Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 556 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
في صفر منها دخل السلطان بركياروق إلى بغداد ونزل بدار الملك، وأعيدت له الخطبة ببغداد، وقطعت خطبة أخيه محمد بن ملكشاه، وبعث إليه الخليفة هدية هائلة، وفرح به العوام والنساء ; ولكنه في ضيق من أمر أخيه السلطان محمد ; لإقبال الدولة عليه واجتماعهم إليه، وقلة ما معه من أموال، ومطالبة الجند له بأرزاقهم، فعزم على مصادرة الوزير ابن جهير فالتجأ إلى الخليفة فمنعه من ذلك، ثم اتفق الحال على المصالحة عنه بمائة وستين ألف دينار، ثم التقى هو وأخوه محمد بمكان قريب من همذان فهزمه أخوه محمد، ونجا هو بنفسه في خمسين فارسا، وقتل في هذه الوقعة سعد الدولة كوهرائين الخادم وكان قديم الهجرة في الدولة وقد ولي شحنكية بغداد، وكان حليما حسن السيرة لم يتعمد ظلما، ولم ير خادم ما رأى من الحشمة والحرمة وكثرة الخدمة، وقد كان يكثر الصلاة بالليل ولا يجلس إلا على وضوء، ولم يمرض مدة حياته، ولم يصدع قط، ولما جرى ما جرى في هذه الوقعة ضعف أمر السلطان بركياروق، ثم تراجع إليه جيشه،
وانضاف إليه الأمير داود حبشي في عشرين ألفا فالتقى مع أخيه الآخر سنجر، فهزمه سنجر أيضا، وأسر داود المذكور في هذه الوقعة، فقتله الأمير بزغش أحد أمراء سنجر فضعف جانب بركياروق وتقهقر حاله وتفرقت عنه رجاله، وقطعت خطبته من بغداد في رابع عشر رجب، وأعيدت خطبة السلطان محمد.
وفي رمضان قبض على الوزير عميد الدولة ابن جهير وعلى أخويه ; زعيم الرؤساء أبي القاسم وأبي البركات الملقب بالكافي، وأخذت منهم أموال كثيرة، وحبس بدار الخلافة حتى مات في شوال من هذه السنة، وفي الليلة السابعة والعشرين منه قتل شحنة أصبهان ضربه باطني بسكين في خاصرته، وقد كان يتحرز منهم طول مباشرته، ويدرع تحت ثيابه سوى هذه الليلة، ومات من أولاده في هذه الليلة جماعة فخرج من داره خمس جنائز من صبيحتها.
وفي هذه السنة أقبل ملك الفرنج في ثلاثمائة ألف مقاتل، فالتقى معه كمشتكين ابن الدانشمند طايلو أتابك الجيوش ب دمشق الذي يقال له: أمين الدولة، واقف الأمينية بدمشق وببصرى، - لا التي ببعلبك - فهزم الفرنج
وقتل منهم خلقا كثيرا ; بحيث لم ينج منهم سوى ثلاثة آلاف، وأكثرهم جرحى - يعني الثلاثة آلاف - وذلك في ذي القعدة من هذه السنة، ولحقهم إلى ملطية فملكها، وأسر ملكها؛ ولله الحمد.
وحج بالناس الأمير التونتاش التركي وكان شافعي المذهب.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ عبد الرزاق الغزنوي الصوفي، شيخ رباط عتاب، حج مرات على التجريد، مات وله نحو مائة سنة، ولم يترك كفنا، وقد قالت له امرأته وهو في الاحتضار: ستفتضح اليوم ; لا يوجد لك كفن، فقال لها: لو تركت كفنا لافتضحت. ### $ وعكسه أبو الحسن البسطامي
شيخ رباط ابن المحلبان، كان لا يلبس إلا الصوف شتاء وصيفا، ويظهر الزهد، وحين توفي وجد له أربعة آلاف دينار مدفونة، فتعجب الناس من حاليهما، واتفاق موتهما في هذه السنة، فرحم الله الأول وسامح الثاني. ### $ الوزير عميد الدولة ابن جهير، محمد بن أبي نصر بن محمد بن جهير الوزير الكبير
أبو منصور، الملقب عميد الدولة كان أحد رؤساء الوزراء وسادات الكبراء، خدم ثلاثة من الخلفاء ووزر لاثنين منهم، وكان حليما قليل العجلة ;
إلا أنه كان يتكلم فيه بسبب الكبر، وقد ولي الوزارة مرات ; يعزل ثم يعاد، ثم كان آخرها هذه المرة، حبس بدار الخلافة فلم يخرج من السجن إلا ميتا في شوال منها. ### $ ابن جزلة الطبيب
يحيى بن عيسى بن جزلة، صاحب " المنهاج " في الطب، كان نصرانيا وكان يتردد إلى الشيخ أبي علي بن الوليد المعتزلي يشتغل عليه في المنطق، فكان أبو علي يدعوه إلى الإسلام ويوضح له الدلالات حتى أسلم وحسن إسلامه، واستخلفه أبو عبد الله الدامغاني قاضي القضاة في كتب السجلات، ثم كان يطبب الناس بعد ذلك بلا أجرة، وربما ركب لهم الأدوية من ماله تبرعا، وقد أوصى بكتبه أن تكون وقفا بمشهد أبي حنيفة؛ رحمه الله تعالى.