John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[سنة ثمان من الهجرة النبوية]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 53 of 840

** [إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة] **

بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن بحولك وقوتك سنة ثمان من الهجرة النبوية فصل في إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، رضي الله عنهم، وكان قدومهم أوائل سنة ثمان، على ما سيأتي

قد تقدم طرف من ذلك، فيما ذكره ابن إسحاق بعد مقتل أبي رافع اليهودي، وذلك في سنة خمس من الهجرة. وإنما ذكره الحافظ البيهقي هاهنا بعد عمرة القضاء، فروى من طريق الواقدي: أنبأنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه قال: قال عمرو بن العاص كنت للإسلام مجانبا

معاندا حضرت بدرا مع المشركين فنجوت، ثم حضرت أحدا فنجوت، ثم حضرت الخندق فنجوت، قال: فقلت في نفسي: كم أوضع! والله ليظهرن محمد على قريش. فلحقت بمالي بالوهط، وأقللت من الناس - أي من لقائهم - فلما حضر الحديبية، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح، ورجعت قريش إلى مكة، جعلت أقول: يدخل محمد قابلا مكة بأصحابه، ما مكة بمنزل ولا الطائف، ولا شيء خير من الخروج. وأنا بعد ناء عن الإسلام، وأرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم، فقدمت مكة وجمعت رجالا من قومي، وكانوا يرون رأيي، ويسمعون مني، ويقدمونني فيما نابهم، فقلت لهم: كيف أنا فيكم؟ قالوا: ذو رأينا ومدرهنا في يمن نقيبة وبركة أمر، قال: قلت: تعلمون أني والله لأرى أمر محمد أمرا يعلو الأمور علوا منكرا، وإني قد رأيت رأيا. قالوا: وما هو؟ قلت: نلحق بالنجاشي فنكون معه، فإن يظهر محمد كنا عند النجاشي، فنكون تحت يد النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا، قالوا: هذا الرأي. قال: قلت: فاجمعوا ما نهديه له. وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى قدمنا على النجاشي، فوالله إنا

لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه بكتاب كتبه، يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فدخل عليه ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، ولو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك سررت قريشا، وكنت قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي، أهديت لي من بلادك شيئا؟ قال: قلت: نعم أيها الملك، أهديت لك أدما كثيرا. ثم قدمته فأعجبه، وفرق منه شيئا بين بطارقته، وأمر بسائره فأدخل في موضع، وأمر أن يكتب ويحتفظ به، فلما رأيت طيب نفسه قلت: أيها الملك، إني قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول عدو لنا قد وترنا، وقتل أشرافنا وخيارنا، فأعطنيه فأقتله. فغضب من ذلك، ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، فابتدر منخراي، فجعلت أتلقى الدم بثيابي، فأصابني من الذل ما لو انشقت بي الأرض دخلت فيها، فرقا منه. ثم قلت: أيها الملك، لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك. قال: فاستحيا وقال: يا عمرو، تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى لتقتله؟! قال عمرو: فغير الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي: عرف هذا الحق العرب والعجم وتخالف أنت؟! ثم قلت: أتشهد أيها الملك بهذا؟ قال: نعم، أشهد به عند الله يا عمرو، فأطعني واتبعه، فوالله إنه لعلى الحق،

وليظهرن على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قلت: أتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعني على الإسلام، ثم دعا بطست، فغسل عني الدم وكساني ثيابا، وكانت ثيابي قد امتلأت بالدم فألقيتها، ثم خرجت على أصحابي، فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك وقالوا: هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول مرة، وقلت: أعود إليه. فقالوا: الرأي ما رأيت. قال: ففارقتهم وكأني أعمد لحاجة، فعمدت إلى موضع السفن، فأجد سفينة قد شحنت تدفع. قال: فركبت معهم ودفعوها، حتى انتهوا إلى الشعيبة، وخرجت من السفينة ومعي نفقة، فابتعت بعيرا، وخرجت أريد المدينة، حتى مررت على مر الظهران، ثم مضيت، حتى إذا كنت بالهدة، فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا، وأحدهما داخل في الخيمة، والآخر يمسك الراحلتين. قال: فنظرت فإذا خالد بن الوليد قال: قلت: أين تريد؟ قال: محمدا، دخل الناس في الإسلام، فلم يبق أحد به طعم، والله لو أقمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها. قلت: وأنا والله قد أردت محمدا، وأردت الإسلام. فخرج عثمان بن طلحة فرحب بي، فنزلنا جميعا في المنزل، ثم ترافقنا حتى أتينا

المدينة، فما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عنبة يصيح: يا رباح، يا رباح، يا رباح فتفاءلنا بقوله وسررنا، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقادة بعد هذين. فظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد، وولى مدبرا إلى المسجد سريعا، فظننت أنه بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومنا، فكان كما ظننت، وأنخنا بالحرة، فلبسنا من صالح ثيابنا، ثم نودي بالعصر، فانطلقنا حتى اطلعنا عليه وإن لوجهه تهللا، والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا، فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدمت، فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه، فما استطعت أن أرفع طرفي إليه حياء منه. قال: فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولم يحضرني ما تأخر فقال: «إن الإسلام يجب ما كان قبله، والهجرة تجب ما كان قبلها» قال: فوالله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا، ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة، وكان عمر على خالد كالعاتب.

قال عبد الحميد بن جعفر شيخ الواقدي: فذكرت هذا الحديث ليزيد بن

أبي حبيب، فقال: أخبرني راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي، عن مولاه حبيب، عن عمرو بن العاص نحو ذلك.

قلت: كذلك رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن راشد، عن مولاه حبيب قال: حدثني عمرو بن العاص من فيه. فذكر ما تقدم في سنة خمس بعد مقتل أبي رافع. وسياق الواقدي أبسط وأحسن. قال الواقدي، عن شيخه عبد الحميد: فقلت ليزيد بن أبي حبيب: وقت لك متى قدم عمرو وخالد؟ قال: لا، إلا أنه قال: قبل الفتح. قلت: فإن أبي أخبرني أن عمرا وخالدا وعثمان بن طلحة قدموا لهلال صفر سنة ثمان.

وسيأتي عند وفاة عمرو من " صحيح مسلم " ما يشهد لسياق إسلامه، وكيفية حسن صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته، وكيف مات وهو يتأسف على ما كان منه في مدة مباشرته الإمارة بعده، عليه الصلاة والسلام، وصفة موته، رضي الله عنه.

** [طريق إسلام خالد بن الوليد] **

قال الواقدي: حدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت أبي يحدث عن خالد بن الوليد قال: لما أراد الله بي ما أراد من الخير، قذف في قلبي الإسلام، وحضرني رشدي، فقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد صلى الله عليه وسلم، فليس في موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، وأن محمدا سيظهر، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية خرجت في خيل من المشركين، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه بعسفان، فقمت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا، فهممنا أن نغير عليهم، ثم لم يعزم لنا - وكانت فيه خيرة - فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعا، وقلت: الرجل ممنوع فاعتزلنا وعدل عن سنن خيلنا، وأخذ ذات اليمين، فلما صالح قريشا بالحديبية، ودافعته قريش بالراح، قلت في نفسي: أي شيء بقي؟ أين المذهب؟ إلى

النجاشي؟ فقد اتبع محمدا، وأصحابه عنده آمنون، فأخرج إلى هرقل؟ فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية، فأقيم في عجم تابعا، فأقيم في داري فيمن بقي؟ فأنا في ذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضية، فتغيبت ولم أشهد دخوله، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية، فطلبني فلم يجدني، فكتب إلي كتابا، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك! ومثل الإسلام جهله أحد؟! وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك، وقال: " أين خالد؟ " فقلت: يأتي الله به. فقال: " ما مثله جهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وحده مع المسلمين كان خيرا له، ولقدمناه على غيره ". فاستدرك يا أخي ما قد فاتك، فقد فاتك مواطن صالحة. قال: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام، وسرني سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عني، وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة، فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة، فقلت: إن هذه لرؤيا فلما أن قدمت المدينة قلت: لأذكرنها لأبي بكر. فقال: مخرجك الذى هداك الله للإسلام، والضيق الذي كنت فيه من الشرك. قال: فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: من أصاحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلقيت صفوان بن أمية،

فقلت: يا أبا وهب، أما ترى ما نحن فيه، إنما نحن أكلة رأس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد واتبعناه، فإن شرف محمد لنا شرف. فأبى أشد الإباء، فقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا. فافترقنا، وقلت: هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبي جهل، فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية، فقال لي مثل ما قال صفوان بن أمية، قلت: فاكتم علي. قال: لا أذكره. فخرجت إلى منزلي، فأمرت براحلتي، فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة، فقلت: إن هذا لي صديق، فلو ذكرت له ما أرجو. ثم ذكرت من قتل من آبائه، فكرهت أن أذكره، ثم قلت: وما علي وأنا راحل من ساعتي. فذكرت له ما صار الأمر إليه، فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر، لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج. وقلت له نحوا مما قلت لصاحبي، فأسرع الإجابة، وقال: إني غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو، وهذه راحلتي بفخ مناخة. قال: فاتعدت أنا وهو يأجج، إن سبقني أقام، وإن سبقته أقمت عليه. قال: فأدلجنا سحرا، فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة، فنجد عمرو بن العاص بها فقال: مرحبا بالقوم، فقلنا: وبك. فقال: إلى أين مسيركم؟ فقلنا: وما أخرجك. فقال: وما أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإسلام واتباع

محمد صلى الله عليه وسلم. قال: وذاك الذي أقدمني. فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة، فأنخنا بظهر الحرة ركابنا، فأخبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر بنا، فلبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيني أخي، فقال: أسرع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بك، فسر بقدومك، وهو ينتظركم. فأسرعنا المشي، فاطلعت عليه، فما زال يتبسم إلي حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة، فرد علي السلام بوجه طلق، فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال: " تعال ". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير» ". قلت: يا رسول الله، قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا للحق، فادع الله أن يغفرها لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «الإسلام يجب ما كان قبله» ". قلت: يا رسول الله، على ذلك. قال: " «اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك» ". قال خالد: وتقدم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وكان قدومنا في صفر سنة ثمان. قال: فوالله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حزبه.

** [سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى نفر من هوازن] **

قال الواقدي: حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عمر بن الحكم قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن، وأمره أن يغير عليهم، فخرج وكان يسير الليل ويكمن النهار، حتى صبحهم غارين، وقد أوعز إلى أصحابه أن لا يمعنوا في الطلب، فأصابوا نعما كثيرا وشاء، فاستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، فكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا، كل رجل.

وزعم غيره أنهم أصابوا سبيا أيضا، وأن الأمير اصطفى منه جارية وضيئة، ثم قدم أهلوهم مسلمين، فشاور النبي صلى الله عليه وسلم أميرهم في ردهن إليهم، فقال: نعم. فردوهن، وخير التي عنده فاختارت المقام عنده.

وقد تكون هذه السرية هي المذكورة فيما رواه الشافعي، عن مالك، عن نافع، «عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد، فكان فيهم عبد الله بن عمر قال: فأصبنا إبلا كثيرا، فبلغت سهامنا اثني عشر بعيرا، ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا» . أخرجاه في " الصحيحين " من حديث مالك، ورواه مسلم أيضا من حديث الليث، ومن حديث عبيد الله، كلهم عن نافع، عن ابن عمر، بنحوه.

وقال أبو داود: حدثنا هناد، حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى نجد، فخرجت فيها، فأصبنا نعما كثيرا، فنفلنا أميرنا بعيرا بعيرا لكل إنسان، ثم قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل منا اثني عشر بعيرا بعد الخمس، وما حاسبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي أعطانا صاحبنا، ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكل منا ثلاثة عشر بعيرا بنفله» .

** [سرية كعب بن عمير إلى بني قضاعة] من أرض الشام **

قال الواقدي: حدثنا محمد بن عبد الله، عن الزهري، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا، حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من الشام، فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا، فأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلما أن برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم بالبعثة إليهم، فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر.

** [غزوة مؤتة] **

** [وقتها] **

وهي سرية زيد بن حارثة، في نحو من ثلاثة آلاف، إلى البلقاء من أرض الشام.

قال محمد بن إسحاق بعد قصة عمرة القضية: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بقية ذي الحجة - وولي تلك الحجة المشركون - والمحرم وصفرا وشهري ربيع، وبعث في جمادى الأولى بعثه إلى الشام، الذين أصيبوا بمؤتة، فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس» . فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف.

وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن عمر بن الحكم، عن أبيه قال: «جاء النعمان بن فنحص اليهودي، فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم

مع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن قتل عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا، فليجعلوه عليهم ". فقال النعمان: أبا القاسم، إن كنت نبيا، فلو سميت من سميت قليلا أو كثيرا، أصيبوا جميعا، إن الأنبياء من بني إسرائيل كانوا إذا سموا الرجل على القوم، فقالوا: إن أصيب فلان ففلان، فلو سموا مائة أصيبوا جميعا. ثم جعل اليهودي يقول لزيد: اعهد فإنك لا ترجع أبدا، إن كان محمد نبيا. فقال زيد: أشهد أنه نبي صادق بار» رواه البيهقي.

قال ابن إسحاق: فلما حضر خروجهم، ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم، فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع بكى، فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} [مريم: 71] (مريم: 71) ، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة:

لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا

أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا

حتى يقال إذا مروا على جدثي ... أرشده الله من غاز وقد رشدا

قال ابن إسحاق: ثم إن القوم تهيئوا للخروج، فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فودعه ثم قال:

فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا

إني تفرست فيك الخير نافلة ... الله يعلم أني ثابت البصر

أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر

قال ابن إسحاق: ثم خرج القوم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يشيعهم، حتى إذا ودعهم وانصرف قال عبد الله بن رواحة:

خلف السلام على امرئ ودعته ... في النخل خير مشيع وخليل

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو خالد الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث

إلى مؤتة فاستعمل زيدا، فإن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فابن رواحة، فتخلف ابن رواحة، فجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم، فرآه فقال: " ما خلفك؟ " فقال: أجمع معك. قال: " لغدوة أو روحة خير من الدنيا وما فيها» .

وقال أحمد: ثنا أبو معاوية، ثنا الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة. قال: فقدم أصحابه، وقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، ثم ألحقهم. قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه فقال: " ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ " قال: فقال أردت أن أصلي معك الجمعة، ثم ألحقهم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم» .

وهذا الحديث قد رواه الترمذي من حديث أبي معاوية، عن الحجاج - وهو ابن أرطاة - ثم علله الترمذي بما حكاه عن شعبة أنه قال: لم يسمع الحكم عن مقسم إلا خمسة أحاديث، وليس هذا منها.

قلت: والحجاج بن أرطاة في روايته نظر. والله أعلم. والمقصود من إيراد هذا الحديث، أنه يقتضي أن خروج الأمراء إلى مؤتة كان في يوم جمعة. والله أعلم.

قال ابن إسحاق: ثم مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء، في مائة ألف من الروم، وانضم إليه من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي مائة ألف منهم، عليهم رجل من بلي، ثم أحد إراشة، يقال له: مالك بن زافلة - وفي رواية يونس، عن ابن إسحاق: فبلغهم أن هرقل نزل بمآب، في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة. وقيل: كان الروم مائتي ألف، ومن عداهم خمسون ألفا. وأقل ما قيل: إن الروم كانوا مائة ألف، ومن العرب خمسون ألفا. حكاه السهيلي - فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له. قال: فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة. قال: فقال

الناس: قد والله صدق ابن رواحة. فمضى الناس، فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك:

جلبنا الخيل من أجأ وفرع ... تغر من الحشيش لها العكوم

حذوناها من الصوان سبتا ... أزل كأن صفحته أديم

أقامت ليلتين على

معان

فأعقب بعد فترتها جموم ... فرحنا والجياد مسومات

تنفس في مناخرها السموم ... فلا وأبي

مآب لنأتينها

وإن كانت بها عرب وروم

فعبأنا أعنتها فجاءت ... عوابس والغبار لها بريم

بذي لجب كأن البيض فيه

إذا برزت قوانسها النجوم

فراضية المعيشة طلقتها ... أسنتنا فتنكح أو تئيم

قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك، مردفي على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه:

إذا أديتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء

فشأنك أنعم وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي

وجاء المسلمون وغادروني ... بأرض الشام مشتهي الثواء

وردك كل ذي نسب قريب ... إلى الرحمن منقطع الإخاء

هنالك لا أبالي طلع بعل ... ولا نخل أسافلها رواء

قال: فلما سمعتهن منه بكيت، فخفقني بالدرة وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شعبتي الرحل؟! ثم قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز:

يا زيد زيد اليعملات الذبل ... تطاول الليل هديت فانزل

قال ابن إسحاق: ثم مضى الناس، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء يقال لها: مشارف. ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة. فالتقى الناس عندها، فتعبأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له: قطبة بن قتادة. وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له: عباية بن مالك.

وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: شهدت مؤتة، فلما دنا منا المشركون، رأينا ما لا قبل لأحد به، من العدة، والسلاح، والكراع، والديباج، والحرير، والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة، كأنك ترى جموعا كثيرة! قلت: نعم. قال: إنك لم تشهد معنا بدرا، إنا لم ننصر بالكثرة. رواه البيهقي.

قال ابن إسحاق: ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر، فقاتل بها، حتى إذا ألحمه القتال، اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام.

وقال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل وهو يقول:

يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها

والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها

علي إن لاقيتها ضرابها

وهذا الحديث قد رواه أبو داود من حديث ابن إسحاق، ولم يذكر الشعر

وقد استدل به من جوز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدو، كما يقول أبو حنيفة في الأغنام إذا لم تتبع في السير، ويخشى من لحوق العدو لها وانتفاعهم بها، أنها تذبح وتحرق، ليحال بينهم وبين ذلك. والله أعلم.

قال السهيلي: ولم ينكر أحد على جعفر، فدل على جوازه إذا خيف أخذ العدو له، ولا يدخل ذلك في النهي عن قتل الحيوان عبثا.

قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفرا أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه، حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء، ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه بنصفين.

قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد قال: حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف، قال: فلما قتل جعفر، أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، ثم قال:

أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه

إن أجلب الناس وشدوا الرنه ... ما لي أراك تكرهين الجنه

قد طال ما قد كنت مطمئنه ... هل أنت إلا نطفة في شنه

وقال أيضا:

يا نفس إن لا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت

وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت

يريد صاحبيه، زيدا وجعفرا، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت. فأخذه من يده، فانتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا؟! ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل، رضي الله عنه. قال: ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم، أخو بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس.

قال ابن إسحاق: ولما أصيب القوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني

: «أخذ الراية زيد بن حارثة، فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر، فقاتل بها حتى قتل شهيدا ". قال: ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: " ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا " ثم قال: " لقد رفعوا إلي في الجنة، فيما يرى النائم، على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: عم هذا؟ " فقيل لي: مضيا، وتردد عبد الله بن رواحة بعض التردد ثم مضى» هكذا ذكر ابن إسحاق هذا منقطعا.

وقد قال البخاري: ثنا أحمد بن واقد، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس، قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم» تفرد به البخاري، ورواه في موضع آخر، وقال فيه وهو على المنبر: " وما

يسرهم أنهم عندنا ".

وقال البخاري: ثنا أحمد بن أبي بكر، ثنا مغيرة بن عبد الرحمن - المخزومي، وليس بالحزامي - عن عبد الله بن سعيد، عن نافع، «عن عبد الله بن عمر قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة " قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية» . تفرد به البخاري أيضا.

وقال البخاري أيضا: حدثنا أحمد، ثنا ابن وهب، عن عمرو، عن ابن أبي هلال - وهو سعيد بن أبي هلال الليثي - قال: وأخبرني نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر بن أبي طالب يومئذ وهو قتيل، فعددت به

خمسين، بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دبره، وهذا أيضا من أفراد البخاري. ووجه الجمع بين هذه الرواية والتي قبلها، أن ابن عمر، رضي الله عنهما اطلع على هذا العدد، وغيره اطلع على أكثر من ذلك. أو أن هذه في قبله أصيبها قبل أن يقتل، فلما صرع إلى الأرض ضربوه أيضا ضربات في ظهره، فعد ابن عمر ما كان في قبله وهو في وجوه الأعداء قبل أن يقتل، رضي الله عنه.

ومما يشهد لما ذكره ابن هشام من قطع يمينه وهي ممسكة اللواء، ثم شماله، ما رواه البخاري، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا عمر بن علي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر قال: كان ابن عمر إذا حيا ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين. ورواه أيضا في المناقب، والنسائي من حديث يزيد بن هارون، عن إسماعيل بن أبي خالد به.

وقال البخاري: ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية

ثم رواه عن محمد بن المثنى، عن يحيى، عن إسماعيل، حدثني قيس سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وصبرت في يدي صفيحة يمانية. انفرد به البخاري.

قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، ثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير قال: قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاري، وكانت الأنصار تفقهه، فغشيه الناس، فغشيته في من غشيه فقال: حدثنا أبو قتادة، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء، وقال: " عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة ". قال: فوثب جعفر وقال: يا رسول الله، ما كنت أرهب أن تستعمل زيدا علي. قال: " امض، فإنك لا تدري أي ذلك خير " فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فأمر فنودي: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أخبركم عن جيشكم هذا، إنهم انطلقوا فلقوا العدو، فقتل زيد شهيدا - فاستغفر له - ثم أخذ اللواء جعفر، فشد على القوم حتى قتل شهيدا - شهد له بالشهادة واستغفر له - ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى

قتل شهيدا - فاستغفر له - ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء، هو أمر نفسه " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره ". فمن يومئذ سمي خالد سيف الله» . ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك، عن الأسود بن شيبان، به نحوه. وفيه زيادة حسنة، وهو أنه عليه الصلاة والسلام لما اجتمع إليه الناس قال: " ثاب خبر، ثاب خبر وذكر الحديث.

وقال الواقدي: حدثني عبد الجبار بن عمارة بن غزية، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال: «لما التقى الناس بمؤتة، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وكشف الله له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معتركهم، فقال: " أخذ الراية زيد بن حارثة، فجاء الشيطان، فحبب إليه الحياة، وكره إليه الموت، وحبب إليه الدنيا، فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين، تحبب إلي الدنيا؟! فمضى قدما حتى استشهد " فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " استغفروا له، فقد دخل الجنة وهو يسعى» .

قال الواقدي: وحدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة،

«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لما قتل زيد أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، فجاءه الشيطان، فحبب إليه الحياة، وكره إليه الموت، ومناه الدنيا، فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا؟! ثم مضى قدما حتى استشهد ". فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: " استغفروا لأخيكم، فإنه شهيد، دخل الجنة، وهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت، حيث يشاء من الجنة " قال: " ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة، فاستشهد، ثم دخل الجنة معترضا " فشق ذلك على الأنصار، فقيل: يا رسول الله ما اعترضه؟ قال: " لما أصابته الجراح نكل، فعاتب نفسه فتشجع، واستشهد فدخل الجنة ". فسري عن قومه» .

قال الواقدي: وحدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل، عن أبيه قال: «لما أخذ خالد بن الوليد الراية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الآن حمي الوطيس» .

قال الواقدي: فحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء، بات خالد بن الوليد، فلما أصبح، غدا وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته. قال: فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد. فرعبوا وانكشفوا منهزمين. قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. وهذا يوافق ما ذكره موسى بن عقبة رحمه الله، في

" مغازيه " فإنه قال بعد عمرة الحديبية: ثم صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فمكث بها ستة أشهر، ثم إنه بعث جيشا إلى مؤتة، وأمر عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن أصيب فجعفر بن أبي طالب أميرهم، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة أميرهم» . فانطلقوا حتى إذا لقوا ابن أبي سبرة الغساني بمؤتة، وبها جموع من نصارى العرب والروم، بها تنوخ وبهراء، فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام، ثم خرجوا فالتقوا على [ردغ] أحمر، فاقتتلوا قتالا شديدا، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل، ثم أخذه جعفر فقتل، ثم أخذه عبد الله بن رواحة فقتل، ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد المخزومي، فهزم الله العدو، وأظهر المسلمين. قال: وبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الأولى، يعني سنة ثمان. قال موسى بن عقبة: وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مر علي جعفر في الملائكة، يطير كما يطيرون، وله جناحان " قال: وزعموا والله أعلم، أن يعلى بن أمية قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شئت فأخبرني، وإن شئت أخبرتك ". قال: أخبرني يا

رسول الله. قال: فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم كله، ووصفه لهم. فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره، وإن أمرهم لكما ذكرت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم» .

فهذا السياق فيه فوائد كثيرة ليست عند ابن إسحاق، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق، من أن خالدا إنما حاشى بالقوم، حتى تخلصوا من الروم وعرب النصارى فقط، وموسى بن عقبة والواقدي مصرحان بأنهم هزموا جموع الروم والعرب الذين معهم، وهو ظاهر الحديث المتقدم عن أنس مرفوعا: " «ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه» ". رواه البخاري وهذا هو الذي رجحه ومال إليه الحافظ البيهقي بعد حكاية القولين، لما ذكره من الحديث.

قلت: ويمكن الجمع بين قول ابن إسحاق وبين قول الباقين، وهو أن خالدا لما أخذ الراية حاشى بالقوم المسلمين، حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة، ومقدمة وساقة، كما ذكره الواقدي، توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد، هزموهم بإذن الله. والله أعلم

ولكن قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر، عن عروة قال: لما أقبل أصحاب مؤتة، تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه قال: ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة، فقال: " خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطوني ابن جعفر ". فأتي بعبد الله، فأخذه فحمله بين يديه. قال: وجعل الناس يحثون عليهم بالتراب ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى» ". وهذا مرسل من هذا الوجه، وفيه غرابة. وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق، فظن أن هذا لجمهور الجيش، وإنما كان للذين فروا حين التقى الجمعان، وأما بقيتهم فلم يفروا، بل نصروا، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وهو على المنبر، في قوله: " «ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله على يديه» ". فما كان المسلمون ليسموهم فرارا بعد ذلك، وإنما تلقوهم، إكراما لهم وإعظاما، وإنما كان التأنيب وحثي التراب للذين فروا وتركوهم هنالك، وقد كان فيهم عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، ثنا زهير، ثنا يزيد بن أبي زياد

، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر قال: «كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاص الناس حيصة، وكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا. ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كانت لنا توبة، وإلا ذهبنا. فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: " من القوم؟ " قال: فقلنا: نحن الفرارون. فقال: " لا، بل أنتم العكارون، أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين ". قال: فأتيناه حتى قبلنا يده» .

ثم رواه عن غندر، عن شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن ابن عمر قال: «كنا في سرية ففررنا، فأردنا أن نركب البحر، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله، نحن الفرارون. فقال: " لا، بل أنتم العكارون» ورواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث يزيد بن أبي زياد، وقال الترمذي: حسن، لا نعرفه إلا من حديثه.

وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى وأسود بن عامر قالا: حدثنا

شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عمر قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فلما لقينا العدو انهزمنا في أول غادية، فقدمنا المدينة في نفر ليلا فاختفينا، ثم قلنا: لو خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذرنا إليه. فخرجنا إليه، ثم لقيناه قلنا: نحن الفرارون يا رسول الله. قال: " بل أنتم العكارون، وأنا فئتكم " قال الأسود: " وأنا فئة كل مسلم» .

وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن بعض آل الحارث بن هشام، وهم أخواله أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين؟ قالت: ما يستطيع أن يخرج، كلما خرج صاح به الناس: يا فرار، فررتم في سبيل الله؟ ! حتى قعد في بيته ما يخرج. وكان في غزاة مؤتة.

قلت: لعل طائفة منهم فروا لما عاينوا كثرة جموع العدو، وكانوا أكثر منهم بأضعاف مضاعفة، فإن الصحابة، رضي الله عنهم، كانوا ثلاثة

آلاف، وكان العدو - على ما ذكروه - مائتي ألف، ومثل هذا يسوغ الفرار، على ما قد تقرر، فلما فر هؤلاء، ثبت باقيهم، وفتح الله عليهم، وتخلصوا من أيدي أولئك، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، كما ذكره الواقدي وموسى بن عقبة من قبله.

ويؤيد ذلك ويشاكله بالصحة، ما رواه الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: «خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة من المسلمين، في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من اليمن، ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزورا، فسأله المددي طائفة من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدرقة، ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر، عليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل الرومي يغري بالمسلمين، وقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه، فخر وعلاه، فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله

للمسلمين، بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب. قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته. فقلت: لتردنه إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبى أن يرد عليه. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا خالد، رد عليه ما أخذت منه ". قال عوف: فقلت: دونك يا خالد، ألم أف لك؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما ذاك؟ " فأخبرته، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " يا خالد، لا ترد عليه، هل أنتم تاركو لي أمرائي، لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره» قال الوليد: سألت ثورا عن هذا الحديث، فحدثني عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن عوف بنحوه. ورواه مسلم وأبو داود، من حديث جبير بن نفير، عن عوف بن مالك، به نحوه.

وهذا يقتضي أنهم غنموا منهم، وسلبوا من أشرافهم، وقتلوا من أمرائهم، وقد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدا، رضي الله عنه قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية وهذا يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلا، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص

منهم، وهذا وحده دليل مستقل، والله أعلم.

وهذا هو اختيار موسى بن عقبة والواقدي والبيهقي، وحكاه ابن هشام عن الزهري.

قال البيهقي، رحمه الله: اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم، فمنهم من ذهب إلى ذلك، ومنهم من زعم أن المسلمين ظهروا على المشركين، وأن المشركين انهزموا قال: وحديث أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ثم أخذها خالد، ففتح الله عليه ". يدل على ظهورهم عليهم والله أعلم.

قلت: وقد ذكر ابن إسحاق أن قطبة بن قتادة العذري، وكان رأس ميمنة المسلمين، حمل على مالك بن زافلة - قال ابن هشام: ويقال: رافلة. بالراء - وهو أمير أعراب النصارى، فقتله، وقال يفتخر بذلك:

طعنت ابن رافلة بن الإراش ... برمح مضى فيه ثم انحطم

ضربت على جيده ضربة ... فمال كما مال غصن السلم

وسقنا نساء بني عمه ... غداة رقوقين سوق النعم

وهذا يؤيد ما نحن فيه، لأن من عادة أمير الجيش إذا قتل، أن يفر أصحابه، ثم إنه صرح في شعره بأنهم سبوا من نسائهم، وهذا واضح فيما ذكرناه. والله أعلم. وأما ابن إسحاق فإنه ذهب إلى أنه لم يكن إلا المخاشاة والتخلص من أيدي الروم، وسمى هذا نصرا وفتحا، أي باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدو بهم، وتراكمهم وتكاثرهم وتكاثفهم عليهم، فكان مقتضى العادة أن يصطلموا بالكلية، فلما تخلصوا منهم وانحازوا عنهم، كان هذا غاية المرام في هذا المقام، وهذا محتمل، لكنه خلاف الظاهر من قوله عليه الصلاة والسلام: " ففتح الله عليهم ".

والمقصود أن ابن إسحاق يستدل على ما ذهب إليه فقال: وقد قال - فيما كان من أمر الناس، وأمر خالد بن الوليد، ومخاشاته بالناس وانصرافه

بهم قيس بن المحسر اليعمري، يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس:

فوالله لا تنفك نفسي تلومني ... على موقفي والخيل قابعة قبل

وقفت بها لا مستجيرا فنافذا ... ولا مانعا من كان حم له القتل

على أنني آسيت نفسي بخالد ... ألا خالد في القوم ليس له مثل

وجاشت إلي النفس من نحو جعفر ... بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل

وضم إلينا حجزتيهم كليهما ... مهاجرة لا مشركون ولا عزل

قال ابن إسحاق: فبين قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره، أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت، وحقق انحياز خالد بمن معه. قال ابن هشام: وأما الزهري فقال، فيما بلغنا عنه: أمر المسلمون عليهم خالد بن الوليد، ففتح الله عليهم، وكان عليهم حتى رجع إلى المدينة.

** [إخبار النبي صلى الله عليه وسلم باستشهاد جعفر وصاحبيه] **

فصل إخبار النبي صلى الله عليه وسلم باستشهاد جعفر وصاحبيه

قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن أم عيسى الخزاعية، عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب، عن جدتها أسماء بنت عميس قالت: «لما أصيب جعفر وأصحابه، دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد دبغت أربعين منا، وعجنت عجيني، وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ائتني ببني جعفر ". فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما يبكيك، أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: " نعم، أصيبوا هذا اليوم " قالت: فقمت أصيح، واجتمع إلي النساء، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال: " لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم» وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث ابن إسحاق، ورواه ابن ماجه من طريق محمد بن إسحاق،، وعن عبد الله بن أبي بكر، عن أم عيسى، عن أم عون بنت محمد بن جعفر، عن أسماء، فذكر الأمر بعمل الطعام. والصواب أنها أم

جعفر وأم عون

وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، ثنا جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: «لما جاء نعي جعفر حين قتل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم أمر يشغلهم» أو: «أتاهم ما يشغلهم» وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن جعفر بن خالد بن سارة المخزومي المكي، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، وقال الترمذي: حسن.

ثم قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «لما أتى نعي جعفر، عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن. قالت: فدخل عليه رجل، فقال: يا رسول الله، إن النساء عنيننا وفتننا. قال: " ارجع إليهن فأسكتهن " قالت: فذهب ثم رجع، فقال له مثل ذلك. قالت: وربما ضر التكلف. يعني أهله. قلت: قال: " فاذهب فأسكتهن، فإن أبين فاحث في أفواههن التراب ". قالت: وقلت

في نفسي: أبعدك الله، فوالله ما تركت نفسك، وما أنت بمطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: وعرفت أنه لا يقدر على أن يحثي في أفواههن التراب» انفرد به ابن إسحاق من هذا الوجه، وليس في شيء من الكتب.

وقال البخاري: ثنا قتيبة، ثنا عبد الوهاب، سمعت يحيى بن سعيد قال: أخبرتني عمرة قالت: سمعت عائشة تقول: «لما قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الحزن. قالت عائشة: وأنا أطلع من صائر الباب - شق - فأتاه رجل فقال: أي رسول الله، إن نساء جعفر. وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن. قالت: فذهب الرجل، ثم أتى فقال: والله لقد غلبننا. فزعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فاحث في أفواههن من التراب " قالت عائشة، رضي الله عنها: فقلت: أرغم الله أنفك، فوالله ما أنت تفعل، وما تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناء» وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عنها

وقال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا، استعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: " إن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة ". فلقوا العدو، فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه، وأتى خبرهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، خالد بن الوليد، ففتح الله عليه ". قال: ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: " لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي ابني أخي ". قال: فجيء بنا كأننا أفرخ، فقال: " ادعوا لي الحلاق " فجيء بالحلاق، فحلق رءوسنا، ثم قال: " أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي " ثم أخذ بيدي فأشالها وقال: " اللهم اخلف جعفرا في أهله، بارك لعبد الله في صفقة يمينه ". قالها

ثلاث مرات. قال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا، وجعلت تفرح له، فقال: " العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة» ورواه أبو داود ببعضه، والنسائي في السير بتمامه من حديث وهب بن جرير، به وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام، ثم نهاهم عنه بعدها.

ولعله معنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد، من حديث الحكم، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها لما أصيب جعفر: " تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت» تفرد به أحمد. فيحتمل أنه أذن لها في التسلب، وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب، ويكون هذا من باب التخصيص لها بهذا، لشدة حزنها على جعفر أبي أولادها، وقد يحتمل أن يكون أمرا لها بالتسلب، وهو المبالغة في الإحداد ثلاثة أيام، ثم تصنع بعد ذلك ما شاءت، مما يفعله المعتدات على أزواجهن، من الإحداد المعتاد. والله أعلم. ويروى

: " تسلي ثلاثا ". أي تصبري ثلاثا، وهذا بخلاف الرواية الأخرى. والله أعلم.

فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا محمد بن طلحة، ثنا الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء بنت عميس قالت: «دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: " لا تحدي بعد يومك هذا» فإنه من أفراد أحمد أيضا، وإسناده لا بأس به، ولكنه مشكل إن حمل على ظاهره، لأنه قد ثبت في " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميتها أكثر من ثلاثة أيام، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» فإن كان ما رواه الإمام أحمد محفوظا، فتكون مخصوصة بذلك، أو هو أمر بالمبالغة في الإحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم. والله أعلم.

قلت: ورثت أسماء بنت عميس زوجها بقصيدة تقول فيها:

فآليت لا تنفك نفسي حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا

فلله عينا من رأى مثله فتى ... أكر وأحمى في الهياج وأصبرا

ثم لم تنشب أن انقضت عدتها، فخطبها أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، فتزوجها، فأولم، وجاء الناس للوليمة، فكان فيهم علي بن أبي طالب

، فلما ذهب الناس استأذن علي أبا بكر، رضي الله عنهما، في أن يكلم أسماء من وراء الستر، فأذن له، فلما اقترب من الستر نفحه ريح طيبها، فقال لها علي، على وجه البسط: من القائلة في شعرها:

فآليت لا تنفك نفسي حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا

قالت: دعنا منك يا أبا الحسن، فإنك امرؤ فيك دعابة. فولدت للصديق محمد بن أبي بكر، ولدته بالشجرة بين مكة والمدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ذاهب إلى حجة الوداع، فأمرها أن تغتسل وتهل، وسيأتي في موضعه، ثم لما توفي الصديق، تزوجها بعده علي بن أبي طالب، وولدت له أولادا، رضي الله عنه وعنها وعنهم أجمعين.

** [استقبال رسول الله عبد الله بن جعفر] **

فصل استقبال رسول الله عبد الله بن جعفر

قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير قال: «فلما دنوا من المدينة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، قال: ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة، فقال: " خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر ". فأتي بعبد الله بن جعفر، فأخذه فحمله بين يديه. قال: وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله؟! قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله» وهذا مرسل

وقد قال الإمام أحمد: ثنا أبو معاوية، ثنا عاصم، عن مورق العجلي، عن عبد الله بن جعفر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقي بالصبيان من أهل بيته، وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه. قال: فحملني بين يديه. قال: ثم جيء بأحد ابني فاطمة، إما حسن وإما حسين، فأردفه خلفه، فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة» وقد رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عاصم الأحول، عن مورق به.

وقال الإمام أحمد: ثنا روح، حدثنا ابن جريج، ثنا جعفر بن خالد بن سارة، أن أباه أخبره أن عبد الله بن جعفر قال: «لو رأيتني وقثم وعبيد الله ابني العباس ونحن صبيان نلعب، إذ مر النبي صلى الله عليه وسلم على دابة فقال: " ارفعوا هذا إلي ". فحملني أمامه وقال لقثم: " ارفعوا هذا إلي ". فجعله وراءه، وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم، فما استحى من عمه أن حمل قثم وتركه. قال: ثم مسح على رأسي ثلاثا. وقال كلما مسح: " اللهم اخلف جعفرا في ولده» قال: قلت لعبد الله: ما فعل قثم؟ قال: استشهد. قال: قلت: الله ورسوله أعلم بالخير. قال: أجل. ورواه النسائي في " اليوم والليلة " من حديث ابن جريج، به

وهذا كان بعد الفتح، فإن العباس إنما قدم المدينة بعد الفتح، فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: ثنا إسماعيل، ثنا حبيب بن الشهيد، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: «قال عبد الله بن جعفر لابن الزبير: أتذكر إذ تلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأنت وابن عباس؟ قال: نعم. فحملنا وتركك» .

هكذا رأيته في المسند، وكأنه غلط في النسخة، فإنه من مسند عبد الله بن جعفر، فصوابه: «قال عبد الله بن الزبير لعبد الله بن جعفر: أتذكر إذ تلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأنت وابن عباس؟ قال: نعم، فحملنا وتركك» . وبهذا اللفظ أخرجه البخاري، ومسلم من حديث حبيب بن الشهيد، وهذا يعد من الأجوبة المسكتة، ويروى أن عبد الله بن عباس أجاب به ابن الزبير أيضا، وهذه القصة قصة أخرى كانت بعد الفتح، كما قدمنا بيانه. والله أعلم.

** [فضل الأمراء الثلاثة زيد وجعفر وعبد الله رضي الله عنهم] **

فصل في فضل هؤلاء الأمراء الثلاثة زيد وجعفر وعبد الله، رضي الله عنهم

أما زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الكلبي القضاعي، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن أمه ذهبت تزور أهلها، فأغارت عليهم خيل بلقين فأخذوه، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد. وقيل: اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، فوهبته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، فوجده أبوه، فاختار المقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقه وتبناه، فكان يقال له: زيد بن محمد. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا شديدا، وكان أول من أسلم من الموالي، ونزل فيه آيات من القرآن، منها قوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} [الأحزاب: 4] (الأحزاب: 4) وقوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} [الأحزاب: 5] (الأحزاب: 5) وقوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} [الأحزاب: 40] (الأحزاب: 40) وقوله: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} [الأحزاب: 37]

الآية (الأحزاب: 37) . أجمعوا أن هذه الآيات أنزلت فيه، ومعنى أنعم الله عليه أي بالإسلام، وأنعمت عليه أي بالعتق، وقد تكلمنا عليها في " التفسير ".

والمقصود أن الله تعالى لم يسم أحدا من الصحابة في القرآن غيره، وهداه إلى الإسلام، وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجه مولاته أم أيمن، واسمها بركة، فولدت له أسامة بن زيد، فكان يقال له: الحب بن الحب، ثم زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش، وآخى بينه وبين عمه حمزة بن عبد المطلب، وقدمه في الإمرة على ابن عمه جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة، كما ذكرناه.

وقد قال الإمام أحمد، والإمام الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة - وهذا لفظه -: ثنا محمد بن عبيد، عن وائل بن داود، سمعت البهي يحدث أن عائشة كانت تقول: «ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم، ولو بقي بعده لاستخلفه» . ورواه النسائي، عن أحمد بن سليمان، عن محمد بن عبيد الطنافسي، به. وهذا إسناد جيد قوي على شرط الصحيح، وهو غريب جدا. والله أعلم

وقال الإمام أحمد: ثنا سليمان، ثنا إسماعيل، أخبرني ابن دينار، عن ابن عمر، رضي الله عنه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا، وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمرته، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده» .

وأخرجاه في " الصحيحين " عن قتيبة، عن إسماعيل - هو ابن جعفر بن أبي كثير المدني - عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر فذكره. ورواه البخاري من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه. ورواه البزار من حديث عاصم بن عمر، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، ثم استغربه من هذا الوجه.

وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثني أبي، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: «لما أصيب زيد بن حارثة، جيء بأسامة بن زيد، فأوقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخر، ثم عاد من الغد فوقف بين يديه فقال: " ألاقي منك اليوم ما لقيت منك أمس» وهذا الحديث فيه غرابة. والله أعلم

وقد تقدم في " الصحيحين " أنه لما ذكر مصابهم وهو، عليه الصلاة والسلام، فوق المنبر، جعل يقول: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله عليهم ". قال: وإن عينيه لتذرفان. وقال: " وما يسرهم أنهم عندنا» وفي الحديث الآخر أنه شهد لهم بالشهادة، فهم ممن يقطع لهم بالجنة.

وقد قال حسان بن ثابت يرثي زيد بن حارثة وابن رواحة:

عين جودي بدمعك المنزور ... واذكري في الرخاء أهل القبور

واذكري مؤتة وما كان فيها ... يوم راحوا في وقعة التغوير

حين راحوا وغادروا ثم زيدا ... نعم مأوى الضريك والمأسور

حب خير الأنام طرا جميعا ... سيد الناس حبه في الصدور

ذاكم أحمد الذي لا سواه ... ذاك حزني له معا وسروري

إن زيدا قد كان منا بأمر ... ليس أمر المكذب المغرور

ثم جودي للخزرجي بدمع ... سيدا كان ثم غير نزور

قد أتانا من قتلهم ما كفانا ... فبحزن نبيت غير سرور

وأما جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين، وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وكان طالب أسن من عقيل بعشر سنين، أسلم جعفر قديما، وهاجر إلى الحبشة، وكانت له هنالك مواقف مشهورة، ومقامات محمودة، وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، وقد قدمنا ذلك في هجرة الحبشة، ولله الحمد. وقد قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أدري بأيهما أنا أسر، أبقدوم جعفر، أم بفتح خيبر؟» وقام إليه واعتنقه وقبل بين عينيه، وقال له يوم خرجوا من عمرة القضية: «أشبهت خلقي وخلقي» فيقال: إنه حجل عند ذلك فرحا. كما تقدم ذلك في موضعه. ولله الحمد والمنة. ولما بعثه إلى مؤتة جعله في الإمرة مصليا - أي ثانيا - لزيد بن حارثة، ولما قتل وجدوا فيه بضعا وتسعين ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وهو في ذلك كله مقبل غير مدبر، وكانت قد

قطعت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك اللواء، فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك. فيقال: إن رجلا من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين. رضي الله عن جعفر ولعن قاتله، وقد أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد، فهو ممن يقطع له بالجنة. وجاء في الأحاديث تسميته بذي الجناحين.

وروى البخاري، عن ابن عمر أنه كان إذا سلم على ابنه عبد الله بن جعفر يقول: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين. وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب نفسه، والصحيح ما في " الصحيح " عن ابن عمر. قالوا: لأن الله تعالى عوضه عن يديه بجناحين في الجنة. وقد تقدم بعض ما روي في ذلك.

قال الحافظ أبو عيسى الترمذي: حدثنا علي بن حجر، ثنا عبد الله بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة» وتقدم في حديث أنه، رضي الله عنه قتل وعمره ثلاث وثلاثون سنة. وقال ابن الأثير في " الغابة ": كان عمره يوم قتل إحدى وأربعين سنة. قال: وقيل غير ذلك.

قلت: وعلى ما قيل: إنه كان أسن من علي بعشر سنين يقتضي أن

عمره يوم قتل تسع وثلاثون سنة، لأن عليا أسلم وهو ابن ثمان سنين على المشهور، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر وعمره إحدى وعشرين سنة، ويوم مؤتة كان في سنة ثمان من الهجرة. والله أعلم. وقد كان يقال لجعفر بعد قتله: الطيار. لما ذكرنا، وكان كريما جوادا ممدحا، وكان لكرمه يقال له في حياته: أبو المساكين لإحسانه إليهم.

قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا خالد، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال ولا انتعل، ولا ركب المطايا، ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب. وهذا إسناد جيد إلى أبي هريرة، وكأنه إنما يفضله في الكرم، فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه، وأما أخوه علي، رضي الله عنهما، فالظاهر أنهما متكافئان، أو علي أفضل منه.

وإنما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم، بدليل ما رواه البخاري، ثنا أحمد بن أبي بكر، ثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجهني، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني حين لا آكل الخمير، ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان وفلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من

الجوع، وإني كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي، كي ينقلب بي فيطعمني، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها. تفرد به البخاري.

وقال حسان بن ثابت يرثي جعفرا:

ولقد بكيت وعز مهلك جعفر ... حب النبي على البرية كلها

ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي ... من للجلاد لدى العقاب وظلها

بالبيض حين تسل من أغمادها ... ضربا وإنهال الرماح وعلها

بعد ابن فاطمة المبارك جعفر ... خير البرية كلها وأجلها

رزءا وأكرمها جميعا محتدا ... وأعزها متظلما وأذلها

للحق حين ينوب غير تنحل ... كذبا وأنداها يدا وأقلها

فحشا وأكثرها إذا ما يجتدى ... فضلا وأبذلها ندى وأبلها

بالعرف غير محمد لا مثله ... حي من احياء البرية كلها

وأما ابن رواحة، فهو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج أبو محمد - ويقال: أبو رواحة. ويقال: أبو عمرو - الأنصاري الخزرجي، وهو خال النعمان بن بشير، أخته عمرة بنت رواحة، أسلم قديما وشهد العقبة، وكان أحد النقباء ليلتئذ لبني الحارث بن الخزرج، وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر، وكان يبعثه صلى الله عليه وسلم على خرصها كما قدمنا، وشهد عمرة القضاء، ودخل يومئذ وهو ممسك بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقيل: بغرزها. يعني الركاب - وهو يقول:

خلوا بني الكفار عن سبيله

الأبيات، كما تقدم. وكان أحد الأمراء الشهداء يوم مؤتة كما تقدم، وقد شجع المسلمين للقاء الروم حين اشتوروا في ذلك، وشجع نفسه أيضا حتى نزل بعدما قتل صاحباه، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهادة، فهو ممن يقطع له بدخول الجنة. ويروى أنه لما أنشد النبي صلى الله عليه وسلم شعره، حين ودعه، الذي يقول فيه:

فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا

قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنت فثبتك الله» قال هشام بن عروة: فثبته الله حتى قتل شهيدا ودخل الجنة

وروى حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، «أن عبد الله بن رواحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعه يقول: " اجلسوا ". فجلس مكانه خارجا من المسجد، حتى فرغ النبي من خطبته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله» .

وقال البخاري في " صحيحه ": وقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة.

وقد ورد الحديث المرفوع في ذلك، عن عبد الله بن رواحة بنحو ذلك، فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، عن عمارة، عن زياد النميري، عن أنس قال: «كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربنا ساعة. فقال ذات يوم لرجل، فغضب الرجل فجاء فقال: يا رسول الله، ألا ترى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة» وهذا حديث غريب جدا.

وقال البيهقي: ثنا الحاكم، ثنا أبو بكر، ثنا محمد بن أيوب، ثنا أحمد

بن يونس، ثنا شيخ من أهل المدينة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن رواحة قال لصاحب له: تعال حتى نؤمن ساعة. قال: أولسنا بمؤمنين؟ قال: بلى، ولكنا نذكر الله فنزداد إيمانا.

وقد روى الحافظ أبو القاسم اللالكائي، من حديث أبي اليمان، عن صفوان بن سليم، عن شريح بن عبيد، أن عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول: قم بنا نؤمن ساعة فنجلس في مجلس ذكر. وهذا مرسل من هذين الوجهين، وقد استقصينا الكلام على ذلك في أول " شرح البخاري ". ولله الحمد والمنة.

وفي " صحيح البخاري " «عن أبي الدرداء قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في حر شديد، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة رضي الله عنه» وقد كان من شعراء الصحابة المشهورين، ومما نقله البخاري من شعره قوله في رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع

وقال البخاري: حدثنا عمران بن ميسرة، ثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن عامر، عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا. تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ !

حدثنا قتيبة، ثنا عبثر، عن حصين، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، بهذا، فلما مات لم تبك عليه.

وقد قدمنا ما رثاه به حسان بن ثابت مع غيره.

وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع، رضي الله عنهم:

كفى حزنا أني رجعت وجعفر ... وزيد وعبد الله في رمس أقبر

قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم ... وخلفت للبلوى مع المتغبر

وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية ما رثي به هؤلاء الأمراء الثلاثة من شعر حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، رضي الله عنهما وأرضاهما.

** [من استشهد يوم مؤتة من المسلمين] **

فصل في من استشهد يوم مؤتة من المسلمين ### $$$$ فمن المهاجرين، جعفر بن أبي طالب، ومولاهم زيد بن حارثة الكلبي، ومسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة العدوي، ووهب بن سعد بن أبي سرح، فهؤلاء أربعة نفر. ومن الأنصار، عبد الله بن رواحة وعباد بن قيس الخزرجيان، والحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة النجاري، وسراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء المازني، أربعة نفر. فمجموع من قتل من المسلمين يومئذ هؤلاء الثمانية، على ما ذكره ابن إسحاق، لكن قال ابن هشام: وممن استشهد يوم مؤتة، فيما ذكره ابن شهاب الزهري، أبو كليب وجابر ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول المازنيان، وهما شقيقان لأب وأم، وعمرو وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. فهؤلاء أربعة من الأنصار أيضا، فالمجموع على القولين اثنا عشر رجلا، وهذا عظيم جدا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين، أحدهما، وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله، عدتها ثلاثة آلاف مقاتل، وأخرى كافرة عدتها

مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون، ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلا، وقد قتل من المشركين خلق كثير. هذا خالد وحده يقول: لقد اندقت في يدي يومئذ تسعة أسياف، وما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية. فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها؟! دع غيره من الأبطال والشجعان، من حملة القرآن، وقد تحكموا في عبدة الصلبان، عليهم لعائن الرحمن، في ذلك الزمان، وفي كل أوان. وهذا مما يدخل في قوله تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} [آل عمران: 13] (آل عمران: 13) .

** [حديث فيه فضيلة عظيمة لأمراء هذه السرية] **

وهم، زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، رضي الله عنهم.

قال الإمام العالم الحافظ أبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازي، نضر الله وجهه، في كتابه " دلائل النبوة " - وهو كتاب جليل -: حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، ثنا الوليد، ثنا ابن جابر، (ح) وحدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا الوليد وعمرو - يعني ابن عبد الواحد - قالا: ثنا ابن جابر، سمعت سليم بن عامر الخبائري يقول: أخبرني أبو أمامة الباهلي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان، فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلا وعرا فقالا: اصعد. فقلت: لا أطيقه. فقالا: إنا سنسهله لك. قال: فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة، فقلت: ما هؤلاء الأصوات؟ فقالا: عواء أهل النار. ثم انطلقا بي، فإذا

بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دما، فقلت: ما هؤلاء؟ فقالا: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم ". فقال: خابت اليهود والنصارى. قال سليم: لا أدري أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم من رأيه " ثم انطلقا بي، فإذا قوم أشد شيء انتفاخا، وأنتن شيء ريحا، كأن ريحهم المراحيض، قلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء قتلى الكفار. ثم انطلقا بي، فإذا بقوم أشد شيء انتفاخا، وأنتن شيء ريحا، كأن ريحهم المراحيض. قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزواني. ثم انطلقا بي، فإذا بنساء تنهش ثديهن الحيات، فقلت: ما بال هؤلاء؟ قالا: هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن. ثم انطلقا بي، فإذا بغلمان يلعبون بين بحرين، قلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء ذراري المؤمنين. ثم أشرفا بي شرفا، فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم، فقلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة. ثم أشرفا بي شرفا آخر، فإذا أنا بنفر ثلاثة، فقلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء إبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، وهم ينتظرونك» .

** [فيما قيل من الأشعار في غزوة مؤتة] **

فصل فيما قيل من الأشعار في غزوة مؤتة

قال ابن إسحاق: وكان مما بكي به أصحاب مؤتة قول حسان:

تأوبني ليل بيثرب أعسر ... وهم إذا ما نوم الناس مسهر

لذكرى حبيب هيجت لي عبرة ... سفوحا وأسباب البكاء التذكر

بلى إن فقدان الحبيب بلية ... وكم من كريم يبتلى ثم يصبر

رأيت خيار المسلمين تواردوا ... شعوبا وخلفا بعدهم يتأخر

فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا ... بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر

وزيد وعبد الله حين تتابعوا ... جميعا وأسباب المنية تخطر

غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم ... إلى الموت ميمون النقيبة أزهر

أغر كضوء البدر من آل هاشم ... أبي إذا سيم الظلامة مجسر

فطاعن حتى مال غير موسد ... بمعترك فيه القنا متكسر

فصار مع المستشهدين ثوابه ... جنان وملتف الحدائق أخضر

وكنا نرى في جعفر من محمد ... وفاء وأمرا حازما حين يأمر

وما زال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لا يزلن ومفخر

هم جبل الإسلام والناس حولهم ... رضام إلى طود يروق ويقهر

بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير

وحمزة والعباس منهم ومنهم ... عقيل وماء العود من حيث يعصر

بهم تفرج اللأواء في كل مأزق ... عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر

هم أولياء الله أنزل حكمه ... عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر

وقال كعب بن مالك، رضي الله عنه

نام العيون ودمع عينك يهمل ... سحا كما وكف الطباب المخضل

في ليلة وردت علي همومها ... طورا أحن وتارة أتململ

واعتادني حزن فبت كأنني ... ببنات نعش والسماك موكل

وكأنما بين الجوانح والحشا ... مما تأوبني شهاب مدخل

وجدا على النفر الذين تتابعوا ... يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا

صلى الإله عليهم من فتية ... وسقى عظامهم الغمام المسبل

صبروا بمؤتة للإله نفوسهم ... حذر الردى ومخافة أن ينكلوا

فمضوا أمام المسلمين كأنهم ... فنق عليهن الحديد المرفل

إذ يهتدون بجعفر ولوائه ... قدام أولهم فنعم الأول

حتى تفرجت الصفوف وجعفر ... حيث التقى وعث الصفوف مجدل

.. فتغير القمر المنير لفقده

والشمس قد كسفت وكادت تأفل ... قرم علا بنيانه من هاشم

فرعا أشم وسؤددا ما ينقل ... قوم بهم عصم الإله عباده

وعليهم نزل الكتاب المنزل ... فضلوا المعاشر عزة وتكرما

وتغمدت أحلامهم من يجهل ... لا يطلقون إلى السفاه حباهم

ويرى خطيبهم بحق يفصل ... بيض الوجوه ترى بطون أكفهم

تندى إذا اعتذر الزمان الممحل ... وبهديهم رضي الإله لخلقه

وبجدهم نصر النبي المرسل

** [كتاب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الآفاق وكتبه إليهم] **

** [وقت إرسال الرسل إلى ملوك الآفاق] **

بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الآفاق وكتبه إليهم يدعوهم، إلى الله عز وجل وإلى الدخول في الإسلام

ذكر الواقدي أن ذلك في آخر سنة ست في ذي الحجة، بعد عمرة الحديبية. وذكر البيهقي هذا الفصل في هذا الموضع، بعد غزوة مؤتة. والله أعلم. ولا خلاف بينهم أن بدء ذلك كان قبل فتح مكة وبعد الحديبية، لقول أبي سفيان لهرقل حين سأله: هل يغدر؟ فقال: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. وفي لفظ للبخاري: وذلك في المدة التي ماد فيها أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال محمد بن إسحاق: كان ذلك ما بين الحديبية ووفاته، عليه الصلاة والسلام ونحن نذكر ذلك هاهنا، وإن كان قول الواقدي محتملا. والله أعلم

وقد روى مسلم، عن يوسف بن حماد المعني، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب قبل موته إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبار، يدعوهم إلى الله، عز وجل» ، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه.

وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، حدثني أبو سفيان، من فيه إلى في، قال: كنا قوما تجارا، وكانت الحرب قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا، فلما كانت الهدنة - هدنة الحديبية - بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نأمن أن وجدنا أمنا، فخرجت تاجرا إلى الشام مع رهط من قريش، فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا إلا وقد حملني بضاعة، وكان وجه متجرنا من الشام غزة من أرض فلسطين، فخرجنا حتى قدمناها، وذلك حين ظهر قيصر صاحب الروم على من كان في بلاده من الفرس، فأخرجهم منها، ورد عليه صليبه الأعظم، وقد كان استلبوه إياه، فلما أن بلغه ذلك، وقد كان منزله بحمص من أرض الشام، فخرج منها يمشي متشكرا إلى بيت المقدس،

ليصلي فيه، تبسط له البسط، وتطرح له عليها الرياحين، حتى انتهى إلى إيلياء فصلى بها، فأصبح ذات غداة وهو مهموم، يقلب طرفه إلى السماء، فقالت بطارقته: أيها الملك، لقد أصبحت مهموما. فقال: أجل. فقالوا: وما ذاك؟ فقال: أريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهر. فقالوا: والله ما نعلم أمة من الأمم تختتن إلا اليهود، وهم تحت يديك وفي سلطانك، فإن كان قد وقع هذا في نفسك منهم، فابعث في مملكتك كلها، فلا يبقى يهودي إلا ضربت عنقه، فتستريح من هذا الهم، فإنهم في ذلك من رأيهم يدبرونه، إذ أتاهم رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع إليهم، فقال: أيها الملك، إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والإبل، يحدثك عن حدث كان ببلاده، فاسأله عنه. فلما انتهى إليه، قال لترجمانه: سله ما هذا الخبر الذي كان في بلاده؟ فسأله فقال: رجل من العرب من قريش، خرج يزعم أنه نبي، وقد اتبعه أقوام وخالفه آخرون، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن، فخرجت من بلادي وهم على ذلك. فلما أخبره الخبر قال: جردوه. فإذا هو مختون، فقال: هذا والله الذي قد أريت، لا ما تقولون، أعطه ثوبه، انطلق لشأنك. ثم إنه دعا صاحب شرطته، فقال له: قلب لي الشام ظهرا لبطن، حتى تأتي برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه. قال أبو سفيان: فوالله إني وأصحابي لبغزة، إذ هجم علينا، فسألنا: ممن أنتم؟ فأخبرناه، فساقنا إليه جميعا، فلما انتهينا إليه، قال أبو سفيان: فوالله ما رأيت من رجل قط أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأغلف - يريد هرقل - قال: فلما انتهينا إليه قال:

أيكم أمس به رحما؟ فقلت: أنا. قال: أدنوه مني. قال: فأجلسني بين يديه ثم أمر بأصحابي، فأجلسهم خلفي، وقال: إن كذب فردوا عليه. قال أبو سفيان: فلقد عرفت أني لو كذبت ما ردوا علي، ولكني كنت امرأ سيدا، أتكرم وأستحي من الكذب، وعرفت أن أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عني، ثم يتحدثوا به عني بمكة، فلم أكذبه. فقال: أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج فيكم. فزهدت له شأنه، وصغرت له أمره، فوالله ما التفت إلى ذلك مني، وقال لي: أخبرني عما أسألك عنه من أمره. فقلت: سلني عما بدا لك؟ فقال: كيف نسبه فيكم؟ فقلت: محضا، من أوسطنا نسبا. قال: فأخبرني هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله، فهو يتشبه به؟ فقلت: لا. قال: فأخبرني هل كان له ملك فاستلبتموه إياه، فجاء بهذا الحديث لتردوه عليه؟ فقلت: لا. قال: فأخبرني عن أتباعه من هم؟ فقلت: الأحداث والضعفاء والمساكين فأما أشرافهم وذوو الأسنان فلا. قال: فأخبرني عمن يصحبه، أيحبه ويلزمه، أم يقليه ويفارقه؟ قلت: قل ما صحبه رجل ففارقه. قال: فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه؟ فقلت:

سجال، يدال علينا وندال عليه. قال: فأخبرني هل يغدر؟ فلم أجد شيئا أغره به إلا هي، قلت: لا، ونحن منه في مدة، ولا نأمن غدره فيها. فوالله ما التفت إليها مني. قال: فأعاد علي الحديث، فقال: زعمت أنه من أمحضكم نسبا، وكذلك يأخذ الله النبي إذا أخذه، لا يأخذه إلا من أوسط قومه، وسألتك هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به، فقلت: لا. وسألتك هل كان له ملك فاستلبتموه إياه، فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه، فقلت: لا. وسألتك عن أتباعه، فزعمت أنهم الأحداث والمساكين والضعفاء، وكذلك أتباع الأنبياء في كل زمان، وسألتك عمن يتبعه، أيحبه ويلزمه، أم يقليه ويفارقه، فزعمت أنه قل من يصحبه فيفارقه، وكذلك حلاوة الإيمان، لا تدخل قلبا فتخرج منه، وسألتك كيف الحرب بينكم وبينه، فزعمت أنها سجال، يدال عليكم وتدالون عليه، وكذلك تكون حرب الأنبياء، ولهم تكون العاقبة، وسألتك هل يغدر، فزعمت أنه لا يغدر، فلئن كنت صدقتني، ليغلبن على ما تحت قدمي هاتين، ولوددت أني عنده فأغسل عن قدميه. ثم قال: الحق بشأنك، قال: فقمت وأنا أضرب إحدى يدي على الأخرى، وأقول: يا عباد الله، لقد أمر أمر ابن

أبي كبشة! أصبح ملوك بني الأصفر يخافونه في سلطانهم.

قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري قال: حدثني أسقف من النصارى، قد أدرك ذلك الزمان قال: قدم دحية بن خليفة على هرقل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن أبيت فإن إثم الأكارين عليك» قال: فلما انتهى إليه كتابه وقرأه، أخذه فجعله بين فخذه وخاصرته، ثم كتب إلى رجل من أهل رومية، كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ، يخبره عما جاءه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه: إنه النبي الذي ينتظر لا شك فيه، فاتبعه. فأمر بعظماء الروم، فجمعوا له في دسكرة ملكه، ثم أمر بها فأشرجت عليهم، واطلع عليهم من علية له وهو منهم خائف، فقال: يا معشر الروم، إنه قد جاءني كتاب أحمد، وإنه والله النبي الذي كنا ننتظر ونجد ذكره في كتابنا، نعرفه بعلاماته وزمانه، فأسلموا واتبعوه تسلم لكم دنياكم وآخرتكم. فنخروا

نخرة رجل واحد، وابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها مغلقة دونهم، فخافهم وقال: ردوهم علي. فردوهم عليه، فقال لهم: يا معشر الروم، إني إنما قلت لكم هذه المقالة أختبركم بها، لأنظر كيف صلابتكم في دينكم، فلقد رأيت منكم ما سرني. فوقعوا له سجدا، ثم فتحت لهم أبواب الدسكرة فخرجوا.

وقد روى البخاري قصة أبي سفيان مع هرقل بزيادات أخر، أحببنا أن نوردها بسندها وحروفها من " الصحيح " ليعلم ما بين السياقين من التباين، وما فيهما من الفوائد.

قال البخاري قبل الإيمان من " صحيحه ": حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا. قال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه. فوالله لولا أن يأثروا عني كذبا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط

قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله، فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك، فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك: هل يغدر، فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر

وسألتك بما يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا، فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أعلم أني أخلص إليه، لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده، لغسلت عن قدميه. ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به مع دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و: {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64] (آل عمران: 64) » قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات، وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة! إنه يخافه ملك بني الأصفر! فما زلت موقنا أنه سيظهر، حتى أدخل الله علي الإسلام. قال: وكان ابن الناطور -

صاحب إيلياء وهرقل - سقفا على نصارى الشام، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس، فقال بعض بطارقته، قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود. فبينما هم على أمرهم، أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان، يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن. وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون. فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه، يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت لكم ملككم، فتبايعوا لهذا النبي. فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ردوهم علي. وقال: إني إنما قلت مقالتي آنفا

أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل. قال البخاري: ورواه صالح بن كيسان، ويونس ومعمر، عن الزهري.

وقد رواه البخاري في مواضع كثيرة في " صحيحه " بألفاظ يطول استقصاؤها. وأخرجه بقية الجماعة، إلا ابن ماجه، من طرق عن الزهري. وقد تكلمنا على هذا الحديث مطولا في أول شرحنا لصحيح البخاري بما فيه كفاية، وذكرنا فيه من الفوائد والنكت المعنوية واللفظية، ولله الحمد والمنة.

وقال ابن لهيعة، عن الأسود، عن عروة قال: خرج أبو سفيان بن حرب إلى الشام تاجرا في نفر من قريش، وبلغ هرقل شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يعلم ما يعلم من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى صاحب العرب الذي بالشام في ملكه، فأمره أن يبعث إليه برجال من العرب يسألهم عنه، فأرسل إليه ثلاثين رجلا، منهم أبو سفيان بن حرب، فدخلوا عليه في كنيسة إيلياء التي في جوفها، فقال هرقل: أرسلت إليكم لتخبروني عن هذا الذي بمكة ما أمره؟ قالوا: ساحر كذاب، وليس بنبي. قال: فأخبروني بأعلمكم به وأقربكم منه رحما؟ قالوا: هذا أبو سفيان ابن عمه،

وقد قاتله. فلما أخبروه ذلك، أمر بهم فأخرجوا عنه، ثم أجلس أبا سفيان فاستخبره، قال: أخبرني يا أبا سفيان، فقال: هو ساحر كذاب. فقال هرقل: إني لا أريد شتمه، ولكن كيف نسبه فيكم؟ قال: هو والله من بيت قريش. قال: كيف عقله ورأيه؟ قال: لم نعب له عقلا ولا رأيا قط. قال هرقل: هل كان حلافا كذابا مخادعا في أمره؟ قال: لا والله ما كان كذلك. قال: لعله يطلب ملكا أو شرفا كان لأحد من أهل بيته قبله؟ قال أبو سفيان: لا، ثم قال: من يتبعه منكم هل يرجع إليكم منهم أحد؟ قال: لا. قال هرقل: هل يغدر إذا عاهد؟ قال: لا، إلا أن يغدر مدته هذه. فقال هرقل: وما تخاف من مدته هذه؟ قال: إن قومي أمدوا حلفاءهم على حلفائه وهو بالمدينة. قال هرقل: إن كنتم أنتم بدأتم فأنتم أغدر. فغضب أبو سفيان وقال: لم يغلبنا إلا مرة واحدة وأنا يومئذ غائب - وهو يوم بدر - ثم غزوته مرتين في بيوتهم، نبقر البطون، ونجدع الآذان والفروج. فقال هرقل: أكاذبا تراه أم صادقا؟ فقال: بل هو كاذب. فقال: إن كان فيكم نبي، فلا تقتلوه، فإن أفعل الناس لذلك اليهود. ثم رجع أبو سفيان.

ففي هذا السياق غرابة، وفيه فوائد ليست عند ابن إسحاق، ولا البخاري. وقد أورد موسى بن عقبة في " مغازيه " قريبا مما ذكره عروة بن الزبير والله أعلم.

وقال ابن جرير في " تاريخه ": حدثنا ابن حميد، ثنا سلمة، ثنا محمد

بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، أن هرقل قال لدحية بن خليفة الكلبي حين قدم عليه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسل، وأنه الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته، فاذهب إلى ضغاطر الأسقف، فاذكر له أمر صاحبكم، فهو والله في الروم أعظم مني، وأجوز قولا عندهم مني، فانظر ماذا يقول لك؟ قال: فجاءه دحية، فأخبره بما جاء به من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، وبما يدعو إليه، فقال ضغاطر: صاحبك والله نبي مرسل نعرفه بصفته، ونجده في كتابنا باسمه ثم دخل وألقى ثيابا كانت عليه سودا، ولبس ثيابا بياضا، ثم أخذ عصاه فخرج على الروم في الكنيسة فقال: يا معشر الروم، إنه قد جاءنا كتاب من أحمد، يدعونا فيه إلى الله، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله. قال: فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فضربوه حتى قتلوه. قال: فلما رجع دحية إلى هرقل، فأخبره الخبر، قال: قد قلت لك: إنا نخافهم على أنفسنا، فضغاطر والله كان أعظم عندهم، وأجوز قولا مني.

وقد روى الطبراني من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن عبد الله بن شداد، عن دحية الكلبي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى

قيصر صاحب الروم بكتاب، فقلت: استأذنوا لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتي قيصر فقيل له: إن على الباب رجلا يزعم أنه رسول رسول الله. ففزعوا لذلك، وقال: أدخله. فأدخلني عليه وعنده بطارقته، فأعطيته الكتاب فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم» فنخر ابن أخ له أحمر أزرق سبط، فقال: لا تقرأ الكتاب اليوم، فإنه بدأ بنفسه، وكتب صاحب الروم، ولم يكتب ملك الروم، قال: فقرئ الكتاب حتى فرغ منه، ثم أمرهم فخرجوا من عنده، ثم بعث إلي، فدخلت عليه، فسألني فأخبرته، فبعث إلى الأسقف فدخل عليه، وكان صاحب أمرهم، يصدرون عن رأيه وعن قوله، فلما قرأ الكتاب قال الأسقف: هو والله الذي بشرنا به موسى وعيسى، الذي كنا ننتظر. قال قيصر: فما تأمرني؟ قال الأسقف: أما أنا فإني مصدقه ومتبعه. فقال قيصر: أعرف أنه كذلك، ولكن لا أستطيع أن أفعل، إن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم.

وبه قال محمد بن إسحاق، عن خالد بن يسار، عن رجل من قدماء أهل الشام قال: لما أراد هرقل الخروج من أرض الشام إلى القسطنطينية، لما بلغه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم جمع الروم فقال: يا معشر الروم، إني عارض عليكم أمورا، فانظروا فيما أردت بها. قالوا: ما هي؟ قال: تعلمون والله أن هذا الرجل لنبي مرسل، نجده في كتابنا، نعرفه بصفته التي وصف

لنا، فهلم فلنتبعه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا. فقالوا: نحن نكون تحت أيدي العرب، ونحن أعظم الناس ملكا، وأكثرهم رجالا، وأقصاهم بلدا؟! قال: فهلم أعطيه الجزية كل سنة، أكسر عني شوكته، وأستريح من حربه بما أعطيه إياه. قالوا: نحن نعطي العرب الذل والصغار بخرج يأخذونه منا، ونحن أكثر الناس عددا، وأعظمهم ملكا، وأمنعهم بلدا؟! لا والله لا نفعل هذا أبدا. قال: فهلم فلأصالحه على أن أعطيه أرض سورية، ويدعني وأرض الشام - قال: وكانت أرض سورية، فلسطين، والأردن، ودمشق، وحمص، وما دون الدرب من أرض سورية، وما كان وراء الدرب عندهم فهو الشام - فقالوا: نحن نعطيه أرض سورية وقد عرفت أنها سرة الشام؟ ! لا نفعل هذا أبدا. فلما أبوا عليه قال: أما والله لتودن أنكم قد ظفرتم، إذا امتنعتم منه في مدينتكم. قال: ثم جلس على بغل له فانطلق، حتى إذا أشرف على الدرب، استقبل أرض الشام، ثم قال: السلام عليك يا أرض سورية تسليم الوداع. ثم ركض حتى دخل القسطنطينية. والله أعلم.

** [إرساله صلى الله عليه وسلم إلى ملك العرب من النصارى بالشام] **

ذكر إرساله صلى الله عليه وسلم إلى ملك العرب من النصارى بالشام

قال ابن إسحاق، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب، أخا بني أسد بن خزيمة، إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني، صاحب دمشق.

قال الواقدي: وكتب معه: «سلام على من اتبع الهدى وآمن به، وأدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك» فقدم شجاع بن وهب فقرأه عليه فقال: ومن ينتزع ملكي؟ إني سأسير إليه.

** [بعثه إلى كسرى ملك الفرس] **

ذكر بعثه إلى كسرى ملك الفرس

روى البخاري من حديث الليث، عن يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه مع رجل إلى كسرى، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزقه. قال: فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق» .

وقال عبد الله بن وهب، عن يونس، عن الزهري، حدثني عبد الرحمن

بن عبد القاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ذات يوم على المنبر خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال: " أما بعد، فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم، فلا تختلفوا علي كما اختلفت بنو إسرائيل على عيسى ابن مريم ". فقال المهاجرون: يا رسول الله، إنا لا نختلف عليك في شيء أبدا فمرنا وابعثنا. فبعث شجاع بن وهب إلى كسرى، فأمر كسرى بإيوانه أن يزين، ثم أذن لعظماء فارس ثم أذن لشجاع بن وهب، فلما أن دخل عليه أمر كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبض منه، فقال شجاع بن وهب: لا، حتى أدفعه أنا إليك كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كسرى: ادنه. فدنا فناوله الكتاب، ثم دعا كاتبا له من أهل الحيرة فقرأه، فإذا فيه: " من محمد عبد الله ورسوله إلى كسرى عظيم فارس " قال: فأغضبه حين بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وصاح وغضب ومزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه، وأمر بشجاع بن وهب فأخرج، فلما رأى ذلك قعد على راحلته، ثم سار، ثم قال: والله ما أبالي على أي الطريقين أكون إذ أديت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ولما ذهب عن كسرى سورة غضبه بعث إلى شجاع، ليدخل عليه، فالتمس فلم يوجد، فطلب إلى الحيرة فسبق، فلما قدم شجاع على النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بما كان من أمر كسرى وتمزيقه لكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مزق كسرى ملكه

وروى محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزهري، عن أبي سلمة «، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة بكتابه إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مزق ملكه» .

وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن حميد، ثنا سلمة، ثنا ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: وبعث عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه: " «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، فإن تسلم تسلم، وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك» ". قال: فلما قرأه شقه، وقال: يكتب إلي بهذا وهو عبدي؟! قال: ثم كتب كسرى إلى باذام، وهو نائبه على اليمن، أن ابعث إلى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به. فبعث باذام قهرمانه، وكان كاتبا حاسبا بكتاب فارس، وبعث

معه رجلا من الفرس يقال له: خرخرة. وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لأباذويه: ائت بلاد هذا الرجل وكلمه وأتني بخبره. فخرجا حتى قدما الطائف، فوجدا رجلا من قريش في أرض الطائف، فسألوه عنه فقال: هو بالمدينة. واستبشر أهل الطائف - يعني وقريش بهما - وفرحوا، وقال بعضهم لبعض: أبشروا، فقد نصب له كسرى ملك الملوك، كفيتم الرجل. فخرجا حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أباذويه فقال: شاهنشاه ملك الملوك كسرى، قد كتب إلى الملك باذام يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتب لك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت، فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك. ودخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما، وقال: " «ويلكما! من أمركما بهذا؟! " قالا: أمرنا ربنا. يعنيان كسرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي ". ثم قال: " ارجعا حتى تأتياني غدا ". قال: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء، بأن الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه، فقتله في شهر كذا وكذا، في ليلة كذا وكذا، من الليل، سلط عليه ابنه شيرويه فقتله. قال: فدعاهما

فأخبرهما فقالا: هل تدري ما تقول؟! إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا، فنكتب عنك بهذا ونخبر الملك باذام؟ قال: " نعم أخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء ". ثم أعطى خرخرة منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك، فخرجا من عنده حتى قدما على باذام فأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبيا كما يقول، وليكونن ما قد قال، فلئن كان هذا حقا فإنه نبي مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا. فلم ينشب باذام أن قدم عليه كتاب شيرويه: أما بعد، فإني قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبا لفارس، لما كان استحل من قتل أشرافهم ونحرهم في ثغورهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك، وانطلق إلى الرجل الذي كان كسرى قد كتب فيه، فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه. فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذام قال: إن هذا الرجل لرسول. فأسلم وأسلمت الأبناء من فارس من كان منهم باليمن. قال: وقد قال باذويه لباذام: ما كلمت أحدا أهيب عندي منه. فقال له باذام: هل معه شرط؟ قال: لا» .

قال الواقدي، رحمه الله: وكان قتل كسرى على يدي ابنه شيرويه ليلة

الثلاثاء، لعشر ليال مضين من جمادى الأولى من سنة سبع من الهجرة، لست ساعات مضت منها.

قلت: وفي شعر بعضهم ما يرشد أن قتله كان في شهر حرام، وهو قول بعض الشعراء:

قتلوا كسرى بليل محرما ... فتولى لم يمتع بكفن

وقال بعض شعراء العرب:

وكسرى إذ تقاسمه بنوه ... بأسياف كما اقتسم اللحام

تمخضت المنون له بيوم ... أنى ولكل حاملة تمام

وروى الحافظ البيهقي من حديث حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن أبي بكرة «، أن رجلا من أهل فارس أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ربي قد قتل الليلة ربك» ". قال: وقيل له - يعني النبي صلى الله عليه وسلم -: إنه قد استخلف ابنته. فقال: " «لا يفلح قوم تملكهم امرأة» ". قال البيهقي: وروي في حديث دحية بن خليفة، أنه لما رجع من عند قيصر وجد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رسل عامل كسرى، وذلك أن كسرى بعث، يتوعد صاحب صنعاء، ويقول له: ألا تكفيني أمر رجل قد ظهر بأرضك

يدعوني إلى دينه؟ لتكفينه أو لأفعلن بك. فبعث إليه، فقال لرسله: " «أخبروه أن ربي قد قتل ربه الليلة» ". فوجدوه كما قال. قال: وروى داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي نحو هذا.

ثم روى البيهقي من طريق أبي بكر بن عياش، عن داود بن أبي هند، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: «أقبل سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن في وجه سعد خبرا " فقال: يا رسول الله، هلك كسرى، فقال: " لعن الله كسرى، أول الناس هلاكا فارس ثم العرب» .

قلت: الظاهر أنه لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهلاك كسرى لذينك الرجلين، يعني الأميرين اللذين قدما من نائب اليمن باذام، فلما جاء الخبر بوفق ما أخبر به، عليه الصلاة والسلام، وشاع في البلاد، وكان سعد بن أبي وقاص أول من سمع، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بوفق إخباره، عليه السلام، وهكذا بنحو هذا التقدير ذكره البيهقي، رحمه الله.

ثم روى البيهقي من غير وجه، عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه بلغه أن كسرى بينما هو في دسكرة ملكه بعث له - أو قيض له - عارض يعرض عليه الحق فلم يفجأ كسرى إلا برجل يمشي وفي يده عصا، فقال: يا كسرى، هل لك في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا؟ فقال كسرى: نعم، لا تكسرها، فولى الرجل، فلما ذهب، أرسل كسرى إلى

حجابه فقال: من أذن لهذا الرجل علي؟ فقالوا: ما دخل عليك أحد. فقال: كذبتم. قال: فغضب عليهم وتهددهم، ثم تركهم. قال: فلما كان رأس الحول، أتى ذلك الرجل ومعه العصا، قال: يا كسرى، هل لك في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا؟ قال: نعم، لا تكسرها. فلما انصرف عنه دعا حجابه، قال لهم كالمرة الأولى، فلما كان العام المستقبل أتاه ذلك الرجل، معه العصا، فقال له: هل لك يا كسرى في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا؟ فقال: لا تكسرها. فكسرها، فأهلك الله كسرى عند ذلك.

وقال الإمام الشافعي: أنبأنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» ". أخرجه مسلم من حديث ابن عيينة، وأخرجاه من حديث الزهري، به.

قال الشافعي: «ولما أتي كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مزقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تمزق ملكه» ". وحفظنا أن قيصر أكرم كتاب رسول الله

صلى الله عليه وسلم ووضعه في مسك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثبت ملكه» .

قال الشافعي وغيره من العلماء: «ولما كانت العرب تأتي الشام والعراق للتجارة، فأسلم من أسلم منهم، شكوا خوفهم من ملكي العراق والشام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده» قال: فباد ملك الأكاسرة بالكلية، وزال ملك قيصر عن الشام بالكلية، وإن ثبت لهم ملك في الجملة ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم حين عظموا كتابه والله أعلم.

قلت: وفي هذا بشارة عظيمة بأن ملك الروم لا يعود أبدا إلى أرض الشام، وكانت العرب تسمي قيصر لمن ملك الشام مع الجزيرة من الروم، وكسرى لمن ملك الفرس، والنجاشي لمن ملك الحبشة، والمقوقس لمن ملك الإسكندرية وفرعون لمن ملك مصر كافرا، وبطليموس لمن ملك الهند، ولهم أعلام أجناس غير ذلك، وقد ذكرناها في غير هذا الموضع. والله أعلم.

وروى مسلم، عن قتيبة وغيره، عن أبي عوانة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لتفتحن عصابة من المسلمين كنوز كسرى في القصر الأبيض» وروى أسباط، عن سماك، عن جابر بن سمرة مثل ذلك، وزاد: وكنت أنا وأبي فيهم، فأصبنا من ذلك ألف درهم.

** [بعثه صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس] صاحب مدينة الإسكندرية واسمه جريج بن مينا القبطي **

قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فمضى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فقبل الكتاب، وأكرم حاطبا وأحسن نزله، وسرحه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأهدى له مع حاطب كسوة، وبغلة بسرجها، وجاريتين، إحداهما أم إبراهيم، وأما الأخرى فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحمد بن قيس العبدي. رواه البيهقي.

ثم روي من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، عن جده حاطب بن أبي بلتعة، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك الإسكندرية. قال: فجئته بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلني في منزله وأقمت عنده، ثم بعث إلي وقد جمع بطارقته، وقال: إني سائلك عن كلام، فأحب أن تفهم عني، قال: قلت: هلم. قال: أخبرني عن صاحبك، أليس هو نبيا؟ قلت: بلى، هو رسول الله. قال: فما له

حيث كان هكذا، لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها؟ قال: فقلت: عيسى ابن مريم، أليس تشهد أنه رسول الله؟ قال: بلى. قلت: فما له حيث أخذه قومه، فأرادوا أن يصلبوه، ألا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله إلى السماء الدنيا؟ فقال لي: أنت حكيم، قد جاء من عند حكيم، هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد، وأرسل معك ببذرقة يبذرقونك إلى مأمنك. قال: فأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث جوار، منهن أم إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وواحدة وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهم بن حذيفة العدوي، وواحدة وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت الأنصاري، وأرسل إليه بطرف من طرفهم. وذكر ابن إسحاق أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جوار، إحداهن مارية أم إبراهيم، والأخرى سيرين التي وهبها لحسان بن ثابت، فولدت له عبد الرحمن بن حسان.

قلت: وكان في جملة الهدية غلام أسود خصي، اسمه مأبور، وخفان ساذجان أسودان، وبغلة بيضاء اسمها الدلدل، وكان مأبور هذا خصيا، ولم يعلموا بأمره بادي الأمر، فصار يدخل على مارية، كما كان

من عاداتهم ببلاد مصر، فجعل بعض الناس يتكلم فيهما بسبب ذلك، ولا يعلمون بحقيقة الحال، وأنه خصي، حتى قال بعضهم: إنه الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب بقتله، فوجده خصيا فتركه، والحديث في " صحيح مسلم ".

قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سليط بن عمرو بن عبد ود، أخا بني عامر بن لؤي، إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة وبعث العلاء بن الحضرمي، إلى المنذر بن ساوى، أخي بني عبد القيس، صاحب البحرين، وعمرو بن العاص إلى جيفر بن الجلندى وعمار بن الجلندى الأزديين صاحبي عمان.

** [غزوة ذات السلاسل] **

ذكرها الحافظ البيهقي هاهنا قبل غزوة الفتح، فساق من طريق موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من مشارف الشام في بلي، وعبد الله ومن يليهم من قضاعة - قال عروة بن الزبير: بنو بلي أخوال العاص بن وائل - فلما صار إلى هناك خاف من كثرة عدوه، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين الأولين، فانتدب أبو بكر وعمر في جماعة من سراة المهاجرين، رضي الله عنهم أجمعين، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح. قال موسى بن عقبة: فلما قدموا على عمرو قال: أنا أميركم، وأنا أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستمده بكم. فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك، وأبو عبيدة أمير المهاجرين. فقال عمرو: إنما أنتم مدد أمددته. فلما رأى ذلك أبو عبيدة، وكان رجلا حسن الخلق لين الشيمة، قال: تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: «إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا» وإنك إن عصيتني لأطيعنك.

فسلم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص.

وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الإسلام، وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بني بلي، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يستألفهم بذلك، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له: السلاسل. وبه سميت تلك الغزوة ذات السلاسل. قال: فلما كان عليه وخاف، بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين، فيهم أبو بكر وعمر، «وقال لأبي عبيدة حين وجهه: " لا تختلفا» ". فخرج أبو عبيدة، حتى إذا قدم عليه قال له عمرو: إنما جئت مددا إلي. فقال له أبو عبيدة: لا، ولكني على ما أنا عليه، وأنت على ما أنت عليه. وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا، هينا عليه أمر الدنيا، فقال له عمرو: أنت مددي. فقال له أبو عبيدة: يا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لي: " «لا تختلفا» ". وإنك إن عصيتني أطعتك. فقال له عمرو: فإني أمير عليك، وإنما أنت مدد لي قال: فدونك. فصلى عمرو بن العاص بالناس.

وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن يزيد بن رومان، أن أبا عبيدة لما آب إلى عمرو بن العاص، فصاروا خمسمائة، فساروا الليل والنهار

حتى وطئ بلاد بلي ودوخها، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان بهذا الموضع جمع، فلما سمعوا بك تفرقوا، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلي وعذرة وبلقين، ولقي في آخر ذلك جمعا ليس بالكثير، فاقتتلوا ساعة، وتراموا بالنبل، ورمي يومئذ عامر بن ربيعة وأصيب ذراعه، وحمل المسلمون عليهم فهربوا، وأعجزوا هربا في البلاد وتفرقوا، ودوخ عمرو ما هناك، وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم، فكانوا ينحرون ويذبحون، ولم يكن في ذلك أكثر من ذلك، ولم تكن غنائم تقسم.

وقال أبو داود: ثنا ابن المثنى، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، «عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك. قال: فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ " قال: فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} [النساء: 29]

(النساء: 29) فضحك نبي الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا» .

حدثنا محمد بن سلمة، ثنا ابن وهب، ثنا ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، أن عمرو بن العاص كان على سرية. فذكر الحديث بنحوه، قال: فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم. فذكر نحوه، ولم يذكر التيمم. قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، وقال فيه: فتيمم.

وقال الواقدي: حدثني أفلح بن سعيد، عن ابن عبد الرحمن بن رقيش، عن أبي بكر بن حزم قال: «كان عمرو بن العاص حين قفلوا، احتلم في ليلة باردة كأشد ما يكون من البرد، فقال لأصحابه: ما ترون؟ قد والله احتلمت، فإن اغتسلت مت. فدعا بماء فتوضأ، وغسل فرجه وتيمم، ثم قام فصلى بهم، فكان أول من بعث عوف بن مالك بريدا، قال عوف: فقدمت

على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر وهو يصلي في بيته، فسلمت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عوف بن مالك؟ " فقلت: عوف بن مالك يا رسول الله. قال: " صاحب الجزور؟ " قلت: نعم. ولم يزد على هذا بعد ذلك شيئا، ثم قال: " أخبرني ". فأخبرته بما كان من مسيرنا، وما كان من أبي عبيدة وعمرو، ومطاوعة أبي عبيدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح ". قال: ثم أخبرته أن عمرا صلى بالناس وهو جنب ومعه ماء، لم يزد على أن غسل فرجه وتوضأ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله عن صلاته، فأخبره فقال: والذي بعثك بالحق، إني لو اغتسلت لمت، ولم أجد بردا قط مثله، وقد قال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} [النساء: 29] قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغنا أنه قال شيئا» .

وقال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب، «عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنت في الغزوة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص، وهي غزوة ذات السلاسل، فصحبت أبا بكر وعمر، فمررت بقوم وهم على جزور قد نحروها، وهم لا يقدرون على أن يعضوها، وكنت امرأ جازرا، فقلت

لهم: تعطوني منها عشيرا على أن أقسمها بينكم؟ قالوا: نعم. فأخذت الشفرة، فجزأتها مكاني، وأخذت منها جزءا فحملته إلى أصحابي، فاطبخناه وأكلناه، فقال أبو بكر وعمر: أنى لك هذا اللحم يا عوف؟ فأخبرتهما فقالا: لا والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا. ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما منه، فلما أن قفل الناس من ذلك السفر، كنت أول قادم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئته وهو يصلي في بيته فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فقال: " أعوف بن مالك؟ " فقلت: نعم، بأبي أنت وأمي. فقال: " صاحب الجزور؟ " ولم يزدني على ذلك شيئا» هكذا رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عوف بن مالك، وهو منقطع بل معضل.

قال الحافظ البيهقي: وقد رواه ابن لهيعة وسعيد بن أبي أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط، عن مالك بن هدم، أظنه عن عوف بن مالك، فذكر نحوه، إلا أنه قال: فعرضته على عمر فسألني عنه، فأخبرته فقال: قد تعجلت أجرك. ولم يأكله. ثم حكى عن أبي عبيدة مثله، ولم يذكر فيه أبا بكر، وتمامه كنحو ما تقدم

وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا علي بن عاصم، ثنا خالد الحذاء، عن أبي عثمان النهدي، «سمعت عمرو بن العاص يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش ذات السلاسل، وفي القوم أبو بكر وعمر، فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده. قال: فأتيته حتى قعدت بين يديه، فقلت: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال: " عائشة ". قلت: إني لست أسألك عن أهلك. قال: " فأبوها " قلت: ثم من؟ قال: " عمر " قلت: ثم من؟ حتى عدد رهطا، قال: قلت في نفسي: لا أعود أسأل عن هذا» .

وهذا الحديث مخرج في " الصحيحين " من طريق خالد بن مهران الحذاء، عن أبي عثمان النهدي، واسمه عبد الرحمن بن مل، حدثني عمرو بن العاص «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: " عائشة " قلت: فمن الرجال؟ قال: " أبوها " قلت: ثم من؟ قال: " ثم عمر بن الخطاب " فعد رجالا.» وهذا لفظ البخاري. وفي رواية: قال عمرو: فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم.

** [سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر] **

قال الإمام مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل، وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلاثمائة. قال جابر: وأنا فيهم، فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأتوا أبا عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع كله، فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة. قال: فقلت: وما تغني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت. قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظرب. قال: فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مرت تحتهما فلم تصبهما» . أخرجاه في " الصحيحين " من حديث مالك، بنحوه.

وهو في " الصحيحين " أيضا من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن

دينار، عن جابر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب، وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عيرا لقريش، فأصابنا جوع شديد، حتى أكلنا الخبط، فسمي ذلك الجيش جيش الخبط. قال: ونحر رجل ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم ثلاثا، فنهاه أبو عبيدة. قال: وألقى البحر دابة يقال لها: العنبر. فأكلنا منها نصف شهر وادهنا، حتى ثابت إلينا أجسامنا وصلحت. ثم ذكر قصة الضلع. فقوله في الحديث: نرصد عيرا لقريش. دليل على أن هذه السرية كانت قبل صلح الحديبية. والله أعلم. والرجل الذي نحر لهم الجزائر هو قيس بن سعد بن عبادة، رضي الله عنهما.

وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر بن إسحاق، ثنا إسماعيل بن قتيبة، ثنا يحيى بن يحيى، ثنا أبو خيثمة، وهو زهير بن معاوية، عن أبي الزبير، عن جابر قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر علينا أبا عبيدة، نتلقى عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر، لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة. قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: كنا نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا

نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله. قال: فانطلقنا إلى ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا به دابة تدعى العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة. ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله، وقد اضطررتم، فكلوا. قال: فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا، ولقد كنا نغرف من وقب عينه بالقلال الدهن، ونقتطع منه الفدر كالثور، أو كقدر الثور، ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا، فأقعدهم في عينه، وأخذ ضلعا من أضلاعه، فأقامها ثم رحل أعظم بعير منها، فمر تحتها، وتزودنا من لحمها وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: " هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم شيء من لحمه تطعمونا؟ " قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منه» . ورواه مسلم، عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس، وأبو داود، عن النفيلي، ثلاثتهم عن أبي خيثمة زهير بن معاوية الجعفي الكوفي، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، به.

قلت: ومقتضى أكثر هذه السياقات، أن هذه السرية كانت قبل صلح

الحديبية، ولكن أوردناها هاهنا تبعا للحافظ البيهقي، رحمه الله، فإنه أوردها بعد مؤتة وقبل غزوة الفتح. والله أعلم.

وقد ذكر البخاري بعد غزوة مؤتة سرية أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة، فقال: حدثنا عمرو بن محمد، ثنا هشيم، أنبأنا حصين بن جندب، ثنا أبو ظبيان، قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أسامة، أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ " قلت: كان متعوذا، فما زال يكررها، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم» . وقد تقدم هذا الحديث والكلام عليه فيما سلف.

ثم روى البخاري من حديث يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: «غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، علينا مرة أبو بكر، ومرة أسامة بن زيد، رضي الله عنهما.»

ثم ذكر الحافظ البيهقي هاهنا موت النجاشي - صاحب الحبشة - على الإسلام، ونعي رسول الله صلى الله عليه وسلم له إلى المسلمين، وصلاته عليه، فروى من

طريق مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى إلى الناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربع تكبيرات» . أخرجاه من حديث مالك، وأخرجاه أيضا من حديث الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه.

وأخرجاه من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن جابر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مات اليوم رجل صالح ". فصلوا على أصحمة» وقد تقدمت هذه الأحاديث أيضا والكلام عليها، ولله الحمد.

قلت: والظاهر أن موت النجاشي كان قبل الفتح بكثير، فإن في " صحيح مسلم " أنه لما كتب إلى ملوك الآفاق، كتب إلى النجاشي، وليس هو بالمسلم. وزعم آخرون كالواقدي أنه هو. والله أعلم.

وروى الحافظ البيهقي من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن موسى بن عقبة عن أبيه، عن أم كلثوم قالت: «لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة قال: " قد أهديت إلى النجاشي أواقي من مسك وحلة، وإني لا أراه إلا قد مات،

ولا أرى الهدية إلا سترد علي، فإن ردت علي - أظنه قال - قسمتها بينكن " أو " فهي لك ". قال: فكان كما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات النجاشي وردت الهدية، فلما ردت عليه، أعطى كل امرأة من نسائه أوقية من ذلك المسك، وأعطى سائره أم سلمة، وأعطاها الحلة» والله أعلم.

** [غزوة الفتح الأعظم] **

** [دخول النبي مكة] **

بسم الله الرحمن الرحيم غزوة الفتح الأعظم وكانت في رمضان سنة ثمان

وقد ذكرها الله تعالى في القرآن في غير موضع، فقال تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10] الآية (الحديد: 10) . وقال تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} [النصر: 1] (النصر)

وكان سبب الفتح بعد هدنة الحديبية ما ذكره محمد بن إسحاق، حدثني الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه جميعا قالا: كان في صلح الحديبية أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة وقالوا: نحن ندخل في عقد محمد وعهده. وتواثبت بنو بكر وقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم. فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا، ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلا، بماء يقال

له: الوتير. وهو قريب من مكة، وقالت قريش: ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا أحد. فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح، وقاتلوهم معهم، للضغن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن عمرو بن سالم ركب عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الخبر، وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشده إياها:

لاهم إني ناشد محمدا ... حلف أبيه وأبينا الأتلدا

قد كنتم ولدا وكنا والدا ... ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا

فانصر رسول الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا

فيهم رسول الله قد تجردا ... إن سيم خسفا وجهه تربدا

في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إن قريشا أخلفوك الموعدا

ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وجعلوا لي في كداء رصدا

وزعموا أن لست أدعو أحدا ... فهم أذل وأقل عددا

هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرت يا عمرو بن سالم. فما برح رسول الله

صلى الله عليه وسلم حتى مرت بنا عنانة في السماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب» . وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره، حتى يبغتهم في بلادهم.

قال ابن إسحاق: وكان السبب الذي هاجهم، أن رجلا من بني الحضرمي، اسمه مالك بن عباد، من حلفاء الأسود بن رزن خرج تاجرا، فلما توسط أرض خزاعة، عدوا عليه، فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من بني خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزن الدئلي - وهم منخر بني كنانة وأشرافهم، سلمى وكلثوم وذؤيب - فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم. قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من الدئل قال: كان بنو الأسود بن رزن يودون في الجاهلية ديتين ديتين.

قال ابن إسحاق: فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك، إذ حجز بينهم الإسلام، فلما كان يوم الحديبية، ودخل بنو بكر في عقد قريش، ودخلت

خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الهدنة، اغتنمها بنو الدئل من بني بكر، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة ثأرا بأولئك النفر، فخرج نوفل بن معاوية الدئلي في قومه، وهو يومئذ سيدهم وقائدهم، وليس كل بني بكر تابعه، فبيت خزاعة وهم على الوتير - ماء لهم - فأصابوا رجلا منهم، وتحاوزوا، واقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه، قالت بنو بكر: يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم! إلهك إلهك. فقال كلمة عظيمة: لا إله اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟! ولجأت خزاعة إلى دار بديل بن ورقاء بمكة، وإلى دار مولى لهم يقال له: رافع.

وقد قال الأخزر بن لعط الدئلي في ذلك:

ألا هل أتى قصوى الأحابيش أننا ... رددنا بني كعب بأفوق ناصل

حبسناهم في دارة العبد رافع ... وعند بديل محبسا غير طائل

بدار الذليل الآخذ الضيم بعدما ... شفينا النفوس منهم بالمناصل

حبسناهم حتى إذا طال يومهم ... نفحنا لهم من كل شعب بوابل

نذبحهم ذبح التيوس كأننا ... أسود تبارى فيهم بالقواصل

هم ظلمونا واعتدوا في مسيرهم ... وكانوا لدى الأنصاب أول قاتل

كأنهم بالجزع إذ يطردونهم ... قفا ثور حفان النعام الجوافل

قال: فأجابه بديل بن عبد مناة بن سلمة بن عمرو بن الأجب، وكان يقال له: بديل بن أم أصرم، فقال:

تعاقد قوم يفخرون ولم ندع ... لهم سيدا يندوهم غير نافل

أمن خيفة القوم الألى تزدريهم ... تجيز الوتير خائفا غير آيل

وفي كل يوم نحن نحبو حباءنا ... لعقل ولا يحبى لنا في المعاقل

ونحن صبحنا بالتلاعة داركم ... بأسيافنا يسبقن لوم العواذل

ونحن منعنا بين بيض وعتود ... إلى خيف رضوى من مجر القنابل

ويوم الغميم قد تكفت ساعيا ... عبيس فجعناه بجلد حلاحل

أأن أجمرت في بيتها أم بعضكم ... بجعموسها تنزون إن لم نقاتل

كذبتم وبيت الله ما إن قتلتم ... ولكن تركنا أمركم في بلابل

قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم يشد في العقد ويزيد في المدة» .

قال ابن إسحاق: ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أصيب منهم، ومظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين، حتى لقوا أبا سفيان بعسفان، قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشد العقد، ويزيد في المدة، وقد رهبوا للذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد

أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي. قال: فعمد أبو سفيان إلى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففته، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا. ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته، فقال: يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عني؟ فقالت: هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه. فقال: يا بنية، والله لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال عمر: أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فوالله لو لم أجد لكم إلا الذر لجاهدتكم به. ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب، وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندها حسن، غلام يدب بين يديهما، فقال: يا علي، إنك أمس القوم بي رحما، وأقربهم مني قرابة، وقد جئت في حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ويحك أبا سفيان! والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ فقالت: والله ما بلغ بني ذلك أن يجير بين

الناس، وما يجير أحد على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي، فانصحني؟ قال: والله ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك. فقال: أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال: لا والله ما أظن، ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره فانطلق، فلما أن قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته، فوالله ما رد علي شيئا، ثم جئت ابن أبي قحافة، فوالله ما وجدت فيه خيرا، ثم جئت عمر فوجدته أعدى العدو، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم، وقد أشار علي بأمر صنعته، فوالله ما أدري هل يغني عنا شيئا أم لا؟ قالوا: بماذا أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت. قالوا: هل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويحك! ما زادك الرجل على أن لعب بك، فما يغني عنا ما قلت. فقال: لا والله ما وجدت غير ذلك.

فائدة ذكرها السهيلي، تكلم على قول فاطمة في هذا الحديث: وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. على ما جاء في الحديث: «ويجير على المسلمين أدناهم» قال: وجه الجمع بينهما، بأن المراد بالحديث من يجير واحدا أو نفرا يسيرا، وقول فاطمة فيمن يجير عدوا من غزو الإمام

إياهم، فليس له ذلك. قال: كان سحنون وابن الماجشون يقولان: إن أمان المرأة موقوف على إجازة الإمام، لقوله لأم هانئ: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» . قال: ويروى هذا عن عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أمان العبد. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «ويجير عليهم أدناهم» ما يقتضي دخول العبد والمرأة. والله أعلم.

وقد روى البيهقي من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قالت بنو كعب:

لاهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا

فانصر هداك الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا

وقال موسى بن عقبة في فتح مكة: ثم إن بني نفاثة من بني الدئل أغاروا على بني كعب، وهم في المدة التي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، وكانت بنو كعب في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت بنو نفاثة في صلح قريش، فأعانت بنو بكر بني نفاثة، وأعانتهم قريش بالسلاح والرقيق، واعتزلتهم بنو مدلج، ووفوا بالعهد الذي كانوا عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بني الدئل رجلان هما سيداهم، سلم بن الأسود، وكلثوم بن الأسود، ويذكرون أن ممن أعانهم صفوان بن أمية، وشيبة بن عثمان، وسهيل بن عمرو، فأغارت بنو الدئل على بني عمرو، وعامتهم - زعموا - نساء وصبيان وضعفاء

الرجال فألجئوهم وقتلوهم حتى أدخلوهم إلى دار بديل بن ورقاء بمكة، فخرج ركب من بني كعب حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له الذي أصابهم، وما كان من قريش عليهم في ذلك، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارجعوا فتفرقوا في البلدان ". وخرج أبو سفيان من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتخوف الذي كان فقال: يا محمد، اشدد العقد، وزدنا في المدة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولذلك قدمت؟ هل كان من حدث قبلكم؟ " فقال: معاذ الله، نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية، لا نغير ولا نبدل. فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى أبا بكر فقال: جدد العقد، وزدنا في المدة. فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم. ثم خرج فأتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال عمر بن الخطاب: ما كان من حلفنا جديدا فأخلقه الله، وما كان منه متينا فقطعه الله، وما كان منه مقطوعا فلا وصله الله، فقال له أبو سفيان: جزيت من ذي رحم شرا. ثم دخل على عثمان فكلمه، فقال عثمان: جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم اتبع أشراف قريش يكلمهم، فكلهم يقول: عقدنا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما يئس مما عندهم، دخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمها، فقالت: إنما أنا امرأة، وإنما ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لها: فأمري أحد ابنيك. فقالت: إنهما صبيان، وليس مثلهما يجير. قال: فكلمي عليا

فقالت: أنت فكلمه، فكلم عليا، فقال له: يا أبا سفيان، إنه ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتات على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار، وأنت سيد قريش وأكبرها وأمنعها، فأجر بين عشيرتك. قال: صدقت، وأنا كذلك. فخرج فصاح: ألا إني قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد. ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إني قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد ولا يرد جواري. فقال: " أنت تقول يا أبا حنظلة؟ ! " فخرج أبو سفيان على ذلك، فزعموا - والله أعلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أدبر أبو سفيان: " «اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم، فلا يرونا إلا بغتة، ولا يسمعوا بنا إلا فجأة» ". وقدم أبو سفيان مكة، فقالت له قريش: ما وراءك؟ هل جئت بكتاب من محمد أو عهد؟ قال: لا والله، لقد أبى علي، وقد تتبعت أصحابه، فما رأيت قوما لملك عليهم أطوع منهم له، غير أن علي بن أبي طالب قد قال لي: لم تلتمس جوار الناس على محمد، ولا تجير أنت عليه وعلى قومك، وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها أن لا يخفر جواره؟ فقمت بالجوار، ثم دخلت على محمد، فذكرت له أني قد أجرت بين الناس، وقلت: ما أظن أن تخفرني. فقال: " أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة؟ ! " فقالوا مجيبين له: رضيت بغير رضا، وجئتنا بما لا يغني عنا ولا عنك شيئا، وإنما لعب بك علي، لعمر الله ما جوارك بجائز، وإن إخفارك عليهم لهين. ثم دخل على امرأته فحدثها الحديث فقالت: قبحك الله من وافد قوم، فما جئت بخير. قال: ورأى رسول الله

صلى الله عليه وسلم سحابا فقال: " «إن هذه السحاب لتبض بنصر بني كعب» " فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يمكث بعدما خرج أبو سفيان، ثم أخذ في الجهاز، وأمر عائشة أن تجهزه وتخفي ذلك، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد أو إلى بعض حاجاته، فدخل أبو بكر على عائشة، فوجد عندها حنطة تنسف وتنقى، فقال لها: يا بنية، لماذا تصنعين هذا الطعام؟ فسكتت، فقال: أيريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو؟ فصمتت، فقال: يريد بني الأصفر؟ - وهم الروم - فصمتت قال: فلعله يريد أهل نجد؟ فصمتت قال: فلعله يريد قريشا؟ فصمتت قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا رسول الله، أتريد أن تخرج مخرجا؟ قال: " نعم ". قال: فلعلك تريد بني الأصفر؟ قال: " لا ". قال: أتريد أهل نجد؟ قال: " لا ". قال: فلعلك تريد قريشا؟ قال: " نعم ". قال أبو بكر: يا رسول الله أليس بينك وبينهم مدة؟ قال: " ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب؟ قال: وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بالغزو، وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش، وأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على الكتاب، وذكر القصة كما سيأتي.

وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر، عن عروة، عن عائشة أن أبا بكر دخل على عائشة، وهي تغربل حنطة، فقال: ما هذا؟ أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز؟ قالت: نعم فتجهز، قال: وإلى أين؟ قالت: ما سمى لنا شيئا، غير أنه قد أمرنا بالجهاز

قال ابن إسحاق: ثم «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمر بالجد والتهيؤ، وقال: " اللهم خذ العيون والأخبار، عن قريش، حتى نبغتها في بلادها فتجهز الناس» ، فقال حسان يحرض الناس، ويذكر مصاب خزاعة:

عناني ولم أشهد ببطحاء مكة ... رجال بني كعب تحز رقابها

بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم ... وقتلى كثير لم تجن ثيابها

ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي ... سهيل بن عمرو حرها وعقابها

وصفوان عود حز من شفر استه ... فهذا أوان الحرب شد عصابها

فلا تأمننا يا بن أم مجالد ... إذا احتلبت صرفا وأعصل نابها

ولا تجزعوا منها فإن سيوفنا ... لها وقعة بالموت يفتح بابها

** [قصة حاطب بن أبي بلتعة] **

قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قالوا: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش، يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة - زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم لي غيره أنها سارة، مولاة لبعض بني عبد المطلب - وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام فقال: " أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش، يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم " فخرجا حتى أدركاها بالخليقة خليقة بني أبي أحمد، فاستنزلاها، فالتمساه في رحلها فلم يجدا فيه شيئا، فقال لها علي: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك. فلما رأت الجد منه قالت: أعرض. فأعرض، فحلت قرون رأسها،

فاستخرجت الكتاب منها فدفعته إليه، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا فقال: " يا حاطب ما حملك على هذا؟ " فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكنني كنت امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» " وأنزل الله تعالى في حاطب: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة} [الممتحنة: 1] إلى آخر القصة (الممتحنة: 1 - 9) . هكذا أورد ابن إسحاق هذه القصة مرسلة، وقد ذكر السهيلي أنه كان في كتاب حاطب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم، فإنه منجز له ما وعده. قال: وفي " تفسير ابن سلام " أن حاطبا كتب: إن محمدا قد نفر، فإما إليكم وإما إلى غيركم، فعليكم الحذر.

وقد قال البخاري: ثنا قتيبة، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني الحسن بن محمد، أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع، سمعت عليا يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها ". فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة. إلى ناس بمكة من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا حاطب، ما هذا؟ " فقال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقا في قريش - يقول: كنت حليفا ولم أكن من أنفسها - وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إنه قد صدقكم ". فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: " «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ". فأنزل الله السورة {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: 1]

إلى قوله: {فقد ضل سواء السبيل} [الممتحنة: 1] .

وأخرجه بقية الجماعة، إلا ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة وقال الترمذي: حسن صحيح.

وقال الإمام أحمد: ثنا حجين ويونس قالا: حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، «أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد غزوهم، فدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المرأة التي معها الكتاب، فأرسل إليها، فأخذ كتابها من رأسها، وقال: " يا حاطب أفعلت؟ " قال: نعم. قال: أما إني لم أفعله غشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفاقا، قد علمت أن الله مظهر رسوله، ومتم له أمره، غير أني كنت عريرا بين ظهريهم، وكانت والدتي معهم، فأردت أن أتخذ هذا عندهم. فقال له عمر: ألا أضرب رأس هذا؟ فقال: " أتقتل رجلا من أهل بدر، وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم» . تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه الإمام أحمد، وإسناده على شرط مسلم، ولله الحمد.

** [ميقات خروج النبي] **

فصل ميقات خروج النبي

قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان، فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد، بين عسفان وأمج أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين - وقال عروة بن الزبير: كان معه اثنا عشر ألفا. وكذا قال الزهري وموسى بن عقبة - فسبعت سليم، وبعضهم يقول: ألفت سليم - وألفت مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد. وروى البخاري، عن محمود، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري نحوه.

وقد روى البيهقي من حديث عاصم بن علي، عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن

رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة الفتح في رمضان. قال: وسمعت سعيد بن المسيب يقول مثل ذلك، لا أدري أخرج في ليال من شعبان فاستقبل رمضان، أو خرج في رمضان بعدما دخل؟ غير أن عبيد الله بن عبد الله أخبرني أن ابن عباس قال: «صام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الكديد - الماء الذي بين قديد وعسفان - أفطر، فلم يزل يفطر حتى انصرم الشهر» . ورواه البخاري، عن عبد الله بن يوسف، عن الليث، غير أنه لم يذكر الترديد بين شعبان ورمضان.

وقال البخاري: ثنا علي بن عبد الله، ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: «سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء فشرب نهارا ليراه الناس، فأفطر حتى قدم مكة» . قال: وكان ابن عباس يقول: «صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر، وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر» .

وقال يونس: عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفرة الفتح، واستعمل على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين الغفاري، وخرج لعشر مضين من رمضان، فصام وصام الناس معه، حتى أتى الكديد - ماء بين عسفان وأمج - فأفطر، ودخل مكة مفطرا، فكان الناس يرون أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الفطر، وأنه

نسخ ما كان قبله.

قال البيهقي: فقوله: خرج لعشر من رمضان. مدرج في الحديث، وكذلك ذكره عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق. ثم روى من طريق يعقوب بن سفيان، عن حامد بن يحيى، عن صدقة، عن ابن إسحاق، أنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر مضين من رمضان سنة ثمان.

ثم روى البيهقي من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: كان الفتح لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان. قال البيهقي: وهذا الإدراج وهم. إنما هو من كلام الزهري.

ثم روى من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري قال: «غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح - فتح مكة - فخرج من المدينة في رمضان ومعه من المسلمين عشرة آلاف، وذلك على رأس ثماني سنين ونصف سنة من مقدمه المدينة، وافتتح مكة لثلاث عشرة بقين من رمضان» .

وروى البيهقي من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن

عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان ومعه عشرة آلاف من المسلمين، فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، فقال الزهري: وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث قال الزهري: فصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان. ثم عزاه إلى " الصحيحين " من طريق عبد الرزاق والله أعلم.

وروى البيهقي من طريق سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عن عطية بن قيس، عن قزعة بن يحيى، عن أبي سعيد الخدري قال: «آذننا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان، فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفطر، فأصبح الناس شرجين، منهم الصائم ومنهم المفطر، حتى إذا بلغنا المنزل الذي نلقى العدو فيه، أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعون» .

وقد رواه الإمام أحمد، عن أبي المغيرة، عن سعيد بن عبد العزيز، حدثني عطية بن قيس، عمن حدثه، عن أبي سعيد الخدري قال: «آذننا

رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان، فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفطر، فأصبح الناس منهم الصائم ومنهم المفطر، حتى إذا بلغ أدنى منزل تلقاء العدو، أمرنا بالفطر، فأفطرنا أجمعون» .

قلت: فعلى ما ذكره الزهري من أن الفتح كان يوم الثالث عشر من رمضان، وما ذكره أبو سعيد من أنهم خرجوا من المدينة في ثاني شهر رمضان، يقتضي أن مسيرهم كان بين مكة والمدينة في إحدى عشرة ليلة.

ولكن روى البيهقي، عن أبي الحسين بن الفضل، عن عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن سفيان، عن الحسن بن الربيع، عن ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، ومحمد بن علي بن الحسين، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعمرو بن شعيب، وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم قالوا: كان فتح مكة في عشر بقيت من شهر رمضان سنة ثمان.

قال أبو داود الطيالسي: ثنا وهيب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح صائما حتى أتى كراع الغميم، والناس معه مشاة وركبانا، وذلك في شهر رمضان، فقيل: يا رسول الله، إن الناس قد اشتد عليهم الصوم، وإنما ينظرون إليك

كيف فعلت. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فرفعه، فشرب والناس ينظرون، فصام بعض الناس وأفطر البعض، حتى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن بعضهم صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أولئك العصاة» . وقد رواه مسلم من حديث الثقفي والدراوردي، عن جعفر بن محمد.

وروى الإمام أحمد من حديث محمد بن إسحاق، حدثني بشير بن يسار، عن ابن عباس قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان، فصام وصام المسلمون معه، حتى إذا كان بالكديد دعا بماء في قعب وهو على راحلته، فشرب والناس ينظرون، يعلمهم أنه قد أفطر، فأفطر المسلمون.» تفرد به أحمد.

[إسلام العباس بن عبد المطلب]

** فصل في إسلام العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي أخي أم سلمة أم المؤمنين، وهجرتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدوه في أثناء الطريق وهو ذاهب إلى فتح مكة **

قال ابن إسحاق: وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق. قال ابن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راض، فيما ذكره ابن شهاب الزهري.

قال ابن إسحاق: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة، والتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت:

يا رسول الله، ابن عمك، وابن عمتك، وصهرك. قال: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال. قال: فلما خرج إليهما الخبر بذلك ومع أبي سفيان بني له، فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما، وأنشد أبو سفيان قوله في إسلامه، واعتذر إليه مما كان مضى منه:

لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد

لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى وأهتدي

هداني هاد غير نفسي ونالني ... مع الله من طردت كل مطرد

أصد وأنأى جاهدا عن محمد ... وأدعى وإن لم أنتسب من محمد

هم ما هم من لم يقل بهواهم ... وإن كان ذا رأي يلم ويفند

أريد لأرضيهم ولست بلائط ... مع القوم ما لم أهد في كل مقعد

فقل لثقيف لا أريد قتالها ... وقل لثقيف تلك غيري أوعدي

فما كنت في الجيش الذي نال عامرا ... وما كان عن جرا لساني ولا يدي

قبائل جاءت من بلاد بعيدة ... نزائع جاءت من سهام وسردد

قال ابن إسحاق: فزعموا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . ونالني ... مع الله من طردت كل مطرد

ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في صدره وقال: أنت طردتني كل مطرد! .

** [نزول النبي بمر الظهران] **

فصل نزول النبي بمر الظهران

ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مر الظهران، نزل فيه فأقام، كما روى البخاري عن يحيى بن بكير، عن الليث، ومسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب كلاهما، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران نجتني الكباث، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " عليكم بالأسود منه فإنه أطيب ". قالوا: يا رسول الله، أكنت ترعى الغنم؟ قال: " نعم، وهل من نبي إلا وقد رعاها؟»

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com