Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 444 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
فيها كان القبض على الخليفة الطائع لله وخلافة القادر بالله أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله، وكان ذلك يوم السبت التاسع عشر من شعبان من هذه السنة، وذلك أنه جلس الخليفة على عادته في الرواق، وقعد الملك بهاء الدولة على السرير، ثم أرسل من اجتذب الخليفة بحمائل سيفه عن السرير، ولفوه في كساء، وحملوه إلى الخزانة بدار المملكة، وتشاغل الناس بالنهب، ولم يدر أكثر الناس ما الخطب ولا ما الخبر، حتى إن كثيرا منهم يظن أن الملك بهاء الدولة هو الذي مسك، فنهبت الخزائن والحواصل وشيء كثير من أثاث دار الخلافة، حتى أخذت ثياب الأعيان والقضاة والشهود، وجرت كائنة عظيمة جدا، ورجع بهاء الدولة إلى داره، وكتب على الطائع كتابا بالخلع، وشهد عليه الأشراف والقضاة أنه قد خلع نفسه عن الخلافة وسلمها إلى القادر بالله ونودي بذلك في الأسواق، وتشغبت الديلم والأتراك، وطالبوا برسم البيعة، وراسلوا بهاء الدولة في ذلك، وتطاول الأمر في يوم الجمعة، فلم يمكنوا
من الدعاء له على المنبر بصريح اسمه، بل قيل: اللهم أصلح عبدك وخليفتك القادر بالله. ولم يسم، ثم أرضى وجوههم وأكابرهم، وأخذت البيعة على الجماعة، واتفقت الكلمة، وأمر بهاء الدولة بتحويل جميع ما في دار الخلافة من الأواني والفرش والأثاث وغير ذلك إلى داره، وأبيحت للعامة والخاصة، فقلعوا أبوابها وشبابيكها وشعثوا أبنيتها، ثم منعوا بعد ذلك. هذا كله والخليفة القادر قد هرب إلى أرض البطيحة من الطائع حين كان يطلبه، ولما ركب إلى بغداد منعته الديلم من الدخول إليها حتى يعطيهم رسم البيعة، وجرت بينهم خطوب طويلة، ثم رضوا عنه، ودخل بغداد وكان يوما مشهودا، وكانت مدة هربه بأرض البطيحة قريبا من ثلاث سنين، وجلس في اليوم الثاني من مقدمه جلوسا عاما للتهنئة وسماع المدائح والقصائد فيه، وذلك في العشر الأواخر من رمضان، وفي العشر الأواخر من شوال اجتمع الناس لبيعة بهاء الدين وتفويض الخليفة إليه ما وراء بابه، وكان يوما مشهودا.
وقد كان الخليفة القادر بالله من خيار الخلفاء وسادات العلماء في أهل زمانه وأقرانه، وكان كثير الصدقة، حسن الاعتقاد، وصنف عقيدة فيها فضائل الصحابة وغير ذلك، فكانت تقرأ في حلق أصحاب الحديث كل جمعة في جامع المهدي، وتجتمع الناس لسماعها مدة خلافته، وكان ينشد هذه الأبيات يترنم بها، وهي لسابق البربري:
سبق القضاء بكل ما هو كائن ... والله يا هذا لرزقك ضامن
تعنى بما تكفى وتترك ما به ... تغنى كأنك للحوادث آمن
أو ما ترى الدنيا ومصرع أهلها ... فاعمل ليوم فراقها يا خائن
واعلم بأنك لا أبا لك في الذي ... أصبحت تجمعه لغيرك خازن
يا عامر الدنيا أتعمر منزلا ... لم يبق فيه مع المنية ساكن
الموت شيء أنت تعلم أنه ... حق وأنت بذكره متهاون
إن المنية لا تؤامر من أتت ... في نفسه يوما ولا تستأذن
وفي اليوم الثامن عشر من ذي الحجة من هذه السنة - وهو يوم غدير خم - جرت فتنة بين الروافض والسنة، واقتتلوا، فقتل منهم خلق كثير، واستظهر أهل باب البصرة، وخرقوا أعلام السلطان، فقتل جماعة اتهموا بفعل ذلك، وصلبوا على القنطرة ليرتدع أمثالهم.
وفيها ظهر أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي أمير مكة وادعى أنه خليفة، وسمى نفسه الراشد بالله، فمالأه أهل مكة وحصل له أموال من رجل أوصى له بها، فانتظم أمره بسببها، وتقلد سيفا وزعم أنه ذو الفقار، وأخذ في يده قضيبا زعم أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قصد بلاد الرملة ليستعين بعرب الشام فتلقوه بالرحب وقبلوا له الأرض، وسلموا عليه بأمير المؤمنين، وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود.
ثم إن الحاكم صاحب مصر - وكان قد قام
بالأمر من بعد أبيه العزيز في هذه السنة - كتب إلى عرب الشام ملطفات، ووعدهم من الذهب بألوف ومئات، وكذلك إلى عرب الحجاز، واستناب على مكة أميرا، وبعث إليه بجارية وخمسين ألف دينار، فانتظم أمر الحاكم، وتمزق أمر الراشد، وتسحب إلى بلاده كما بدأ منها، وعاد إليها، وكان عوده إليها كما رحل عنها، واضمحل حاله، وانتقضت حباله، وتفرق عنه رجاله، والله يفعل ما يشاء ويختار.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ أحمد بن الحسين بن مهران، أبو بكر المقرئ
وكانت وفاته في شوال منها عن ست وثمانين سنة، واتفق له أنه مات في يوم وفاته أبو الحسن العامري الفيلسوف، فرأى بعض الصالحين أحمد بن الحسين هذا في المنام، فقال له: يا أستاذ، أي شيء فعل الله بك؟ فقال: أقام أبا الحسن العامري إلى جانبي، وقال: هذا فداؤك من النار. ### $ عبيد الله بن أحمد بن معروف، أبو محمد قاضي القضاة
ب بغداد روى عن ابن صاعد وعنه الخلال والأزهري وغيرهما، وكان من العلماء الثقات الألباء العقلاء الفطناء، حسن الشكل، جميل الملبس عفيفا عن الأموال، وكان عمره يوم توفي عن خمس وسبعين سنة، وصلى عليه أبو أحمد الموسوي، فكبر عليه خمسا، ثم صلى عليه ابنه بجامع المنصور، فكبر عليه أربعا، ثم دفن في داره، رحمه الله تعالى. ### $ جوهر بن عبد الله القائد
باني القاهرة المعزية، أصله رومي، ويعرف بالكاتب، أرسله مولاه المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي المدعي أنه فاطمي من إفريقية لأخذ مصر عند اضطراب جيشها بعد موت كافور الإخشيدي فأقاموا عليهم أحمد بن علي بن الإخشيد، فلم يجتمعوا عليه، فأرسل بعضهم إلى المعز يستنجد به، فأرسل مولاه جوهرا هذا في ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، فوصل إلى القاهرة في شعبان منها في مائة ألف مقاتل، ومعه من الأموال ألف ومائتا صندوق لينفقه في ذلك، فانزعج الناس وأرسلوا يطلبون منه الأمان فأمنهم، فلم يرض الجيش بذلك، وبرزوا لقتاله فكسرهم، وجدد الأمان لأهلها، ودخلها يوم الثلاثاء لثمان عشرة خلت من شعبان، فشق مصر، ونزل في مكان القاهرة اليوم، وأسس من ليلته القصرين، وخطب يوم الجمعة الآتية، فقطع خطبة بني العباس وعوض بمولاه، وذكر الأئمة الاثني عشر، وأذن بحي على خير العمل، وكان يظهر الإحسان إلى الناس، ويجلس كل يوم سبت مع الوزير جعفر بن الفرات والقاضي، واجتهد في تكميل القاهرة وفرغ من
جامعها سريعا، وخطب به في سنة إحدى وستين، وهو الذي يقال له: جامع الأزهر، ثم أرسل جعفر بن فلاح إلى الشام فأخذها للمعز، وقدم مولاه المعز في سنة ثنتين وستين كما تقدم، فنزل بالقصرين، ولم تزل منزلته عالية عنده، ثم كانت وفاته في هذه السنة، وقام في منصبه وعظمته ابنه الحسين الذي كان يقال له: قائد القواد، وهو أكبر أمراء الحاكم بن العزيز بن المعز، ثم كان قتله على يديه في سنة إحدى وأربعمائة، وقتل معه صهره زوج أخته القاضي عبد العزيز بن النعمان، وأظن هذا القاضي هو مصنف كتاب " البلاغ الأكبر والناموس الأعظم " الذي فيه من الكفر ما لم يصل إبليس إلى مثله، وقد رد على هذا الكتاب القاضي أبو بكر الباقلاني، رحمه الله.