John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[سنة ثمان من الهجرة النبوية] — تتمة ٢

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 54 of 840

وقال البيهقي: عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن سنان بن إسماعيل، عن أبي الوليد سعيد بن مينا قال: «لما فرغ أهل مؤتة ورجعوا، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى مكة، فلما انتهى إلى مر الظهران نزل بالعقبة، فأرسل الجناة يجتنون الكباث، فقلت لسعيد: وما هو؟ قال: ثمر الأراك. قال: فانطلق ابن مسعود فيمن يجتني. قال: فجعل أحدهم إذا أصاب حبة طيبة قذفها في فيه، وكانوا ينظرون إلى دقة ساقي ابن مسعود وهو يرقى في الشجرة فيضحكون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعجبون من دقة ساقيه؟ فوالذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد» وكان ابن مسعود ما اجتنى من شيء، جاء به وخياره فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال في ذلك:

هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه

وفي " الصحيحين " عن أنس قال: «أنفجنا أرنبا ونحن بمر الظهران، فسعى القوم فلغبوا، فأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها أو فخذيها فقبله» .

وقال ابن إسحاق: ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، وقد عميت

الأخبار عن قريش، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يدرون ما رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعل، وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يتحسسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به.

وذكر ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بين يديه عيونا خيلا يقتصون العيون، وخزاعة لا تدع أحدا يمضي وراءها، فلما جاء أبو سفيان وأصحابه أخذتهم خيل المسلمين، وقام إليه عمر يجأ في عنقه، حتى أجاره العباس بن عبد المطلب، وكان صاحبا لأبي سفيان.

قال ابن إسحاق: وقال العباس حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران: قلت: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. قال: فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك، فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم عنوة. قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا

عسكرا! قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب. قال: يقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة. فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قال: قلت: نعم. قال: ما لك، فدى لك أبي وأمي؟ قال: قلت: ويحك يا أبا سفيان! هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش والله. قال: فما الحيلة، فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك. قال: فركب خلفي ورجع صاحباه - وقال عروة: بل ذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما، وجعل يستخبرهما عن أهل مكة وقال الزهري وموسى بن عقبة: بل دخلوا مع العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال ابن إسحاق: قال: فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إلي، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. وزعم عروة بن الزبير أن عمر وجأ في رقبة أبي سفيان، وأراد قتله فمنعه منه العباس.

وهكذا ذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن عيون رسول الله صلى الله عليه وسلم

أخذوهم بأزمة جمالهم، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: وفد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلقيهم العباس، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحادثهم عامة الليل، ثم دعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فشهدوا، وأن محمدا رسول الله، فشهد حكيم وبديل، وقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك. ثم أسلم بعد الصبح، ثم سألوه أن يؤمن قريشا، فقال: " «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» - وكانت بأعلى مكة - «ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن» - وكانت بأسفل مكة - «ومن أغلق بابه فهو آمن» .

قال العباس: ثم خرج عمر يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة، فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء قال: فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه. قال: قلت: يا رسول إني قد أجرته. ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل. فلما أكثر عمر في شأنه. قال: قلت: مهلا يا عمر، فوالله أن لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف. فقال: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اذهب به يا عباس إلى

رحلك فإذا أصبحت فأتني به ". قال: فذهبت به إلى رحلي، فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ " فقال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد. قال: " ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ " قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا. فقال له العباس: ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، قبل أن تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق فأسلم. قال العباس: فقلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا. قال: " نعم، «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» - زاد عروة: " «ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن» ". وهكذا قال موسى بن عقبة عن الزهري - ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن ". فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عباس، احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها.

وذكر موسى بن عقبة، عن الزهري أن أبا سفيان وبديلا وحكيم بن حزام كانوا وقوفا مع العباس عند خطم الجبل، وذكر أن سعدا لما قال لأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. فشكى أبو سفيان إلى

رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزله عن راية الأنصار، وأعطاها الزبير بن العوام، فدخل بها من أعلى مكة وغرزها بالحجون، ودخل خالد من أسفل مكة فلقيه بنو بكر وهذيل، فقتل من بني بكر عشرين ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا فقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد.

قال العباس: فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه. قال: ومرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: يا عباس، من هؤلاء؟ فأقول: سليم. فيقول: ما لي ولسليم. ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس، من هؤلاء؟ فأقول: مزينة. فيقول: ما لي ولمزينة. حتى نفدت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته قال: ما لي ولبني فلان. حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله! يا عباس، من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. قال: قلت: يا أبا سفيان،

إنها النبوة، قال: فنعم إذن. قال: قلت: النجاء إلى قومك. حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس، قبح من طليعة قوم. فقال أبو سفيان: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.

وذكر عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بأبي سفيان قال له: إني لأرى وجوها كثيرة لا أعرفها، لقد كثرت هذه الوجوه علي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت فعلت هذا وقومك، إن هؤلاء صدقوني إذ كذبتموني، ونصروني إذ أخرجتموني ". ثم شكى إليه قول سعد بن عبادة حين مر عليه فقال: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كذب سعد، بل هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة.

وذكر عروة أن أبا سفيان لما أصبح صبيحة تلك الليلة التي كان عند

العباس، ورأى الناس يحشحشون للصلاة، وينتشرون في استعمال الطهارة خاف وقال للعباس: ما بالهم؟ قال: إنهم سمعوا النداء، فهم ينتشرون للصلاة. فلما حضرت الصلاة ورآهم يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده قال: يا عباس، ما يأمرهم بشيء إلا فعلوه! قال: نعم، والله لو أمرهم بترك الطعام والشراب لأطاعوه.

وذكر موسى بن عقبة، عن الزهري، أنه لما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلوا يتكففون، فقال: يا عباس، ما رأيت كالليلة ولا ملك كسرى وقيصر.

وقد روى الحافظ البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن أحمد بن الجبار، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر هذه القصة بتمامها كما أوردها زياد البكائي، عن ابن إسحاق منقطعة. فالله أعلم. على أنه قد روى البيهقي من طريق أبي بلال الأشعري، عن زياد البكائي، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس

قال: «جاء العباس بأبي سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال. فذكر القصة، إلا أنه ذكر أنه أسلم من ليلته قبل أن يصبح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ". قال أبو سفيان: وما تسع داري؟ فقال: " ومن دخل الكعبة فهو آمن ". قال: وما تسع الكعبة؟ فقال: " ومن دخل المسجد فهو آمن ". قال: وما يسع المسجد؟ فقال: " ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ". فقال أبو سفيان: هذه واسعة» .

وقال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فبلغ ذلك قريشا، خرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ كأنها نيران عرفة! فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو. فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك. فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوهم فأخذوهم، فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم أبو سفيان، فلما سار، قال للعباس: " احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين ". فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان، فمرت كتيبة فقال: يا عباس من هذه؟ قال: هذه غفار. قال: ما لي ولغفار. ثم مرت جهينة فقال

مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك، ومرت سليم فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها فقال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن عبادة معه الراية. فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس، حبذا يوم الذمار. ثم جاءت كتيبة، وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وراية رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الزبير بن العوام، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ فقال: " ما قال؟ " قال: كذا وكذا. فقال: " كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة " وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز رايته بالحجون قال عروة: وأخبرني نافع بن جبير بن مطعم، قال: سمعت العباس يقول للزبير بن العوام: هاهنا أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز الراية؟ قال: نعم. قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من كدى فقتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان، حبيش بن الأشعر، وكرز بن جابر الفهري

وقال أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن آدم، ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب، فأسلم بمر الظهران، فقال له العباس: «يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فلو جعلت له شيئا؟ قال: " نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن» .

** [صفة دخوله صلى الله عليه وسلم مكة] **

ثبت في " الصحيحين " من حديث مالك، عن الزهري، عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه، جاءه رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: " اقتلوه» قال مالك: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نرى، والله أعلم، محرما.

وقال أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد، أنا أبو الزبير، عن جابر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء» . ورواه أهل السنن الأربعة، من حديث حماد بن سلمة، وقال الترمذي: حسن صحيح.

ورواه مسلم، عن قتيبة ويحيى بن يحيى، عن معاوية بن عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء من غير إحرام» .

وروى مسلم من حديث أبي أسامة، عن مساور الوراق، «عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة

وعليه عمامة حرقانية سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه» .

وروى مسلم في " صحيحه " والترمذي والنسائي من حديث عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء» .

وروى أهل السنن الأربعة من حديث يحيى بن آدم، عن شريك القاضي، عن عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر قال: «كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم دخل مكة أبيض» .

وقال ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عائشة قال: «كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أبيض، ورايته سوداء تسمى العقاب، وكانت قطعة من مرط مرحل»

وقال البخاري: ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن معاوية بن قرة قال: «سمعت عبد الله بن مغفل يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة " الفتح " يرجع. وقال: لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت كما رجع» .

وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى ذي طوى، وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل» .

وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا دعلج بن أحمد، ثنا أحمد بن علي الأبار، ثنا عبد الله بن أبي بكر المقدمي، ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وذقنه

على رحله متخشعا» .

وقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن بالويه، ثنا أحمد بن صاعد، ثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا جعفر بن عون، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن أبي مسعود «أن رجلا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فأخذته الرعدة، فقال: " هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» . قال: وهكذا رواه محمد بن سليمان بن فارس، وأحمد بن يحيى بن زهير، عن إسماعيل بن أبي الحارث، موصولا. ثم رواه عن أبي زكريا المزكي، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب، عن محمد بن عبد الوهاب، عن جعفر بن عون، عن إسماعيل بن قيس، مرسلا. قال: وهو المحفوظ.

وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخوله صلى الله عليه وسلم مكة، في مثل هذا الجيش الكثيف العرمرم، بخلاف ما اعتمده سفهاء بني إسرائيل، حين أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس وهم سجود، أي ركع، يقولون: حطة

فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعيرة.

وقال البخاري:، ثنا الهيثم بن خارجة، ثنا حفص بن ميسرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عائشة أخبرته «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح من كداء التي بأعلى مكة. وتابعه أبو أسامة ووهيب: في كداء» .

حدثنا عبيد بن إسماعيل، ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من أعلى مكة من كداء» . وهو أصح.

إن أراد أن المرسل أصح من المسند المتقدم انتظم الكلام، وإلا فكداء بالمد هي المذكورة في الروايتين، وهي في أعلى مكة، وكدى مقصورا في أسفل مكة، وهذا هو المشهور والأنسب، وقد تقدم أنه، عليه السلام، بعث خالد بن الوليد من أعلى مكة، ودخل هو، عليه السلام، من أسفلها من كدى. وهو في " صحيح البخاري ". فالله أعلم.

وقد قال البيهقي: أنبأنا أبو الحسن بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبد الله بن الصقر، عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا

معن، ثنا عبد الله بن عمر بن حفص، عن نافع، عن ابن عمر قال: «لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل، فتبسم إلى أبي بكر وقال: يا أبا بكر، كيف قال حسان؟ فأنشده أبو بكر، رضي الله عنه

عدمت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع من كتفي كداء

ينازعن الأعنة مسرجات ... يلطمهن بالخمر النساء

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادخلوها من حيث قال حسان» .

وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، «عن جدته أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي طوى، قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: أي بنية، اظهري بي على أبي قبيس. قالت: وقد كف بصره. قالت: فأشرفت به عليه، فقال: أي بنية، ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا. قال: تلك الخيل. قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلا ومدبرا. قال: أي بنية ذلك الوازع. يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها. ثم قالت: قد والله انتشر السواد

فقال قد والله إذن دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي. فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل بيته. قالت: وفي عنق الجارية طوق من ورق، فتلقاها رجل فيقتطعه من عنقها. قالت: فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ودخل المسجد، أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟ " قال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه. قال: فقالت: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال: " أسلم ". فأسلم. قالت: ودخل به أبو بكر، وكان رأسه كالثغامة بياضا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " غيروا هذا من شعره ". ثم قام أبو بكر، فأخذ بيد أخته، وقال: أنشد الله والإسلام طوق أختي. فلم يجبه أحد، قالت فقال: أي أخية، احتسبي طوقك، فوالله إن الأمانة في الناس اليوم لقليل» . يعني الصديق ذلك اليوم على التعيين، لأن الجيش فيه كثرة، ولا يكاد أحد يلوي على أحد مع انتشار الناس، ولعل الذي أخذه تأول أنه من حربي. والله أعلم.

وقال الحافظ البيهقي: ثنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر «أن عمر بن الخطاب أخذ بيد أبي قحافة، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وقف به على

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " غيروه ولا تقربوه سوادا» قال: ابن بوهب وأخبرني عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم «، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هنأ أبا بكر بإسلام أبيه» .

قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذي طوى، أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى، وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء،»

قال ابن إسحاق: فزعم بعض أهل العلم «أن سعدا حين وجه داخلا قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. فسمعها رجل - قال ابن هشام: يقال: إنه عمر بن الخطاب - فقال: يا رسول الله، أتسمع ما يقول سعد بن عبادة؟ ! ما نأمن أن يكون له في قريش صولة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: أدركه فخذ الراية منه، فكن أنت تدخل بها» .

قلت: وذكر غير محمد بن إسحاق، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما شكى إليه أبو سفيان قول سعد بن عبادة حين مر به. وقال: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة - يعني الكعبة - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة. وأمر بالراية - راية الأنصار - أن تؤخذ من سعد بن عبادة»

كالتأديب له، ويقال: إنها دفعت إلى ابنه قيس بن سعد. وقال موسى بن عقبة، عن الزهري: دفعها إلى الزبير بن العوام. فالله أعلم.

وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة يعقوب بن إسحاق بن دينار، ثنا عبد الله بن السري الأنطاكي، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، وحدثني موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: «دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية يوم فتح مكة إلى سعد بن عبادة، فجعل يهزها ويقول: اليوم يوم الملحمة، يوم تستحل الحرمة. قال: فشق ذلك على قريش وكبر في نفوسهم. قال: فعارضت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره وأنشأت تقول:

يا نبي الهدى إليك لجا ح ... ي قريش ولات حين لجاء

حين ضاقت عليهم سعة الأر ... ض وعاداهم إله السماء

والتقت حلقتا البطان على القو ... م ونودوا بالصيلم الصلعاء

إن سعدا يريد قاصمة الظهر ... بأهل الحجون والبطحاء

خزرجي لو يستطيع من الغي ... ظ رمانا بالنسر والعواء

فانهينه فإنه الأسد الأس ... ود والليث والغ في الدماء

فلئن أقحم اللواء ونادى ... يا حماة اللواء أهل اللواء

لتكونن بالبطاح قريش ... بقعة القاع في أكف الإماء

إنه مصلت يريد لها الرأ ... ي صموت كالحية الصماء

قال: فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعر دخله رحمة لهم ورأفة بهم، وأمر بالراية فأخذت من سعد بن عبادة، ودفعت إلى ابنه قيس بن سعد،» قال: فيروى، أنه عليه الصلاة والسلام، أحب أن لا يخيبها إذ رغبت إليه واستغاثت به، وأحب أن لا يغضب سعد، فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه.

قال ابن إسحاق: وذكر ابن أبي نجيح في حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خالد بن الوليد، فدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس، وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها: أسلم، وسليم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وقبائل من

قبائل العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين، ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من، أذاخر حتى نزل بأعلى مكة، فضربت له هنالك قبته.

وروى البخاري، من حديث الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، أنه قال زمن الفتح: «يا رسول الله، أين تنزل غدا؟ فقال: " وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ ". ثم قال: " لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن» .

ثم قال البخاري: ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب، ثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «منزلنا - إن شاء الله، إذا فتح الله - الخيف، حيث تقاسموا على الكفر» .

وقال الإمام أحمد: ثنا يونس، ثنا إبراهيم، يعني ابن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منزلنا غدا، إن شاء الله، بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر.» ورواه البخاري من حديث إبراهيم بن سعد، به نحوه.

وقال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي

بكر، أن صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، وكان حماس بن قيس بن خالد، أخو بني بكر يعد سلاحا قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلح منه، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه. فقالت: والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء. قال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم. ثم قال:

إن يقبلوا اليوم فما لي عله ... هذا سلاح كامل وأله

وذو غرارين سريع السله

قال: ثم شهد الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد، ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر، أحد بني محارب بن فهر، وخنيس بن خالد بن ربيعة بن أصرم، حليف بني منقذ، وكانا في جيش خالد فشذا عنه، فسلكا غير طريقه، فقتلا جميعا، وكان قبل كرز قتل خنيس. قالا: وقتل من خيل خالد أيضا

سلمة بن الميلاء الجهني، وأصيب من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر، ثم انهزموا، فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقي علي بابي. قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:

إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه

وأبو يزيد قائم كالموتمه ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمه

يقطعن كل ساعد وجمجمه ... ضربا فلا يسمع إلا غمغمه

لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه

قال ابن هشام: وتروى هذه الأبيات للرعاش الهذلي.

قال: وكان شعار المهاجرين يوم الفتح وحنين والطائف: يا بني عبد الرحمن. وشعار الخزرج: يا بني عبد الله. وشعار الأوس: يا بني عبيد الله.

وقال الطبراني: ثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا أبو حسان الزيادي، ثنا شعيب بن صفوان، عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس، «عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله حرم هذا البلد يوم خلق السماوات والأرض

وصاغه يوم صاغ الشمس والقمر، وما حياله من السماء حرام، وإنه لا يحل لأحد قبلي، وإنما حل لي ساعة من نهار، ثم عاد كما كان ". فقيل له: هذا خالد بن الوليد يقتل. فقال: " قم يا فلان فأت خالد بن الوليد، فقل له فليرفع يديه من القتل ". فأتاه الرجل فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اقتل من قدرت عليه. فقتل سبعين إنسانا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأرسل إلى خالد فقال: " ألم أنهك عن القتل؟ " فقال: جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرت عليه. فأرسل إليه: " ألم آمرك؟ " قال: أردت أمرا، وأراد الله أمرا، فكان أمر الله فوق أمرك، وما استطعت إلا الذي كان. فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فما رد عليه شيئا» .

قال ابن إسحاق: وقد «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى أمرائه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، غير أنه أهدر دم نفر سماهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان قد أسلم وكتب الوحي ثم ارتد، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وقد أهدر دمه فر إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، فلما جاء به ليستأمن له، صمت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا، ثم قال: " نعم ". فلما انصرف مع عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله: " أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني قد صمت فيقتله ". فقالوا: يا رسول الله، هلا أومأت إلينا؟ " فقال: " إن النبي لا يقتل بالإشارة.» وفي رواية: «إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» .

قال ابن هشام: وقد حسن إسلامه بعد ذلك وولاه عمر بعض أعماله، ثم ولاه عثمان.

قلت: ومات وهو ساجد في صلاة الصبح، أو بعد انقضاء صلاتها في بيته، كما سيأتي بيانه.

قال ابن إسحاق: وعبد الله بن خطل، رجل من بني تيم بن غالب - قلت: ويقال: إن اسمه عبد العزى بن خطل. ويحتمل أنه كان كذلك، ثم لما أسلم سمي عبد الله - ولما أسلم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى له فغضب عليه غضبة فقتله، ثم ارتد مشركا وكان له قينتان، فرتنى وصاحبتها، فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فلهذا أهدر دمه ودم قينتيه، فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة، اشترك في قتله أبو برزة الأسلمي وسعيد بن حريث المخزومي، وقتلت إحدى قينتيه واستؤمن للأخرى. قال: والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن

قصي، وكان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ولما تحمل العباس بفاطمة وأم كلثوم ليذهب بهما إلى المدينة يلحقهما برسول الله صلى الله عليه وسلم أول الهجرة، نخس بهما الحويرث هذا، الجمل الذي هما عليه، فسقطتا إلى الأرض، فلما أهدر دمه قتله علي بن أبي طالب. قال: ومقيس بن صبابة، لأنه قتل قاتل أخيه خطأ بعدما أخذ الدية، ثم ارتد مشركا، قتله رجل من قومه يقال له: نميلة بن عبد الله. قال: وسارة مولاة لبني عبد المطلب ولعكرمة بن أبي جهل، لأنها كانت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بمكة.

قلت: وقد تقدم عن بعضهم أنها التي تحملت الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة، وكأنها عفي عنها أو هربت ثم أهدر دمها. والله أعلم. فهربت حتى استؤمن لها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنها، فعاشت إلى زمن عمر فأوطأها رجل فرسا فماتت. وذكر السهيلي أن فرتنى أسلمت أيضا.

قال ابن إسحاق: وأما عكرمة بن أبي جهل، فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، واستأمنت له من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه، فذهبت في طلبه، حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم.

وقال البيهقي: أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الفقيه،

أنبأنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنبأنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا أحمد بن المفضل، ثنا أسباط بن نصر الهمداني، قال: زعم السدي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: «لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: " اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة ". وهم عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارا، وكان أشب الرجلين، فقتله، وأما مقيس فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم قاصف، فقال أهل السفينة لأهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا. فقال عكرمة: والله لئن لم ينج في البحر إلا الإخلاص فإنه لا ينجي في البر غيره، اللهم إن لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه، أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما. فجاء فأسلم، وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله. بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على

أصحابه فقال: " أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ " فقالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك، هلا أومأت إلينا بعينك؟ فقال: " إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين ".» ورواه أبو داود والنسائي من حديث أحمد بن المفضل به نحوه.

وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الأصم، أنبأنا أبو زرعة الدمشقي، ثنا الحسن بن بشر الكوفي، ثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: «أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم فتح مكة إلا أربعة، عبد العزى بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأم سارة،» فأما عبد العزى بن خطل فإنه قتل وهو متعلق بأستار الكعبة. قال: «ونذر رجل من الأنصار أن يقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح إذا رآه، وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع له، فلما بصر به الأنصاري اشتمل على السيف، ثم أتاه فوجده في حلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يتردد ويكره أن يقدم عليه، فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده فبايعه، ثم قال للأنصاري: " قد انتظرتك أن توفي بنذرك ". قال: يا رسول الله، هبتك، أفلا أومضت إلي؟ قال: " إنه ليس للنبي

أن يومض» ". وأما مقيس بن صبابة فذكر قصته في قتله رجلا مسلما بعد إسلامه، ثم ارتداده بعد ذلك. قال: وأما «أم سارة فكانت مولاة، لقريش، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الحاجة، فأعطاها شيئا، ثم بعث معها رجل بكتاب إلى أهل مكة.» فذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة.

وروى محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن مقيس بن صبابة قتل أخوه هشام يوم بني المصطلق، قتله رجل من المسلمين وهو يظنه مشركا، فقدم مقيس مظهرا للإسلام ليطلب دية أخيه، فلما أخذها عدا على قاتل أخيه فقتله، ورجع إلى مكة مشركا، فلما أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه قتل وهو بين الصفا والمروة.

وقد ذكر ابن إسحاق والبيهقي شعره حين قتل قاتل أخيه، وهو قوله:

شفى النفس من قد بات بالقاع مسندا ... يضرج ثوبيه دماء الأخادع

وكانت هموم النفس من قبل قتله ... تلم وتنسيني وطاء المضاجع

قتلت به فهرا وغرمت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع

حللت به نذري وأدركت ثؤرتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع

قلت: وقيل: إن القينتين اللتين أهدر دمهما كانتا لمقيس بن صبابة هذا، وإن ابن عمه قتله بين الصفا والمروة. وقال بعضهم: قتل ابن خطل الزبير بن العوام، رضي الله عنه.

قال ابن إسحاق: حدثني سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب «أن أم هانئ ابنة أبي طالب قالت: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم. قال ابن هشام: هما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية بن المغيرة. قال ابن إسحاق: وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي، قالت: فدخل علي أخي علي بن أبي طالب فقال: والله لأقتلهما. فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة، إن فيها لأثر

العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إلي، فقال: " مرحبا وأهلا بأم هانئ، ما جاء بك؟ " فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي فقال: " قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت فلا يقتلهما» .

وقال البخاري: ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، «عن ابن أبي ليلى قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هانئ، فإنها ذكرت أنه يوم فتح مكة اغتسل في بيتها، ثم صلى ثماني ركعات. قالت: ولم أره صلى صلاة أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود» .

وفي " صحيح مسلم " من حديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن أبي هند أن أبا مرة مولى عقيل حدثه «أن أم هانئ بنت أبي طالب حدثته أنه لما كان عام الفتح، فر إليها رجلان من بني مخزوم فأجارتهما، قالت: فدخل علي علي فقال: أقتلهما. فلما سمعته أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة، فلما رآني رحب، وقال: " ما جاء بك؟ " قلت: يا نبي الله، كنت أمنت رجلين من أحمائي، فأراد علي قتلهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ". ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى

غسله فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبا فالتحف به، ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى» .

وفي رواية: أنها «دخلت عليه وهو يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب، فقال: " من هذه؟ " قالت: أم هانئ. قال: " مرحبا بأم هانئ ". قالت: يا رسول الله، زعم ابن أمي علي بن أبي طالب أنه قاتل رجلين قد أجرتهما. فقال: " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ". قالت: ثم صلى ثماني ركعات» ، وذلك ضحى فظن كثير من العلماء أن هذه كانت صلاة الضحى. وقال آخرون: بل كانت هذه صلاة الفتح. وجاء التصريح بأنه كان يسلم من كل ركعتين. وهو يرد على السهيلي وغيره ممن يزعم أن صلاة الفتح تكون ثمانيا بتسليمة واحدة، وقد صلى سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن في إيوان كسرى، ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين. ولله الحمد.

قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن

عبد الله بن أبي ثور، «عن صفية بنت شيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف له الناس في المسجد» .

وقال موسى بن عقبة: ثم سجد سجدتين، ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها ودعا بماء فشرب منها وتوضأ، والناس يبتدرون وضوءه، والمشركون يتعجبون من ذلك، ويقولون: ما رأينا ملكا قط ولا سمعنا به - يعني مثل هذا -. وأخر المقام إلى مقامه اليوم وكان ملصقا بالبيت.

قال محمد بن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة فقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو موضوع تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل، أربعون منها في

بطونها أولادها، يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب " ثم تلا هذه الآية: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} [الحجرات: 13] الآية كلها (الحجرات: 13) . ثم قال: " يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ " قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: " اذهبوا فأنتم الطلقاء ". ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية، صلى الله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين عثمان بن طلحة؟ " فدعي له فقال: " هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء» .

وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن جدعان، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، وهو على درج الكعبة: «الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا فيه مائة من الإبل» وقال مرة أخرى: «مغلظة فيها، أربعون خلفة في بطونها أولادها، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية ودم ودعوى - وقال مرة: ومال - تحت قدمي هاتين، إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت، فإني أمضيتهما لأهلهما على ما كانت» . وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث علي بن زيد بن

جدعان، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن الغطفاني، عن ابن عمر به.

قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، ورأى إبراهيم، عليه السلام، مصورا في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام؟! {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} [آل عمران: 67] (آل عمران: 67) . ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست» .

وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان، أنبأنا عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: «كان في الكعبة صور، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب أن يمحوها، فبل عمر ثوبا ومحاها به، فدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيها منها شيء» . وقال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، ثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، وحول البيت ستون

وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد» . وقد رواه مسلم من حديث ابن عيينة

وروى البيهقي، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح مكة، وعلى الكعبة ثلاثمائة صنم، فأخذ قضيبه فجعل يهوي به إلى الصنم، وهو يهوي، حتى مر عليها كلها» .

ثم من طريق سويد، عن القاسم بن عبد الله، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة وجد بها ثلاثمائة وستين صنما، فأشار إلى كل صنم بعصا وقال: " جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا فكان لا يشير إلى صنم إلا ويسقط من غير أن يمسه بعصاه» . ثم قال: وهذا وإن كان ضعيفا، فالذي قبله يؤكده.

وقال حنبل بن إسحاق: أنبأنا أبو الربيع، عن يعقوب القمي، ثنا جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى قال: «لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، جاءت عجوز شمطاء حبشية تخمش وجهها، وتدعو بالويل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تلك نائلة، أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدا» .

وقال ابن هشام: حدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أنه قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها، وحول الكعبة أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا " فما أشار إلى صنم في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع» ، فقال تميم بن أسد الخزاعي:

وفي الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا

وفي " صحيح مسلم " عن شيبان بن فروخ، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة، في حديث فتح مكة قال: «، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه، وطاف بالبيت، وأتى إلى صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه، وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس، وهو آخذ بسيتها، فلما أتى على الصنم، جعل يطعن

في عينه ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا " فلما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت، فرفع يديه وجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو» .

وقال البخاري: ثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد الصمد، ثنا أبي، ثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس «، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام، وفي أيديهما من الأزلام، فقال: " قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط ". ثم دخل البيت، فكبر في نواحي البيت، وخرج ولم يصل» . تفرد به البخاري دون مسلم.

وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا همام، ثنا عطاء، «عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وفيها ست سوار، فقام إلى كل سارية، ودعا ولم يصل فيه» . ورواه مسلم، عن شيبان بن فروخ، عن همام بن يحيى العوذي، عن عطاء به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكيرا حدثه عن كريب، عن ابن عباس «، أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم حين دخل البيت وجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم، فقال: " أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، هذا إبراهيم مصورا، فما باله يستقسم؟!» . وقد رواه البخاري والنسائي من حديث ابن وهب به.

وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجزري، أنه سمع مقسما يحدث عن ابن عباس قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فدعا في نواحيه، ثم خرج فصلى ركعتين» . تفرد به أحمد.

وقال الإمام أحمد: ثنا إسماعيل، أخبرنا ليث، عن مجاهد، «عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في البيت ركعتين.»

قال البخاري: وقال الليث: ثنا يونس، أخبرني نافع، عن عبد الله بن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته، مردفا أسامة بن زيد، ومعه بلال، ومعه عثمان بن طلحة، من الحجبة، حتى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتي بمفتاح الكعبة، فدخل ومعه أسامة بن زيد

وبلال وعثمان بن طلحة، فمكث فيه نهارا طويلا، ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبد الله بن عمر أول من دخل، فوجد بلالا وراء الباب قائما، فسأله: أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه. قال عبد الله: فنسيت أن أسأله كم صلى من سجدة» .

ورواه الإمام أحمد، عن هشيم، ثنا غير واحد وابن عون، عن نافع، «عن ابن عمر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت ومعه الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة، وبلال، فأمر بلالا فأجاف عليهم الباب، فمكث فيه ما شاء الله، ثم خرج. قال ابن عمر: فكان أول من لقيت منهم بلالا، فقلت: أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هاهنا بين الأسطوانتين» .

قلت: وقد ثبت في " صحيح البخاري " وغيره، «أنه صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة تلقاء وجهة بابها من وراء ظهره، فجعل عمودين عن يمينه، وعمودا عن يساره، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، وكان بينه وبين الحائط الغربي مقدار ثلاثة أذرع» .

قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل

الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصا. فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " قد علمت الذي قلتم ". ثم ذكر ذلك لهم. فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك» .

وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني والدي، حدثني بعض آل جبير بن مطعم، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة أمر بلالا، فعلا على الكعبة على ظهرها، فأذن عليها بالصلاة، فقال بعض بني سعيد بن العاص: لقد أكرم الله سعيدا إذ قبضه قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة.»

وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب قال: قال ابن أبي مليكة: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن يوم الفتح فوق الكعبة، فقال رجل من قريش للحارث بن هشام: ألا ترى إلى هذا العبد أين صعد؟! فقال: دعه، فإن يكن الله يكرهه، فسيغيره»

وقال يونس بن بكير وغيره، عن هشام بن عروة، عن أبيه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا عام الفتح فأذن على الكعبة ليغيظ به المشركين» .

وقال محمد بن سعد، عن محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، «أن أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة كان جالسا، فقال في نفسه: لو جمعت لمحمد جمعا. فإنه ليحدث نفسه بذلك، إذ ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين كتفيه وقال: " إذا يخزيك الله ". قال: فرفع رأسه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على رأسه، فقال: ما أيقنت أنك نبي حتى الساعة» .

قال البيهقي: وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إجازة، أنبأنا أبو حامد أحمد بن علي بن الحسن المقرئ، أنبأنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا محمد بن يوسف الفريابي، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر، عن ابن عباس قال: «رأى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي والناس يطئون عقبه، فقال بينه وبين نفسه: لو عاودت هذا الرجل القتال. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ضرب بيده في صدره فقال: " إذا يخزيك الله ". فقال: أتوب إلى الله، وأستغفر الله مما تفوهت به»

ثم روى البيهقي من طريق ابن خزيمة وغيره، عن أبي حامد ابن الشرقي، عن محمد بن يحيى الذهلي، ثنا محمد بن موسى بن أعين الجزري، ثنا أبي، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: «لما كان ليلة دخل الناس مكة ليلة الفتح، لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا، فقال أبو سفيان لهند: أترين هذا من الله؟ قالت: نعم، هذا من الله. قال: ثم أصبح أبو سفيان فغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قلت لهند: أترين هذا من الله؟ قالت: نعم، هذا من الله ". فقال أبو سفيان: أشهد أنك عبد الله ورسوله، والذي يحلف به ما سمع قولي هذا أحد من الناس غير هند» .

وقال البخاري: ثنا إسحاق، ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، أخبرني حسن بن مسلم، عن مجاهد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة، لا تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحلل لي إلا ساعة من الدهر، لا ينفر صيدها، ولا يعضد شوكها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها، إلا لمنشد " فقال العباس بن عبد المطلب: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لا بد منه

للقين والبيوت. فسكت ثم قال: " إلا الإذخر فإنه حلال» .

وعن ابن جريج، أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجزري - عن عكرمة، عن ابن عباس بمثل هذا أو نحو هذا. ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. تفرد به البخاري من الوجه الأول، وهو مرسل، ومن الوجه الثاني أيضا.

وبهذا الحديث وأمثاله استدل من ذهب إلى أن مكة فتحت عنوة، وللوقعة التي كانت في الخندمة، كما تقدم وقد قتل فيها قريب من عشرين نفسا من المسلمين والمشركين، وهي ظاهرة في ذلك، وهو مذهب جمهور العلماء. والمشهور عن الشافعي أنها فتحت صلحا، لأنها لم تقسم، ولقوله صلى الله عليه وسلم ليلة الفتح: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل الحرم فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن» وموضع تقرير هذه المسألة في كتاب " الأحكام الكبير " إن شاء الله تعالى.

وقال البخاري: ثنا سعيد بن شرحبيل، ثنا الليث، عن المقبري، «عن أبي شريح العدوي، أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة ائذن

لي أيها الأمير، أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرا، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب. فقيل لأبي شريح: ماذا قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة» . وروى البخاري أيضا ومسلم، عن قتيبة، عن الليث بن سعد به نحوه.

وذكر ابن إسحاق أن رجلا يقال له: ابن الأثوع. قتل رجلا في الجاهلية من خزاعة يقال له: أحمر بأسا. فلما كان يوم الفتح قتلت خزاعة ابن الأثوع وهو بمكة، قتله خراش بن أمية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، لقد كثر القتل إن نفع، لقد قتلتم رجلا لأدينه»

قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن سعيد بن المسيب قال: «لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع خراش بن أمية قال: " إن خراشا لقتال» .

وقال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي العدوي قال: «لما قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير، جئته فقلت له: يا هذا، إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح، عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فقال: " يا أيها الناس، إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام من حرام الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما، ولا يعضد فيها شجرا، لم تحلل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحلل لي إلا هذه الساعة، غضبا على أهلها، ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاتل فيها. فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله، ولم يحلها لكم. يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر إن نفع، لقد قتلتم قتيلا لأدينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين، إن شاءوا فدم قاتله، وإن شاءوا فعقله ". ثم ودى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة، فقال عمرو لأبي شريح:

انصرف أيها الشيخ، فنحن أعلم بحرمتها منك، إنها لا تمنع سافك دم، ولا خالع طاعة، ولا مانع جزية. فقال أبو شريح: إني كنت شاهدا، وكنت غائبا، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك» .

قال ابن هشام: وبلغني «أن أول قتيل وداه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح جنيدب بن الأكوع، قتلته بنو كعب، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة ناقة» .

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: «لما فتحت مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كفوا السلاح، إلا خزاعة عن بني بكر ". فأذن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: " كفوا السلاح ". فلقي رجل من خزاعة رجلا من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خطيبا فقال - فرأيته وهو مسند ظهره إلى الكعبة قال -: " إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية» وذكر تمام الحديث، وهذا غريب جدا، وقد روى أهل السنن بعض هذا الحديث، فأما ما فيه من أنه رخص لخزاعة أن تأخذ بثأرها من بني بكر إلى العصر من يوم الفتح، فلم أره

إلا في هذا الحديث وكأنه - إن صح - من باب الاختصاص لهم مما كانوا أصابوا منهم ليلة الوتير. والله أعلم.

وروى الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد، وسفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون ومحمد بن عبيد، كلهم عن زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي، عن الحارث بن مالك بن البرصاء الخزاعي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم فتح مكة «: لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة» ورواه الترمذي، عن بندار، عن يحيى بن سعيد القطان به، وقال: حسن صحيح.

قلت: فإن كان نهيا، فلا إشكال، وإن كان نفيا، فقال البيهقي: معناه على كفر أهلها.

وفي " صحيح مسلم " من حديث زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن مطيع، عن أبيه مطيع بن الأسود العدوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة «: لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم إلى يوم القيامة» . والكلام عليه كالأول سواء.

قال ابن هشام «: وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة ودخلها،

قام على الصفا يدعو وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال: " ماذا قلتم؟ " قالوا: لا شيء يا رسول الله. فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم» .

وهذا الذي علقه ابن هشام قد أسنده الإمام أحمد بن حنبل في " مسنده " فقال: ثنا بهز وهاشم، قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، وقال هاشم: حدثني ثابت البناني، ثنا عبد الله بن رباح، قال: «وفدت وفود إلى معاوية أنا فيهم وأبو هريرة، وذلك في رمضان، فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام. قال: وكان أبو هريرة يكثر ما يدعونا - قال هاشم: يكثر أن يدعونا - إلى رحله. قال: فقلت: ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي؟ قال: فأمرت بطعام يصنع، ولقيت أبا هريرة من العشاء. قال: قلت: يا أبا هريرة، الدعوة عندي الليلة. قال: أسبقتني؟! - قال هاشم: قلت: نعم - قال: فدعوتهم فهم عندي. قال: فقال أبو هريرة ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ قال: فذكر فتح مكة. قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل مكة. قال: فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالدا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر، وأخذوا بطن الوادي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته. قال: وقد وبشت قريش أوباشها

قال: قالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطيناه الذي سئلنا. قال أبو هريرة: فنظر فرآني فقال: " يا أبا هريرة ". فقلت: لبيك رسول الله. فقال: " اهتف لي بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاري ". فهتفت بهم، فجاءوا فأطافوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟ " ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: " احصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا ". قال: فقال أبو هريرة فانطلقنا، فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء، وما أحد منهم يوجه إلينا منهم شيئا. قال: فقال أبو سفيان: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ". قال: فغلق الناس أبوابهم. قال: وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت. قال: وفي يده قوس، آخذ بسية القوس. قال: فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه. قال: فجعل يطعن بها في عينه ويقول: جاء الحق وزهق الباطل. قال: ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه، فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه. قال: والأنصار تحته. قال: يقول بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته. قال أبو هريرة وجاء الوحي، وكان إذا جاء لم يخف علينا، فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى

يقضي. قال هاشم: فلما قضى الوحي رفع رأسه، ثم قال: " يا معشر الأنصار، أقلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؟ " قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله. قال: " فما اسمي إذا؟! كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم ". قال: فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله ورسوله. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم» وقد رواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة، زاد النسائي: وسلام بن مسكين، ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن سلمة، ثلاثتهم عن ثابت، عن عبد الله بن رباح الأنصاري نزيل البصرة، عن أبي هريرة به نحوه.

وقال ابن هشام: وحدثني - يعني بعض أهل العلم - «أن فضالة بن عمير بن الملوح، يعني الليثي، أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفضالة؟ " قال: نعم، فضالة يا رسول الله. قال: " ماذا كنت تحدث به نفسك؟ " قال: لا شيء، كنت أذكر الله.

قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: " استغفر الله ". ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه. قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت: هلم إلى الحديث. فقال: لا. وانبعث فضالة يقول:

قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والإسلام

أوما رأيت محمدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام

لرأيت دين الله أضحى بينا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام

» قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، قال: «خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر، فأمنه يا رسول الله، صلى الله عليك. فقال: " هو آمن ". فقال: يا رسول الله، فأعطني آية يعرف بها أمانك. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب في البحر، فقال: يا صفوان، فداك أبي وأمي، الله الله في نفسك أن تهلكها، هذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئتك به، قال: ويلك! اعزب عني فلا تكلمني. قال: أي صفوان، فداك أبي وأمي،

أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك، عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك. قال: إني أخافه على نفسي. قال: هو أحلم من ذلك وأكرم. فرجع معه حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمنتني. قال: " صدق " قال: فاجعلني بالخيار فيه شهرين. قال: " أنت بالخيار أربعة أشهر» .

ثم حكى ابن إسحاق، عن الزهري «أن فاختة بنت الوليد امرأة صفوان، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة بن أبي جهل [أسلمتا] وقد ذهبت وراءه إلى اليمن، فاسترجعته فأسلم، فلما أسلما أقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتهما بالنكاح الأول.»

قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال: رمى حسان ابن الزبعرى وهو بنجران ببيت واحد ما زاد عليه:

لا تعدمن رجلا أحلك بغضه ... نجران في عيش أحذ لئيم

فلما بلغ ذلك ابن الزبعرى، خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، وقال حين أسلم:

يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور

إذ أباري الشيطان في سنن ال ... غي ومن مال ميله مثبور

آمن اللحم والعظام لربي ... ثم قلبي الشهيد أنت النذير

إنني عنك زاجر ثم حيا ... من لؤي وكلهم مغرور

قال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن الزبعرى أيضا حين أسلم:

منع الرقاد بلابل وهموم ... والليل معتلج الرواق بهيم

مما أتاني أن أحمد لامني ... فيه فبت كأنني محموم

يا خير من حملت على أوصالها ... عيرانة سرح اليدين غشوم

إني لمعتذر إليك من الذي ... أسديت إذ أنا في الضلال أهيم

أيام تأمرني بأغوى خطة ... سهم وتأمرني بها مخزوم

وأمد أسباب الردى ويقودني ... أمر الغواة وأمرهم مشئوم

فاليوم آمن بالنبي محمد ... قلبي ومخطئ هذه محروم

مضت العداوة وانقضت أسبابها ... ودعت أواصر بيننا وحلوم

فاغفر فدى لك والداي كلاهما ... زللي فإنك راحم مرحوم

وعليك من علم المليك علامة ... نور أغر وخاتم مختوم

أعطاك بعد محبة برهانه ... شرفا وبرهان الإله عظيم

ولقد شهدت بأن دينك صادق ... حق وأنك في العباد جسيم

والله يشهد أن أحمد مصطفى ... مستقبل في الصالحين كريم

قرم علا بنيانه من هاشم ... فرع تمكن في الذرا وأروم

قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له.

قلت: كان عبد الله بن الزبعرى السهمي من أكبر أعداء الإسلام، ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين، ثم من الله عليه بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الإسلام والقيام بنصره والذب عنه.

** [ما قيل من الشعر يوم الفتح] **

فصل ما قيل من الشعر يوم الفتح

قال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف، من بني سليم سبعمائة، ويقول بعضهم: ألف. ومن بني غفار أربعمائة، ومن أسلم أربعمائة، ومن مزينة ألف وثلاثة نفر، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد. وقال عروة والزهري وموسى بن عقبة: كان المسلمون يوم الفتح الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفا. فالله أعلم.

قال ابن إسحاق: وكان مما قيل من الشعر في يوم الفتح قول حسان بن ثابت

عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء

ديار من بني الحسحاس قفر ... تعفيها الروامس والسماء

وكانت لا يزال بها أنيس ... خلال مروجها نعم وشاء

فدع هذا ولكن من لطيف ... يؤرقني إذا ذهب العشاء

لشعثاء التي قد تيمته ... فليس لقلبه منها شفاء

كأن خبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء

إذا ما الأشربات ذكرن يوما ... فهن لطيب الراح الفداء

نوليها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء

ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء

عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء

ينازعن الأعنة مصغيات ... على أكتافها الأسل الظماء

تظل جيادنا متمطرات ... يلطمهن بالخمر النساء

فإما تعرضوا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء

وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعز الله فيه من يشاء

وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء

وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق إن نفع البلاء

شهدت به فقوموا صدقوه ... فقلتم لا نقوم ولا نشاء

وقال الله قد سيرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء

لنا في كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء

فنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء

ألا أبلغ أبا سفيان عني ... مغلغلة. فقد برح الخفاء

بأن سيوفنا تركتك عبدا ... وعبد الدار سادتها الإماء

هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء

أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء

هجوت مباركا برا حنيفا ... أمين الله شيمته الوفاء

أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء

فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء

لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدره الدلاء

قال ابن هشام: قالها حسان قبل الفتح.

قلت: والذي قاله متوجه، لما في أثناء هذه القصيدة مما يدل على ذلك، وأبو سفيان المذكور في البيت هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.

قال ابن هشام: وبلغني عن الزهري أنه قال: «لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء يلطمن الخيل بالخمر، تبسم إلى أبي بكر، رضي الله عنه.»

قال ابن إسحاق: وقال أنس بن زنيم الدئلي، يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعي - يعني لما جاء يستنصر عليهم، كما تقدم -:

أأنت الذي تهدى معد بأمره ... بل الله يهديهم وقال لك اشهد

وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد

أحث على خير وأسبغ نائلا ... إذا راح كالسيف الصقيل المهند

وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله ... وأعطى لرأس السابق المتجرد

تعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد

تعلم رسول الله أنك قادر ... على كل صرم متهمين ومنجد

تعلم بأن الركب ركب عويمر ... هم الكاذبون المخلفو كل موعد

ونبوا رسول الله أني هجوته ... فلا حملت سوطي إلي إذن يدي

سوى أنني قد قلت ويل ام فتية ... أصيبوا بنحس لا بطلق وأسعد

أصابهم من لم يكن لدمائهم ... كفاء فعزت عبرتي وتبلدي

وإنك قد أخفرت إن كنت ساعيا ... بعبد بن عبد الله وابنة مهود

ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا ... جميعا فإن لا تدمع العين أكمد

وسلمى وسلمى ليس حي كمثله ... وإخوته وهل ملوك كأعبد

فإني لا دينا فتقت ولا دما ... هرقت تبين عالم الحق واقصد

قال ابن إسحاق: وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى في يوم الفتح:

نفى أهل الحبلق كل فج ... مزينة غدوة وبنو خفاف

ضربناهم بمكة يوم فتح الن ... بي الخير بالبيض الخفاف

صبحناهم بسبع من سليم ... وألف من بني عثمان واف

نطأ أكتافهم ضربا وطعنا ... ورشقا بالمريشة اللطاف

ترى بين الصفوف لها حفيفا ... كما انصاع الفواق من الرصاف

فرحنا والجياد تجول فيهم ... بأرماح مقومة الثقاف

فأبنا غانمين بما اشتهينا ... وآبوا نادمين على الخلاف

وأعطينا رسول الله منا ... مواثقنا على حسن التصافي

وقد سمعوا مقالتنا فهموا ... غداة الروع منا بانصراف

وقال ابن هشام: وقال عباس بن مرداس السلمي في فتح مكة:

منا بمكة يوم فتح محمد ... ألف تسيل به البطاح مسوم

نصروا الرسول وشاهدوا آياته ... وشعارهم يوم اللقاء مقدم

في منزل ثبتت به أقدامهم ... ضنك كأن الهام فيه الحنتم

جرت سنابكها بنجد قبلها ... حتى استقام لها الحجاز الأدهم

الله مكنه له وأذله ... حكم السيوف لنا وجد مزحم

عود الرياسة شامخ عرنينه ... متطلع ثغر المكارم خضرم

وذكر ابن هشام في سبب إسلام عباس بن مرداس، أن أباه كان يعبد صنما من حجارة يقال له: ضمار. فلما حضرته الوفاة أوصاه به، فبينما هو

يوما يخدمه إذ سمع صوتا من جوفه وهو يقول:

قل للقبائل من سليم كلها ... أودى ضمار وعاش أهل المسجد

إن الذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدي

أودى ضمار وكان يعبد مرة ... قبل الكتاب إلى النبي محمد

قال: فحرق عباس ضمارا، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم. وقد تقدمت هذه القصة بكمالها في باب هواتف الجان، مع أمثالها وأشكالها، ولله الحمد والمنة.

[بعثة خالد بن الوليد بعد الفتح]

** بعثه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة من كنانة **

قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا، ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العرب، سليم بن منصور ومدلج بن مرة، فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح، فإن الناس قد أسلموا» .

قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بني جذيمة قال: لما أمرنا خالد أن نضع السلاح، قال رجل منا - يقال له: جحدم -: ويلكم يا بني جذيمة، إنه خالد، والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبدا. قال: فأخذه رجال من قومه، فقالوا: يا جحدم، أتريد أن تسفك دماءنا؟ إن الناس قد أسلموا

ووضعت الحرب، وأمن الناس. فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم سلاحهم لقول خالد.

قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم، عن أبي جعفر قال: «فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك، فكتفوا ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء ثم قال: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» .

قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أنه «انفلت رجل من القوم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل أنكر عليه أحد؟ " فقال: نعم، قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة، فنهمه خالد، فسكت عنه، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب، فراجعه فاشتدت مراجعتهما، فقال عمر بن الخطاب أما الأول يا رسول الله، فابني عبد الله، وأما الآخر

فسالم مولى أبي حذيفة» .

قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم، عن أبي جعفر، قال: ثم «دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال: " يا علي، اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك ". فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال حتى إنه ليدي ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم علي حين فرغ منهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يود لكم؟ قالوا: لا. قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا نعلم ولا تعلمون. ففعل، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال: " أصبت وأحسنت ". ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه، حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه يقول: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد " ثلاث مرات.»

قال ابن إسحاق: وقد قال بعض من «يعذر خالدا: إنه قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمي وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد

أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الإسلام» . قال ابن هشام: قال أبو عمرو المديني: لما أتاهم خالد بن الوليد قالوا: صبأنا صبأنا. وهذه مرسلات ومنقطعات.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني - أحسبه قال - جذيمة. فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا. فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا. وجعل خالد بهم أسرا وقتلا. قال: ودفع إلى كل رجل منا أسيرا، حتى إذا أصبح يوما أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره. قال ابن عمر: فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره. قال: فقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له صنيع خالد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ورفع يديه: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد " مرتين» . ورواه البخاري والنسائي من حديث عبد الرزاق به نحوه.

قال ابن إسحاق: وقد قال لهم جحدم لما رأى ما يصنع بهم خالد: يا بني جذيمة، ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه. قال ابن إسحاق «: وقد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف - فيما بلغني -

كلام في ذلك، فقال له عبد الرحمن: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام؟ فقال: إنما ثأرت بأبيك. فقال عبد الرحمن: كذبت، قد قتلت قاتل أبي، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة. حتى كان بينهما شر، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " مهلا يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله، ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته» .

ثم ذكر ابن إسحاق قصة الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، عم خالد بن الوليد، في خروجه هو وعوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، ومعه ابنه عبد الرحمن، وعفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، ومعه ابنه عثمان في تجارة إلى اليمن، ورجوعهم ومعهم مال لرجل من بني جذيمة كان هلك باليمن، فحملوه إلى ورثته، فادعاه رجل منهم يقال له: خالد بن هشام. ولقيهم بأرض بني جذيمة فطلبه منهم قبل أن يصلوا إلى أهل الميت، فأبوا عليه، فقاتلهم فقاتلوه، حتى قتل عوف والفاكه وأخذت أموالهما، وقتل عبد الرحمن قاتل أبيه خالد بن هشام، وفر منهم عفان ومعه ابنه عثمان إلى مكة، فهمت قريش بغزو بني جذيمة، فبعثت بنو جذيمة يعتذرون إليهم بأنه لم يكن عن ملأ منهم، وودوا لهم القتيلين وأموالهما، ووضعوا الحرب بينهم.

يعني فلهذا قال خالد لعبد الرحمن: إنما ثأرت بأبيك. يعني حين قتلته بنو جذيمة، فأجابه بأنه قد أخذ ثأره وقتل قاتله، ورد عليه بأنه إنما ثأر

بعمه الفاكه بن المغيرة حين قتلوه وأخذوا أمواله، والمظنون بكل منهما أنه لم يقصد شيئا من ذلك، وإنما يقال هذا في وقت المخاصمة، فإنما أراد خالد بن الوليد نصرة الإسلام وأهله، وإن كان قد أخطأ في أمر، واعتقد أنهم ينتقصون الإسلام بقولهم: صبأنا صبأنا. ولم يفهم عنهم أنهم أسلموا، فقتل طائفة كثيرة منهم وأسر بقيتهم، وقتل أكثر الأسرى أيضا، ومع هذا لم يعزله رسول الله صلى الله عليه وسلم بل استمر به أميرا، وإن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذلك، وودى ما كان جناه خطأ في دم أو مال، ففيه دليل لأحد القولين بين العلماء في أن خطأ الإمام يكون في بيت المال لا في ماله. والله أعلم. ولهذا لم يعزله الصديق حين قتل مالك بن نويرة أيام الردة، وتأول عليه ما تأول حين ضرب عنقه واصطفى امرأته أم تميم، فقال له عمر بن الخطاب: اعزله، فإن في سيفه رهقا. فقال الصديق: لا أغمد سيفا سله الله على المشركين.

وقال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، عن الزهري، عن ابن أبي حدرد الأسلمي قال: كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد، فقال فتى من بني جذيمة، وهو في سني، وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتى، فقلت: ما تشاء؟ قال: هل

أنت آخذ بهذه الرمة، فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضي إليهن حاجة، ثم تردني بعد، فتصنعوا بي ما بدا لكم؟ قال: قلت: والله ليسير ما طلبت. فأخذت برمته فقدته بها، حتى وقفته عليهن فقال: اسلمي حبيش على نفد العيش:

أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم ... بحلية أو ألفيتكم بالخوانق

ألم يك أهلا أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى والودائق

فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا ... أثيبي بود قبل إحدى الصفائق

أثيبي بود قبل أن تشحط النوى ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق

فإني لا ضيعت سر أمانة ... ولا راق عيني عنك بعدك رائق

سوى أن ما نال العشيرة شاغل ... عن الود إلا أن يكون التوامق

قالت: وأنت فحييت عشرا، وتسعا وترا، وثمانيا تترى.

قال: ثم انصرفت به، فضربت عنقه، قال ابن إسحاق: فحدثني أبو فراس

بن أبي سنبلة الأسلمي، عن أشياخ منهم، عمن كان حضرها منهم، قالوا: فقامت إليه حين ضربت عنقه فأكبت عليه، فما زالت تقبله حتى ماتت عنده.

وروى الحافظ البيهقي من طريق الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، أنه «سمع رجلا من مزينة يقال له: ابن عصام. عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية قال: إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا قال: فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمرنا بذلك، فخرجنا قبل تهامة، فأدركنا رجلا يسوق بظعائن، فقلنا له: أسلم. فقال: وما الإسلام؟ فأخبرناه به، فإذا هو لا يعرفه، قال: أفرأيتم إن لم أفعل، ما أنتم صانعون؟ قال: قلنا: نقتلك. فقال: فهل أنتم منظري حتى أدرك الظعائن؟ قال: قلنا: نعم، ونحن مدركوك. قال: فأدرك الظعائن فقال: اسلمي حبيش قبل نفاد العيش. فقالت الأخرى: اسلم عشرا، وتسعا وترا، وثمانيا تترى، ثم ذكر الشعر المتقدم إلى قوله:

وينأى الأمير بالحبيب المفارق

. ثم رجع إلينا فقال: شأنكم. قال: فقدمناه، فضربنا عنقه. قال: فانحدرت الأخرى من هودجها، فحنت عليه حتى ماتت» .

ثم روى البيهقي من طريق أبي عبد الرحمن النسائي، ثنا محمد بن علي

بن حرب المروزي، ثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فغنموا، وفيهم رجل فقال لهم: إني لست منهم، إني عشقت امرأة فلحقتها، فدعوني أنظر إليها نظرة، ثم اصنعوا بي ما بدا لكم. قال: فإذا امرأة أدماء طويلة، فقال لها: اسلمي حبيش قبل نفاد العيش. ثم ذكر البيتين بمعناهما. قال: فقالت: نعم فديتك. قال: فقدموه فضربوا عنقه، فجاءت المرأة فوقعت عليه، فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: أما كان فيكم رجل رحيم؟» .

** [بعث خالد بن الوليد لهدم العزى] **

قال ابن جرير: وكان هدمها لخمس بقين من رمضان عامئذ.

قال ابن إسحاق: «ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى، وكانت بيتا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، وكان سدنتها وحجابها من بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم، فلما سمع حاجبها السلمي بمسير خالد بن الوليد إليها علق سيفه عليها، ثم اشتد في الجبل الذي هي فيه وهو يقول:

أيا عز شدي شدة لا شوى لها ... على خالد ألقي القناع وشمري

أيا عز إن لم تقتلي المرء خالدا ... فبوئي بإثم عاجل أو تنصري

قال: فلما انتهى خالد إليها هدمها، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وقد روى الواقدي وغيره «أنه لما قدمها خالد لخمس بقين من رمضان فهدمها، ورجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما رأيت؟ قال: لم أر

شيئا. فأمره بالرجوع، فلما رجع خرجت إليه من ذلك البيت امرأة سوداء ناشرة شعرها تولول، فعلاها بالسيف وجعل يقول:

يا عز كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك

ثم خرب ذلك البيت الذي كانت فيه، وأخذ ما كان فيه من الأموال، رضي الله عنه وأرضاه، ثم رجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: تلك العزى ولا تعبد أبدا.»

وقال البيهقي: أنبأنا محمد بن أبي بكر الفقيه، أنبأنا محمد بن أبي جعفر، أنبأنا أحمد بن علي، ثنا أبو كريب، عن ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: «لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، فأتاها، وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئا فرجع خالد، فلما نظرت إليه السدنة وهم حجابها، أمعنوا هربا في الجبل وهم يقولون: يا عزى خبليه، يا عزى عوريه، وإلا فموتي برغم. قال: فأتاها خالد، فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها، تحثو التراب على رأسها ووجهها، فعممها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: تلك العزى» .

** [مدة إقامته عليه السلام بمكة] **

فصل في مدة إقامته عليه السلام، بمكة لا خلاف أنه، عليه الصلاة والسلام، أقام بقية شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر، وهذا دليل من قال من العلماء: إن المسافر إذا لم يجمع الإقامة فله أن يقصر ويفطر إلى ثمانية عشر يوما في أحد القولين، وفي القول الآخر، كما هو مقرر في موضعه.

قال البخاري: ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان (ح) وحدثنا قبيصة، ثنا سفيان، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن «أنس بن مالك قال: أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرا نقصر الصلاة» . وقد رواه بقية الجماعة من طرق متعددة، عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي البصري، عن أنس به نحوه.

ثم قال البخاري: ثنا عبدان، ثنا عبد الله، أنبأنا عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوما يصلي ركعتين» . ورواه البخاري أيضا من وجه آخر - زاد البخاري: وحصين

كلاهما - وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث عاصم بن سليمان الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وفي لفظ لأبي داود: سبع عشرة.

وحدثنا أحمد بن يونس، ثنا أبو شهاب، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة» . وقال ابن عباس: فنحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا.

وقال أبو داود: ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا ابن علية، ثنا علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين قال: «غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح، فأقام ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين،» يقول: «يا أهل البلد صلوا أربعا فإنا سفر» وهكذا رواه الترمذي من حديث علي

بن زيد بن جدعان وقال: هذا حديث حسن صحيح.

ثم رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: «أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة.» ثم قال: رواه غير واحد، عن ابن إسحاق، لم يذكروا ابن عباس.

وقال ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، ومحمد بن علي بن الحسين، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، وعمرو بن شعيب، وغيرهم قالوا: «أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة ليلة» .

** [فيما حكم به صلى الله عليه وسلم بمكة] **

فصل فيما حكم به صلى الله عليه وسلم بمكة من الأحكام

قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم (ح) وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة قالت: «كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن يقبض ابن وليدة زمعة، وقال عتبة: إنه ابني. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الفتح، أخذ سعد بن أبي وقاص ابن وليدة زمعة، فأقبل به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل معه عبد بن زمعة، فقال سعد بن أبي وقاص: هذا ابن أخي عهد إلي أنه ابنه. قال عبد بن زمعة: يا رسول الله، هذا أخي، هذا ابن زمعة ولد على فراشه. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن وليدة زمعة، فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة، من أجل أنه ولد على فراشه " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " احتجبي منه يا سودة لما رأى من شبه عتبة بن أبي وقاص» . قال ابن شهاب: قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«الولد للفراش وللعاهر الحجر» قال ابن شهاب: وكان أبو هريرة يصرح بذلك. وقد رواه البخاري أيضا، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، جميعا عن قتيبة، عن الليث به. وابن ماجه من حديثه، وانفرد البخاري بروايته له من حديث مالك، عن الزهري.

ثم قال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا عبد الله، أنا يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، «أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه. قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها، تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " أتكلمني في حد من حدود الله؟ " فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: " أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق

فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ". ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت، قالت عائشة: كانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم» . وقد رواه البخاري في موضع آخر، ومسلم من حديث ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به.

وفي " صحيح مسلم " من حديث سبرة بن معبد الجهني قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخل مكة، ثم لم يخرج حتى نهانا عنها» وفي رواية فقال: «ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة» وفي رواية في " مسند أحمد " و " السنن " أن ذلك كان في حجة الوداع. فالله أعلم.

وفي " صحيح مسلم " عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد، عن عبد الواحد بن زياد، عن أبي العميس، «عن إياس بن سلمة بن الأكوع،

عن أبيه أنه قال: رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في متعة النساء ثلاثا، ثم نهانا عنها» .

قال البيهقي: وعام أوطاس هو عام الفتح، فهو وحديث سبرة سواء.

قلت: من أثبت النهي عنها في غزوة خيبر قال: إنها أبيحت مرتين وحرمت مرتين، وقد نص على ذلك الشافعي وغيره. وقد قيل: إنها أبيحت وحرمت أكثر من مرتين. فالله أعلم. وقيل: إنها إنما حرمت مرة واحدة، وهي هذه المرة في غزوة الفتح. وقيل: إنها إنما أبيحت للضرورة. فعلى هذا إذا وجدت ضرورة أبيحت، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وقيل: بل لم تحرم مطلقا، وهي على الإباحة. هذا هو المشهور عن ابن عباس وأصحابه وطائفة من الصحابة، وموضع تحرير ذلك في " الأحكام ".

** [مبايعة النبي الناس يوم الفتح] **

فصل مبايعة النبي الناس يوم الفتح

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج أنبأنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، أن محمد بن الأسود بن خلف أخبره أن أباه الأسود رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع الناس يوم الفتح. قال: جلس عند قرن مسقلة، فبايع الناس على الإسلام والشهادة. قال: قلت: وما الشهادة؟ قال: أخبرني محمد بن الأسود بن خلف أنه بايعهم على الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. تفرد به أحمد وعند البيهقي: فجاءه الناس، الكبار والصغار، والرجال والنساء، فبايعهم على الإسلام والشهادة.

وقال ابن جرير ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فجلس لهم - فيما بلغني - على الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل من مجلسه، فأخذ على الناس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا. قال: فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء، وفيهن هند بنت عتبة

متنقبة متنكرة بحديثها، لما كان من صنيعها بحمزة، فهي تخاف أن يأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدثها ذلك، فلما دنين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايعهن قال: " بايعنني على أن لا تشركن بالله شيئا " فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه على الرجال. قال: " ولا تسرقن ". فقالت: والله إني كنت أصبت من مال أبي سفيان الهنة بعد الهنة، وما كنت أدري أكان ذلك علينا حلالا لي أم لا؟ فقال أبو سفيان، وكان شاهدا لما تقول: أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وإنك لهند بنت عتبة؟ ! " قالت: نعم، فاعف عما سلف، عفا الله عنك. ثم قال: " ولا تزنين " فقالت: يا رسول الله، وهل تزني الحرة؟! ثم قال: " ولا تقتلن أولادكن ". قالت: قد ربيناهم صغارا، وقتلتهم ببدر كبارا، فأنت وهم أعلم. فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرب، ثم قال: " ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن ". فقالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض

التجاوز أمثل. ثم قال: " ولا تعصينني ". فقالت: في معروف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: " بايعهن واستغفر لهن الله، إن الله غفور رحيم فبايعهن عمر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء، ولا يمس إلا امرأة أحلها الله له، أو ذات محرم منه.

وثبت في " الصحيحين " «عن عائشة، رضى الله عنها، أنها قالت: لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط. وفي رواية: ما كان يبايعهن إلا كلاما ويقول: إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة» .

وفي " الصحيحين " عن عائشة، «أن هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل علي من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه؟ قال: " خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك» .

وروى البيهقي، من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، «أن هند بنت عتبة قالت:

يا رسول الله، ما كان مما على وجه الأرض أخباء أو أهل خباء - الشك من ابن بكير - أحب إلي من أن يذلوا من أهل أخبائك - أو خبائك - ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل أخباء - أو خباء - أحب إلي من أن يعزوا من أهل أخبائك - أو خبائك -. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأيضا والذي نفس محمد بيده ". قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مسيك، فهل علي حرج أن أطعم من الذي له؟ قال: " لا، إلا بالمعروف» ورواه البخاري، عن يحيى بن بكير بنحوه، وتقدم ما يتعلق بإسلام أبي سفيان.

وقال أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال «: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» ورواه البخاري، عن عثمان بن أبي شيبة ومسلم، عن يحيى بن يحيى، عن جرير.

وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا ابن طاوس، عن أبيه، «عن صفوان بن أمية أنه قيل له: إنه لا يدخل الجنة إلا من هاجر. فقلت له: لا أدخل منزلي حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله. فأتيته فذكرت له فقال: لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» تفرد به أحمد.

وقال البخاري: ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا الفضيل بن سليمان، ثنا عاصم، عن أبي عثمان النهدي، «عن مجاشع بن مسعود قال: انطلقت بأبي معبد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه على الهجرة، فقال: مضت الهجرة لأهلها، أبايعه على الإسلام والجهاد فلقيت أبا معبد فسألته، فقال: صدق مجاشع. وقال خالد، عن أبي عثمان عن مجاشع، أنه جاء بأخيه مجالد» .

وقال البخاري: ثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير، ثنا عاصم، عن أبي عثمان قال: «حدثني مجاشع قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخي بعد يوم الفتح فقلت: يا رسول الله، جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة، قال: " ذهب أهل

الهجرة بما فيها " فقلت: على أي شيء تبايعه؟ قال: " أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد فلقيت أبا معبد بعد، وكان أكبرهما سنا، فسألته، فقال: صدق مجاشع» .

وقال البخاري: ثنا محمد بن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، قال: قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر إلى الشام. فقال: لا هجرة، ولكن جهاد، انطلق فاعرض نفسك، فإن وجدت شيئا وإلا رجعت. وقال أبو النضر: أنا شعبة، أنا أبو بشر، سمعت مجاهدا قال: قلت لابن عمر، فقال: لا هجرة اليوم - أو بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم -. . . مثله.

حدثنا إسحاق بن يزيد، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني أبو عمرو الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن مجاهد بن جبر، أن عبد الله بن عمر قال: «لا هجرة بعد الفتح» .

وقال البخاري: ثنا إسحاق بن يزيد، أنا يحيى بن حمزة، أنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير، فسألها عن الهجرة

فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله عز وجل، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، فالمؤمن يعبد ربه حيث يشاء، ولكن جهاد ونية.

وهذه الأحاديث والآثار دالة على أن الهجرة - إما الكاملة أو مطلقا - قد انقطعت بعد فتح مكة، لأن الناس دخلوا في دين الله أفواجا، وظهر الإسلام وثبتت أركانه ودعائمه، فلم تبق هجرة، اللهم إلا أن يعرض حال يقتضي الهجرة بسبب مجاورة أهل الحرب، وعدم القدرة على إظهار الدين عندهم، فتجب الهجرة إلى دار الإسلام، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء، ولكن هذه الهجرة ليست كالهجرة قبل الفتح، كما أن كلا من الجهاد والإنفاق في سبيل الله مشروع ومرغب فيه إلى يوم القيامة، ولكن ليس كالإنفاق ولا الجهاد قبل الفتح، فتح مكة. قال الله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10] الآية (الحديد: 10) .

وقد قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري الطائي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لما نزلت هذه السورة {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} [النصر: 1]

(النصر: 1 - 3) . قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها، وقال: الناس حيز وأنا وأصحابي حيز» وقال: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية.» فقال له مروان: كذبت. وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة. فرفع مروان عليه الدرة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالا: صدق. تفرد به أحمد.

وقال البخاري: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، «عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم. فما رئيت أنه أدخلني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله عز وجل: {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم

أعلمه له، قال: {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] فذلك علامة أجلك، {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} [النصر: 3] قال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول» . تفرد به البخاري. وهكذا روي من غير وجه، عن ابن عباس أنه فسر ذلك بنعي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أجله. وبه قال مجاهد وأبو العالية والضحاك وغير واحد كما قال ابن عباس وعمر بن الخطاب، رضي الله عنهما.

فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن فضيل، ثنا عطاء، عن سعيد بن جبير، «عن ابن عباس قال: لما نزلت: {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعيت إلي نفسي. بأنه مقبوض في تلك السنة» . تفرد به الإمام أحمد، وفي إسناده عطاء بن أبي مسلم الخراساني، وفيه ضعف، تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وفي لفظه نكارة شديدة، وهو قوله بأنه مقبوض في تلك السنة، وهذا باطل، فإن الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها، كما تقدم بيانه، وهذا ما لا خلاف فيه. وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، بلا خلاف أيضا.

وهكذا الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني، رحمه الله: ثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي، ثنا أبي، ثنا جعفر بن عون، عن أبي العميس، عن أبي بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا: {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] فيه نكارة أيضا، وفي إسناده نظر أيضا، ويحتمل أن يكون أنها آخر سورة نزلت جميعها كما قال. والله أعلم. وقد تكلمنا على تفسير هذه السورة الكريمة بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة.

وقال البخاري: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، «عن عمرو بن سلمة - قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله فلقيته فسألته - قال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله وأوحى إليه كذا. فكنت أحفظ ذاك الكلام، فكأنما يغري في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق. فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم. فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي حقا، قال: صلوا

صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة إذا سجدت تقلصت عني. فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا است قارئكم؟ فاشتروا، فقطعوا لي قميصا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص» . تفرد به البخاري دون مسلم.

** [غزوة هوازن يوم حنين] **

** [استعداد الفريقين للغزوة] **

قال الله تعالى {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم} [التوبة: 25]

[التوبة: 25 - 27] . وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في كتابه أن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن بعد الفتح في خامس شوال سنة ثمان، وزعم أن الفتح كان لعشر بقين من شهر رمضان قبل خروجه إليهم بخمس عشرة ليلة. وهكذا روي عن ابن مسعود وبه قال عروة بن الزبير واختاره ابن جرير

في " تاريخه ".

وقال الواقدي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن لست خلون من شوال، فانتهى إلى حنين في عاشره. وقال أبو بكر الصديق لن نغلب اليوم من قلة. فانهزموا، فكان أول من انهزم بنو سليم، ثم أهل مكة ثم بقية الناس.

قال ابن إسحاق ولما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة جمعها ملكها مالك بن عوف النصري فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، واجتمعت نصر، وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغاب عنها ولم يحضرها من هوازن كعب وكلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفي بني جشم دريد بن الصمة شيخ كبير، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجربا، وفي ثقيف سيدان لهم، وفي الأحلاف قارب بن الأسود بن مسعود بن معتب وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه أحمر بن الحارث وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري فلما أجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به،

فلما نزل قال بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟! قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. قال: أين مالك؟ قالوا: هذا مالك. ودعي له. قال: يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قال: سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم. قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. قال: فأنقض به. ثم قال: راعي ضأن والله، هل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قال: لم يشهدها منهم أحد. قال: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر. قال: ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران. ثم قال: يا مالك

إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ثم قال دريد لمالك بن عوف: ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم، ثم ألق الصبى على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك. قال والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك. ثم قال مالك: والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري - وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي - فقالوا: أطعناك. فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني:

يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع

أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع

ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد. قال ابن إسحاق وحدثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أنه حدث أن مالك بن عوف بعث عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم، ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى. فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.

قال ابن إسحاق «ولما سمع بهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد فدخل فيهم فأقام فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر» . «فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا له وسلاحا، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال: " يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدا ". فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ قال: " بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك ". قال: ليس بهذا بأس. فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيهم حملها ففعل» هكذا أورد هذا ابن إسحاق من غير إسناد.

وقد روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه. وعن عمرو بن شعيب والزهري وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وغيرهم - قصة حنين فذكر نحو ما تقدم، وقصة الأدراع كما تقدم، وفيه «أن ابن أبي حدرد لما رجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر هوازن كذبه عمر بن الخطاب فقال له ابن أبي

حدرد: لئن كذبتني يا عمر فربما كذبت بالحق. فقال عمر: ألا تسمع ما يقول يا رسول الله؟ فقال: " قد كنت ضالا فهداك الله» .

وقد قال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون أنبأنا شريك، عن عبد العزيز بن رفيع عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه يوم حنين أدراعا فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: " بل عارية مضمونة» قال: فضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب. ورواه أبو داود والنسائي من حديث يزيد بن هارون به، وأخرجه النسائي من رواية إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان دروعا،» فذكره. ورواه من حديث هشيم عن حجاج عن عطاء «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان أدراعا وأفراسا،» وساق الحديث.

وقال أبو داود ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن أناس من آل عبد الله بن صفوان «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا صفوان

هل عندك من سلاح؟ " قال: عارية أم غصبا؟ قال: " لا، بل عارية ". فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعا، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، فلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصفوان " قد فقدنا من أدراعك أدراعا، فهل نغرم لك؟ قال لا يا رسول الله، إن في قلبي اليوم ما لم يكن يومئذ» وهذا مرسل أيضا.

قال ابن إسحاق ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه، ففتح الله بهم مكة فكانوا اثني عشر ألفا.

قلت: وعلى قول عروة والزهري وموسى بن عقبة يكون مجموع الجيشين اللذين سار بهما إلى هوازن أربعة عشر ألفا; لأنه قدم باثني عشر ألفا إلى مكة على قولهم، وأضيف إليهم ألفان من الطلقاء. وذكر ابن إسحاق أنه خرج من مكة في خامس شوال، قال: واستخلف على أهل مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي.

قلت: وكان عمره إذ ذاك قريبا من عشرين سنة. قال: ومضى رسول

الله صلى الله عليه وسلم يريد لقاء هوازن. وذكر قصيدة العباس بن مرداس السلمي في ذلك، منها قوله:

أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها ... مني رسالة نصح فيه تبيان

إني أظن رسول الله صابحكم ... جيشا له في فضاء الأرض أركان

فيهم سليم أخوكم غير تارككم ... والمسلمون عباد الله غسان

وفي عضادته اليمنى بنو أسد ... والأجربان بنو عبس وذبيان

تكاد ترجف منه الأرض رهبته ... وفي مقدمه أوس وعثمان

قال ابن إسحاق أوس وعثمان قبيلا مزينة.

قال: وحدثني الزهري عن سنان بن أبي سنان الدئلي عن أبي واقد الليثي أن الحارث بن مالك قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية. قال: فسرنا معه إلى حنين. قال: وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها: ذات أنواط. يأتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما. قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة خضراء عظيمة. قال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} [الأعراف: 138] إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم» وقد روى هذا الحديث

الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان والنسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر كلاهما عن الزهري كما رواه ابن إسحاق عنه.

وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه ابن أبي حاتم في " تفسيره " من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه، عن جده مرفوعا.

وقال أبو داود: ثنا أبو توبة ثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام عن السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية «أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان عشية، فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم وبنعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله ". ثم قال: " من يحرسنا الليلة ". قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله. قال: " فاركب ". فركب فرسا له، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغرن من قبلك الليلة ". فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين، ثم قال " هل أحسستم فارسكم؟ " قالوا: يا رسول الله، ما أحسسنا. فثوب بالصلاة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، ويلتفت إلى

الشعب، حتى إذا قضى صلاته قال: " أبشروا فقد جاءكم فارسكم ". فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب، وإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل نزلت الليلة؟ " قال: لا، إلا مصليا أو قاضي حاجة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها» وهكذا رواه النسائي عن محمد بن يحيى عن محمد بن كثير الحراني عن أبي توبة الربيع بن نافع به.

** [فصل في كيفية الوقعة وما كان في أول الأمر من الفرار ثم كانت العاقبة للمتقين] **

قال يونس بن بكير وغيره، عن محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه قال: «فخرج مالك

بن عوف بمن معه إلى حنين فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد، وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين يقول: أين أيها الناس؟ هلموا إلي، أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله. قال: فلا شيء، وركبت الإبل بعضها بعضا، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس، ومعه رهط من أهل بيته علي بن أبي طالب وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وأخوه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب والفضل بن العباس - وقيل الفضيل بن أبي سفيان - وأيمن ابن أم أيمن وأسامة بن زيد ومن الناس من يزيد فيهم قثم بن العباس، ورهط من المهاجرين منهم أبو بكر وعمر والعباس آخذ بحكمة بغلته البيضاء وهو عليها قد شجرها. قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام هوازن، وهوازن خلفه إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه. قال: فبينما هو

كذلك إذ هوى له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه. قال: فيأتي علي من خلفه فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فانعجف عن رحله. قال: واجتلد الناس، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.» ورواه الإمام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم الزهري عن أبيه، عن محمد بن إسحاق.

قال ابن إسحاق والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان ممن صبر يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حسن الإسلام حين أسلم وهو آخذ بثفر بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من هذا؟ " قال: ابن أمك يا رسول الله» .

قال ابن إسحاق: ولما انهزم الناس تكلم رجال من جفاة الأعراب بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان صخر بن حرب - وكان إسلامه بعد

مدخولا، وكانت الأزلام معه يومئذ -: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية - يعني لأمه - وهو مشرك في المدة التي جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا بطل السحر اليوم. فقال له صفوان: اسكت، فض الله فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان بن مسلم ثنا حماد بن سلمة أنبأنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك «أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإبل والغنم، فجعلوها صفوفا يكثرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما التقوا ولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله ". ثم قال: " يا معشر الأنصار، أنا عبد الله ورسوله " قال: فهزم الله المشركين، ولم يضرب بسيف ولم يطعن برمح. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: " من قتل كافرا فله سلبه ". قال: فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم. وقال أبو قتادة: يا رسول الله، إني ضربت رجلا على حبل العاتق وعليه درع له، فأجهضت عنه، فانظر من أخذها. قال: فقام رجل فقال: أنا أخذتها، فأرضه منها وأعطنيها. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو سكت، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: والله لا يفيئها الله على أسد من أسد الله ويعطيكها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدق عمر ".» قال: «ولقي أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر، فقال أبو طلحة: ما هذا؟ فقالت: إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج به بطنه. فقال أبو طلحة: أما تسمع ما تقول أم سليم؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء؛ انهزموا بك. فقال: " إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم» .

وقد روى مسلم منه قصة خنجر أم سليم، وأبو داود قوله: «من قتل قتيلا فله سلبه» كلاهما من حديث حماد بن سلمة به. وقول عمر في هذا مستغرب، والمشهور أن ذلك أبو بكر الصديق.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا أبي، ثنا نافع أبو غالب شهد أنس بن مالك قال: «فقال العلاء بن زياد العدوي: يا أبا حمزة بسن أي الرجال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بعث؟ فقال: ابن أربعين

سنة. قال: ثم كان ماذا؟ قال: ثم كان بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، فتمت له ستون سنة، ثم قبضه الله إليه. قال: بسن أي الرجال هو يومئذ؟ قال: كأشب الرجال وأحسنه وأجمله وألحمه. قال: يا أبا حمزة وهل غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، غزوت معه يوم حنين فخرج المشركون بكرة، فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا، وفي المشركين رجل يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل، فهزمهم الله فولوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى الفتح، فجعل يجاء بهم أسارى رجلا رجلا فيبايعونه على الإسلام، فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إن علي نذرا، لئن جيء بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربن عنقه. قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجيء بالرجل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا نبي الله، تبت إلى الله. قال: وأمسك نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يبايعه ليوفي الآخر نذره. قال: وجعل ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليأمره بقتله، ويهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يصنع شيئا بايعه، فقال: يا نبي الله، نذري؟! قال: " لم أمسك عنه منذ اليوم إلا لتوفي نذرك ". فقال: يا رسول الله، ألا أومأت إلي؟ قال: " إنه ليس لنبي أن يومي» تفرد به أحمد.

وقال أحمد: حدثنا يزيد ثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: «كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين: " اللهم إنك إن تشأ لا تعبد بعد اليوم» إسناده ثلاثي على شرط الشيخين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه.

وقال البخاري: ثنا محمد بن بشار ثنا غندر ثنا شعبة عن أبي إسحاق «سمع البراء بن عازب - وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ - فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر; كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلتنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان آخذ بزمامها، وهو يقول: " أنا النبي لا كذب ".» ورواه البخاري عن أبي الوليد عن شعبة به وقال:

أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب

قال البخاري: وقال إسرائيل وزهير عن أبي إسحاق عن البراء: ثم نزل عن بغلته. ورواه مسلم والنسائي عن بندار. زاد مسلم: وأبي موسى. كلاهما عن غندر به.

وروى مسلم من حديث زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن البراء

قال: «ثم نزل فاستنصر وهو يقول:

أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب

اللهم نزل نصرك ". قال البراء: ولقد كنا إذا حمي البأس نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الشجاع الذي يحاذي به.» وروى البيهقي من طرق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: «أنا ابن العواتك» .

وقال الطبراني: ثنا عباس بن الفضل الأسفاطي ثنا عمرو بن عوف الواسطي ثنا هشيم أنبأنا يحيى بن سعيد عن عمرو بن سعيد بن العاص عن سيابة بن عاصم السلمي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: " أنا ابن العواتك» .

وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة عن أبي قتادة قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فضربته من

ورائه على حبل عاتقه بالسيف، فقطعت الدرع، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني فلحقت عمر فقلت: ما بال الناس؟ فقال: أمر الله، عز وجل. ثم رجعوا، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله، فقمت فقال: " ما لك يا أبا قتادة؟ " فأخبرته، فقال رجل: صدق، سلبه عندي، فأرضه مني. فقال أبو بكر: لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " صدق فأعطه ". فأعطانيه فابتعت به مخرفا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام» ورواه بقية الجماعة إلا النسائي من حديث يحيى بن سعيد به.

قال البخاري: وقال الليث بن سعد حدثني يحيى بن سعيد عن عمرو بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة أن أبا قتادة قال: «لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين، وآخر

من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله، فرفع يده ليضربني فأضرب يده فقطعتها، ثم أخذني فضمني ضما شديدا حتى تخوفت، ثم ترك فتحلل، فدفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله. ثم تراجع الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أقام بينة على قتيل فله سلبه " فقمت لألتمس بينة على قتيلي، فلم أر أحدا يشهد لي، فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي، فأرضه مني. فقال أبو بكر: كلا لا يعطيه أضيبعا من قريش، ويدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله. قال: فقام رسول الله فأداه إلي، فاشتريت به خرافا، فكان أول مال تأثلته» وقد رواه البخاري في موضع آخر ومسلم كلاهما عن قتيبة عن الليث بن سعد به، وقد تقدم من رواية نافع أبي غالب عن أنس أن القائل لذلك عمر بن الخطاب فلعله

قاله متابعة لأبي بكر الصديق ومساعدة وموافقة له، أو قد اشتبه على الراوي. والله أعلم.

وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا الحاكم أنبأنا الأصم أنبأنا أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني عاصم بن عمر عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين حين رأى من الناس ما رأى: " يا عباس، ناد: يا معشر الأنصار، يا أصحاب الشجرة ". فأجابوه: لبيك لبيك. فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره، فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه في عنقه، ويأخذ سيفه وقوسه، ثم يؤم الصوت حتى اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتتلوا، وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار، ثم جعلت آخرا بالخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب، وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم فقال: " الآن حمي الوطيس ". قال: فوالله ما رجعت راجعة الناس إلا والأسارى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتفون، فقتل الله منهم من

قتل، وانهزم منهم من انهزم، وأفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم أموالهم وأبناءهم.» .

وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة وذكر موسى بن عقبة في " مغازيه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما فتح الله عليه مكة وأقر بها عينه، خرج إلى هوازن، وخرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدا ركبانا ومشاة حتى خرج النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون مع ذلك أن تكون الصدمة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قالوا: وكان معه أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وكانت امرأته مسلمة، وهو مشرك لم يفرق بينهما. قالوا: وكان رئيس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصري، ومعه دريد بن الصمة يرعش من الكبر، ومعه النساء والذراري والنعم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي حدرد عينا، فبات فيهم، فسمع مالك بن عوف يقول لأصحابه: إذا أصبحتم فاحملوا عليهم حملة رجل واحد، واكسروا أغماد سيوفكم، واجعلوا مواشيكم صفا ونساءكم صفا. فلما أصبحوا اعتزل أبو سفيان وصفوان وحكيم بن حزام وراءهم ينظرون لمن تكون الدائرة، وصف الناس بعضهم لبعض، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة له شهباء فاستقبل الصفوف، فأمرهم وحضهم على القتال وبشرهم بالفتح إن صبروا، فبينما هم كذلك حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحد، فجال المسلمون جولة، ثم ولوا

مدبرين، فقال حارثة بن النعمان: لقد حزرت من بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أدبر الناس، فقلت: مائة رجل. قالوا: ومر رجل من قريش بصفوان بن أمية فقال: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه، فوالله لا يجتبرونها أبدا. فقال له صفوان: تبشرني بظهور الأعراب! فوالله لرب من قريش أحب إلي من رب من الأعراب. وغضب صفوان لذلك. قال موسى: وبعث صفوان غلاما له فقال: اسمع لمن الشعار؟ فجاءه فقال: سمعتهم يقولون: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله. فقال: ظهر محمد. وكان ذلك شعارهم في الحرب. قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غشيه القتال قام في الركابين وهو على البغلة، فرفع يديه إلى الله يدعوه يقول: " اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا ". ونادى أصحابه وذمرهم: " يا أصحاب البيعة يوم الحديبية الله الله، الكرة على نبيكم ". ويقال: حرضهم فقال: " يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بني الخزرج، يا أصحاب سورة البقرة ". وأمر من أصحابه من ينادي بذلك. قالوا: وقبض قبضة من الحصباء، فحصب بها وجوه المشركين ونواحيهم كلها، وقال: " شاهت الوجوه ". وأقبل أصحابه إليه سراعا يبتدرون، وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الآن حمي الوطيس ". فهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم منها، واتبعهم المسلمون يقتلونهم، وغنمهم الله نساءهم وذراريهم، وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف هو وأناس

من أشراف قومه، وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وإعزازه دينه» رواه البيهقي.

وقال ابن وهب أخبرني يونس عن الزهري أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب قال: قال العباس: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث لا نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي فلما التقى الناس ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار. قال العباس: وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أي عباس ناد أصحاب السمرة ". قال: فوالله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيكاه يا لبيكاه، قال: فاقتتلوا هم والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار. ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته، كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال: " هذا حين حمي الوطيس ". ثم أخذ

صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال: " انهزموا ورب محمد ". قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا» ورواه مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب به نحوه. ورواه أيضا، عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري نحوه.

وروى مسلم من حديث عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من المشركين فأرميه بسهم، وتوارى عني، فما دريت ما صنع، ثم نظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرجع منهزما، وعلي بردتان متزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى، قال: فاستطلق إزاري فجمعتها جمعا ومررت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا منهزم، وهو على بغلته الشهباء، فقال صلى الله عليه وسلم: " لقد رأى ابن الأكوع فزعا ". فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض واستقبل به وجوههم، وقال: " شاهت الوجوه ". فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة، فولوا

مدبرين، فهزمهم الله، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين.» .

وقال أبو داود الطيالسي في " مسنده ": ثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن عبد الله بن يسار عن أبي عبد الرحمن الفهري قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال السمر، فلما زالت الشمس لبست لأمتي، وركبت فرسي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قد حان الرواح يا رسول الله؟ قال: " أجل ". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قم يا بلال ". فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر فقال: لبيك وسعديك، وأنا فداؤك. فقال: " أسرج لي فرسي ". فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر. قال: فركب فرسه فسرنا يومنا، فلقينا العدو، وتشامت الخيلان، فقاتلناهم فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يا عباد الله، أنا عبد الله ورسوله ". واقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرسه، وحدثني من كان أقرب إليه مني أنه أخذ حفنة من التراب، فحثى بها وجوه العدو وقال: " شاهت الوجوه ". قال يعلى بن عطاء: فحدثنا أبناؤهم عن

آبائهم قالوا: ما بقي أحد إلا امتلأت عيناه وفمه من التراب، وسمعنا صلصلة من السماء، كمر الحديد على الطست الجديد، فهزمهم الله عز وجل» . ورواه أبو داود السجستاني في " سننه " عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به نحوه.

وقال الإمام أحمد: ثنا عفان ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا الحارث بن حصيرة ثنا القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود «: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار، فنكصنا على أقدامنا نحوا من ثمانين قدما، ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته يمضي قدما، فحادت به بغلته، فمال عن السرج، فقلت له: ارتفع رفعك الله. فقال: " ناولني كفا من تراب ". فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا قال " أين المهاجرون والأنصار؟ " قلت هم أولاء. قال: " اهتف بهم ". فهتفت بهم فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم» تفرد به أحمد.

وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم القنطري ثنا أبو قلابة ثنا أبو عاصم ثنا عبد الله بن عبد الرحمن

الطائفي أخبرني عبد الله بن عياض بن الحارث الأنصاري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتى هوازن في اثني عشر ألفا، فقتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر. قال: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من حصى، فرمى بها وجوهنا فانهزمنا» . ورواه البخاري في " تاريخه " ولم ينسب عياضا.

وقال مسدد: ثنا جعفر بن سليمان ثنا عوف ثنا عبد الرحمن مولى أم برثن «عمن شهد حنينا كافرا قال: لما التقينا نحن ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، لم يقوموا لنا حلب شاة، فجئنا نهش سيوفنا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا غشيناه، فإذا بيننا وبينه رجال حسان الوجوه فقالوا: شاهت الوجوه، فارجعوا. فهزمنا من ذلك الكلام» . رواه البيهقي.

وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم ثنا الوليد بن مسلم حدثني محمد بن عبد الله الشعيثي عن الحارث بن بدل النصري عن رجل من قومه شهد ذلك يوم حنين وعمرو بن سفيان الثقفي قال: «انهزم المسلمون يوم حنين، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عباس وأبو

سفيان بن الحارث. قال: فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من الحصباء، فرمى بها في وجوههم. قال: فانهزمنا فما خيل إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا. قال الثقفي: فأعجزت على فرسي حتى دخلت الطائف.» .

وروى يونس بن بكير في " مغازيه " عن يوسف بن صهيب عن عبد الله أنه لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين إلا رجل واحد اسمه زيد.

وروى البيهقي من طريق الكديمي ثنا موسى بن مسعود ثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفي عن السائب بن يسار عن يزيد بن عامر السوائي أنه قال: «عند انكشافة انكشفها المسلمون يوم حنين فتبعهم الكفار، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من الأرض، ثم أقبل على المشركين فرمى بها وجوههم وقال: " ارجعوا شاهت الوجوه ". فما أحد يلقى أخاه إلا وهو يشكو قذى في عينيه.» .

ثم روى من طريقين آخرين، عن أبي حذيفة ثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفي، حدثني أبي السائب بن يسار سمعت يزيد بن عامر السوائي - وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم بعد - قال: فنحن نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين كيف كان؟ قال: فكان يأخذ لنا بحصاة فيرمي بها في الطست فيطن. قال: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.

وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن الفضل قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا العباس عن محمد بن بكير الحضرمي ثنا أيوب بن جابر عن صدقة بن سعيد عن مصعب بن شيبة عن أبيه قال: «خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به، ولكن أبيت أن تظهر هوازن على قريش، فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله، إني أرى خيلا بلقا. فقال: " يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر ". فضرب يده في صدري، ثم قال: " اللهم اهد شيبة ". ثم ضربها الثانية فقال: " اللهم اهد شيبة ". ثم ضربها الثالثة، ثم قال: " اللهم اهد شيبة ". قال: فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إلي منه» ثم ذكر الحديث في التقاء الناس، وانهزام المسلمين، ونداء العباس واستنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى هزم الله المشركين.

وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني ثنا يوسف بن موسى ثنا هشام بن خالد ثنا الوليد بن مسلم حدثني عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي عن عكرمة مولى ابن عباس عن شيبة بن عثمان قال: «لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قد عري، ذكرت أبي وعمي، وقتل علي وحمزة إياهما، فقلت: اليوم أدرك ثأري من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائما، عليه درع بيضاء كأنها فضة ينكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله. قال: ثم جئته عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقلت: ابن عمه ولن يخذله. قال: ثم جئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أساوره سورة بالسيف إذ رفع شواظ من نار بيني وبينه، كأنه برق، فخفت أن يمحشني، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " يا شيب يا شيب، ادن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان ". قال فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري. فقال: " يا شيب، قاتل الكفار» .

وقال ابن إسحاق: وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار: قلت: «اليوم أدرك ثأري - وكان أبوه قد قتل يوم أحد - اليوم أقتل محمدا. قال: فأدرت برسول الله صلى الله عليه وسلم لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي،

فلم أطق ذاك وعلمت أنه ممنوع مني» .

وقال محمد بن إسحاق: وحدثني والدي إسحاق بن يسار عمن حدثه، عن جبير بن مطعم قال: «إنا لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين والناس يقتتلون، إذ نظرت إلى مثل البجاد الأسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة» . ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق به. وزاد: فقال خديج بن العوجاء النصري - يعني في ذلك -:

ولما دنونا من حنين ومائه ... رأينا سوادا منكر اللون أخصفا

بملمومة شهباء لو قذفوا بها ... شماريخ من عروى إذا عاد صفصفا

ولو أن قومي طاوعتني سراتهم ... إذا ما لقينا العارض المتكشفا

إذا ما لقينا جند آل محمد ... ثمانين ألفا واستمدوا بخندفا

وقد ذكر ابن إسحاق من شعر مالك بن عوف النصري رئيس هوازن يوم

القتال وهو في حومة الوغى يرتجز ويقول:

أقدم محاج إنه يوم نكر ... مثلي على مثلك يحمي ويكر

إذا أضيع الصف يوما والدبر ... ثم احزألت زمر بعد زمر

كتائب يكل فيهن البصر ... قد أطعن الطعنة تقذي بالسبر

حين يذم المستكين المنجحر ... وأطعن النجلاء تعوي وتهر

لها من الجوف رشاش منهمر ... تفهق تارات وحينا تنفجر

وثعلب العامل فيها منكسر ... يا زين يابن همهم أين تفر

قد نفد الضرس وقد طال العمر ... قد علم البيض الطويلات الخمر

أني في أمثالها غير غمر ... إذ تخرج الحاضن من تحت الستر

وذكر البيهقي من طريق يونس بن بكير عن أبي إسحاق أنه أنشد من شعر مالك

أيضا حين ولى أصحابه منهزمين، وذلك قوله بعد ما أسلم، وقيل هي لغيره:

اذكر مسيرهم للناس كلهم ... ومالك فوقه الرايات تختفق

ومالك مالك ما فوقه أحد ... يوم حنين عليه التاج يأتلق

حتى لقوا الناس حين البأس يقدمهم ... عليهم البيض والأبدان والدرق

فضاربوا الناس حتى لم يروا أحدا ... حول النبي وحتى جنه الغسق

حتى تنزل جبريل بنصرهم ... فالقوم منهزم منا ومعتلق

منا ولو غير جبريل يقاتلنا ... لمنعتنا إذا أسيافنا الغلق

وقد وفى عمر الفاروق إذ هزموا ... بطعنة بل منها سرجه العلق

قال ابن إسحاق: ولما هزم الله المشركين، وأمكن الله رسوله صلى الله عليه وسلم

منهم، قالت امرأة من المسلمين:

قد غلبت خيل الله خيل اللات ... والله أحق بالثبات

قال ابن هشام وقد أنشدنيه بعض أهل الرواية للشعر:

غلبت خيل الله خيل اللات ... وخيله أحق بالثبات

قال ابن إسحاق «فلما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف في بني مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، وكانت مع ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب فقاتل بها حتى قتل، فأخبرني عامر بن وهب بن الأسود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتله قال: " أبعده الله، فإنه كان يبغض قريشا» .

وذكر ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة أنه قتل مع عثمان هذا غلام له نصراني، فجاء رجل من الأنصار ليسلبه، فإذا هو أغرل، فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب، يعلم الله أن ثقيفا غرل. قال المغيرة بن شعبة الثقفي: فأخذت بيده، وخشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت: لا تقل كذلك، فداك أبي وأمي، إنما هو غلام لنا نصراني. ثم جعلت أكشف له القتلى فأقول له: ألا تراهم مختتنين كما ترى؟

قال ابن إسحاق: «وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود فلما انهزم

الناس أسند رايته إلى شجرة، وهرب هو وبنو عمه وقومه، فلم يقتل من الأحلاف غير رجلين; رجل من بني غيرة يقال له: وهب. ورجل من بني كبة يقال له: الجلاح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتل الجلاح: " قتل اليوم سيد شباب ثقيف، إلا ما كان من ابن هنيدة " يعني الحارث بن أويس» .

قال ابن إسحاق: فقال العباس بن مرداس يذكر قارب بن الأسود وفراره من بني أبيه، وذا الخمار وحبسه نفسه وقومه للموت:

ألا من مبلغ غيلان عني ... وسوف إخال يأتيه الخبير

وعروة إنما أهدي جوابا ... وقولا غير قولكما يسير

بأن محمدا عبد رسول ... لرب لا يضل ولا يجور

وجدناه نبيا مثل موسى ... فكل فتى يخايره مخير

وبئس الأمر أمر بني قسي ... بوج إذ تقسمت الأمور

أضاعوا أمرهم ولكل قوم ... أمير والدوائر قد تدور

فجئنا أسد غابات إليهم ... جنود الله ضاحية تسير

نؤم الجمع جمع بني قسي ... على حنق نكاد له نطير

وأقسم لو هم مكثوا لسرنا

إليهم بالجنود ولم يغوروا ... فكنا أسد لية ثم حتى

أبحناها وأسلمت النصور ... ويوم كان قبل لدى حنين

فأقلع والدماء به تمور ... من الأيام لم تسمع كيوم

ولم يسمع به قوم ذكور ... قتلنا في الغبار بني حطيط

على راياتها والخيل زور ... ولم يك ذو الخمار رئيس قوم

لهم عقل يعاقب أو نكير ... أقام بهم على سنن المنايا

وقد بانت لمبصرها الأمور ... فأفلت من نجا منهم جريضا

وقتل منهم بشر كثير ... ولا يغني الأمور أخو التواني

ولا الغلق الصريرة الحصور ... أحانهم وحان وملكوه

أمورهم وأفلتت الصقور ... بنو عوف تميح بهم جياد

أهين لها الفصافص والشعير

فلولا قارب وبنو أبيه ... تقسمت المزارع والقصور

ولكن الرياسة عمموها ... على يمن أشار به المشير

أطاعوا قاربا ولهم جدود ... وأحلام إلى عز تصير

فإن يهدوا إلى الإسلام يلفوا ... أنوف الناس ما سمر السمير

فإن لم يسلموا فهم أذان ... بحرب الله ليس لهم نصير

كما حكت بنو سعد وحرب ... برهط بني غزية عنقفير

كأن بني معاوية بن بكر ... إلى الإسلام ضائنة تخور

فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... وقد برأت من الإحن الصدور

كأن القوم إذ جاءوا إلينا ... من البغضاء بعد السلم عور

** [هزيمة هوازن] **

فصل (هزيمة هوازن) .

ولما انهزمت هوازن وقف ملكهم مالك بن عوف النصري على ثنية مع طائفة من أصحابه، فقال: قفوا حتى تجوز ضعفاؤكم وتلحق أخراكم.

قال ابن إسحاق: فبلغني أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: نرى قوما واضعي رماحهم بين آذان خيلهم، طويلة بوادهم. فقال: هؤلاء بنو سليم، ولا بأس عليكم منهم. فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادي، ثم طلعت خيل أخرى تتبعها، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: نرى قوما عارضي رماحهم أغفالا على خيلهم. فقال: هؤلاء الأوس والخزرج، ولا بأس عليكم منهم. فلما انتهوا إلى أصل الثنية سلكوا طريق بني سليم، ثم طلع فارس فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ فقالوا: نرى فارسا طويل الباد، واضعا رمحه على عاتقه، عاصبا رأسه بملاءة حمراء. قال: هذا الزبير بن العوام وأقسم باللات ليخالطنكم فاثبتوا له. فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية أبصر القوم فصمد لهم، فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها.

** [أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بجمع الغنائم] **

فصل (أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بجمع الغنائم) .

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنائم فجمعت من الإبل والغنم والرقيق، وأمر أن تساق إلى الجعرانة فتحبس هناك.

قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري.

** [مرور النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة التي قتلها خالد] **

فصل (مرور النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة التي قتلها خالد) .

قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر يومئذ بامرأة قتلها خالد بن الوليد والناس متقصفون عليها، فقال لبعض أصحابه: " أدرك خالدا فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا» هكذا رواه ابن إسحاق منقطعا.

وقد قال الإمام أحمد: ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو ثنا المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد حدثني المرقع بن صيفي عن جده رباح

بن ربيع أخي حنظلة الكاتب أنه أخبره أنه «خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها، وعلى مقدمته خالد بن الوليد فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها ويتعجبون من خلقها حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما كانت هذه لتقاتل ". فقال لأحدهم: " الحق خالدا فقل له: لا تقتلن ذرية ولا عسيفا ".» وكذلك رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث المرقع بن صيفي به نحوه.

** [سرية أوطاس] **

وكان سببها أن هوازن لما انهزمت ذهبت فرقة منهم، فيهم الرئيس مالك بن عوف النصري فلجئوا إلى الطائف فتحصنوا بها، وسارت فرقة فعسكروا بمكان يقال له: أوطاس. فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية من أصحابه عليهم أبو عامر الأشعري فقاتلوهم فغلبوهم، ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة، فحاصر أهل الطائف كما سيأتي.

قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون يوم حنين أتوا الطائف ومعهم

مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة، ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف، وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك في نخلة من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا. قال: فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان السلمي - ويعرف بابن الدغنة وهي أمه - دريد بن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، وذلك أنه في شجار له، فإذا برجل، فأناخ به، فإذا شيخ كبير، وإذا دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد بي؟ قال أقتلك. قال: ومن أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي. ثم ضربه بسيفه، فلم يغن شيئا، قال: بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفي هذا من مؤخر رحلي في الشجار، ثم اضرب به، وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة فرب - والله - يوم منعت فيه نساءك. فزعم بنو سليم أن ربيعة قال: لما ضربته فوقع تكشف، فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل أعراء. فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا. ثم ذكر ابن إسحاق ما رثت به عمرة بنت دريد أباها، فمن ذلك قولها:

قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا ... فظل دمعي على السربال منحدر

لولا الذي قهر الأقوام كلهم ... رأت سليم وكعب كيف تأتمر

إذن لصبحهم غبا وظاهرة ... حيث استقرت نواهم جحفل ذفر

قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري فأدرك من الناس بعض من انهزم، فناوشوه القتال، فرمي أبو عامر فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري وهو ابن عمه فقاتلهم، ففتح الله عليه، وهزمهم الله، عز وجل، ويزعمون أن سلمة بن دريد هو الذي رمى أبا عامر الأشعري بسهم، فأصاب ركبته فقتله وقال:

إن تسألوا عني فإني سلمه ... ابن سمادير لمن توسمه

أضرب بالسيف رءوس المسلمه

قال ابن هشام وحدثني من أثق به من أهل العلم بالشعر وحديثه، أن أبا عامر الأشعري لقي يوم أوطاس عشرة إخوة من المشركين، فحمل عليه أحدهم، فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه. فقتله

أبو عامر ثم حمل عليه آخر، فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه. فقتله أبو عامر ثم جعلوا يحملون عليه وهو يقول ذلك، حتى قتل تسعة، وبقي العاشر، فحمل على أبي عامر وحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه. فقال الرجل: اللهم لا تشهد علي. فكف عنه أبو عامر فأفلت، فأسلم بعد، فحسن إسلامه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآه قال: " «هذا شريد أبي عامر» " قال: ورمى أبا عامر أخوان; العلاء وأوفى أبناء الحارث من بني جشم بن معاوية، فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فقتلاه، وولى الناس أبا موسى فحمل عليهما فقتلهما، فقال رجل من بني جشم يرثيهما:

وإن الرزية قتل العلاء ... وأوفى جميعا ولم يسندا

هما القاتلان أبا عامر ... وقد كان ذا هبة أربدا

هما تركاه لدى معرك ... كأن على عطفه مجسدا

فلم ير في الناس مثليهما ... أقل عثارا وأرمى يدا

وقال البخاري: ثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال: «لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم

الله أصحابه. قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر فرمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته. قال فانتهيت إليه، فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني. فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولى، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا تثبت؟ فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك. قال: فانزع هذا السهم. فنزعته فنزا منه الماء. قال: يا ابن أخي أقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام، وقل له استغفر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا ثم مات، فرجعت فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته على سرير مرمل، وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقوله: قل له: استغفر لي. قال فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: " اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ". ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: " اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك " أو " من الناس ". فقلت: ولي فاستغفر. فقال: " اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما» قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى رضي الله عنهما. ورواه مسلم عن أبي كريب محمد بن العلاء وعبد الله بن أبي براد عن أبي أسامة به نحوه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أنبأنا سفيان - هو الثوري - عن

عثمان البتي عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري قال: «أصبنا نساء من سبي أوطاس ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] . قال: فاستحللنا بها فروجهن» وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث عثمان البتي به. وأخرجه مسلم في " صحيحه " من حديث شعبة عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري.

وقد رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة - زاد مسلم: وشعبة - والترمذي من حديث همام بن يحيى ثلاثتهم عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد «أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج من أهل الشرك، فكان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا من غشيانهن، فنزلت هذه الآية في ذلك: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] » وهذا لفظ أحمد بن حنبل فزاد في هذا الإسناد أبا علقمة الهاشمي وهو ثقة، وكان هذا هو المحفوظ. والله أعلم.

وقد استدل جماعة من السلف بهذه الآية الكريمة على أن بيع الأمة طلاقها. روي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله، وابن عباس

وسعيد بن المسيب والحسن البصري وخالفهم الجمهور مستدلين بحديث بريرة، حيث بيعت ثم خيرت في فسخ نكاحها أو إبقائه، فلو كان بيعها طلاقا لها لما خيرت، وقد تقصينا الكلام على ذلك في " التفسير " بما فيه كفاية، وسنذكره إن شاء الله في " الأحكام الكبير ". وقد استدل جماعة من السلف على إباحة الأمة المشركة بهذا الحديث في سبايا أوطاس، وخالفهم الجمهور، وقالوا: هذه قضية عين، فلعلهن أسلمن أو كن كتابيات، وموضع تقرير ذلك في " الأحكام الكبير " إن شاء الله تعالى.

** [فصل فيمن استشهد يوم حنين وسرية أوطاس] **

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com