Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وأربعمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 484 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
لما كان في ربيع الأول من هذه السنة توفي الملك العادل، الكبير المثاغر، المرابط المؤيد، المنصور المجاهد، يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سبكتكين، صاحب بلاد غزنة وتلك الممالك الكبار، وفاتح أكثر بلاد الهند قهرا، وكاسر بدودهم وأوثانهم كسرا، وقاهر هنودهم وسلطانهم الأعظم قهرا، وقد تمرض نحوا من سنتين لم يضطجع فيهما على فراش ولا توسد وسادا، بل كان ينام قاعدا حتى مات كذلك، وذلك لشهامته وصرامته وقوة عزمه، وله من العمر ستون سنة، رحمه الله، وقد عهد بالأمر من بعده لولده محمد، فلم يتم أمره حتى غافصه أخوه مسعود بن محمود، فاستحوذ على ممالك أبيه، مع ما كان إليه مما يليه وفتحه هو بنفسه من بلاد الكفار ; من الرساتيق الكبار والصغار، فاستقرت له الممالك شرقا وغربا في تلك النواحي في أواخر هذا العام، وجاءته الرسل من كل ناحية ومن كل ملك همام، بالتحية والسلام والإكرام، وستأتي ترجمة الملك محمود في الوفيات.
وفيها استحوذت السرية التي كان بعثها الملك محمود إلى بلاد الهند على
أكبر مدائنهم وهي المسماة نرسى، دخلوها في نحو مائة ألف مقاتل، ما بين فارس وراجل، فنهبوا سوق العطر والجواهر بها نهارا كاملا، ولم يستطيعوا أن يحولوا ما فيه من أنواع الطيب والمسك والجواهر واللآلئ واليواقيت، ومع هذا لم يدر أكثر أهلها بشيء من ذلك لاتساعها، وذلك أنها كانت في غاية الكبر، طولها مسيرة منزلة من منازل الهند، وعرضها كذلك، وأخذ من الأموال والتحف ما لا يحد ولا يوصف، حتى قيل: إنهم اقتسموا الذهب والفضة بالكيل. ولم يصل جيش من جيوش المسلمين إلى هذه المدينة، لا قبل هذه السنة ولا بعدها.
وفيها عملت الرافضة بدعتهم الشنعاء، وحادثتهم الصلعاء في يوم عاشوراء، من تعليق المسوح، وتغليق الأسواق، والنوح والبكاء، في الأزقة والأرجاء، فأقبل إليهم أهل السنة في الحديد، واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من الفريقين طوائف كثيرة، وجرت فتن كبيرة، وشرور مستطيرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي هذه السنة مرض أمير المؤمنين القادر بالله وعهد بولاية العهد من بعده إلى ولده أبي جعفر القائم بأمر الله بمحضر من القضاة والوزراء والأمراء والكبراء، وخطب له بذلك على المنابر، وضرب اسمه على السكة المتعامل بها في البادي والحاضر.
وفيها أقبل ملك الروم من قسطنطينية في ثلاثمائة ألف مقاتل، فسار حتى
بلغ بلاد حلب وعليها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، فنزلوا على مسيرة يوم منها، ومن عزم ملك الروم - قبحه الله - أن يستحوذ على بلاد الشام بكمالها، وأن يستردها إلى ما كانت عليه في أيديهم قبل الإسلام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده» وقيصر هو من ملك الشام مع بلاد الروم، فلا سبيل لملك الروم إلى هذا الروم الذي أراده هذا المذموم، فلما نزل بجيشه قريبا من حلب كما ذكرنا، أرسل الله عليهم عطشا شديدا، وخالف بين كلمتهم ; وذلك أنه كان معه الدمستق، فعامل طائفة من الجيش على قتله ليستقل بالأمر من بعده، ففهم ذلك ملك الروم، فكر من فوره راجعا {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا} [الأحزاب: 25] ولما كروا راجعين إلى بلادهم، اتبعهم الأعراب ينهبونهم ليلا ونهارا وصباحا ومساء، وهلك أكثر الروم جوعا وعطشا، ونهبهم الأعراب من كل جانب. ولله الحمد والمنة.
وفيها ملك جلال الدولة واسطا واستناب ولده عليها، وبعث وزيره أبا علي بن ماكولا إلى البطائح والبصرة، ففتح البطائح وسار في الماء إلى البصرة وعليها نائب لأبي كاليجار، فهزمهم البصريون، فسار إليهم جلال الدولة بنفسه، فدخلها في شعبان هذه السنة، ودقت البشائر فرحا ببغداد ; فرحا بنصره.
وفيها جاء سيل عظيم بغزنة، فأهلك شيئا كثيرا من الزروع والأشجار.
وفي رمضان منها تصدق مسعود بن محمود بن سبكتكين بألف ألف
درهم وأجرى أرزاقا للفقهاء والعلماء ببلاده، على عادة أبيه من قبله، وفتح بلدانا كثيرة، واتسعت ممالكه جدا، وعظم شأنه وقويت أركانه، وكثرت جنوده وأعوانه.
وفيها دخل خلق كثير من الأكراد إلى بغداد يسرقون خيل الأتراك ليلا، فتحصن الناس منهم، وحصنوا خيولهم حتى خيل السلطان.
وفيها سقط جسر ببغداد، وهو الذي عند الزياتين على نهر عيسى.
وفيها وقعت فتنة بين الأتراك النازلين بباب البصرة وبين الهاشميين، فرفعوا المصاحف، ورمتهم الأتراك بالنشاب، وجرت خبطة عظيمة، ثم اصطلحت الحال بين الفريقين.
وفيها كثرت العملات ببغداد، وأخذت الدور جهرة، وكثر العيارون ولصوص الأكراد.
وفيها تعطل الحج أيضا من بلاد العراق وخراسان لفساد البلاد، ولم يحج أحد سوى سرية من أهل العراق ; ركبوا من جمال البادية مع الأعراب مخاطرة، ففازوا بالحج، والله أعلم.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان: ### $ أحمد بن عبد الله بن أحمد، أبو الحسن الواعظ، المعروف بابن الران
صاحب كرامات ومعاملات، كان من أهل الجزيرة فسكن دمشق وكان يعظ الناس بالزيادة القبلية حيث كان يجلس القصاص. قال ذاك الحافظ ابن عساكر. قال: وصنف كتبا في الوعظ، وحكى حكايات كثيرة، قال: سمعت أبا القاسم بن السمرقندي يقول: سمعت أبا طاهر محمد بن أحمد بن أبي صقر يقول: سمعت أبا الحسن أحمد بن عبد الله الران الواعظ ينشد أبياتا:
أنا ما أصنع باللذ ... ات شغلي بالذنوب
إنما العيد لمن فا ... ز بوصل من حبيب
أصبح الناس على رو ... ح وريحان وطيب
ثم أصبحت على نو ... ح وحزن ونحيب
فرحوا حين أهلوا ... شهرهم بعد المغيب
وهلالي متوار ... من ورا حجب الغيوب
فلهذا يا خليلي ... قلت للذات غيبي
وجعلت الهم والحز ... ن من الدنيا نصيبي
يا حياتي ومماتي ... وشقائي وطبيبي
جد لصب يتلظى ... منك بالرحب الرحيب
ثم أرخ وفاته لعشر بقين من جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بمسجد القدم.
### $ الحسين بن محمد الخالع
الشاعر، له ديوان شعر حسن مليح، عمر طويلا، ووفاته في هذه السنة عن سن عالية. ### $ الملك الكبير العادل محمود بن سبكتكين، أبو القاسم، الملقب بيمين الدولة وأمين الملة
صاحب بلاد غزنة وما والاها، وجيشه يقال لهم: السامانية. وكان أبوه قد تملك عليهم، وتوفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، فتملك بعده ولده هذا، فسار فيهم وفي سائر الرعايا سيرة عادلة، وقام بأعباء الإسلام قياما تاما، وفتح فتوحات كثيرة في بلاد الهند وغيرها وعظم شأنه في العالمين، واتسعت مملكته وامتدت رعاياه وطالت أيامه ولله الحمد والمنة.
وكان يخطب في سائر ممالكه للخليفة العباسي القادر بالله وكانت رسل الفاطميين من الديار المصرية تفد إليه بالكتب والهدايا والتحف، فيحرق بهم، ويقطع كتبهم، ويخرق حللهم. وقد اتفق له في بلاد الهند فتوحات لم تتفق لغيره من الملوك، لا قبله ولا بعده، وغنم مغانم كثيرة لا تنحصر ولا تنضبط كثرة، من الذهب واللآلئ والسبي، وكسر من أصنامهم وأبدادهم
وأوثانهم شيئا كثيرا جدا، بيض الله وجهه وأكرم مثواه، وقد ذكرنا ذلك مفصلا فيما سلف مفرقا في السنين، كان في جملة ما كسر من أصنامهم بد عظيم لليهود يقال له: سومنات. بلغ ما تحصل منه من الذهب عشرين ألف ألف دينار، وكسر ملك الهند الكبير الذي يقال له: جيبال. وقهر ملك الترك الأعظم الذي يقال له: إيلك خان. وأباد ملك السامانية، وقد ملكوا بخراسان مائة سنة بلاد سمرقند وما حولها، ثم هلكوا، وبنى على جيحون جسرا غرم عليه ألفي ألف دينار، وهذا شيء لم يتفق لغيره من الملوك، وكان معه في جيشه أربعمائة فيل تقاتل، وهذه عظيمة هائلة ومرتبة طائلة، وجرت له فصول ذكر تفصيلها يطول.
وكان في غاية الديانة والصيانة يحب العلماء والمحدثين، ويكرمهم، ويجالسهم، ويحسن إليهم، وكان حنفي المذهب، ثم صار شافعيا على يدي أبي بكر القفال الصغير، على ما ذكره إمام الحرمين وغيره، وكان كراميا على اعتقادهم، وكان من جملة من يجالسه منهم محمد بن الهيضم، وتناظر هو وأبو بكر بن فورك بين يدي الملك محمود بن سبكتكين في مسألة العرش مناظرة طويلة، ذكرها ابن الهيضم في مصنف له، فمال السلطان محمود بن سبكتكين إلى قول ابن الهيضم، ونقم على ابن فورك كلامه، وأمر بطرده وإخراجه ; لموافقته لرأي الجهمية.
وكانت معدلته جيدة ; اشتكى إليه رجل أن ابن أخت الملك يهجم عليه وعلى أهله في كل وقت، فيخرجه من البيت ويختلي بامرأته، وقد حار في أمره، وكلما اشتكاه إلى أحد من أولي الأمر لا يتجاسر على إقامة الحد عليه ; يهابون الملك. فقال له الملك: ويحك! متى جاءك فائتني فأعلمني، ولا تسمعن من أحد منعك من الوصول إلي، ولو كان في الليل. وتقدم إلى الحجبة
أن هذا لا يمنعه أحد متى جاء من ليل أو نهار. فذهب الرجل مسرورا، فما كان إلا ليلة أو ليلتان حتى هجم عليه ذلك الشاب فأخرجه واختلى بأهله، فذهب باكيا إلى دار الملك، فقيل له: إن الملك نائم. فقال: قد تقدم إليكم بما سمعتم، فأنبهوا الملك، فخرج معه بنفسه وحده، وجاء منزل ذلك الرجل، فنظر إلى الغلام وهو نائم مع المرأة في فراش الرجل، وعندهما شمعة تقد، فتقدم الملك فأطفأ الضوء، ثم جاء فاحتز رأس الغلام، وقال للرجل: ويحك! ألحقني بشربة من ماء، فسقاه، ثم انطلق ليذهب، فقال له الرجل: سألتك بالله لم أطفأت الشمعة؟ فقال: ويحك! إنه ابن أختي، وكرهت أن أشاهده حال الذبح. قال: ولم طلبت الماء سريعا؟ فقال: إني كنت آليت منذ أخبرتني أن لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أقوم بحقك، فكنت عطشان هذه الأيام، حتى كان ما رأيت. فدعا له، وانصرف، رحمه الله.
وكان مرضه سوء مزاج اعتراه وانطلاق البطن سنتين، فكان فيهما لا يضطجع على فراش، ولا يتكئ على شيء لقوة بأسه، بل كان يستند إلى مخاد توضع له، ويحضر مجلس ملكه، ويفصل بين الناس على عادته، حتى مات وهو كذلك في يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر من هذه السنة، عن ثلاث وستين سنة، ملك منها ثلاثا وثلاثين سنة، وخلف من الأموال شيئا كثيرا، من ذلك سبعون رطلا من جوهر، سامحه الله تعالى.
وقام بالأمر من بعده ولده محمد، ثم صار الملك إلى ابنه الآخر مسعود بن محمود، فأشبه أباه، وقد صنف بعض العلماء مجلدا في سيرته وأيامه وفتوحاته وممالكه، فأفاد.