John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وأربعمائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 485 of 840

** [ما وقع فيها من الأحداث] **

فيها كانت وفاة القادر بالله وخلافة ابنه القائم بأمر الله على ما سيأتي تفصيله وبيانه.

وفيها وقعت فتنة عظيمة بين السنة والروافض، وقويت عليهم السنة، وقتلوا خلقا منهم، ونهبوا الكرخ ودار الشريف المرتضى ونهبت العامة دور اليهود ; لأنهم نسبوا إلى معاونة أهل الكرخ من الروافض، وتعدى النهب إلى دور كثيرة وانتشرت الفتنة جدا، ثم سكنت بعد ذلك.

وفيها كثرت العملات وانتشرت المحنة بأمر العيارين في أرجاء البلد، وتجاسروا على أمور كثيرة، ونهبوا دورا وأماكن سرا وجهرا، ليلا ونهارا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

** خلافة القائم بالله **

أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله، بويع له بالخلافة لما توفي أبوه القادر بالله

أبو العباس أحمد بن المقتدر بالله بن المعتضد بن الأمير أبي أحمد الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، في ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة من هذه السنة عن ست وثمانين سنة وعشرة أشهر وأحد وعشرين يوما، ولم يعمر أحد من الخلفاء قبله هذا العمر ولا بعده، من ذلك في الخلافة إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر، وهذا أيضا شيء لم يسبقه أحد إليه، وأمه أم ولد اسمها تمني، مولاة عبد الواحد بن المقتدر، وقد كان رحمه الله محبا لأهل العلم والدين والصلاح، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان على طريقة السلف في الاعتقاد، وله في ذلك مصنفات كانت تقرأ على الناس، وكان أبيض، حسن الجسم، طويل اللحية عريضها يخضبها، وكان يقوم الليل، كثير الصدقة، محبا للسنة وأهلها، يبغض البدعة والقائمين بها، وكان يكثر الصوم، ويبر الفقراء من أقطاعه، يبعث منه إلى المجاورين بجامع المنصور وجامع الرصافة، وكان يخرج من داره في زي العامة، فيزور قبور الصالحين، وقد ذكرنا طرفا صالحا من سيرته عند ذكر ولايته في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وجلسوا في عزائه سبعة أيام لعظم المصيبة به، ولتوطيد البيعة لولده القائم بالله أبي جعفر عبد الله بن القادر، وأمه قطر الندى أرمنية، أدركت خلافته. وكان مولده يوم الجمعة الثامن عشر من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وكانت بيعته بحضرة القضاة والأمراء والكبراء والأعيان، وكان أول من بايعه الشريف المرتضى وأنشده أبياتا:

فإما مضى جبل وانقضى ... فمنك لنا جبل قد رسا

وإما فجعنا ببدر التمام ... فقد بقيت منه شمس الضحى

لنا حزن في محل السرور ... فكم ضحك في خلال البكا

فيا صارما أغمدته يد ... لنا بعدك الصارم المنتضى

ولما حضرناك عقد البياع ... عرفنا بهديك طرق الهدى

فقابلتنا بوقار المشيب ... كمالا وسنك سن الفتى

طالبته الأتراك برسم البيعة، فلم يكن مع الخليفة شيء ; لأن أباه لم يترك مالا، فكادت الفتنة تقع بين الناس بسبب ذلك، حتى دفع عنه الملك جلال الدولة مالا جزيلا، نحوا من ثلاثة آلاف ألف دينار، واستوزر الخليفة أبا طالب محمد بن أيوب، واستقضى ابن ماكولا.

ولم يحج أحد من أهل المشرق سوى شرذمة خرجوا من الكوفة مع العرب.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وممن توفي فيها من الأعيان والكبراء غير الخليفة، رحمه الله: ### $ الحسن بن علي بن جعفر، أبو علي بن ماكولا

الوزير لجلال الدولة، وقد تقدم أنه بعث إلى البطيحة ففتحها، ورام أخذ البصرة فلم يمكنه ذلك، وقاتلوه دونها فأسروه، فسأل أن يذهب به إلى الملك أبي كاليجار، فعفا عنه وأطلقه، فلما صار إلى الأهواز تعامل عليه غلام له وجارية، فقتلاه في ذي الحجة من هذه السنة عن ست وخمسين سنة.

### $ عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك بن طوق

صاحب الرحبة، التغلبي البغدادي، أحد أئمة المالكية ومصنفيهم، له كتاب " التلقين " يحفظه الطلبة، وله غيره في الفروع والأصول، وقد أقام ببغداد دهرا، وولي قضاء بادرايا وباكسايا، ثم خرج من بغداد لضيق حاله، فدخل مصر، فأكرمه المغاربة، وأعطوه ذهبا كثيرا، فتمول جدا، فأنشأ يقول متشوقا إلى بغداد:

سلام على بغداد في كل موقف ... وحق لها مني السلام مضاعف

فوالله ما فارقتها عن قلى لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف

ولكنها ضاقت علي بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف

فكانت كخل كنت أهوى دنوه ... وأخلاقه تنأى به وتخالف

قال الخطيب البغدادي: سمع القاضي عبد الوهاب من ابن السماك وكتبت عنه، وكان ثقة، ولم تر المالكية أحدا أفقه منه.

قال القاضي ابن خلكان في " الوفيات " عنه: وعندما وصل إلى الديار

المصرية، وحصل له شيء من المال، وحسن حاله، مرض من أكلة اشتهاها، فذكر عنه أنه كان يتقلب ويقول: لا إله إلا الله، عندما عشنا متنا. قال: وله أشعار رائقة طريفة، فمن ذلك قوله:

ونائمة قبلتها. فتنبهت ... فقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحد

فقلت لها إني فديتك غاصب ... وما حكموا في غاصب بسوى الرد

خذيها وكفي عن أثيم ظلامة ... وإن أنت لم ترضي فألفا على العد

فقالت قصاص يشهد العقل أنه ... على كبد الجاني ألذ من الشهد

فباتت يميني وهي هميان خصرها ... وباتت يساري وهي واسطة العقد

فقالت ألم أخبر بأنك زاهد ... فقلت بلى ما زلت أزهد في الزهد

ومما أنشده ابن خلكان للقاضي عبد الوهاب:

بغداد دار لأهل المال طيبة ... وللمفاليس دار الضنك والضيق

ظللت حيران أمشي في أزقتها ... كأنني مصحف في بيت زنديق

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com