John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 429 of 840

** [ما وقع فيها من الأحداث] **

فيها توفي ركن الدولة أبو علي بن بويه، وقد جاوز السبعين سنة، وكانت أيام ولايته نيفا وأربعين سنة، وقبل موته في السنة الماضية قسم ملكه بين أولاده كما ذكرنا، وقد عملت ضيافة في دار ابن العميد بأصبهان حافلة، حضرها ركن الدولة وبنوه وأعيان دولته، فعهد في هذا اليوم إلى ابنه عضد الدولة، وخلع عضد الدولة على إخوته وسائر الأمراء الأقبية والأكسية على عادة الديلم، وحيوه بالريحان على عادتهم أيضا، وكان يوما مشهودا، ثم توفي ركن الدولة بعده بقليل في هذه السنة، وقد كان سائسا حليما وقورا، كثير الصدقات، محبا للعلماء، فيه إيثار وكرم كثير، وحسن عشرة ورياسة على أقاربه ودولته ورعيته.

وحين تمكن ابنه عضد الدولة قصد العراق ليأخذها من ابن عمه عز الدولة بختيار لسوء سيرته ورداءة سريرته، فالتقوا في هذه السنة بأرض الأهواز، فهزمه عضد الدولة، وأخذ أثقاله وأمواله، وبعث إلى البصرة فأخذها، وأصلح بين أهلها حيي ربيعة ومضر، وقد كان بينهما خلف متقادم من نحو مائة وعشرين سنة، وكانت مضر تميل إليه، وربيعة عليه، ثم اتفق

الحيان واجتمع عليه الفريقان، وقويت شوكة عضد الدولة فعزل عز الدولة، وقبض على وزيره ابن بقية ; لأنه استحوذ على الأمور دونه، وجبى الأموال إلى خزائنه، فاستظهر عز الدولة بما وجده من الحواصل لابن بقية، ولم يبق له منها بقية.

وكذلك أمر عضد الدولة بالقبض على وزير أبيه أبي الفتح بن العميد لموجدة تقدمت منه إليه، وقد سلف ذكرها، ولم يبق لبني العميد أيضا في الأرض بقية، وقد كانت الأكابر تتقي منهم التقية، وقد كان ابن العميد من الفسوق والعصيان بأوفر مكان، فخانته المقادير وعاجله غضب السلطان، ونعوذ بالله من غضب الرحمن.

وفي منتصف شوال من هذه السنة، توفي الأمير منصور بن نوح الساماني - صاحب بلاد خراسان - ببخارى، وكانت ولايته خمس عشرة سنة، وقام بالأمر بعده ولده أبو القاسم نوح، وكان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة، ولقب بالمنصور.

وفيها توفي الحكم، ولقبه المستنصر بالله بن الناصر لدين الله عبد الرحمن الأموي، وقد كان هذا من خيار الملوك وعلمائهم، عالما بالفقه والخلاف والتواريخ، محبا للعلماء، محسنا إليهم وكانت وفاته وله من العمر ثلاث وستون سنة وسبعة أشهر، مدة خلافته منها خمسة عشر سنة وخمسة أشهر، وقام بالأمر من بعده ولده هشام وله عشر سنين، ولقب بالمؤيد بالله، وقد اختلف عليه في أيامه، واضطربت الرعايا عليه، وحبس مدة، ثم أخرج وأعيد إلى الخلافة، وقام بأعباء أمره حاجبه المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر المعافري، وابناه المظفر والناصر، فساس الرعايا جيدا، وعدل فيهم، وغزا الأعداء، واستقر لهم الحال كذلك نحوا من ست وعشرين سنة. وقد ساق ابن الأثير هاهنا قطعة من أخبارهم وأطال شرحها.

وفيها رجع ملك حلب إلى أبي المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان، وذلك أنه لما مات أبوه وقام هو من بعده تغلب مولاهم قرعويه عليهم، وأخرجه منها خائفا يترقب، فسار إلى أمه بميافارقين في سنة سبع وخمسين،

ثم جاء فنزل حماة، وكانت الروم قد خربت حمص فسعى في عمارتها وترميمها وسكنها، ثم إن قرعويه استناب في حلب مولى له يقال له: بكجور، فتغلب عليه وسجن مولاه قرعويه بقلعتها نحوا من ست سنين، فكتب أهل حلب إلى أبي المعالي وهو بحمص يسألونه أن يأتي إليهم، فسار فحاصر حلب أربعة أشهر، فافتتحها وامتنعت القلعة عليه، وقد تحصن بها بكجور ثم اصطلح مع أبي المعالي على أن يؤمنه على نفسه ويستنيبه بحمص، ففعل، فناب له بكجور بحمص، ثم انتقل في وقت إلى نيابة دمشق وإليه تنسب هذه المزرعة ظاهر دمشق من غربها، التي تعرف بالقصر البكجوري.

** ابتداء ملك سبكتكين، والد محمود صاحب غزنة **

وقد كان سبكتكين مولى للأمير أبي إسحاق بن ألبتكين صاحب جيش غزنة وأعمالها للسامانية، وليس هذا بحاجب معز الدولة ذاك، توفي قبل هذه السنة كما تقدم، وأما هذا فإنه لما مات مولاه لم يترك أحدا يصلح للملك من بعده لا من ولده ولا من قومه، فاصطلح الجيش على مبايعة سبكتكين هذا ; لخيره فيهم، وحسن سيرته، وكمال عقله، وشجاعته، وديانته، فاستقر الملك بيده، واستمر من بعده في ولده السعيد محمود بن سبكتكين، وقد غزا سبكتكين هذا

بلاد الهند، ففتح شيئا كثيرا من حصونهم، وغنم شيئا كثيرا وكسر من أصنامهم ونذورهم أمرا هائلا وباشر من معه من الجيوش حروبا تشيب الولدان، وقد قصده جيبال ملك الهند بنفسه وجنوده التي تعم السهول والجبال، فكسره مرتين، وردهم إلى بلادهم في أسوإ حال وأردإ بال.

وذكر ابن الأثير في كامله أن سبكتكين لما التقى مع جيبال ملك الهند في بعض الغزوات كان بالقرب منهم عين في عقبة غورك، من عادتهم أنه إذا وضعت فيها نجاسة أو قذر، اكفهرت السماء وأرعدت وأبرقت وأمطرت، ولا تزال كذلك حتى تطهر تلك العين من ذلك الشيء الذي ألقي فيها، وأن سبكتكين أمر بإلقاء نجاسة في تلك العين عند ذلك - وكانت قريبة من نحر العدو - فلم يزالوا في رعود وبروق وأمطار وصواعق حتى ألجأهم ذلك الحال إلى الهرب والرجوع إلى بلادهم خائبين هاربين، وأرسل ملك الهند يطلب من سبكتكين الصلح، فأجابه بعد امتناع من ولده محمود، على مال جزيل يحمله إليه، وبلاد كثيرة يسلمها إليه، وخمسين فيلا ورهائن من رءوس قومه يتركها عنده حتى يقوم بما التزم له من ذلك.

وفيها توفي أبو يعقوب يوسف بن الحسن الجنابي

صاحب هجر

ومقدم القرامطة، وقام بالأمر من بعده ستة من قومه، وكانوا يسمون بالسادة، وقد اتفقوا على تدبير الأمر من بعده، ولم يختلفوا، فمشى حالهم.

وفيها كانت وفاة:

الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي، أبو محمد القرمطي

قال ابن عساكر: واسم أبي سعيد الحسن بن بهرام، ويقال: الحسن بن أحمد بن الحسن بن يوسف بن كوذكار. يقال: أصله من الفرس. قال: ويعرف أبو محمد هذا بالأعصم. قال: وولد بالأحساء في سنة ثمان وسبعين ومائتين، وقد تغلب على الشام في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، ثم عاد إلى الأحساء بعد سنة، ثم عاد إلى دمشق في سنة ستين، وكسر جيش جعفر بن فلاح أول من ناب بالشام عن المعز الفاطمي وقتله، ثم توجه إلى مصر، فحاصرها في مستهل ربيع الأول من سنة إحدى وستين، واستمر محاصرها شهورا، وقد كان استخلف على دمشق ظالم بن موهوب العقيلي،

ثم عاد إلى الأحساء ثم رجع إلى الرملة فتوفي بها في هذه السنة، وقد قارب التسعين، وهو يظهر طاعة عبد الكريم الطائع لله بن المطيع.

وقد أورد له ابن عساكر أشعارا حسنة رائقة فائقة، من ذلك ما كتب به إلى جعفر بن فلاح قبل الحرب بينهما:

الكتب معذرة والرسل مخبرة ... والحق متبع والخير موجود

والحرب ساكنة والخيل صافنة ... والسلم مبتذل والظل ممدود

فإن أنبتم فمقبول إنابتكم ... وإن أبيتم فهذا الكور مشدود

على ظهور المطايا أو تردن بنا ... دمشق والباب مهدوم ومردود

إني امرؤ ليس من شأني ولا أربي ... طبل يرن ولا ناي ولا عود

ولا اعتكاف على خمر ومجمرة ... وذات دل لها دل وتفنيد

ولا أبيت بطين البطن من شبع ... ولي رفيق خميص البطن مجهود

ولا تسامت بي الدنيا إلى طمع ... يوما ولا غرني فيها المواعيد

ومن شعره أيضا:

يا ساكن البلد المنيف تعززا ... بقلاعه وحصونه وكهوفه

لا عز إلا للعزيز بنفسه ... وبخيله وبرجله وسيوفه

وبقبة بيضاء قد ضربت على ... شرف الخيام بجاره وحليفه

قوم إذا اشتد الوغى أردى العدا ... وشفى النفوس بضربه ووقوفه

لم يرض بالشرف التليد لنفسه ... حتى أشاد تليده بطريفه

وفيها تملك قابوس بن وشمكير بلاد جرجان وطبرستان وتلك النواحي.

وفيها دخل الخليفة الطائع بشاه ناز بنت عز الدولة بن بويه، وكان عرسا حافلا.

وفي هذه السنة حجت جميلة بنت ناصر الدولة بن حمدان في تجمل عظيم، كان يضرب المثل بحجها، وذلك أنها عملت أربعمائة محمل، فلا يدرى في أيها هي، ولما وصلت إلى الكعبة، نثرت عليها عشرة آلاف دينار، وكست المجاورين بالحرمين كلهم، وأنفقت أموالا جزيلة في ذهابها وإيابها.

وحج بالناس من العراق الشريف أبو عبد الله أحمد بن أبي الحسين بن محمد بن عبد الله العلوي، وكذلك حج بالناس إلى سنة ثمانين وثلاثمائة،

وكانت الخطبة في هذه السنة بالحرمين للفاطميين أصحاب مصر دون العباسيين.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف بن سالم، أبو عمرو السلمي

صحب الجنيد وغيره، وروى الحديث، وكان ثقة.

ومن جيد كلامه: من لم تهذبك رؤيته، فليس بمهذب.

وقد احتاج شيخه أبو عثمان مرة إلى شيء، فسأل أصحابه فيه، فجاءه ابن نجيد بكيس فيه ألفا درهم، فقبضه منه، وجعل يشكره إلى أصحابه، فقال له ابن نجيد: يا سيدي إن المال الذي دفعته إليك كان من مال أمي، وهي كارهة، فأحب أن ترده إليها، فأعطاه تلك الدراهم، فلما كان الليل جاءه بها، وقال: أحب أن تصرفها في أمرك، من غير أن يعلم بذلك أحد، فكان أبو عثمان يقول: أنا أخشى من همة أبي عمرو بن نجيد، رحمهم الله تعالى.

### $ الحسن بن بويه، أبو علي ركن الدولة بن بويه

عرض له قولنج، فمات ليلة السبت الثامن والعشرين من المحرم منها، وكانت مدة إمارته أربعا وأربعين سنة وشهرا وتسعة أيام، ومدة عمره ثمان وسبعون سنة، وكان حليما كريما. ### $ محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أفلح بن رافع بن إبراهيم بن أفلح بن عبد الرحمن بن عبيد بن رفاعة بن رافع، أبو الحسن الأنصاري الزرقي

كان نقيب الأنصار ببغداد، وقد سمع الحديث من أبي القاسم البغوي وغيره، وكان ثقة، يعرف أيام الأنصار ومناقبهم وأمورهم، وكانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة. ### $ محمد بن الحسن بن أحمد بن إسماعيل، أبو الحسن السراج

سمع يوسف بن يعقوب القاضي وغيره، وكان شديد الاجتهاد في العبادة، صلى حتى أقعد، وبكى حتى عمي، وكانت وفاته يوم عاشوراء من هذه السنة.

### $ القاضي منذر بن سعيد، أبو الحكم البلوطي

الظاهري مذهبا، قاضي قضاة الأندلس، وكان إماما فقيها عالما فصيحا خطيبا شاعرا دينا كثير الفضل، وله مصنفات واختيارات، منها أن الجنة التي أدخلها آدم وأخرج منها كانت في الأرض، وله في ذلك مصنف مفرد، له وقع في النفوس، وله تفسير القرآن وغير ذلك.

دخل يوما على الناصر لدين الله عبد الرحمن الأموي، وقد فرغ من بناء المدينة الزهراء وقصورها، وقد بني له فيها قصر عظيم منيف وزخرف بأنواع الدهانات والستور، وجلس عنده رءوس دولته وأمراؤه، وجاء القاضي فجلس إلى جانبه، وجعل الحاضرون يثنون على هذا البناء، والقاضي ساكت لا يتكلم، فالتفت إليه الملك، وقال: ما تقول يا أبا الحكم؟ فبكى القاضي، وانحدرت دموعه على لحيته، وقال: ما كنت أظن أن الشيطان - أخزاه الله تعالى - يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أنك تمكنه من قيادك هذا التمكين، مع ما آتاك الله، وفضلك به، حتى أنزلك منازل الكافرين، قال الله تعالى:

{ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين} [الزخرف: 33]

[الزخرف: 33 - 35] قال: فوجم الملك عند ذلك وبكى، وقال: جزاك الله خيرا، وأكثر في المسلمين مثلك.

وقد قحط في بعض السنين، فأمر الملك القاضي منذر بن سعيد البلوطي أن يستسقي بالناس، فلما جاءته الرسالة بذلك ليخرج من الغد، قال للرسول: كيف تركت الملك وما حاله؟ فقال: رأيته أخشع ما يكون وأكثره دعاء، فقال القاضي: رحمتم وسقيتم والله، إذا خشع جبار الأرض، رحم جبار السماء، ثم قال لغلامه: اخرج بالممطر معك، فلما خرج الناس، وجاء القاضي صعد المنبر، والناس ينظرون إليه ويستمعون لما يقول، فلما أقبل عليهم كان أول ما خاطبهم به أن قال: {سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} [الأنعام: 54] ثم أعادها، فأخذ الناس في البكاء والنحيب والتوبة والإنابة، فلم يزالوا كذلك حتى سقوا، ورجعوا يخوضون الماء. وقد صنف الحافظ أبو عمر بن عبد البر مصنفا في مناقبه رحمه الله. ### $ أبو الحسن علي بن أحمد بن المرزبان البغدادي

الفقيه الشافعي، تفقه بأبي الحسين بن القطان، وأخذ عنه الشيخ أبو حامد الإسفراييني

قال ابن خلكان كان ورعا زاهدا ليس لأحد عنده مظلمة، وله وجه في المذهب، وكان له درس ببغداد. توفي في رجب من هذه السنة.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com