى لهم قربا

فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... فدى لكما لا تبعثوا بيننا حربا

ولا تصبحوا من بعد ود وألفة ... أحاديث فيها كلكم يشتكي النكبا

ألم تعلموا ما كان في حرب داحس ... وحرب أبي يكسوم إذ ملئوا الشعبا

فلولا دفاع الله لا شيء غيره ... لأصبحتم لا تمنعون لكم سربا

فما إن جنينا في قريش عظيمة ... سوى أن حمينا خير من وطئ التربا

أخا ثقة في النائبات مرزأ ... كريما نثاه لا بخيلا ولا ذربا

يطيف به العافون يغشون بابه ... يؤمون نهرا لا نزورا ولا صربا

فوالله لا تنفك نفسي حزينة ... تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا

** [فصل أشعار من جهة المشركين يرثون بها قتلاهم يوم بدر] **

فصل

وقد ذكر ابن إسحاق أشعارا من جهة المشركين قوية الصنعة، يرثون بها قتلاهم يوم بدر، فمن ذلك قول ضرار بن الخطاب بن مرداس أخي بني محارب بن فهر، وقد أسلم بعد ذلك، والسهيلي في " روضه " يتكلم على أشعار من أسلم منهم بعد ذلك:

عجبت لفخر الأوس والحين دائر ... عليهم غدا والدهر فيه بصائر

وفخر بني النجار أن كان معشر ... أصيبوا ببدر كلهم ثم صائر

فإن تك قتلى غودرت من رجالنا ... فإنا رجالا بعدهم سنغادر

وتردي بنا الجرد العناجيج وسطكم ... بني الأوس حتى يشفي النفس ثائر

ووسط بني النجار سوف نكرها

لها بالقنا والدارعين زوافر ... فنترك صرعى تعصب الطير حولهم

وليس لهم إلا الأماني ناصر ... وتبكيهم من أهل يثرب نسوة

لهن بها ليل عن النوم ساهر ... وذلك أنا لا تزال سيوفنا

بهن دم ممن يحاربن مائر ... فإن تظفروا في يوم بدر فإنما

بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر ... وبالنفر الأخيار هم أولياؤه

يحامون في اللأواء والموت حاضر ... يعد أبو بكر وحمزة فيهم

ويدعى علي وسط من أنت ذاكر ... أولئك لا من نتجت في ديارها

بنو الأوس والنجار حين تفاخر ... ولكن أبوهم من لؤي بن غالب

إذا عدت الأنساب كعب وعامر ... هم الطاعنون الخيل في كل معرك

غداة الهياج الأطيبون الأكاثر

فأجابه كعب بن مالك بقصيدته التي أسلفناها، وهي قوله:

عجبت لأمر الله والله قادر ... على ما أراد ليس لله قاهر

قال ابن إسحاق: وقال أبو بكر واسمه شداد بن الأسود بن شعوب قلت: وقد ذكر البخاري أنه خلف على امرأة أبي بكر الصديق، حين طلقها الصديق، وذلك لما حرم الله المشركات على المسلمين، واسمها أم بكر -:

تحيي بالسلامة أم بكر ... وهل لي بعد قومي من سلام

فماذا بالقليب قليب بدر ... من القينات والشرب الكرام

وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تكلل بالسنام

وكم لك بالطوي طوي بدر ... من الحومات والنعم المسام

وكم لك بالطوي طوي بدر ... من الغايات والدسع العظام

وأصحاب الكريم أبي علي

أخي الكأس الكريمة والندام ... وإنك لو رأيت أبا عقيل

وأصحاب الثنية من نعام ... إذا لظللت من وجد عليهم

كأم السقب جائلة المرام ... يخبرنا الرسول لسوف نحيا

وكيف حياة أصداء وهام

قلت: وقد أورد البخاري بعضها في " صحيحه " ليعرف به حال قائلها.

قال ابن إسحاق وقال أمية بن أبي الصلت، يرثي من قتل من قريش يوم بدر:

ألا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولي الممادح

كبكا الحمام على فرو

ع الأيك في الغصن الجوانح ... يبكين حرى مستكي

نات يرحن مع الروائح ... أمثالهن الباكيا

ت المعولات من النوائح ... من يبكهم يبكي على

حزن ويصدق كل مادح ... ماذا ببدر والعقن

قل من مرازبة جحاجح ... فمدافع البرقين فال

حنان ... من طرف الأواشح شمط

وشبان بها ليل مغاوير وحاوح ... ألا ترون لما أرى

ولقد أبان لكل لامح ... أن قد تغير بطن مك

ة فهي موحشة الأباطح ...

من كل بطريق لبط

ريق نقي الود واضح ... دعموص أبواب الملو

ك وجائب للخرق فاتح ... ومن السراطمة الخلا

جمة الملاوثة المناجح ... القائلين الفاعلي

ن الآمرين بكل صالح ... المطعمين الشحم فو

ق الخبز شحما كالأنافح ... نقل الجفان مع الجفا

ن إلى جفان كالمناضح ... ليست بأصفار لمن

يعفو ولا رح رحارح ... للضيف ثم الضيف بع

د الضيف والبسط السلاطح

وهب المئين من المئي ... ن إلى المئين من اللواقح

سوق المؤبل للمؤبل ... صادرات عن بلادح

لكرامهم فوق الكرا ... م مزية وزن الرواجح

كتثاقل الأرطال بال ... قسطاس بالأيدي الموائح

خذلتهم فئة وهم ... يحمون عورات الفضائح

الضاربين التقدمية ... بالمهندة الصفائح

ولقد عناني صوتهم ... من بين مستسق وصائح

لله در بني علي ... أيم منهم وناكح

إن لم يغيروا غارة

شعواء تجحر كل نابح ... بالمقربات المبعدا

ت الطامحات مع الطوامح ... مردا على جرد إلى

أسد مكالبة كوالح ... ويلاق قرن قرنه

مشي المصافح للمصافح ... بزهاء ألف ثم أل

ف بين ذي بدن ورامح

قال ابن هشام: تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: هذا شعر المخذول المعكوس المنكوس، الذي حمله كثرة جهله وقلة عقله، على أن مدح المشركين وذم المؤمنين، واستوحش بمكة من أبي جهل بن هشام، وأضرابه من الكفرة اللئام، والجهلة الطغام، ولم يستوحش بها من

عبد الله ورسوله، وحبيبه وخليله، فخر البشر، ومن وجهه أنور من القمر، ذي العلم الأكمل، والعقل الأشمل، ومن صاحبه الصديق المبادر إلى التصديق، والسابق إلى الخيرات، وفعل المكرمات، وبذل الألوف والمئات، في طاعة رب الأرض والسماوات، وكذلك بقية أصحابه الغر الكرام، الذين هاجروا من دار الكفر والجهل إلى دار العلم والإسلام، رضي الله عن جميعهم، ما اختلط الضياء والظلام، وما تعاقبت الليالي والأيام، وقد تركنا أشعارا كثيرة أوردها ابن إسحاق، رحمه الله خوف الإطالة وخشية الملالة، وفيما أوردنا كفاية، ولله الحمد والمنة.

وقد قال الأموي في " مغازيه ": سمعت أبي، حدثنا سليمان بن أرقم، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «عفا عن شعر الجاهلية» . قال سليمان: فذكر ذلك الزهري فقال: «عفا عنه إلا قصيدتين، كلمة أمية التي ذكر فيها أهل بدر، وكلمة الأعشى التي يذكر فيها الأحوص» . وهذا حديث غريب، وسليمان بن أرقم هذا متروك. والله أعلم

[فصل في ذكر غزوة بني سليم]

** فصل في ذكر غزوة بني سليم سنة ثنتين من الهجرة النبوية **

قال ابن إسحاق: وكان فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر في عقب شهر رمضان، أو في شوال، ولما قدم المدينة لم يقم بها إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بني سليم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، أو ابن أم مكتوم الأعمى.

قال ابن إسحاق: فبلغ ماء من مياههم يقال له: الكدر. فأقام عليه ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة، وأفدى في إقامته تلك جل الأسارى من قريش.

** [غزوة السويق] في ذي الحجة منها، وهي غزوة قرقرة الكدر. **

قال السهيلي: والقرقرة: الأرض الملساء والكدر: طير في ألوانها كدرة.

قال ابن إسحاق: وكان أبو سفيان - كما حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، ويزيد بن رومان، ومن لا أتهم، عن عبد الله بن كعب بن مالك وكان من أعلم الأنصار - حين رجع إلى مكة ورجع فل قريش من بدر نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا، فخرج في مائتي راكب من قريش لتبر يمينه، فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له: ثيب. من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج من الليل حتى أتى بني النضير تحت الليل، فأتى حيي بن أخطب فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له وخافه، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك، وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه فأذن له، فقراه وسقاه، وبطن له من خبر

الناس، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالا من قريش فأتوا ناحية منها يقال لها: العريض. فحرقوا في أصوار من نخل بها، ووجدوا رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما، فقتلوهما وانصرفوا راجعين، فنذر بهم الناس، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم.

قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا لبابة بشير بن عبد المنذر. قال ابن إسحاق: فبلغ قرقرة الكدر، ثم انصرف راجعا، وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، ووجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أزوادا كثيرة قد ألقاها المشركون يتخففون منها وعامتها سويق، فسميت غزوة السويق. قال المسلمون: يا رسول الله، أنطمع أن تكون هذه لنا غزوة؟ قال: نعم.

قال ابن إسحاق: وقال أبو سفيان فيما كان من أمره هذا، ويمدح سلام بن مشكم اليهودي:

وإني تخيرت المدينة واحدا ... لحلف فلم أندم ولم أتلوم

سقاني فرواني كميتا مدامة

على عجل مني سلام بن مشكم ... ولما تولى الجيش قلت ولم أكن

لأفرحه أبشر بغزو ومغنم ... تأمل فإن القوم سر وإنهم

صريح لؤي لا شماطيط جرهم ... وما كان إلا بعض ليلة راكب

أتى ساعيا من غير خلة معدم

** [فصل في دخول علي بن أبي طالب رضي الله عنه على زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم] **

فصل

في دخول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، على زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

وذلك في سنة ثنتين بعد وقعة بدر لما رواه البخاري، ومسلم من طريق الزهري، عن علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي «عن علي بن أبي طالب قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، واعدت رجلا صواغا في بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر، فأردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفي من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار حتى جمعت ما جمعت، فإذا أنا بشارفي قد أجبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، فلم أملك

عيني حين رأيت المنظر، فقلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في هذا البيت، وهو في شرب من الأنصار وعنده قينة وأصحابه، فقالت في غنائها:

ألا يا حمز للشرف النواء

فوثب حمزة إلى السيف، فأجب أسنمتهما، وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما. قال علي: فانطلقت حتى أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة فعرف النبي صلى الله عليه وسلم الذي لقيت فقال: ما لك؟ فقلت: يا رسول الله، ما رأيت كاليوم، عدا حمزة على ناقتي فأجب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه شرب. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فارتداه، ثم انطلق يمشي، واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة فاستأذن عليه فأذن له، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم صعد النظر فنظر إلى ركبتيه، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل، فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا معه» هذا لفظ البخاري في كتاب المغازي، وقد

رواه في أماكن أخر من صحيحه بألفاظ كثيرة، وفي هذا دليل على ما قدمناه من أن غنائم بدر قد خمست، لا كما زعمه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الأموال " من أن الخمس إنما نزل بعد قسمتها، وقد خالفه في ذلك جماعة ; منهم البخاري وابن جرير، وبينا غلطه في ذلك في " التفسير " وفيما تقدم. والله أعلم.

وكان هذا الصنع من حمزة وأصحابه، رضي الله عنهم، قبل أن تحرم الخمر، بل قد قتل حمزة يوم أحد كما سيأتي، وذلك قبل تحريم الخمر. والله أعلم. وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن عبارة السكران مسلوبة لا تأثير لها ; لا في طلاق، ولا إقرار، ولا غير ذلك كما ذهب إليه من العلماء، كما هو مقرر في كتاب " الأحكام ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح عن أبيه، عن رجل «سمع عليا يقول: أردت أن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته، فقلت: ما

لي من شيء، فكيف؟ ! ثم ذكرت صلته وعائدته فخطبتها إليه، فقال: هل لك من شيء؟ قلت: لا. قال: فأين درعك الحطمية التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟ قال: هي عندي. قال: فأعطنيها. قال: فأعطيتها إياه» . هكذا رواه أحمد في مسنده، وفيه رجل مبهم.

وقد قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، ثنا عبدة، ثنا سعيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «لما تزوج علي فاطمة رضي الله عنهما، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطها شيئا. قال ما عندي شيء. قال: أين درعك الحطمية؟» ورواه النسائي، عن هارون بن إسحاق، عن عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب السختياني به.

وقال أبو داود: حدثنا كثير بن عبيد الحمصي، ثنا أبو حيوة، عن شعيب بن أبي حمزة، حدثني غيلان بن أنس من أهل حمص، حدثني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم «أن عليا لما تزوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أراد أن يدخل بها، فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعطيها شيئا، فقال: يا رسول الله، ليس لي شيء. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعطها درعك. فأعطاها درعه، ثم دخل بها.»

وقال البيهقي في الدلائل: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد «عن علي قال: خطبت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت مولاة لي: هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لا. قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجك؟ فقلت: وعندي شيء أتزوج به؟ ، فقالت: إنك إن جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجك. قال: فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أن قعدت بين يديه أفحمت، فوالله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء بك، ألك حاجة؟ فسكت، فقال: لعلك

جئت تخطب فاطمة. فقلت: نعم. فقال: هل عندك من شيء تستحلها به. فقلت: لا والله يا رسول الله. فقال: ما فعلت درع سلحتكها؟ - فوالذي نفس علي بيده، إنها لحطمية ما قيمتها أربعة دراهم - فقلت: عندي. فقال: قد زوجتكها، فابعث إليها بها فاستحلها بها. فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

قال ابن إسحاق: فولدت فاطمة لعلي، حسنا، وحسينا، ومحسنا - مات صغيرا - وأم كلثوم وزينب.

ثم روى البيهقي: من طريق عطاء بن السائب عن أبيه، عن علي قال: «جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل وقربة ووسادة أدم حشوها إذخر.» ونقل البيهقي عن كتاب " المعرفة " لأبي عبد الله بن منده أن عليا تزوج فاطمة بعد سنة من الهجرة، وابتنى بها بعد ذلك بسنة أخرى.

قلت: فعلى هذا يكون دخوله بها في أوائل السنة الثالثة من الهجرة، فظاهر سياق حديث الشارفين، يقتضي أن ذلك عقب وقعة بدر بيسير، فيكون ذلك كما ذكرناه في أواخر السنة الثانية. والله أعلم

** [فصل في ذكر جمل من الحوادث الواقعة سنة ثنتين من الهجرة] **

تقدم ما ذكرناه من تزويجه، عليه السلام بعائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، وذكرنا ما سلف من الغزوات المشهورة، وقد تضمن ذلك وفيات أعيان من المشاهير من المؤمنين والمشركين، فكان ممن توفي فيها: من الشهداء يوم بدر وهم أربعة عشر، ما بين مهاجري وأنصاري، تقدم تسميتهم، والرؤساء من مشركي قريش وقد كانوا سبعين رجلا على المشهور، وتوفي بعد الوقعة بيسير أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب لعنه الله، كما تقدم. ولما جاءت البشارة إلى المؤمنين من أهل المدينة مع زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة بما أحل الله بالمشركين وبما فتح على المؤمنين، وجدوا رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفيت، وساووا عليها التراب، وكان زوجها عثمان بن عفان قد أقام عندها يمرضها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك، ولهذا ضرب له بسهمه في مغانم بدر وأجره عند الله يوم القيامة، ثم زوجه بأختها الأخرى أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان يقال لعثمان بن عفان: ذو

النورين. ويقال إنه لم يعلق أحد على ابنتي نبي، واحدة بعد الأخرى غيره، رضي الله عنه وأرضاه.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com