Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 427 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
فيها جاء عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه إلى واسط ومعه وزير أبيه أبو الفتح بن العميد، فهرب منه أفتكين في جماعة الأتراك إلى بغداد فسار وراءهم، فنزل بالجانب الشرقي، وأمر بختيار أن ينزل على الجانب الغربي، وحصر الترك حصرا شديدا، وأمر أمراء الأعراب أن يغيروا على الأطراف، ويقطعوا الميرة الواصلة إلى بغداد فغلت الأسعار ببغداد جدا، وامتنع الناس من المعاش من كثرة العيارين والنهب، وكبس أفتكين البيوت لطلب الطعام، واشتد الحال جدا، ثم التقت الأتراك وعضد الدولة، فكسرهم وهربوا إلى تكريت واستحوذ عضد الدولة على بغداد وما والاها من البلاد، وكانت الترك قد أخرجوا معهم الخليفة، فرده عضد الدولة إلى دار الخلافة مكرما، ونزل هو بدار الملك، فضعف أمر بختيار جدا، ولم يبق معه شيء بالكلية، فأغلق بابه وطرد الحجبة والكتبة عن بابه، واستعفى عن الإمارة وكان ذلك بمشورة عضد الدولة، فاستعطفه عضد الدولة في الظاهر، وقد أشار عليه في الباطن أن لا يقبل، فلم يقبل.
وترددت الرسل بينهما، فصمم بختيار على الامتناع ظاهرا، فألزمه عضد الدولة بذلك، وأظهر للناس أنه إنما يفعل هذا عجزا منه عن القيام بأعباء الملك
فأمر بالقبض على بختيار وعلى أهله وإخوته، ففرح بذلك الخليفة الطائع لله وسر به، وأظهر عضد الدولة من تعظيم الخلافة ما كان دارسا، وجدد دار الخلافة حتى صار كل محل منها آنسا، وأرسل إلى الخليفة بالأموال الكثيرة والأمتعة الحسنة، وقتل جماعة المفسدين من مردة الترك وشطار العيارين.
قال ابن الجوزي: وفي هذه السنة عظم البلاء بالعيارين ببغداد، وأحرقوا سوق باب الشعير، وأخذوا أموالا كثيرة، وركبوا الخيول، وتلقبوا بالقواد، وأخذوا الخفر من الأسواق والدروب، وعظمت المحنة بهم جدا، واستفحل أمرهم كثيرا، حتى إن رجلا منهم أسود كان مستضعفا نجم فيهم وكثر ماله حتى اشترى جارية بألف دينار، فلما حصلت عنده حاولها عن نفسها فأبت عليه، فقال لها: ماذا تكرهين مني؟ قالت: أكرهك كلك، فقال: فما تحبين؟ فقالت: تبيعني، فقال: أوخير من ذلك؟ فحملها إلى القاضي، فأعتقها، وأعطاها ألف دينار وأطلقها، فتعجب الناس من حلمه وكرمه مع فسقه وتمرده.
قال: وورد الخبر في المحرم بأنه خطب للمعز الفاطمي بمكة والمدينة في الموسم، ولم يخطب للطائع.
قال: وفي رجب منها غلت الأسعار ببغداد جدا حتى بيع الكر الدقيق الحوارى بمائة ونيف وسبعين دينارا.
قال: وفيها اضمحل أمر عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، وتفرق جنده عنه، ولم يبق معه سوى بغداد وحدها، فبعث إلى أبيه يشكو له ذلك، فأرسل يلومه على الغدر بابن عمه عز الدولة، فلما بلغه ذلك خرج من بغداد إلى فارس بعدما أخرج ابن عمه بختيار من السجن، وخلع عليه، وأعاده إلى ما كان عليه، وشرط عليه أن يكون نائبا له بالعراق يخطب له بها، وجعل معه أخاه أبا إسحاق أمير الجيوش لضعف بختيار عن تدبير الأمور، واستمر ذاهبا إلى بلاد فارس وذلك كله عن أمر أبيه له بذلك، وغضبه عليه بسبب غدره بابن عمه، وتكرار مكاتباته إليه في ذلك.
ولما سار عضد الدولة ترك بعده وزير أبيه أبا الفتح بن العميد ليلحقه بعد ثلاث، فتشاغل بالقصف مع عز الدولة واللعب واللهو، فأوجب ذلك وحشة بين عضد الدولة وبين ابن العميد، فكان ذلك سبب هلاك ابن العميد، ولما استقر عز الدولة بختيار ببغداد وملك العراق لم يف لابن عمه عضد الدولة بشيء مما كان عاهده عليه، ولا ما كان التزم له به بين يديه، بل تمادى في ضلاله القديم، واستمر على سننه الذي هو غير مستقيم.
قال: وفي يوم الخميس لعشر خلون من ذي القعدة تزوج الخليفة الطائع لله شاه ناز بنت عز الدولة على صداق مائة ألف دينار.
وفي سلخ ذي القعدة عزل القاضي أبو الحسن محمد بن صالح بن أم شيبان، وقلده أبو محمد بن معروف.
وأقام الحج في هذه السنة أصحاب المعز الفاطمي، وخطب له بالحرمين الشريفين دون الخليفة الطائع، والله سبحانه أعلم.
** ذكر أخذ دمشق من أيدي الفاطميين **
ذكر ابن الأثير في " كامله " أن أفتكين غلام معز الدولة الذي كان قد خرج عن طاعته كما تقدم، والتف عليه عساكر وجيوش من الديلم والترك والأعراب، نزل في هذه السنة على دمشق ليأخذها من أيدي الفاطميين، وكان عليها ريان الخادم من جهة المعز الفاطمي، فلما نزل بظاهرها خرج إليه كبراؤها وشيوخها، فذكروا ما هم فيه من الظلم والغشم ومخالفة الاعتقاد بسبب ملك الفاطميين عليهم، وسألوه أن يصمم على أخذ البلد ليستنقذها منهم، فعند ذلك صمم على أخذها، ولم يزل حتى أخذها، وأخرج ريان الخادم منها، واستقل بأمرها، وكسر أهل الشر بها، ورفع أهل الخير، ووضع العدل فيهم، وقمع أهل اللعب واللهو، وكف أيدي الأعراب الذين كانوا قد عاثوا في الأرض فسادا، وأخذوا عامة المرج والغوطة، ونهبوا أهلها.
ولما استقامت الأمور على يديه، وصلح أمر أهل الشام عليه، كتب إليه المعز الفاطمي من مصر يشكر سعيه ويطلبه إليه ; ليخلع عليه ويجعله نائبا من جهته، فلم يجبه إلى ذلك وخاف غائلته، وقطع خطبته من الشام وخطب للطائع العباسي، ثم قصد صيدا وبها خلق من المغاربة عليهم ابن الشيخ، وفيهم ظالم بن موهوب العقيلي - الذي كان نائبا على دمشق للمعز الفاطمي كما تقدم، فأساء بهم السيرة - فحاصرهم، ولم يزل حتى أخذ البلد منهم، وقتل منهم نحوا من أربعة آلاف من سراتهم، ثم قصد طبرية ففعل بأهلها مثل ذلك، فعند ذلك عزم المعز الفاطمي على المسير إليه وقتاله.
فبينما هو يجمع له ويرتب الجيوش إذ توفي المعز بمصر في سنة خمس وستين كما سيأتي، وقام بعده ولده العزيز، فاطمأن عند ذلك أفتكين بالشام، واستفحل أمره، وقويت شوكته، فتشاور المصريون في أمره، فاتفق رأيهم على أن بعثوا جوهرا القائد إليه، وذلك عن رأي الوزير يعقوب بن كلس، فلما تجهز جوهر القائد لقصد الشام حلف أفتكين أهل دمشق على مناصرته ومناصحته، فحلفوا له بذلك.
وجاء جوهر فحصر دمشق سبعة أشهر حصرا شديدا، ورأى من شجاعة أفتكين ما بهره، وحين طال الحال أشار من أشار من الدماشقة على أفتكين أن يكتب إلى الحسن بن أحمد القرمطي وهو بالأحساء ; ليجيء إليه، فلما كتب إليه أقبل لنصره، فلما سمع به جوهر بقدومه لم يمكنه أن يبقى بين عدوين من داخل البلد ومن خارجها، فارتحل قاصدا الرملة فتبعه أفتكين والقرمطي في نحو من خمسين ألفا، فتواقعوا عند نهر الطواحين على ثلاثة فراسخ من الرملة وحصروا جوهرا بالرملة، فضاق حاله جدا من قلة الطعام والشراب حتى أشرف هو ومن معه على الهلاك، فسأل أن يجتمع هو وأفتكين على ظهور الخيل، فأجابه إلى ذلك، فلم يزل يترفق
له أن يطلقه، ليرجع بمن معه من أصحابه إلى أستاذه شاكرا له مثنيا عليه الخير، ولا يسمع من القرمطي رأيه فيه - وكان جوهر داهية - فأجابه إلى ذلك، فندمه القرمطي، وقال: الرأي أنا كنا نحصرهم حتى يموتوا عن آخرهم، فإنه الآن سيذهب إلى سيده فيخبره، ثم يخرجه إلينا، ولا طاقة لنا به، فكان الأمر كما قال، فإنه لما أطلقه أفتكين من الحصر لم يكن له دأب إلا أنه حث العزيز على الخروج إلى أفتكين بنفسه وجيوشه، فأقبل في جحافل أمثال الجبال وكثرة من الرجال والعدد والأثقال والأموال، وعلى مقدمته جوهر القائد، وجمع أفتكين والقرمطي الجيوش والأعراب وساروا إلى الرملة فاقتتلوا في محرم سنة سبع وستين.
ولما تواجهوا رأى العزيز من شجاعة أفتكين ما بهره فأرسل إليه يعرض عليه إن أطاعه ورجع إليه أن يجعله مقدم عساكره وأن يحسن إليه غاية الإحسان، فترجل أفتكين عن فرسه بين الصفين، وقبل الأرض نحو العزيز، وأرسل إليه يقول: لو كان هذا قبل هذا الحال لأمكنني وسارعت وأطعت، وأما الآن فلا، ثم ركب فرسه وحمل على الميسرة، ففرق شملها، وبدد خيلها ورجلها، فبرز عند ذلك العزيز من القلب، وأمر الميمنة، فحملت حملة صادقة، فانهزم القرمطي وتبعه بقية الشاميين، وركبت المغاربة أقفيتهم يقتلون ويأسرون من شاءوا، وتحول العزيز فنزل خيام الشاميين بمن معه، وأرسل السرايا وراءهم، وجعل العزيز لا يؤتى بأسير إلا خلع على من جاء به، وجعل لمن جاءه بأفتكين مائة ألف دينار.
فاتفق أن أفتكين عطش وهو منهزم عطشا شديدا، فاجتاز بمفرج بن دغفل، وكان صاحبه، فاستسقاه فسقاه ماء وأنزله عنده في
بيوته، وأرسل إلى العزيز يخبره بأن الذي يطلب عنده، فليحمل إليه الذهب، فأرسل إليه بمائة ألف دينار وجاء من تسلمه منه، فلما أحيط بأفتكين لم يشك أنه مقتول، فما هو إلا أن حضر عند العزيز أكرمه غاية الإكرام واحترمه غاية الاحترام، ورد إليه حواصله وأمواله لم يفقد منها شيئا، وجعله من أخص أصحابه وأمرائه، وأنزله إلى جانب منزله، ورجع به إلى الديار المصرية مكرما معظما، وأقطعه هنالك إقطاعات جزيلة، وأرسل إلى القرمطي يعرض عليه أن يقدم عليه ويكرمه كما أكرم أفتكين، فامتنع عليه وخاف على نفسه، فأرسل إليه بعشرين ألف دينار وجعلها له في كل سنة يكف بها شره، ولم يزل أفتكين مكرما عند العزير، حتى وقع بينه وبين الوزير يعقوب بن كلس، فعمل عليه حتى سقاه سما فمات، وحين علم الخليفة بذلك غضب على الوزير، وحبسه بضعا وأربعين يوما، وأخذ منه خمسمائة ألف دينار، ثم رأى أن لا غنى به عن الوزير، فأخرجه من السجن وأعاده إلى الوزارة، وذهب أفتكين في حال سبيله، رحمه الله. هذا ملخص ما ذكره ابن الأثير في كامله.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: ### $ سبكتكين الحاجب التركي، مولى المعز الديلمي وحاجبه
وقد ترقى في المراتب حتى آل به الحال إلى أن قلده الطائع الإمارة وخلع عليه، وأعطاه اللواء، ولقبه بنور الدولة، وكانت مدة دولته في هذا المقام شهرين وثلاثة عشر يوما، ودفن ببغداد، وداره هي دار الملك ببغداد، وهي دار عظيمة جدا، وقد اتفق له
أنه سقط يوما عن فرسه فانكسر ضلعه، فداواه الطبيب حتى استقام ظهره وقدر على الصلاة، إلا أنه لم يستطع الركوع، فأعطاه شيئا كثيرا من الأموال، وكان يقول للطبيب: إذا ذكرت مرضي ومداواتك لي لا أقدر على مكافأتك، ولكن إذا تذكرت وضعك قدميك على ظهري اشتد غيظي منك.
وكانت وفاته ليلة الثلاثاء لسبع بقين من المحرم، وقد ترك من الأموال شيئا كثيرا جدا، من ذلك ألف ألف دينار وعشرة آلاف ألف درهم، وصندوقان من جوهر، وخمسة عشر صندوقا من البلور، وخمسة وأربعون صندوقا من آنية الذهب، ومائة وثلاثون مركبا من ذهب، منها خمسون وزن كل واحد ألف دينار، وستمائة مركب فضة، وأربعة آلاف ثوب ديباجا، وعشرة آلاف دبيقي وعتابي، وثلاثمائة عدل معكومة من الفرش، وثلاثة آلاف فرس وبغل، وألف جمل، وثلاثمائة غلام وأربعون خادما، وذلك غير ما أودع عند أبي بكر البزار صاحبه، والله تعالى أعلم.