John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[سنة عشر من الهجرة النبوية]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 58 of 840

** [باب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد] **

سنة عشر من الهجرة النبوية باب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد

قال ابن إسحاق: «ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا. فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هم أسلموا ولم يقاتلوا، ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، يا رسول الله، صلى الله عليك، فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله، وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم، وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثت فيهم ركبانا قالوا: يا بني الحارث أسلموا تسلموا. فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به، وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم

الإسلام، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يكتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن كتابك جاءني مع رسولك، تخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبد الله ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه، فبشرهم وأنذرهم، وأقبل وليقبل معك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ". فأقبل خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب، منهم ; قيس بن الحصين ذي الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادي، وشداد بن عبيد الله القناني، وعمرو بن عبد الله الضبابي، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم قال: " من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟ ! " قيل: يا رسول الله، هؤلاء بنو الحارث بن كعب. فلما وقفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلموا عليه وقالوا: نشهد أنك رسول الله، وأنه لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله ". ثم قال: " أنتم الذين إذا زجروا استقدموا؟ " فسكتوا فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الثانية، ثم الثالثة، فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الرابعة، فقال يزيد بن عبد المدان: نعم، يا رسول الله نحن الذين إذا زجروا استقدموا. قالها أربع مرات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أن خالدا لم يكتب إلي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رءوسكم تحت

أقدامكم ". فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا قال: " فمن حمدتم؟ " قالوا: حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدقتم ". ثم قال: " بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ ". قالوا: لم نك نغلب أحدا: قال: " بلى، قد كنتم تغلبون من قاتلكم ". قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله، أنا كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم، قال: " صدقتم " ثم أمر عليهم قيس بن الحصين.»

قال ابن إسحاق: ثم رجعوا إلى قومهم في بقية شوال، أو في صدر ذي القعدة. قال: ثم بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم ; ليفقههم في الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له كتابا عهد إليه فيه عهده، وأمره أمره. ثم أورده ابن إسحاق وقد قدمناه في وفد ملوك حمير من طريق البيهقي، وقد رواه النسائي نظير ما ساقه محمد بن إسحاق بغير إسناد.

** [بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمراء إلى أهل اليمن] قبل حجة الوداع، يدعونهم إلى الله عز وجل **

قال البخاري: باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع،

حدثنا موسى، ثنا أبو عوانة، ثنا عبد الملك، عن أبي بردة قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن. قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف. قال: واليمن مخلافان. ثم قال: " يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا ". - وفي رواية: " وتطاوعا ولا تختلفا " - فانطلق كل واحد منهما إلى عمله قال: وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه، وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا، فسلم عليه، فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبي موسى فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، فإذا هو جالس وقد اجتمع إليه الناس، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس، أيم هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه. قال: لا أنزل حتى يقتل. قال: إنما جيء به لذلك، فانزل. قال: ما أنزل حتى يقتل. فأمر به فقتل، ثم نزل فقال: يا عبد الله كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوقا. قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.» انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه.

ثم قال البخاري: ثنا إسحاق، ثنا خالد، عن الشيباني، عن سعيد بن أبي

بردة، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها فقال: " ما هي؟ " قال البتع والمزر - فقلت لأبي بردة: ما البتع؟ قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير - فقال: " كل مسكر حرام ".» رواه جرير وعبد الواحد، عن الشيباني، عن أبي بردة. ورواه مسلم من حديث سعيد بن أبي بردة.

وقال البخاري: حدثنا حبان، أنبأنا عبد الله، عن زكريا بن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ".» وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق متعددة.

وقال الإمام أحمد: ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، حدثني راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني، عن معاذ بن جبل قال: «لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: " يا معاذ، إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري ". فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم التفت بوجهه نحو المدينة فقال: " إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا» ".

3 -

ثم رواه عن أبي اليمان، عن صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني، «أن معاذا لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: " يا معاذ، إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري ". فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " لا تبك يا معاذ، للبكاء أوان، البكاء من الشيطان ".»

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، حدثني أبو زياد

يحيى بن عبيد الغساني، عن يزيد بن قطيب، عن معاذ أنه كان يقول: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: " لعلك أن تمر بقبري ومسجدي، فقد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم، يقاتلون على الحق مرتين، فقاتل بمن أطاعك منهم من عصاك، ثم يفيئون إلى الإسلام، حتى تبادر المرأة زوجها، والولد والده، والأخ أخاه، فانزل بين الحيين ; السكون والسكاسك ".»

وهذا الحديث فيه إشارة وظهور وإيماء إلى أن معاذا، رضي الله عنه، لا يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، وكذلك وقع ; فإنه أقام باليمن حتى كانت حجة الوداع، ثم كانت وفاته عليه الصلاة والسلام بعد أحد وثمانين يوما من يوم الحج الأكبر.

فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن معاذ، «أنه لما رجع من اليمن قال: يا رسول الله رأيت رجالا باليمن يسجد بعضهم لبعض، أفلا نسجد لك؟ قال: " لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ".» وقد رواه أحمد، عن ابن نمير، عن الأعمش سمعت أبا ظبيان يحدث عن رجل، من الأنصار عن معاذ بن جبل، قال: أقبل معاذ من اليمن فقال: يا رسول الله، إني رأيت رجالا. فذكر معناه. فقد دار على رجل مبهم، ومثله لا يحتج به، لا سيما

وقد خالفه غيره ممن يعتد به فقالوا: لما قدم معاذ من الشام. كذلك رواه أحمد.

وقال أحمد: ثنا إبراهيم بن مهدي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله ".» وقال أحمد: ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا معاذ، أتبع السيئة الحسنة، تمحها وخالق الناس بخلق حسن ".» قال وكيع: وجدته في كتابي، عن أبي ذر، وهو السماع الأول وقال سفيان مرة: عن معاذ.

ثم قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، عن ليث، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ أنه قال: «يا رسول الله أوصني فقال: " اتق الله حيثما كنت ". قال: زدني. قال: " أتبع السيئة الحسنة تمحها ". قال: زدني. قال: " خالق الناس بخلق حسن» وقد رواه الترمذي في " جامعه " عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان الثوري به، وقال:

حسن. قال شيخنا في " الأطراف ": وتابعه فضيل بن عياض، عن ليث بن أبي سليم والأعمش، عن حبيب به.

وقال أحمد: ثنا أبو اليمان، ثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، عن معاذ بن جبل قال: «أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات قال: " لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا ; فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن خمرا ; فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية ; فإن بالمعصية يحل سخط الله، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت، وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا، وأخفهم في الله عز وجل ".»

. وقال الإمام أحمد: ثنا يونس، ثنا بقية، عن السري بن ينعم، عن مريح بن مسروق، عن معاذ بن جبل «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال:

" إياك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ".»

وقال أحمد: ثنا سليمان بن داود الهاشمي، ثنا أبو بكر - يعني ابن عياش - ثنا عاصم، عن أبي وائل، عن معاذ قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا، أو عدله من المعافر، وأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة، مسنة، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعا حوليا، وأمرني فيما سقت السماء العشر، وما سقي بالدوالي نصف العشر.» وقد رواه أبو داود من حديث أبي معاوية، والنسائي من حديث محمد بن إسحاق، عن الأعمش كذلك. وقد رواه أهل السنن الأربعة، من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ به.

وقال أحمد: ثنا معاوية، عن عمرو وهارون بن معروف قالا: ثنا عبد الله بن وهب، عن حيوة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سلمة بن أسامة، عن يحيى بن الحكم، أن معاذا قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا - قال هارون: والتبيع الجذع أو

الجذعة - ومن كل أربعين مسنة، فعرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين، وما بين الستين والسبعين، وما بين الثمانين والتسعين، فأبيت ذلك، وقلت لهم: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فقدمت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع. قال: وأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا آخذ فيما بين ذلك شيئا، إلا أن يبلغ مسنة أو جذعا. وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها. وهذا من أفراد أحمد، وفيه دلالة على أنه قدم بعد مصيره إلى اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم،» والصحيح أنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كما تقدم في الحديث.

وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن أبي بن كعب بن مالك قال: «كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا، من خير شباب قومه، لا يسأل شيئا إلا أعطاه، حتى كان عليه دين أغلق ماله، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يكلم غرماءه، ففعل، فلم يضعوا له شيئا، فلو ترك لأحد بكلام أحد، لترك

لمعاذ بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبرح أن باع ماله، وقسمه بين غرمائه. قال: فقام معاذ ولا مال له. قال: فلما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن ليجبره. قال: فكان أول من تجر في هذا المال معاذ. قال: فقدم على أبي بكر الصديق من اليمن وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء عمر إلى معاذ فقال: هل لك أن تطيعني فتدفع هذا المال إلى أبي بكر، فإن أعطاكه فاقبله؟ قال: فقال معاذ: لم أدفعه إليه، وإنما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجبرني؟! فلما أبى عليه انطلق عمر إلى أبي بكر فقال: أرسل إلى هذا الرجل فخذ منه ودع له. فقال أبو بكر: ما كنت لأفعل، إنما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجبره، فلست آخذا منه شيئا. قال: فلما أصبح معاذ انطلق إلى عمر فقال: ما أراني إلا فاعل الذي قلت، إني رأيتني البارحة في النوم - فيما يحسب عبد الرزاق قال - أجر إلى النار وأنت آخذ بحجزتي. قال: فانطلق إلى أبي بكر بكل شيء جاء به، حتى جاءه بسوطه، وحلف له أنه لم يكتمه شيئا. قال: فقال أبو بكر، رضي الله عنه: هو لك لا آخذ منه شيئا.»

وقد رواه ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك فذكره، إلا أنه قال: حتى إذا كان عام فتح مكة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على طائفة من اليمن أميرا، فمكث حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قدم في

خلافة أبي بكر، وخرج إلى الشام.

قال البيهقي: وقد قدمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلفه بمكة مع عتاب بن أسيد ليعلم أهلها، وأنه شهد غزوة تبوك فالأشبه أن بعثه إلى اليمن كان بعد ذلك. والله أعلم. ثم ذكر البيهقي لقصة منام معاذ شاهدا من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله وأنه كان من جملة ما جاء به عبيد فأتى بهم أبا بكر، فلما رد الجميع عليه رجع بهم، ثم قام يصلي، فقاموا كلهم يصلون معه، فلما انصرف. قال: لمن صليتم؟ قالوا: لله. قال: فأنتم له عتقاء، فأعتقهم.

وقال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي عون، عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص، عن معاذ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن قال: " كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: " فإن لم يكن في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: " فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ". قال: أجتهد برأيي، لا آلو. قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ثم قال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله ".» وقد رواه أحمد، عن وكيع، وعن عفان، عن شعبة، بإسناده ولفظه. وأخرجه

أبو داود والترمذي، من حديث شعبة به، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل. وقد رواه ابن ماجه من وجه آخر عنه، إلا أنه من طريق محمد بن سعيد بن حسان - وهو المصلوب أحد الكذابين - عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ به نحوه.

وقد روى الإمام أحمد، عن محمد بن جعفر ويحيى بن سعيد، عن شعبة، عن عمرو بن أبي حكيم، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدئلي قال: «كان معاذ باليمن، فارتفعوا إليه في يهودي مات وترك أخا مسلما، فقال معاذ: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الإسلام يزيد ولا ينقص ". فورثه.» ورواه أبو داود، من حديث ابن بريدة به. وقد حكي هذا المذهب عن معاوية بن أبي سفيان ورواه يحيى بن يعمر القاضي، وطائفة من السلف، وإليه ذهب إسحاق بن راهويه، وخالفهم الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة وأصحابهم، محتجين بما ثبت في " الصحيحين " عن أسامة بن زيد

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر ".»

والمقصود أن معاذا، رضي الله عنه، كان قاضيا للنبي صلى الله عليه وسلم باليمن، وحاكما في الحروب، ومصدقا ; إليه تدفع الصدقات، كما دل عليه حديث ابن عباس المتقدم. وقد كان بارزا للناس يصلي بهم الصلوات الخمس، كما قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن عمرو بن ميمون، أن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: {واتخذ الله إبراهيم خليلا} [النساء: 125] (النساء: 125) . فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم. انفرد به البخاري.

** [بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع] **

باب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع

ثم قال البخاري: حدثنا أحمد بن عثمان، ثنا شريح بن مسلمة، ثنا إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، حدثني أبي، عن أبي إسحاق، سمعت البراء بن عازب قال: «بعثنا

رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد بن الوليد إلى اليمن. قال: ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه قال: " مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب، ومن شاء فليقبل ". فكنت فيمن عقب معه. قال: فغنمت أواقي ذات عدد» انفرد به البخاري من هذا الوجه.

ثم قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، ثنا روح بن عبادة، ثنا علي بن سويد بن منجوف، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى خالد بن الوليد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليا، فأصبح وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له. فقال: يا بريدة تبغض عليا؟ ". فقلت: نعم. فقال: " لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك» انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه.

وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن سعيد، ثنا عبد الجليل قال: «انتهيت إلى

حلقة فيها أبو مجلز، وابن بريدة، فقال عبد الله بن بريدة: حدثني أبي بريدة قال: أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا قط. قال: وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا. قال: فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليا. قال: فأصبنا سبيا. قال: فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابعث إلينا من يخمسه. قال: فبعث إلينا عليا، وفي السبي وصيفة من أفضل السبي. قال: فخمس وقسم، فخرج ورأسه يقطر، فقلنا: يا أبا الحسن، ما هذا؟ فقال: ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي، فإني قسمت وخمست فصارت في الخمس، ثم صارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم صارت في آل علي، ووقعت بها. قال: فكتب الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ابعثني. فبعثني مصدقا، فجعلت أقرأ الكتاب وأقول: صدق. قال: فأمسك يدي والكتاب فقال: " أتبغض عليا؟ " قال: قلت: نعم. قال: " فلا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حبا، فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة ".» قال: فما كان من الناس أحد بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلي من علي. قال عبد الله بن بريدة: فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث غير أبي بريدة. تفرد به بهذا السياق عبد الجليل بن عطية الفقيه أبو صالح البصري ; وثقه ابن معين وابن حبان، وقال البخاري:

إنما يهم في الشيء بعد الشيء.

وقال محمد بن إسحاق: ثنا أبان بن صالح، عن عبد الله بن نيار الأسلمي، عن خاله عمرو بن شاس الأسلمي، وكان من أصحاب الحديبية قال: «كنت مع علي بن أبي طالب في خيله التي بعثه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فجفاني علي بعض الجفاء، فوجدت في نفسي عليه، فلما قدمت المدينة اشتكيته في مجالس المدينة وعند من لقيته، فأقبلت يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، فلما رآني أنظر إلى عينيه نظر إلي حتى جلست إليه، فلما جلست إليه قال: " إنه والله يا عمرو بن شاس لقد آذيتني ". فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أعوذ بالله والإسلام أن أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: " من آذى عليا فقد آذاني ".» وقد رواه البيهقي من وجه آخر، عن ابن إسحاق عن أبان، عن الفضل بن معقل بن سنان، عن عبد الله بن نيار، عن خاله عمرو بن شاس، فذكره بمعناه.

وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو إسحاق

المزكي، أنبأنا أبو عبد الله أحمد بن علي الجوزجاني، ثنا أبو عبيدة بن أبي السفر، سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق «عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب، وأمره أن يقفل خالدا، إلا رجلا كان ممن مع خالد فأحب أن يعقب مع علي فليعقب معه. قال البراء: فكنت فيمن عقب مع علي، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي، ثم صفنا صفا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا، وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعا، فكتب علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجدا، ثم رفع رأسه فقال: " السلام على همدان، السلام على همدان ".» قال البيهقي: رواه البخاري مختصرا من وجه آخر، عن إبراهيم بن يوسف.

وقال البيهقي: أنبأنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن

الفضل القطان، أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان، حدثنا أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن سعد بن إسحاق بن كعب، عن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى اليمن. قال أبو سعيد: فكنت فيمن خرج معه، فلما أخذ من إبل الصدقة سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا - وكنا قد رأينا في إبلنا خللا - فأبى علينا وقال: إنما لكم فيها سهم كما للمسلمين. قال: فلما فرغ علي وانطلق من اليمن راجعا، أمر علينا إنسانا وأسرع هو فأدرك الحج، فلما قضى حجته قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ارجع إلى أصحابك حتى تقدم عليهم ". قال أبو سعيد: وقد كنا سألنا الذي استخلفه ما كان علي منعنا إياه، ففعل، فلما عرف في إبل الصدقة أنها قد ركبت، ورأى أثر الراكب ذم الذي أمره ولامه، فقلت: أما إن لله علي لئن قدمت المدينة لأذكرن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأخبرنه ما لقينا من الغلظة والتضييق. قال: فلما قدمنا المدينة غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد أن أفعل ما كنت حلفت عليه، فلقيت أبا بكر خارجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآني وقف معي ورحب بي، وساءلني وساءلته وقال: متى قدمت؟ فقلت: قدمت البارحة. فرجع معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل وقال: هذا سعد بن

مالك بن الشهيد. فقال: " ائذن له ". فدخلت فحييت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياني، وأقبل علي وسألني عن نفسي وأهلي، وأحفى المسألة، فقلت: يا رسول الله، ما لقينا من علي من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق؟ فانتبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلت أنا أعدد ما لقينا منه حتى إذا كنت في وسط كلامي، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، وكنت منه قريبا، وقال: " يا سعد بن مالك بن الشهيد مه بعض قولك لأخيك علي، فوالله لقد علمت أنه أخشن في سبيل الله ". قال: فقلت في نفسي: ثكلتك أمك سعد بن مالك! ألا أراني كنت فيما يكره منذ اليوم وما أدري، لا جرم والله لا أذكره بسوء أبدا سرا ولا علانية.» وهذا إسناد جيد على شرط النسائي، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة.

وقد قال يونس، عن محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي عمرة، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال: إنما وجد جيش علي بن أبي طالب الذين كانوا معه باليمن ; لأنهم حين أقبلوا خلف عليهم رجلا، وتعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فعمد الرجل فكسا كل رجل حلة، فلما دنوا خرج علي يستقبلهم، فإذا عليهم الحلل، قال علي: ما هذا؟ قالوا:

كسانا فلان. قال: فما دعاك إلى هذا قبل تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصنع ما شاء؟ فنزع الحلل منهم، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكوه لذلك، وكانوا قد صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما بعث عليا إلى جزية موضوعة.

قلت: هذا السياق أقرب من سياق البيهقي، وذلك أن عليا سبقهم لأجل الحج، وساق معه هديا، وأهل بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يمكث حراما. وفي رواية البراء بن عازب أنه قال له: إني سقت الهدي وقرنت

والمقصود أن عليا لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش ; بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة، واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبه، وعلي معذور فيما فعل، لكن اشتهر الكلام فيه في الحجيج، فلذلك - والله أعلم - لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجته وتفرغ من مناسكه ورجع إلى المدينة فمر بغدير خم، قام في الناس خطيبا فبرأ ساحة علي، ورفع من قدره ونبه على فضله ; ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس، وسيأتي هذا مفصلا في موضعه، إن شاء الله، وبه الثقة.

وقال البخاري: ثنا قتيبة، ثنا عبد الواحد، عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة، حدثني عبد الرحمن بن أبي نعم، سمعت أبا سعيد الخدري يقول: «بعث علي بن أبي طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم

مقروظ، لم تحصل من ترابها. قال: فقسمها بين أربعة ; بين عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة - يعني بن علاثة - وإما عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء؟! ". قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله، اتق الله. فقال: " ويلك، أولست أحق الناس أن يتقي الله؟! ". قال: ثم ولى الرجل. قال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: " لا، لعله أن يكون يصلي ". قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم ". قال: ثم نظر إليه وهو مقف، فقال: " إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ". أظنه قال: " لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود ".» وقد رواه

البخاري في مواضع أخر من كتابه، ومسلم في كتاب الزكاة من " صحيحه " من طرق متعددة إلى عمارة بن القعقاع به.

وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى، عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأنا حديث السن. قال: فقلت: تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء. قال: " إن الله سيهدي لسانك، ويثبت قلبك ". قال: فما شككت في قضاء بين اثنين بعد» ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا شريك، عن سماك، عن حنش، عن علي قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن. قال: فقلت: يا رسول الله، تبعثني إلى قوم أسن مني وأنا حدث لا أبصر القضاء؟! قال: فوضع يده على صدري وقال ": اللهم ثبت لسانه، واهد قلبه. يا علي، إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء ". قال: فما اختلف علي قضاء بعد. أو: ما أشكل علي قضاء بعد.» ورواه أحمد أيضا وأبو داود من طرق، عن

شريك، والترمذي من حديث زائدة، كلاهما عن سماك بن حرب، عن حنش بن المعتمر - وقيل: ابن ربيعة الكناني الكوفي - عن علي به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الأجلح، عن الشعبي، عن عبد الله بن أبي الخليل، عن زيد بن أرقم «أن نفرا وطئوا امرأة في طهر، فقال علي لاثنين: أتطيبان نفسا لذا؟ فقالا: لا. فأقبل على الآخرين فقال: أتطيبان نفسا لذا؟ فقالا: لا. فقال: أنتم شركاء متشاكسون. فقال: إني مقرع بينكم. فأيكم قرع أغرمته ثلثي الدية، وألزمته الولد. قال: فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " لا أعلم إلا ما قال علي ".»

وقال أحمد: ثنا سريج بن النعمان، ثنا هشيم، أنبأنا الأجلح، عن الشعبي، عن أبي الخليل، «عن زيد بن أرقم أن عليا أتي في ثلاثة نفر، إذ كان في اليمن، اشتركوا في ولد، فأقرع بينهم فضمن الذي أصابته القرعة ثلثي الدية وجعل الولد له. قال زيد بن أرقم: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقضاء علي، فضحك حتى بدت نواجذه.»

ورواه أبو داود، عن مسدد، عن يحيى القطان، والنسائي، عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، كلاهما عن الأجلح بن عبد الله، عن عامر الشعبي،

عن عبد الله بن الخليل - وقال النسائي في روايته: عبد الله بن أبي الخليل - عن زيد بن أرقم قال: «كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل اليمن فقال: إن ثلاثة نفر أتوا عليا يختصمون في ولد، وقعوا على امرأة في طهر واحد. فذكر نحو ما تقدم. وقال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم.» وقد روياه - أعني أبا داود والنسائي - من حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي، عن أبي الخليل أو ابن الخليل، عن علي قوله فأرسله ولم يرفعه.

وقد رواه الإمام أحمد أيضا، عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الأجلح، عن الشعبي، عن عبد خير، عن زيد بن أرقم، فذكر نحو ما تقدم. وأخرجه أبو داود والنسائي جميعا عن خشيش بن أصرم، وابن ماجه، عن إسحاق بن منصور، كلاهما عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري عن صالح الهمداني، عن الشعبي، عن عبد خير، عن زيد بن أرقم به.

قال شيخنا في " الأطراف ": لعل عبد خير هذا هو عبد الله بن الخليل، ولكن لم يضبط الراوي اسمه. قلت: فعلى هذا يقوى الحديث، وإن كان غيره كان أجود لمتابعته له، لكن الأجلح بن عبد الله الكندي فيه كلام ما، وقد

ذهب إلى القول بالقرعة في الأنساب الإمام أحمد وهو من أفراده.

وقال الإمام أحمد: ثنا أبو سعيد، ثنا إسرائيل، ثنا سماك، عن حنش، عن علي قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية للأسد، فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل فتعلق بآخر، ثم تعلق رجل بآخر، حتى صاروا فيها أربعة فجرحهم الأسد، فانتدب له رجل بحربة فقتله، وماتوا من جراحتهم كلهم، فقام أولياء الأول إلى أولياء الآخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا، فأتاهم علي على تفئة ذلك فقال: تريدون أن تقاتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي؟! إني أقضي بينكم قضاء إن رضيتم فهو القضاء، وإلا حجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون هو الذي يقضي بينكم، فمن عدا بعد ذلك فلا حق له، اجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية، وثلث الدية، ونصف الدية، والدية كاملة، فللأول الربع ; لأنه هلك من فوقه وللثاني ثلث الدية، وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية. فأبوا أن

يرضوا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند مقام إبراهيم، فقصوا عليه القصة، فقال: " أنا أحكم بينكم ". فقال رجل من القوم: يا رسول الله، إن عليا قضى فينا. فقصوا عليه القصة، فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم.» ثم رواه الإمام أحمد أيضا، عن وكيع، عن حماد بن سلمة عن سماك بن حرب، عن حنش، عن علي فذكره.

[حجة الوداع في سنة عشر]

** كتاب حجة الوداع في سنة عشر **

** [حجة النبي صلى الله عليه وسلم كيف كانت] **

ويقال لها حجة البلاغ، وحجة الإسلام، وحجة الوداع ; لأنه، عليه الصلاة والسلام، ودع الناس فيها، ولم يحج بعدها. وسميت حجة الإسلام ; لأنه، عليه الصلاة والسلام، لم يحج من المدينة غيرها، ولكن حج قبل الهجرة مرات قبل النبوة وبعدها. وقد قيل: إن فريضة الحج نزلت عامئذ. وقيل: سنة تسع. وقيل: سنة ست. وقيل: قبل الهجرة. وهو غريب جدا. وسميت حجة البلاغ ; لأنه، عليه الصلاة والسلام، بلغ الناس شرع الله في الحج قولا وفعلا، ولم يكن بقي من دعائم الإسلام وقواعده شيء إلا وقد بينه، عليه الصلاة والسلام، فلما بين لهم شريعة الحج ووضحه وشرحه أنزل الله، عز وجل، عليه وهو واقف بعرفة: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] (المائدة: 3) وسيأتي إيضاح لهذا كله.

والمقصود ذكر حجته، عليه الصلاة والسلام، كيف كانت، فإن النقلة اختلفوا فيها اختلافا كثيرا جدا، بحسب ما وصل إلى كل منهم من العلم، وتفاوتوا في ذلك تفاوتا كثيرا، لا سيما من بعد الصحابة، رضي الله عنهم، ونحن نورد بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ما ذكره الأئمة في كتبهم من هذه الروايات، ونجمع بينها جمعا يثلج قلب من تأمله وأنعم النظر فيه، وجمع بين طريقتي الحديث وفهم معانيه، إن شاء الله، وبالله الثقة وعليه التكلان. وقد

اعتنى الناس بحجة رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتناء كثيرا من قدماء الأئمة ومتأخريهم، وقد صنف العلامة أبو محمد بن حزم الأندلسي، رحمه الله، مجلدا في حجة الوداع أجاد في أكثره، ووقع له فيه أوهام، سننبه عليها في مواضعها، وبالله المستعان.

** [بيان أنه عليه الصلاة والسلام لم يحج من المدينة إلا حجة واحدة وأنه اعتمر قبلها ثلاث عمر] **

باب بيان أنه، عليه الصلاة والسلام لم يحج من المدينة إلا حجة واحدة وأنه اعتمر قبلها ثلاث عمر

كما رواه البخاري ومسلم، عن هدبة، عن همام، عن قتادة، عن أنس قال: «اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر، كلهن في ذي القعدة، إلا التي في حجته.» الحديث. وقد رواه يونس بن بكير، عن عمر بن ذر، عن مجاهد، عن أبي هريرة مثله.

وقال سعيد بن منصور، عن الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر ; عمرة في شوال وعمرتين في ذي القعدة.» وكذا رواه ابن بكير، عن مالك، عن هشام بن عروة.

وروى الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رسول الله اعتمر ثلاث عمر، كلهن في ذي القعدة.

وقال أحمد: ثنا أبو النضر، ثنا داود - يعني العطار - عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر ; عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي مع حجته.» ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث داود العطار، وحسنه الترمذي.

وقد تقدم هذا الفصل عند عمرة الجعرانة وسيأتي في فصل من قال: إنه، عليه الصلاة والسلام، حج قارنا. وبالله المستعان.

فالأولى من هذه العمر عمرة الحديبية التي صد عنها، ثم بعدها عمرة القضاء - ويقال: عمرة القصاص. ويقال: عمرة القضية - ثم بعدها عمرة الجعرانة، مرجعه من الطائف حين قسم غنائم حنين وقد قدمنا ذلك كله في مواضعه، والرابعة عمرته مع حجته، وسنبين اختلاف الناس في عمرته هذه مع الحجة ; هل كان متمتعا بأن أوقع العمرة قبل الحجة وحل منها؟ أو منعه من الإحلال منها سوقه الهدي؟ أو كان قارنا لها مع الحجة؟ كما نذكره من الأحاديث الدالة على ذلك، أو كان مفردا لها عن الحجة بأن أوقعها بعد قضاء

الحجة؟ وهذا هو الذي يقوله من يقول بالإفراد كما هو المشهور عن الشافعي، وسيأتي بيان هذا عند ذكرنا إحرامه صلى الله عليه وسلم كيف كان، مفردا أومتمتعا أو قارنا.

قال البخاري: ثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، حدثني زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة، وأنه حج بعدما هاجر حجة واحدة. قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى. وقد رواه مسلم من حديث زهير، وأخرجاه من حديث شعبة - زاد البخاري: وإسرائيل - ثلاثتهم عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن زيد. وهذا الذي قاله أبو إسحاق من أنه، عليه الصلاة والسلام، حج بمكة حجة أخرى ; أي أراد أنه لم يقع منه بمكة إلا حجة واحدة، كما هو ظاهر لفظه، فهو بعيد، فإنه عليه الصلاة والسلام كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج، ويدعو الناس إلى الله ويقول: «من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي، عز وجل ".» حتى قيض الله له جماعة الأنصار يلقونه ليلة العقبة، أي عشية يوم النحر عند جمرة العقبة، ثلاث سنين متتاليات، حتى إذا كانوا آخر سنة بايعوه ليلة العقبة الثانية، وهي ثالث اجتماعه لهم به، ثم كانت بعدها،

الهجرة إلى المدينة كما قدمنا ذلك مبسوطا في موضعه. والله أعلم.

وفي حديث جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: «أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس بالحج، فاجتمع بالمدينة بشر كثير، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة أو لأربع، فلما كان بذي الحليفة صلى، ثم استوى على راحلته، فلما أخذت به في البيداء لبى، وأهللنا لا ننوي إلا الحج.» وسيأتي الحديث بطوله، وهو في " صحيح مسلم " وهذا لفظ البيهقي، من طريق أحمد بن حفص، عن إبراهيم بن طهمان، عن جعفر بن محمد به.

[تاريخ خروجه عليه الصلاة والسلام من المدينة لحجة الوداع]

** باب تاريخ خروجه، عليه الصلاة والسلام، من المدينة لحجة الوداع بعد ما استعمل عليها أبا دجانة سماك بن خرشة الساعدي، ويقال: سباع بن عرفطة الغفاري **

قال محمد بن إسحاق: فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو القعدة - من سنة عشر - تجهز للحج، وأمر الناس بالجهاز له، فحدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج لخمس ليال بقين من ذي القعدة.» وهذا إسناد جيد.

وروى الإمام مالك في " موطئه " عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة، عن عائشة، ورواه الإمام أحمد، عن عبد الله بن نمير، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عنها، وهو ثابت في " الصحيحين "، و " سنن

النسائي " وابن ماجه و " مصنف ابن أبي شيبة "، من طرق، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة، عن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج.» الحديث بطوله، كما سيأتي.

وقال البخاري: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا فضيل بن سليمان، ثنا موسى بن عقبة أخبرني كريب، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: «انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعد ما ترجل وادهن، ولبس إزاره ورداءه، ولم ينه عن شيء من الأردية ولا الأزر إلا المزعفرة التي تردع على الجلد، فأصبح بذي الحليفة، ركب راحلته حتى استوى على البيداء، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة.» تفرد به البخاري. فقوله: وذلك لخمس بقين من ذي القعدة. إن أراد به صبيحة يومه بذي الحليفة صح قول ابن حزم في دعواه أنه صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة يوم الخميس وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة، وأصبح بها يوم الجمعة،

وهو اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة. وإن أراد ابن عباس بقوله: وذلك لخمس بقين من ذي القعدة. يوم انطلاقه، عليه الصلاة والسلام من المدينة بعدما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه - كما قالت عائشة وجابر: إنهم خرجوا من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة - بعد قول ابن حزم وتعذر المصير إليه، وتعين القول بغيره، ولم ينطبق ذلك إلا على يوم الجمعة، إن كان شهر ذي القعدة كاملا.

ولا يجوز أن يكون خروجه، عليه الصلاة والسلام، من المدينة كان يوم الجمعة ; لما رواه البخاري، حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب، ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب، حتى استوت به راحلته على البيداء، حمد الله، عز وجل، وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة»

وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين»

وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن محمد - يعني ابن

المنكدر - وإبراهيم بن ميسرة، عن أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين» . ورواه البخاري، عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري به. وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، من حديث سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة، عن أنس به.

وقال أحمد: ثنا محمد بن بكير، ثنا ابن جريج عن محمد بن المنكدر، عن أنس قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح، فلما ركب راحلته واستوت به أهل.»

وقال أحمد: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن المنكدر التيمي، عن أنس بن مالك الأنصاري قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر في مسجده بالمدينة أربع ركعات، ثم صلى بنا العصر بذي الحليفة ركعتين، آمنا لا يخاف، في حجة الوداع.» تفرد به أحمد من هذين الوجهين الآخرين وهما على شرط الصحيح، وهذا ينفي كون خروجه، عليه الصلاة والسلام، يوم الجمعة قطعا، ولا يجوز على هذا أن يكون خروجه يوم الخميس كما قال ابن حزم ; لأنه كان يوم الرابع والعشرين من ذي القعدة ;

لأنه لا خلاف أن أول ذي الحجة كان يوم الخميس ; لما ثبت بالتواتر والإجماع من أنه، عليه الصلاة والسلام، وقف بعرفة يوم الجمعة، وهو تاسع ذي الحجة بلا نزاع، فلو كان خروجه يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي القعدة، لبقي في الشهر ست ليال قطعا ; ليلة الجمعة، والسبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فهذه ست ليال.

وقد قال ابن عباس، وعائشة، وجابر: إنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة. وتعذر أنه يوم الجمعة ; لحديث أنس، فتعين على هذا أنه، عليه الصلاة والسلام، خرج من المدينة يوم السبت، وظن الراوي أن الشهر يكون تاما، فاتفق في تلك السنة نقصانه فانسلخ يوم الأربعاء، واستهل شهر ذي الحجة ليلة الخميس، ويؤيده ما وقع في رواية جابر: لخمس بقين أو أربع. وهذا التقرير على هذا التقدير لا محيد عنه، ولا بد منه، والله أعلم.

** [صفة خروجه عليه الصلاة والسلام من المدينة إلى مكة للحج] **

باب صفة خروجه، عليه الصلاة والسلام، من المدينة إلى مكة للحج

قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا أنس بن عياض عن عبيد الله - هو ابن عمر - عن نافع، عن عبد الله بن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى يصبح.» تفرد به البخاري من هذا الوجه.

وقال الحافظ أبو بكر البزار: وجدت في كتابي، عن عمرو بن مالك، عن يزيد بن زريع، عن هشام، عن عزرة بن ثابت، عن ثمامة عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم حج على رحل رث، وتحته قطيفة، وقال: " حجة لا رياء فيها ولا سمعة ".»

وقد علقه البخاري في " صحيحه " فقال: وقال: محمد بن أبي بكر

المقدمي: حدثنا يزيد بن زريع، عن عزرة بن ثابت، عن ثمامة قال: «حج أنس على رحل رث، ولم يكن شحيحا. وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج على رحل وكانت زاملته.» هكذا ذكره البزار والبخاري معلقا، مقطوع الإسناد من أوله.

وقد أسنده الحافظ البيهقي في " سننه " فقال: أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ، أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب القاضي ثنا محمد بن أبي بكر ثنا يزيد بن زريع، فذكره.

وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في " مسنده " من وجه آخر، عن أنس بن مالك فقال: «حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم على رحل رث، وقطيفة تساوي - أو لا تساوي - أربعة دراهم فقال: " اللهم حجة لا رياء فيها ".»

وقد رواه الترمذي في " الشمائل " من حديث أبي داود الطيالسي، وسفيان الثوري، وابن ماجه من حديث وكيع بن الجراح ثلاثتهم عن الربيع بن صبيح به. وهو إسناد ضعيف من جهة يزيد بن أبان الرقاشي، فإنه غير مقبول الرواية عند الأئمة.

وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: «صدرت مع ابن عمر، فمرت بنا رفقة يمانية، ورحالهم الأدم وخطم إبلهم الجرر، فقال عبد الله: من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة وردت العام برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ قدموا في حجة الوداع، فلينظر إلى هذه الرفقة.» ورواه أبو داود عن هناد، عن وكيع، عن إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن

العاص، عن أبيه، عن ابن عمر فذكره.

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو طاهر الفقيه، وأبو زكريا بن أبي إسحاق، وأبو بكر بن الحسن، وأبو سعيد بن أبي عمرو قالوا: ثنا أبو العباس - هو الأصم - أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأنا سعيد بن بشير القرشي، حدثنا عبد الله بن حكيم الكناني - رجل من أهل اليمن من مواليهم - عن بشر بن قدامة الضبابي قال: «أبصرت عيناي حبي رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفات مع الناس على ناقة له حمراء قصواء، تحته قطيفة بولانية وهو يقول: " اللهم اجعلها حجة غير رئاء ولا هباء ولا سمعة ". والناس يقولون: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم»

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، ثنا ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، أن أسماء بنت أبي بكر قالت: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حجاجا، حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست عائشة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلست إلى جنب أبي، وكانت

زمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمالة أبي بكر واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه فطلع وليس معه بعيره، فقال: أين بعيرك. فقال: أضللته البارحة. فقال أبو بكر: بعير واحد تضله! فطفق يضربه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول: " انظروا إلى هذا المحرم وما يصنع ".» وكذا رواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة. وأخرجه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثلاثتهم عن عبد الله بن إدريس به.

فأما الحديث الذي رواه أبو بكر البزار في " مسنده " قائلا: حدثنا إسماعيل بن حفص، ثنا يحيى بن يمان، ثنا حمزة الزيات، عن حمران بن أعين، عن أبي الطفيل، عن أبي سعيد قال: «حج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة قد ربطوا أوساطهم، ومشيهم خلط الهرولة» فإنه حديث منكر ضعيف الإسناد، وحمزة بن حبيب الزيات ضعيف، وشيخه متروك الحديث. وقد قال البزار: لا يروى إلا من هذا الوجه، وإن كان إسناده حسنا عندنا، ومعناه أنهم كانوا في عمرة إن ثبت الحديث ; لأنه، عليه الصلاة والسلام، إنما حج حجة واحدة وكان راكبا وبعض أصحابه مشاة.

قلت: ولم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من عمره ماشيا ; لا في الحديبية، ولا في القضاء، ولا الجعرانة، ولا في حجة الوداع، وأحواله، عليه الصلاة

والسلام، أشهر وأعرف من أن تخفى على الناس، بل هذا الحديث منكر شاذ لا يثبت مثله. والله أعلم.

** [صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق] **

فصل (صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق)

تقدم أنه، عليه الصلاة والسلام، صلى الظهر بالمدينة أربعا، ثم ركب منها إلى الحليفة، وهي وادي العقيق، فصلى بها العصر ركعتين، فدل على أنه جاء الحليفة نهارا في وقت العصر، فصلى بها العصر قصرا، وهي من المدينة على ثلاثة أميال، ثم صلى بها المغرب والعشاء، وبات بها حتى أصبح فصلى بأصحابه، وأخبرهم أنه جاءه الوحي من الليل بما يعتمده في الإحرام.

كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم ثنا زهير، عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتي في المعرس من ذي الحليفة، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة.» وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث موسى بن عقبة به.

وقال البخاري: حدثنا الحميدي، ثنا الوليد وبشر بن بكر قالا: ثنا الأوزاعي، ثنا يحيى، حدثني عكرمة، أنه سمع ابن عباس، أنه سمع عمر

يقول: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: " أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة» ". تفرد به دون مسلم. فالظاهر أنه أمره عليه، الصلاة والسلام، بالصلاة في وادي العقيق هو أمر بالإقامة به إلى أن يصلي صلاة الظهر ; لأن الأمر إنما جاءه في الليل، وأخبرهم بعد صلاة الصبح، فلم يبق إلا صلاة الظهر، فأمر أن يصليها هنالك، وأن يوقع الإحرام بعدها، ولهذا قال: " أتاني الليلة آت من ربي عز وجل فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة ". وقد احتج به على الأمر بالقران في الحج، وهو من أقوى الأدلة على ذلك، كما سيأتي بيانه قريبا.

والمقصود أنه، عليه الصلاة والسلام، أمر بالإقامة بوادي العقيق إلى صلاة الظهر، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك، فأقام هنالك، وطاف على نسائه في تلك الصبيحة، وكن تسع نسوة، وكلهن خرج معه ولم يزل هنالك حتى صلى الظهر. كما سيأتي في حديث أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم أشعر بدنته ثم ركب فأهل» . وهو عند مسلم.

وهكذا قال الإمام أحمد: حدثنا روح، ثنا أشعث - هو ابن عبد الملك - عن الحسن عن أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ثم ركب

راحلته فلما علا شرف البيداء أهل.»

ورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل، والنسائي، عن إسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل عن أشعث، بمعناه، وعن أحمد بن الأزهر، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أشعث أتم منه. وهذا فيه رد على ابن حزم حيث زعم أن ذلك في صدر النهار.

وله أن يعتضد بما رواه البخاري من طريق أيوب، عن رجل، عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بات بذي الحليفة حتى أصبح، فصلى الصبح ثم ركب راحلته حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحج.» ولكن في إسناده رجل مبهم والظاهر أنه أبو قلابة. والله أعلم.

قال مسلم في " صحيحه ": حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، ثنا خالد - يعني ابن الحارث - ثنا شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: «سمعت أبي يحدث، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يطوف على نسائه، ثم يصبح محرما ينضح طيبا»

وقد رواه البخاري من حديث شعبة، وأخرجاه من حديث أبي عوانة - زاد مسلم: ومسعر وسفيان بن سعيد الثوري - أربعتهم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر به. وفي رواية لمسلم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال: «سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرما. قال: ما أحب أني أصبح محرما أنضح طيبا لأن أطلي بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك. فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه، ثم طاف في

نسائه ثم أصبح محرما.» وهذا اللفظ الذي رواه مسلم يقتضي أنه كان صلى الله عليه وسلم يتطيب قبل أن يطوف على نسائه، وكأنه صلى الله عليه وسلم تطيب قبل أن يطوف على نسائه ; ليكون ذلك أطيب لنفسه وأحب إليهن، ثم لما اغتسل من الجنابة وللإحرام تطيب أيضا للإحرام طيبا آخر.

كما رواه الترمذي والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه «أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل.» وقال الترمذي: حسن غريب.

وقال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، أنبأنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عروة، عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأشنان، ودهنه بشيء من زيت غير كثير.» الحديث تفرد به أحمد.

وقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عثمان بن عروة، سمعت أبي يقول: «سمعت عائشة تقول: طيبت

رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه ولحله. قلت لها: بأي طيب؟ قالت: بأطيب الطيب.» وقد رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة، وأخرجه البخاري من حديث وهيب، عن هشام بن عروة، عن أخيه عثمان، عن أبيه عروة، عن عائشة به.

وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت.»

وقال مسلم: حدثنا عبد بن حميد، أنبأنا محمد بن بكر، أنبأنا ابن جريج أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبرانه، عن عائشة قالت: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام» .

وروى مسلم من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة،

عن عائشة قالت: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت.»

وقال مسلم: حدثني أحمد بن منيع، ويعقوب الدورقي، قالا: ثنا هشيم، أنبأنا منصور، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك.»

وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب قالا: ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: «كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي.»

ثم رواه مسلم من حديث الثوري وغيره، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم.» ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري، ومسلم من حديث الأعمش، كلاهما عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود

عنها. وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.

وقال أبو داود الطيالسي: أنبأنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «كأني أنظر إلى وبيص الطيب في أصول شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم.»

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنا حماد، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة قالت: «كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام وهو محرم.»

وقال عبد الله بن الزبير الحميدي: ثنا سفيان بن عيينة، ثنا عطاء بن السائب، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة قالت: «رأيت الطيب

في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثالثة وهو محرم.»

فهذه الأحاديث دالة على أنه، عليه الصلاة والسلام، تطيب بعد الغسل، إذ لو كان الطيب قبل الغسل لذهب به الغسل، ولما بقي له أثر، ولا سيما بعد ثلاثة أيام من يوم الإحرام، وقد ذهب طائفة من السلف، منهم ابن عمر إلى كراهة التطيب عند الإحرام.

وقد روينا هذا الحديث من طريق ابن عمر، عن عائشة ; فقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو الحسين بن بشران ببغداد، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد المصري، ثنا يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا عبد الرحمن بن أبي الغمر، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر، عن عائشة أنها قالت: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغالية الجيدة عند إحرامه.» وهذا إسناد غريب عزيز المخرج، ثم إنه، عليه الصلاة والسلام، لبد رأسه ليكون أحفظ لما فيه من الطيب، وأصون له من استقرار التراب والغبار. قال مالك عن نافع عن ابن عمر: إن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: " إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر ".» وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث

مالك وله طرق كثيرة عن نافع.

وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الأصم، أنبأنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا عبد الأعلى، ثنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبد رأسه بالغسل. وهذا إسناد جيد، ثم إنه، عليه الصلاة والسلام، أشعر الهدي وقلده وكان معه بذي الحليفة.»

قال الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: «تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة.» وسيأتي الحديث بتمامه وهو في " الصحيحين " والكلام عليه إن شاء الله.

وقال مسلم: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا معاذ بن هشام، هو الدستوائي، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى ذا الحليفة دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم وقلدها

نعلين، ثم ركب راحلته» وقد رواه أهل السنن الأربعة من طرق عن قتادة، وهذا يدل على أنه، عليه الصلاة والسلام، تعاطى هذا الإشعار والتقليد بيده الكريمة في هذه البدنة، وتولى إشعار بقية الهدي وتقليده غيره، فإنه قد كان هدي كثير ; إما مائة بدنة، أو أقل منها بقليل، وقد ذبح بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة، وأعطى عليا فذبح ما غبر.

وفي حديث جابر أن عليا قدم من اليمن ببدن للنبي صلى الله عليه وسلم. وفي سياق ابن إسحاق أنه، عليه الصلاة والسلام، أشرك عليا في بدنه. والله أعلم. وذكر غيره أنه ذبح هو وعلي يوم النحر مائة بدنة. فعلى هذا يكون قد ساقها معه من ذي الحليفة، وقد يكون اشترى بعضها بعد ذلك وهو محرم.

[الموضع الذي أهل منه عليه الصلاة والسلام]

** باب بيان الموضع الذي أهل منه عليه الصلاة والسلام، واختلاف الناقلين لذلك، وترجيح الحق في ذلك **

** ذكر من قال أنه أحرم من المسجد الذي بذي الحليفة بعد الصلاة **

تقدم الحديث الذي رواه البخاري من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: " أتاني آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة ".»

وقال البخاري: باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة، حدثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا موسى بن عقبة، سمعت سالم بن عبد الله، سمعت بن عمر، رضي الله عنهما. وحدثنا عبد الله بن مسلمة، ثنا مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: «ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد. يعني مسجد ذي الحليفة.» وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرق، عن موسى بن عقبة وفي رواية لمسلم، عن موسى بن

عقبة، عن سالم ونافع وحمزة بن عبد الله بن عمر، ثلاثتهم عن عبد الله بن عمر فذكره، وزاد: فقال: " لبيك اللهم لبيك ". وفي رواية لهما من طريق مالك عن موسى بن عقبة عن سالم قال: «قال عبد الله بن عمر: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ما أهل رسول الله إلا من عند المسجد.»

وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا كما يأتي في الشق الآخر، وهو ما أخرجاه في " الصحيحين " من طريق مالك، عن سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج، عن ابن عمر، فذكر حديثا فيه أن عبد الله قال: «وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته.»

وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق حدثني خصيف بن عبد الرحمن الجزري، عن سعيد بن جبير قال: «قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس، عجبا لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب! فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا ; خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه.» فسمع ذلك منه أقوام، فحفظوا عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا، فسمعوه

حين استقلت به ناقته يهل، فقالوا: إنما أهل رسول الله حين استقلت به ناقته. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما علا شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهل رسول الله حين علا شرف البيداء. وايم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا شرف البيداء. فمن أخذ بقول عبد الله بن عباس أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه. وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن عبد السلام بن حرب، عن خصيف به نحوه، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرف أحدا رواه غير عبد السلام. كذا قال، وقد تقدم رواية الإمام أحمد له من طريق محمد بن إسحاق عنه، وكذلك رواه الحافظ البيهقي، عن الحاكم، عن القطيعي، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، ثم قال: خصيف الجزري غير قوي، وقد رواه الواقدي بإسناد له عن ابن عباس. قال البيهقي: إلا أنه لا ينفع متابعة الواقدي، والأحاديث التي وردت في ذلك عن ابن عمر وغيره أسانيدها قوية ثابتة، والله تعالى أعلم.

قلت: فلو صح هذا الحديث لكان فيه جمع لما بين الأحاديث من الاختلاف، وبسط العذر لمن نقل خلاف الواقع، ولكن في إسناده ضعف، ثم قد روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما تقدم عنهما، كما سننبه عليه ونبينه، وهكذا ذكر من قال أنه، عليه الصلاة والسلام، أهل حين استوت به راحلته.

قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا هشام بن يوسف، أنبأنا ابن جريج حدثني محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك قال: «صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهل» وقد رواه البخاري، ومسلم، وأهل السنن، من طرق، عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة، عن أنس.

وثابت في " الصحيحين " من حديث مالك، عن سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج، عن ابن عمر قال: «وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله يهل حتى تنبعث به راحلته» .

وأخرجاه في " الصحيحين " من رواية ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه «أن رسول الله كان يركب راحلته بذي الحليفة، ثم يهل حين تستوي به قائمة»

وقال البخاري: باب من أهل حين استوت به راحلته، حدثنا أبو عاصم، ثنا ابن جريج أخبرني صالح بن كيسان عن نافع، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: «أهل النبي صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة.» وقد رواه مسلم، والنسائي، من حديث ابن جريج به.

وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضع رجله في الغرز وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة.» انفرد به مسلم من هذا الوجه، وأخرجاه من وجه آخر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عنه.

ثم قال البخاري: باب الإهلال مستقبل القبلة، قال أبو معمر: حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن نافع قال: «كان ابن عمر إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت، ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائما، ثم يلبي حتى يبلغ الحرم، ثم يمسك، حتى إذا جاء ذا طوى بات به حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.» ثم قال: تابعه إسماعيل، عن أيوب في الغسل. وقد علق البخاري أيضا هذا الحديث في كتاب الحج عن محمد بن عيسى، عن حماد بن زيد. وأسنده فيه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن إسماعيل هو ابن علية. ورواه مسلم، عن زهير بن حرب، عن إسماعيل، وعن أبي الربيع الزهراني وغيره، عن حماد بن زيد، ثلاثتهم عن أيوب بن أبي تميمة السختياني به. ورواه أبو داود، عن أحمد بن

حنبل، عن إسماعيل بن علية به.

ثم قال البخاري: حدثنا سليمان أبو الربيع، ثنا فليح، عن نافع قال: «كان ابن عمر، رضي الله عنهما، إذا أراد الخروج إلى مكة ادهن بدهن ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي، ثم يركب فإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.» تفرد به البخاري من هذا الوجه.

وروى مسلم، عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة عن سالم، عن أبيه قال: «بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، والله ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد حين قام به بعيره.» وهذا الحديث يجمع بين رواية ابن عمر الأولى وهذه الروايات عنه، وهو أن الإحرام كان من عند المسجد، ولكن بعدما ركب راحلته واستوت به على البيداء - يعني الأرض - وذلك قبل أن يصل إلى المكان المعروف بالبيداء.

ثم قال البخاري في موضع آخر: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا فضيل بن سليمان، ثنا موسى بن عقبة، حدثني كريب، عن عبد الله بن عباس،

رضي الله عنهما، قال: «انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعدما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه، هو وأصحابه، فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد، فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته، حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه، وقلد بدنه، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة، فطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ولم يحل من أجل بدنه ; لأنه قلدها، ثم نزل بأعلى مكة عند الحجون وهو مهل بالحج، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة، وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يقصروا من رءوسهم، ثم يحلوا، وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها، ومن كانت معه امرأته فهي له حلال، والطيب والثياب» انفرد به البخاري.

وقد روى الإمام أحمد، عن بهز بن أسد وحجاج، وروح بن عبادة، وعفان بن مسلم، كلهم عن شعبة قال: أخبرني قتادة قال: «سمعت أبا حسان الأعرج الأجرد وهو مسلم بن عبد الله البصري، عن ابن عباس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنته فأشعر صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها، وقلدها نعلين، ثم دعا براحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج.» ورواه أيضا، عن هشيم، أنبأنا أصحابنا، منهم شعبة، فذكر نحوه. ثم رواه الإمام أحمد أيضا عن روح، وأبي داود الطيالسي، ووكيع

بن الجراح، كلهم عن هشام الدستوائي، عن قتادة به نحوه. ومن هذا الوجه رواه مسلم في " صحيحه " وأهل السنن في كتبهم.

فهذه الطرق عن ابن عباس من أنه، ( «عليه الصلاة والسلام، أهل حين استوت به راحلته أصح» وأثبت من رواية خصيف الجزري عن سعيد بن جبير عنه. والله أعلم. وهكذا الرواية المثبتة المفسرة أنه أهل حين استوت به الراحلة مقدمة على الأخرى، لاحتمال أنه أحرم من عند المسجد حين استوت به راحلته، ويكون رواية ركوبه الراحلة فيها زيادة علم على الأخرى. والله أعلم.

ورواية أنس في ذلك سالمة عن المعارض، وهكذا رواية جابر بن عبد الله في " صحيح مسلم " من طريق جعفر الصادق، عن أبيه محمد بن علي، عن أبي الحسين زين العابدين، عن جابر في حديثه الطويل الذي سيأتي، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل حين استوت به راحلته. سالمة عن المعارض.» والله أعلم.

وروى البخاري من طريق الأوزاعي، سمعت عطاء، عن جابر بن عبد الله، «أن إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته.»

فأما الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق بن يسار، عن أبي الزناد، عن عائشة بنت سعد قالت: «قال سعد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقلت به راحلته، وإذا أخذ طريق أحد أهل إذا علا على شرف البيداء.» فرواه أبو داود والبيهقي، من حديث ابن إسحاق، وفيه غرابة ونكارة. والله أعلم. فهذه الطرق كلها دالة - على القطع أو الظن الغالب - أنه، عليه الصلاة والسلام، أحرم بعد الصلاة وبعدما ركب راحلته وابتدأت به السير. زاد ابن عمر في روايته: وهو مستقبل القبلة.

[بسط البيان لما أحرم به عليه الصلاة والسلام في حجته هذه من الإفراد والتمتع والقران]

** باب بسط البيان لما أحرم به، عليه الصلاة والسلام، في حجته هذه من الإفراد والتمتع والقران **

** ذكر الأحاديث الواردة بأنه، عليه الصلاة والسلام، كان مفردا **

رواية عائشة أم المؤمنين في ذلك: قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: أنبأنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج.» ورواه مسلم، عن إسماعيل، عن أبي أويس، ويحيى بن يحيى، عن مالك. ورواه الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك به.

وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني المنكدر بن محمد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج»

وقال الإمام أحمد: ثنا سريج، ثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، وعن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة، وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج» تفرد به أحمد من هذه الوجوه عنها.

وقال الإمام أحمد: حدثني عبد الأعلى بن حماد قال: قرأت على مالك بن أنس، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج»

وقال: حدثنا روح، ثنا مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل - وكان يتيما في حجر عروة - عن عروة بن الزبير عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج.» ورواه ابن ماجه، عن أبي مصعب، عن مالك كذلك. ورواه النسائي، عن قتيبة، عن مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج.»

وقال أحمد أيضا: ثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالعمرة، ومنا من أهل بالحج والعمرة، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، فأما من أهل بالعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، وأما من أهل بالحج أو بالحج والعمرة فلم يحلوا إلى يوم النحر.» وهكذا رواه البخاري، عن عبد الله

بن يوسف والقعنبي وإسماعيل بن أبي أويس، عن مالك. ورواه مسلم، عن يحيى بن يحيى، عن مالك به.

وقال أحمد: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، وأهل ناس بالحج والعمرة، وأهل ناس بالعمرة.» ورواه مسلم، عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة به نحوه.

فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس في حجة الوداع فقال: " من أحب أن يبدأ بعمرة قبل الحج فليفعل ". وأفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج ولم يعتمر.» فإنه حديث غريب جدا، تفرد به أحمد بن حنبل، وإسناده لا بأس به، ولكن لفظه فيه نكارة شديدة، وهو قوله: فلم يعتمر. فإن أريد بهذا أنه لم يعتمر مع الحج ولا قبله، فهو قول من ذهب إلى الإفراد، وإن أريد أنه لم يعتمر بالكلية لا قبل الحج ولا معه ولا بعده، فهذا مما لا أعلم أحدا من العلماء قال به، ثم هو مخالف لما صح عن عائشة وغيرها من أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته. وسيأتي تقرير هذا في فصل القران مستقصى. والله أعلم.

وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد قائلا في " مسنده ": حدثنا

روح، ثنا صالح بن أبي الأخضر، ثنا ابن شهاب، أن عروة أخبره، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج والعمرة في حجة الوداع، وساق معه الهدي، وأهل ناس بالعمرة وساقوا الهدي، وأهل ناس بالعمرة ولم يسوقوا هديا. قالت عائشة: وكنت ممن أهل بالعمرة ولم أسق هديا، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من كان منكم أهل بالعمرة فساق معه الهدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، ولا يحل منه شيء حرم منه حتى يقضي حجه وينحر هديه يوم النحر، ومن كان منكم أهل بالعمرة ولم يسق معه هديا فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم ليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ". قالت عائشة: فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج الذي خاف فوته، وأخر العمرة.» فهو حديث من أفراد الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه نكارة، ولبعضه شاهد في الصحيح، وصالح بن أبي الأخضر ليس من علية أصحاب الزهري، لا سيما إذا خالفه غيره، كما هاهنا في بعض ألفاظ سياقه هذا. وقوله: فقدم الحج الذي يخاف فوته وأخر العمرة. لا يلتئم مع أول الحديث: أهل بالحج والعمرة. فإن أراد أنه أهل بهما في الجملة وقدم أفعال الحج، ثم بعد فراغه أهل بالعمرة - كما يقوله من ذهب إلى الإفراد - فهو مما نحن فيه هاهنا، وإن أراد أنه أخر العمرة بالكلية بعد إحرامه بها فهذا لا أعلم أحدا من العلماء صار إليه، وإن أراد أنه المقضي بأفعال الحج عن أفعال العمرة، ودخلت العمرة في الحج، فهذا قول من ذهب إلى القران، وهم يؤولون قول من روى أنه، عليه الصلاة والسلام، أفرد الحج. أي أفرد أفعال الحج وإن

كان قد نوى معه العمرة، قالوا: لأنه قد روى القران كل من روى الإفراد. كما سيأتي بيانه. والله تعالى أعلم.

رواية جابر بن عبد الله في الإفراد: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله قال: «أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالحج.» إسناده جيد على شرط مسلم.

ورواه البيهقي. عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية، عن الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر قال: «أهل رسول الله في حجته بالحج ليس معه عمرة.» وهذه الزيادة غريبة جدا، ورواية الإمام أحمد بن حنبل أحفظ. والله أعلم.

وفي " صحيح مسلم " من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: «أهللنا بالحج لسنا نعرف العمرة» .

وقد روى ابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن الدراوردي وحاتم بن إسماعيل، كلاهما عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج.» وهذا إسناد جيد.

وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الوهاب الثقفي، ثنا حبيب - يعني المعلم -

عن عطاء، حدثني جابر بن عبد الله «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هو وأصحابه بالحج، ليس مع أحد منهم هدي إلا النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة.» وذكر تمام الحديث، وهو في " صحيح البخاري " بطوله، كما سيأتي عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب.

رواية عبد الله بن عمر للإفراد: قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن محمد، ثنا عباد - يعني ابن عباد - حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: «أهللنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا»

ورواه مسلم في " صحيحه "، عن عبد الله بن عون، عن عباد بن عباد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا»

وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا الحسن بن عبد العزيز ومحمد بن مسكين، قالا: ثنا بشر بن بكر، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج.» يعني مفردا. إسناده جيد، ولم يخرجوه.

رواية ابن عباس للإفراد: روى الحافظ البيهقي من حديث روح بن

عبادة، عن شعبة، عن أيوب، عن أبي العالية البراء، عن ابن عباس أنه قال: «أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، فقدم لأربع مضين من ذي الحجة، فصلى بنا الصبح بالبطحاء، ثم قال: " من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها ".» ثم قال: رواه مسلم، عن إبراهيم بن دينار، عن روح.

وتقدم من رواية قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة، ثم أتى ببدنة فأشعر صفحة سنامها الأيمن، ثم أتى براحلته فركبها، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج.» وهو في " صحيح مسلم " أيضا.

وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو هشام، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا أبو حصين، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، قال: حججت مع أبي بكر فجرد، ومع عمر فجرد، ومع عثمان فجرد. تابعه الثوري، عن أبي حصين. وهذا إنما ذكرناه هاهنا لأن الظاهر أن هؤلاء الأئمة، رضي الله عنهم، إنما يفعلون هذا عن توقيف، والمراد بالتجريد هاهنا الإفراد. والله أعلم.

وقال الدارقطني: ثنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل ومحمد بن مخلد، قالا: ثنا علي بن محمد بن معاوية البزاز، ثنا عبد الله بن نافع، عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد على الحج فأفرد، ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر فأفرد الحج، ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر، فبعث عمر فأفرد الحج، ثم حج أبو بكر فأفرد الحج، وتوفي أبو بكر واستخلف عمر، فبعث عبد الرحمن بن عوف فأفرد الحج، ثم حج عمر سنيه كلها فأفرد الحج، ثم توفي عمر واستخلف عثمان فأفرد الحج، ثم حصر عثمان، فأقام عبد الله بن عباس للناس فأفرد الحج» . في إسناده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف، لكن قال الحافظ البيهقي: له شاهد بإسناد صحيح.

** [ذكر من قال أنه صلى الله عليه وسلم حج متمتعا] **

قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، ثنا ليث، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: «تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي من ذي

الحليفة ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله ". وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة، استلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم، فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة، ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى فساق الهدي من الناس»

قال الإمام أحمد: وحدثنا حجاج، ثنا ليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالعمرة إلى الحج، وتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم بن عبد الله، عن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى هذا الحديث البخاري، عن يحيى بن بكير، ومسلم وأبو داود عن عبد الملك بن شعيب، عن الليث، عن أبيه، والنسائي عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، عن حجين بن المثنى، ثلاثتهم عن الليث بن سعد عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه

به. وأخرجاه صاحبا " الصحيح " من طريق الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة كما ذكره الإمام أحمد، رحمه الله.

وهذا الحديث من المشكلات على كل من الأقوال الثلاثة ; أما قول الإفراد ففي هذا إثبات عمرة إما قبل الحج أو معه، وأما على قول التمتع الخاص فلأنه ذكر أنه لم يحل من إحرامه بعدما طاف بالصفا والمروة، وليس هذا شأن المتمتع، ومن زعم أنه إنما منعه من التحلل سوق الهدي كما قد يفهم من حديث ابن عمر «عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: " إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر ".» فقولهم بعيد ; لأن الأحاديث الواردة في إثبات القران ترد هذا القول وتأبى كونه، عليه الصلاة والسلام، إنما أهل أولا بعمرة، ثم بعد سعيه بالصفا والمروة أهل بالحج، فإن هذا على هذه الصفة لم ينقله أحد بإسناد صحيح، بل ولا حسن ولا ضعيف. وقوله في هذا الحديث: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج. إن أريد بذلك التمتع الخاص، وهو الذي يحل منه بعد السعي، فليس كذلك، فإن في سياق الحديث ما يرده، ثم في إثبات العمرة المقارنة لحجه، عليه الصلاة والسلام، ما يأباه، وإن أريد به التمتع العام دخل فيه القران، وهو المراد. وقوله: «وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج. إن أريد به بدأ بلفظ العمرة على لفظ الحج بأن قال: " لبيك اللهم عمرة وحجا ".» فهذا سهل ولا ينافي القران، وإن أريد به أنه أهل

بالعمرة أولا، ثم أدخل عليها الحج بتراخ، ولكن قبل الطواف، قد صار قارنا أيضا، وإن أريد به أنه أهل بالعمرة، ثم فرغ من أفعالها تحلل أو لم يتحلل بسوق الهدي - كما زعمه زاعمون - ولكنه أهل بحج بعد قضاء مناسك العمرة وقبل خروجه إلى منى، فهذا لم ينقله أحد من الصحابة كما قدمنا، ومن ادعاه من الناس فقوله مردود ; لعدم نقله، ومخالفته الأحاديث الواردة في إثبات القران كما سيأتي، بل والأحاديث الواردة في الإفراد كما سبق. والله أعلم. والظاهر، والله أعلم، أن حديث الليث هذا عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر مروي من الطريق الأخرى عن ابن عمر حين أراد الحج زمن محاصرة الحجاج لابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم شيء، فلو أخرت الحج عامك هذا؟ فقال: إذن أفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. يعني زمن حصر عام الحديبية. فأحرم بعمرة من ذي الحليفة، ثم لما علا شرف البيداء قال: ما أرى أمرهما إلا واحدا. فأهل بحج معها، فاعتقد الراوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا فعل سواء ; بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فرووه كذلك، وفيه نظر ; لما سنبينه.

وبيان هذا في الحديث الذي رواه عبد الله بن وهب: أخبرني مالك بن أنس وغيره، أن نافعا حدثهم أن عبد الله بن عمر خرج في الفتنة معتمرا وقال: «إن صددت عن البيت صنعنا كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج فأهل بالعمرة، وسار حتى إذا ظهر على ظاهر البيداء التفت إلى أصحابه فقال: ما أمرهما إلا

واحد، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة. فخرج حتى جاء البيت، فطاف به وطاف بين الصفا والمروة سبعا لم يزد عليه، ورأى أن ذلك مجزئ عنه وأهدى.» وقد أخرجه صاحبا " الصحيح " من حديث مالك، وأخرجاه من حديث عبيد الله، عن نافع به. ورواه عبد الرزاق، عن عبيد الله، وعبد العزيز بن أبي رواد عن نافع به نحوه، وفيه: ثم قال في آخره: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفيما رواه البخاري حيث قال: حدثنا قتيبة، ثنا ليث، عن نافع «أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال، وإنا نخاف أن يصدوك. قال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] . (الأحزاب: 21) ، إذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة. ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد، أشهدكم أني أوجبت حجا مع عمرتي. فأهدى هديا اشتراه بقديد، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر ولم يحل من شيء حرم منه، ولم يحلق ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.» وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا ابن علية، عن أيوب، عن

نافع «أن ابن عمر دخل ابنه عبد الله بن عبد الله وظهره في الدار فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال فيصدوك عن البيت فلو أقمت. قال: قد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فإن يحل بيني وبينه، أفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم: " {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] ". إني أشهدكم أني قد أوجبت مع عمرتي حجا. ثم قدم فطاف لهما طوافا واحدا.» وهكذا رواه البخاري، عن أبي النعمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن نافع به. ورواه مسلم من حديثهما عن أيوب به. فقد اقتدى ابن عمر، رضي الله عنه، برسول الله صلى الله عليه وسلم، في التحلل عند حصر العدو، والاكتفاء بطواف واحد عن الحج والعمرة ; وذلك لأنه كان قد أحرم أولا بعمرة ليكون متمتعا، فخشي أن يكون حصر فجمعهما، وأدخل الحج على العمرة قبل الطواف، فصار قارنا، وقال: ما أرى أمرهما إلا واحدا. يعني لا فرق بين أن يحصر الإنسان عن الحج أو العمرة أو عنهما. فلما قدم مكة اكتفى عنهما بطوافه الأول، كما صرح به في السياق الأول الذي أوردناه، وهو قوله: ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. قال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني أنه اكتفى عن الحج والعمرة بطواف واحد. يعني بين الصفا والمروة. وفي هذا دلالة على أن ابن عمر روى القران ; ولهذا روى النسائي، عن محمد بن منصور، عن سفيان بن

عيينة، عن أيوب بن موسى، عن نافع، أن ابن عمر قرن الحج والعمرة فطاف طوافا واحدا.

ثم رواه النسائي، عن علي بن ميمون الرقي، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى، وأيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر، أربعتهم عن نافع، «أن ابن عمر أتى ذا الحليفة فأهل بعمرة، فخشي أن يصد عن البيت.» فذكر تمام الحديث من إدخاله الحج على العمرة وصيرورته قارنا.

والمقصود أن بعض الرواة لما سمع قول ابن عمر: «إذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. اعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج فأدخله عليها قبل الطواف،» فرواه بمعنى ما فهم، ولم يرد ابن عمر ذلك وإنما أراد ما ذكرناه. والله أعلم بالصواب. ثم بتقدير أن يكون أهل بالعمرة، أولا ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف، فإنه يصير قارنا لا متمتعا التمتع الخاص، فيكون فيه دلالة لمن ذهب إلى أفضلية التمتع. والله تعالى أعلم.

وأما الحديث الذي رواه البخاري في " صحيحه " حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا همام، عن قتادة، حدثني مطرف، عن عمران قال: «تمتعنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن، قال رجل برأيه ما شاء» فقد رواه مسلم، عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن همام، عن

قتادة به. والمراد به المتعة التي أعم من القران والتمتع الخاص.

ويدل على ذلك ما رواه مسلم من حديث شعبة وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف، عن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن الحصين «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة.» وذكر تمام الحديث.

وأكثر السلف يطلقون المتعة على القران، كما قال البخاري: حدثنا قتيبة، ثنا حجاج بن محمد الأعور، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب قال: اختلف علي وعثمان، رضي الله عنهما، وهما بعسفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ذلك علي بن أبي طالب أهل بهما جميعا. ورواه مسلم من حديث شعبة.

وأخرجه البخاري من حديث شعبة أيضا، عن الحكم بن عيينة، عن علي بن الحسين عن مروان بن الحكم عنهما به. وقال علي: ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد.

ورواه مسلم من حديث شعبة أيضا، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق عنهما، فقال له علي: «ولقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أجل، ولكنا كنا خائفين.»

وأما الحديث الذي رواه مسلم من حديث غندر، عن شعبة، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن مسلم بن مخراق القري «سمع ابن عباس يقول: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمرة، وأهل أصحابه بحج، فلم يحل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من ساق الهدي من أصحابه، وحل بقيتهم.» فقد رواه أبو داود الطيالسي في " مسنده " وروح بن عبادة، عن شعبة، عن مسلم القري، عن ابن عباس قال: «أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج - وفي رواية أبي داود: أهل رسول الله وأصحابه بالحج - فمن كان منهم لم يكن له متعة هدي حل، ومن كان معه هدي لم يحل. . .» الحديث. فإن صححنا الروايتين جاء القران، وإن توقفنا في كل منهما وقف الدليل، وإن رجحنا رواية مسلم في " صحيحه " في رواية العمرة فقد تقدم عن ابن عباس أنه روى الإفراد، وهو الإحرام بالحج، فتكون هذه زيادة على الحج، فيجيء القول بالقران لا سيما وسيأتي عن ابن عباس ما يدل على ذلك.

وروى مسلم من حديث غندر ومعاذ بن معاذ، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس أن رسول الله قال «هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن معه هدي فليحل الحل كله فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة.»

وروى البخاري، عن آدم بن أبي إياس، ومسلم من حديث غندر، كلاهما عن شعبة، عن أبي جمرة قال: «تمتعت فنهاني ناس، فسألت ابن عباس فأمرني بها، فرأيت في المنام كأن رجلا يقول: حج مبرور ومتعة متقبلة. فأخبرت ابن عباس فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم صلوات الله وسلامه عليه.» والمراد بالمتعة هاهنا القران.

وقال القعنبي وغيره عن مالك بن أنس عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، «أنه حدثه أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله. فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي. فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب كان ينهى عنها. فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه.» ورواه الترمذي والنسائي، عن قتيبة، عن مالك، وقال الترمذي: صحيح.

وقال عبد الرزاق، عن معتمر بن سليمان، وعبد الله بن المبارك، كلاهما عن سليمان التيمي، حدثني غنيم بن قيس، «سألت سعد بن أبي وقاص عن التمتع بالعمرة إلى الحج قال: فعلتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر في العرش.» يعني مكة ويعني به معاوية.

ورواه مسلم من حديث شعبة، وسفيان الثوري، ويحيى بن سعيد، ومروان الفزاري، أربعتهم عن سليمان التيمي، سمعت غنيم بن قيس، سألت سعدا عن المتعة فقال: قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش. وفي رواية يحيى بن سعيد: يعني معاوية. وهذا كله من باب إطلاق التمتع على ما هو أعم من التمتع الخاص، وهو الإحرام بالعمرة والفراغ منها، ثم الإحرام بالحج، ومن القران، بل كلام سعد فيه دلالة على إطلاق التمتع على الاعتمار في أشهر الحج، وذلك أنهم اعتمروا ومعاوية بعد كافر بمكة قبل الحج، إما عمرة الحديبية أو عمرة القضاء، وهو الأشبه، فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية أسلم مع أبيه ليلة الفتح، وروينا أنه قصر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص في بعض عمره، وهي عمرة الجعرانة لا محالة. والله أعلم.

** [ذكر حجة من ذهب إلى أنه عليه الصلاة والسلام كان قارنا وسرد الأحاديث في ذلك] **

رواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قد تقدم ما رواه البخاري من حديث أبي عمرو الأوزاعي، سمعت يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

بوادي العقيق يقول: " أتاني آت من ربي، عز وجل، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة ".»

وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا علي بن أحمد بن عمر بن حفص المقرئ ببغداد، أنبأنا أحمد بن سلمان قال: قرئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع: حدثنا أبو زيد الهروي، ثنا علي بن المبارك، ثنا يحيى بن أبي كثير، ثنا عكرمة، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أتاني جبريل، عليه السلام، وأنا بالعقيق فقال: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين، وقل: عمرة في حجة. فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» ". ثم قال البيهقي: رواه البخاري عن أبي زيد الهروي.

وقال الإمام أحمد: ثنا هشيم، ثنا سيار، عن أبي وائل أن رجلا كان نصرانيا، يقال له: الصبي بن معبد فأراد الجهاد، فقيل له: ابدأ بالحج. فأتى الأشعري فأمره أن يهل بالحج والعمرة جميعا، ففعل، فبينما هو يلبي إذ مر بزيد بن صوحان، وسلمان بن ربيعة، فقال أحدهما لصاحبه: لهذا أضل من بعير أهله. فسمعها الصبي فكبر ذلك عليه، فلما قدم أتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له فقال له عمر: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم. قال: وسمعته مرة أخرى

يقول: وفقت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.

وقد رواه الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن الأعمش عن شقيق، عن أبي وائل، عن الصبي بن معبد عن عمر بن الخطاب فذكره وقال: إنهما لم يقولا شيئا، هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم. ورواه عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري عن منصور، عن أبي وائل به.

ورواه أيضا عن غندر، عن شعبة، عن الحكم، عن أبي وائل، وعن سفيان بن عيينة، عن عبدة بن أبي لبابة، عن أبي وائل قال: «قال الصبي بن معبد: كنت رجلا نصرانيا فأسلمت، فأهللت بحج وعمرة، فسمعني زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة وأنا أهل بهما، فقالا: لهذا أضل من بعير أهله. فكأنما حمل علي بكلمتهما جبل، فقدمت على عمر فأخبرته، فأقبل عليهما فلامهما، وأقبل علي فقال: هديت لسنة النبي صلى الله عليه وسلم» . قال عبدة: قال أبو وائل: كثيرا ما ذهبت أنا ومسروق إلى الصبي بن معبد نسأله عنه. وهذه أسانيد جيدة على شرط الصحيح. وقد رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من طرق، عن أبي وائل شقيق بن سلمة به.

وقال النسائي في كتاب الحج من " سننه ": حدثنا محمد بن علي بن

الحسن بن شقيق، ثنا أبي، عن أبي حمزة السكري، عن مطرف، عن سلمة بن كهيل، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر أنه قال: «والله إني لأنهاكم عن المتعة، وإنها لفي كتاب الله، وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم.» إسناد جيد.

رواية أميري المؤمنين عثمان وعلي، رضي الله عنهما: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب قال: «اجتمع علي وعثمان بعسفان، وكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه! فقال عثمان: دعنا منك.» هكذا رواه الإمام أحمد مختصرا.

وقد أخرجاه في " الصحيحين " من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب قال: «اختلف علي وعثمان وهما بعسفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأى ذلك علي بن أبي طالب أهل بهما جميعا.» وهكذا لفظ البخاري.

وقال البخاري: ثنا محمد بن بشار، ثنا غندر، عن شعبة، عن الحكم،

عن علي بن الحسين عن مروان بن الحكم قال: «شهدت عثمان وعليا وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما، فلما رأى علي أهل بهما: لبيك بعمرة وحج، قال: ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد.» ورواه النسائي من حديث شعبة به، ومن حديث الأعمش عن مسلم البطين، عن علي بن الحسين به.

وقال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن قتادة قال: «قال عبد الله بن شقيق: كان عثمان ينهى عن المتعة وعلي يأمر بها، فقال عثمان لعلي: إنك لكذا وكذا. ثم قال علي: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أجل، ولكنا كنا خائفين.» ورواه مسلم من حديث شعبة. فهذا اعتراف من عثمان، رضي الله عنه، بما رواه علي رضي الله عنه، ومعلوم أن عليا، رضي الله عنه، أحرم عام حجة الوداع بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد ساق الهدي، وأمره عليه الصلاة والسلام أن يمكث حراما، وأشركه النبي صلى الله عليه وسلم في هديه، كما سيأتي بيانه.

وروى مالك في " الموطأ " عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن المقداد بن الأسود دخل على علي بن أبي طالب بالسقيا، وهو ينجع بكرات له دقيقا

وخبطا فقال: هذا عثمان بن عفان ينهى عن أن يقرن بين الحج والعمرة. فخرج علي وعلى يده أثر الدقيق والخبط - ما أنسى أثر الدقيق والخبط على ذراعيه - حتى دخل على عثمان فقال: أنت تنهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟! فقال عثمان: ذلك رأيي. فخرج علي مغضبا وهو يقول: لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا.

وقد قال أبو داود في " سننه ": ثنا يحيى بن معين ثنا حجاج، ثنا يونس، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: «كنت مع علي حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن، فذكر الحديث في قدوم علي، قال علي: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كيف صنعت؟ " قال: قلت: إنما أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: " إني قد سقت الهدي وقرنت ".» وقد رواه النسائي من حديث يحيى بن معين، بإسناده، وهو على شرط الشيخين، وعلله الحافظ البيهقي بأنه لم يذكر هذا اللفظ في سياق حديث جابر الطويل، وهذا التعليل فيه نظر ; لأنه قد روي القران من حديث جابر بن عبد الله، كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى.

وروى ابن حبان في " صحيحه "، عن علي بن أبي طالب قال: «خرج

رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة، وخرجت أنا من اليمن، وقلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فإني أهللت بالحج والعمرة جميعا ".»

رواية أنس بن مالك رضي الله عنه: وقد رواه عنه جماعة من التابعين، ونحن نوردهم مرتبين على حروف المعجم:

بكر بن عبد الله المزني عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، ثنا حميد الطويل، أنبأنا بكر بن عبد الله المزني قال: سمعت أنس بن مالك يحدث قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا، فحدثت بذلك ابن عمر فقال: لبى بالحج وحده. فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر، فقال: ما تعدونا إلا صبيانا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لبيك عمرة وحجا ".» ورواه البخاري، عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن حميد به. وأخرجه مسلم، عن سريج بن يونس، عن هشيم به. وعن أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، عن حبيب بن الشهيد، عن بكر بن عبد الله المزني به.

ثابت البناني عن أنس: قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن ثابت، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لبيك بعمرة وحجة معا ".»

تفرد به من هذا الوجه الحسن البصري عنه: قال الإمام أحمد: ثنا

روح، ثنا أشعث، عن الحسن، عن أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا مكة وقد لبوا بحج وعمرة، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، أن يحلوا وأن يجعلوها عمرة فكأن القوم هابوا ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا أني سقت هديا لأحللت ".» فأحل القوم وتمتعوا.

وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا الحسن بن قزعة، ثنا سفيان بن حبيب، ثنا أشعث، عن الحسن، عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة فلما قدموا مكة طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلوا، فهابوا ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحلوا، فلولا أن معي الهدي لأحللت " فحلوا حتى حلوا إلى النساء.» ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن الحسن إلا أشعث بن عبد الملك.

حميد بن تيرويه الطويل عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن حميد، سمعت أنسا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لبيك بعمرة وحج ".» هذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ولا أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه.

لكن رواه مسلم، عن يحيى بن يحيى، عن هشيم، عن يحيى بن أبي

إسحاق، وعبد العزيز بن صهيب وحميد أنهم سمعوا أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بهما جميعا: «لبيك عمرة وحجا، لبيك عمرة وحجا ".»

وقال الإمام أحمد: ثنا يعمر بن بشر، ثنا عبد الله، أنبأنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: «ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنا كثيرة وقال: " لبيك بعمرة وحج ". وإني لعند فخذ ناقته اليسرى.» تفرد به أحمد من هذا الوجه أيضا.

حميد بن هلال العدوي البصري عنه: قال الحافظ أبو بكر البزار في " مسنده ": حدثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك وحدثناه سلمة بن شبيب، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة وحميد بن هلال، «عن أنس قال: إني ردف أبي طلحة، وإن ركبته لتمس ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي بالحج والعمرة» . وهذا إسناد جيد قوي على شرط الصحيح ولم يخرجوه، وقد تأوله البزار على أن الذي كان يلبي بالحج والعمرة أبو طلحة، قال: ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا التأويل فيه نظر ولا حاجة إليه ; لمجيء ذلك من طرق عن أنس، كما مضى وكما سيأتي، ثم عود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى، وهو في هذه الصورة أقوى دلالة. والله أعلم. وسيأتي في رواية سالم بن أبي الجعد عن أنس صريح الرد على هذا التأويل.

زيد بن أسلم عنه: قال الحافظ أبو بكر البزار: روى سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك «أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بحج وعمرة.» حدثناه الحسن بن عبد العزيز الجروي، ومحمد بن مسكين قالا: حدثنا بشر بن بكر، عن سعيد بن عبد العزيز، عن زيد بن أسلم، عن أنس. قلت: وهذا إسناد صحيح، على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه.

وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي بأبسط من هذا السياق، فقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأنا العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي، ثنا سعيد بن عبد العزيز «عن زيد بن أسلم، وغيره أن رجلا أتى ابن عمر فقال: بم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال ابن عمر: أهل بالحج. فانصرف ثم أتاه من العام المقبل فقال: بم أهل رسول الله؟ قال ألم تأتني عام أول؟ قال: بلى، ولكن أنس بن مالك يزعم أنه قرن. قال ابن عمر: إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء وهن مكشفات الرءوس، وإني كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها، أسمعه يلبي بالحج.»

سالم بن أبي الجعد الغطفاني الكوفي عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم ثنا شريك، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس بن

مالك يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم «أنه جمع بين الحج والعمرة فقال: " لبيك بعمرة وحجة معا» حسن ولم يخرجوه.

وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا أبو عوانة، ثنا عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن سعد مولى الحسن بن علي قال: «خرجنا مع علي فأتينا ذا الحليفة فقال علي: إني أريد أن أجمع بين الحج والعمرة فمن أراد ذلك فليقل كما أقول. ثم لبى قال: لبيك بحجة وعمرة معا. قال: وقال سالم: وقد أخبرني أنس بن مالك قال: والله إن رجلي لتمس رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه ليهل بهما جميعا.» وهذا أيضا إسناد جيد من هذا الوجه، ولم يخرجوه. وهذا السياق يرد على الحافظ البزار ما تأول به حديث حميد بن هلال عن أنس، كما تقدم. والله أعلم.

سليمان بن طرخان التيمي عنه: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي، ثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يحدث عن أنس بن مالك قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا» . ثم قال البزار: لم يروه عن التيمي إلا ابنه المعتمر، ولم يسمعه إلا من يحيى بن حبيب العربي عنه.

قلت: وهو على شرط الصحيح ولم يخرجوه.

سويد بن حجير عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي قزعة سويد بن حجير، عن أنس بن مالك قال: «كنت رديف أبي طلحة فكانت ركبة أبي طلحة تكاد أن تصيب ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم،

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل بهما.» وهذا إسناد جيد تفرد به أحمد ولم يخرجوه، وفيه رد على الحافظ البزار صريح.

عبد الله بن زيد أبو قلابة الجرمي عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: «كنت رديف أبي طلحة وهو يساير النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فإن رجلي لتمس غرز النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يلبي بالحج والعمرة معا.»

وقد رواه البخاري من طرق، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: «صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب راحلته، حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر، وأهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما جميعا.» وفي رواية له: كنت رديف أبي طلحة وإنهم ليصرخون بهما جميعا ; الحج والعمرة. وفي رواية له، عن أيوب، عن رجل، عن أنس قال: ثم بات حتى أصبح، فصلى الصبح، ثم ركب راحلته، حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحج.

عبد العزيز بن صهيب: تقدمت روايته عنه مع رواية حميد الطويل عنه عند مسلم.

علي بن زيد بن جدعان عنه: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد، ثنا علي بن حكيم، عن شريك، عن علي بن زيد، عن أنس «أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم لبى بهما جميعا.» هذا غريب من هذا الوجه لم يخرجه أحد من أصحاب السنن، وهو على شرطهم.

قتادة بن دعامة السدوسي عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعبد الصمد، المعنى قالا: ثنا همام بن يحيى، ثنا قتادة قال: «سألت أنس بن مالك قلت: كم حج النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع مرات ; عمرته زمن الحديبية، وعمرته في ذي القعدة من المدينة، وعمرته من الجعرانة، في ذي القعدة حيث قسم غنيمة حنين، وعمرته مع حجته.» وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث همام بن يحيى به.

مصعب بن سليم الزبيري مولاهم عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا مصعب بن سليم، سمعت أنس بن مالك يقول: «أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة وعمرة» تفرد به أحمد.

يحيى بن إسحاق الحضرمي عنه: قال الإمام أحمد: ثنا هشيم، أنبأنا يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد الطويل، عن أنس أنهم سمعوه يقول: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا، يقول: " لبيك عمرة وحجا، لبيك عمرة وحجا» وقد تقدم أن مسلما رواه عن يحيى بن يحيى، عن هشيم به.

وقال الإمام أحمد أيضا: ثنا عبد الأعلى، عن يحيى، عن أنس قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة. قال: فسمعته يقول: " لبيك عمرة وحجا ".»

أبو أسماء الصيقل عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، ثنا زهير، وحدثنا أحمد بن عبد الملك، ثنا زهير عن أبي إسحاق، عن أبي أسماء الصيقل، عن أنس بن مالك قال: «خرجنا نصرخ بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة، وقال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولكني سقت الهدي وقرنت الحج بالعمرة ".»

ورواه النسائي، عن هناد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي أسماء الصيقل، عن أنس بن مالك قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم يلبي بهما.»

أبو قدامة الحنفي - ويقال: إن اسمه محمد بن عبيد - عن أنس: قال الإمام أحمد: ثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، عن يونس بن عبيد «عن أبي قدامة الحنفي، قال: قلت لأنس: بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي؟ فقال: سمعته سبع مرات: بعمرة وحجة، بعمرة وحجة.» تفرد به الإمام أحمد

وهو إسناد جيد قوي، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.

وروى ابن حبان في " صحيحه " عن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة، وقرن القوم معه»

وقد أورد الحافظ البيهقي بعض هذه الطرق، عن أنس بن مالك، ثم شرع يعلل ذلك بكلام فيه نظر، وحاصله أنه قال: والاشتباه وقع لأنس لا لمن دونه، ويحتمل أن يكون سمعه صلى الله عليه وسلم يعلم غيره كيف يهل بالقران، لا أنه يهل بهما عن نفسه. والله أعلم. قال: وقد روي ذلك عن غير أنس بن مالك وفي ثبوته نظر.

قلت: ولا يخفى ما في هذا الكلام من النظر الظاهر لمن تأمله، وربما كان ترك هذا الكلام أولى منه، إذ فيه تطرق احتمال إلى حفظ الصحابي مع تواتره عنه كما رأيت آنفا، وفتح هذا يفضي إلى محذور كبير. والله تعالى أعلم.

حديث البراء بن عازب في القران: قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو الحسين بن بشران، أنبأنا علي بن محمد المصري، حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى، ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: «اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر، كلهن في ذي القعدة. فقالت عائشة: لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج معها.» قال البيهقي:

ليس هذا بمحفوظ. قلت: سيأتي بإسناد صحيح إلى عائشة نحوه.

رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، ومحمد بن جعفر بن رميس، والقاسم بن إسماعيل أبو عبيد، وعثمان بن جعفر اللبان وغيرهم، قالوا: حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي، ثنا زيد بن الحباب، ثنا سفيان الثوري عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: «حج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج ; حجتين قبل أن يهاجر، وحجة قرن معها عمرة.» وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجه، من حديث سفيان بن سعيد الثوري به. أما الترمذي فرواه عن عبد الله بن أبي زياد، عن زيد بن الحباب، عن سفيان به، ثم قال: غريب من حديث سفيان، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب، ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن - يعني الدارمي - روى هذا الحديث في كتبه عن عبد الله بن أبي زياد، وسألت محمدا عن هذا، فلم يعرفه، ورأيته لا يعده محفوظا. قال: وإنما روي عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد مرسلا.

وفي " السنن الكبير " للبيهقي قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري، عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث خطأ، وإنما روي هذا عن الثوري مرسلا. قال البخاري: وكان زيد بن الحباب إذا روى حفظا ربما

غلط في الشيء. وأما ابن ماجه فرواه عن القاسم بن محمد بن عباد المهلبي، عن عبد الله بن داود الخريبي، عن سفيان به. وهذه طريق لم يقف عليها الترمذي ولا البيهقي، وربما ولا البخاري حيث تكلم في زيد بن الحباب ظانا أنه انفرد به وليس كذلك. والله أعلم.

طريق أخرى عن جابر: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن أبي الزبير، عن جابر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن الحج والعمرة، وطاف لهما طوافا واحدا.» ثم قال: هذا حديث حسن. وفي نسخة: صحيح. ورواه ابن حبان في " صحيحه " عن جابر قال: «لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم إلا طوافا واحدا لحجه ولعمرته.»

قلت: حجاج هذا هو ابن أرطاة، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، ولكن قد روي من وجه آخر عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أيضا، كما قال الحافظ أبو بكر البزار في " مسنده ": حدثنا مقدم بن محمد، حدثني عمي القاسم بن يحيى بن مقدم، عن عبد الرحمن بن عثمان بن خيثم، عن أبي الزبير، عن جابر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم فقرن بين الحج والعمرة، وساق الهدي. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لم يقلد الهدي فليجعلها عمرة ".» ثم قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه

بهذا الإسناد. انفرد بهذه الطريق البزار في " مسنده "، وإسنادها غريب جدا، وليست في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه. والله أعلم.

رواية أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري، رضي الله عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا حجاج - هو ابن أرطاة - عن الحسن بن سعد، عن ابن عباس قال: «أخبرني أبو طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الحج والعمرة» . ورواه ابن ماجه، عن علي بن محمد، عن أبي معاوية بإسناده، ولفظه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة» . الحجاج بن أرطاة فيه ضعف والله أعلم.

رواية سراقة بن مالك بن جعشم: قال الإمام أحمد: حدثنا مكي بن إبراهيم، ثنا داود - يعني ابن يزيد - سمعت عبد الملك الزراد، يقول: «سمعت النزال بن سبرة صاحب علي يقول: سمعت سراقة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". قال: وقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.»

رواية سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تمتع بالحج إلى العمرة، وهو

القران: قال الإمام مالك: عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه حدثه، «أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان يذكر التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله. فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي. فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب كان ينهى عنها. فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه،» ورواه الترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن مالك به. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.

وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن سعيد، ثنا سليمان - يعني التيمي - حدثني غنيم قال: «سألت ابن أبي وقاص عن المتعة فقال: فعلناها وهذا كافر بالعرش. يعني معاوية.» هكذا رواه مختصرا. وقد رواه مسلم في " صحيحه " من حديث سفيان بن سعيد الثوري، وشعبة ومروان الفزاري ويحيى بن سعيد القطان، أربعتهم عن سليمان بن طرخان التيمي، سمعت غنيم بن قيس «سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة فقال: قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش. قال يحيى بن سعيد في روايته: يعني معاوية.» ورواه عبد الرزاق، عن معتمر بن سليمان وعبد الله بن المبارك، كلاهما عن سليمان التيمي، عن غنيم بن قيس «سألت سعدا عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال: فعلتها مع رسول الله

صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر بالعرش» يعني مكة، ويعني به معاوية، وهذا الحديث الثاني أصح إسنادا، وإنما ذكرناه اعتضادا لا اعتمادا، والأول صحيح الإسناد، وهو أصرح في المقصود من هذا. والله أعلم.

رواية عبد الله بن أبي أوفى قال الطبراني حدثنا سعيد بن محمد بن المغيرة المصري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا يزيد بن عطاء، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة ; لأنه علم أنه لم يكن حاجا بعد ذلك العام.»

رواية عبد الله بن عباس في ذلك: قال الإمام أحمد: ثنا أبو النضر، ثنا داود - يعني العطار - عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر ; عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي مع حجته.» وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق، عن داود بن عبد الرحمن العطار المكي عن عمرو بن دينار عن عكرمة، عن ابن عباس به. وقال الترمذي: حسن غريب. ورواه الترمذي، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن عكرمة مرسلا. ورواه

الحافظ البيهقي من طريق أبي الحسن علي بن عبد العزيز البغوي، عن الحسن بن الربيع وشهاب بن عباد، كلاهما عن داود بن عبد الرحمن العطار فذكره. وقال: الرابعة التي قرنها مع حجته.

ثم قال أبو الحسن علي بن عبد العزيز: ليس أحد يقول في هذا الحديث عن ابن عباس إلا داود بن عبد الرحمن. ثم حكى البيهقي عن البخاري أنه قال: داود بن عبد الرحمن صدوق، إلا أنه ربما يهم في الشيء.

وقد تقدم ما رواه البخاري، من طريق ابن عباس، عن عمر أنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بوادي العقيق: " أتاني آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة ".» فلعل هذا مستند ابن عباس فيما حكاه. والله أعلم.

رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قد تقدم فيما رواه البخاري ومسلم، من طريق الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنه قال: «تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وأهدى فساق الهدي من ذي الحليفة. وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج.» وذكر تمام الحديث في عدم إحلاله بعد السعي، فعلم كما قررناه أولا أنه، عليه الصلاة والسلام، لم يكن متمتعا التمتع الخاص، وإنما كان قارنا ; لأنه اكتفى بطواف واحد بين

الصفا والمروة عن حجه وعمرته، وهذا شأن القارن على مذهب الجمهور كما سيأتي بيانه. والله أعلم.

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا أبو خيثمة، ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف طوافا واحدا لإقرانه، لم يحل بينهما واشترى من الطريق. يعني الهدي.» وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، إلا أن يحيى بن يمان - وإن كان من رجال مسلم - في أحاديثه عن الثوري نكارة شديدة. والله أعلم. ومما يرجح أن ابن عمر أراد بالإفراد الذى رواه إفراد أفعال الحج، لا الإفراد الخاص الذي يصير إليه أصحاب الشافعي - وهو الحج ثم الاعتمار بعده في بقية ذي الحجة - قول الشافعي: أنبأنا مالك، عن صدقة بن يسار، عن ابن عمر، أنه قال: لأن أعتمر قبل الحج وأهدي أحب إلي من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة.

رواية عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري - حدثنا يونس بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قرن خشية أن يصد عن البيت، وقال: " إن لم تكن حجة فعمرة ".» وهذا حديث غريب سندا ومتنا. تفرد بروايته الإمام

أحمد. وقد قال أحمد في يونس بن الحارث الثقفي هذا: كان مضطرب الحديث. وضعفه، وكذا ضعفه يحيى بن معين في رواية عنه، والنسائي. وأما من حيث المتن فقوله: إنما قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يصد عن البيت. فمن الذي كان يصده عليه الصلاة والسلام عن البيت؟ وقد أطد الله له الإسلام، وفتح البلد الحرام، وقد نودي برحاب منى أيام الموسم في العام الماضي أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، وقد كان معه عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع قريب من أربعين ألفا. وما هذا بأعجب من قول أمير المؤمنين عثمان لعلي بن أبي طالب حين قال له علي: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: أجل ولكنا كنا خائفين. ولست أدري علام يحمل هذا الخوف؟ ولا من أي جهة كان؟ إلا أنه تضمن رواية الصحابي لما رواه، وحمله على معنى ظنه، فما رواه صحيح مقبول، وما اعتقده فليس بمعصوم فيه، فهو موقوف عليه، وليس بحجة على غيره، ولا يلزم منه رد الحديث الذي رواه. وهكذا قول عبد الله بن عمرو لو صح السند إليه. والله أعلم.

رواية عمران بن حصين، رضي الله عنه: قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر وحجاج، قالا: ثنا شعبة، عن حميد بن هلال، سمعت مطرفا قال:

قال لي عمران بن حصين إني محدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به ; «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل قرآن فيه يحرمه، وإنه كان يسلم علي، فلما اكتويت أمسك عني، فلما تركته عاد إلي.» وقد رواه مسلم، عن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، عن غندر وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، والنسائي، عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث، ثلاثتهم عن شعبة عن حميد بن هلال، عن مطرف، عن عمران به. ورواه مسلم، من حديث شعبة وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن الحصين «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة» الحديث.

قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: حديث شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف صحيح، وأما حديثه عن قتادة، عن مطرف، فإنما رواه عن شعبة كذلك بقية بن الوليد، وقد رواه غندر وغيره، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.

قلت: وقد رواه أيضا النسائي في " سننه " عن عمرو بن علي الفلاس، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، وفي نسخة: عن سعيد. بدل شعبة، عن قتادة، عن مطرف، عن عمران بن الحصين، فذكره. والله أعلم.

وثبت في " الصحيحين " من حديث همام، عن قتادة، عن مطرف، عن عمران بن الحصين قال: «تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم.»

رواية الهرماس بن زياد الباهلي: قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن عمران بن أبي علي أبو محمد، من أهل الري وكان أصله أصبهانيا، حدثنا يحيى بن الضريس، حدثنا عكرمة بن عمار، عن الهرماس قال: «كنت ردف أبي فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على بعير وهو يقول: " لبيك بحجة وعمرة معا ".» وهذا على شرط السنن ولم يخرجوه.

رواية حفصة بنت عمر أم المؤمنين، رضي الله عنها: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، «عن حفصة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما لك لم تحل من عمرتك؟ قال: " إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر ".» وقد أخرجاه في " الصحيحين " من حديث مالك وعبيد الله بن عمر. زاد البخاري: وموسى بن عقبة. زاد

مسلم: وابن جريج، كلهم عن نافع، عن ابن عمر به. «وفي لفظهما أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: " إني قلدت هديي، ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أنحر ".»

وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب بن أبي حمزة قال: قال نافع: كان عبد الله بن عمر يقول: «أخبرتنا حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع. فقالت له فلانة: ما يمنعك أن تحل؟ قال: " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلست أحل حتى أنحر هديي ".»

وقال أحمد أيضا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر عن حفصة بنت عمر، «أنها قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أن يحللن بعمرة، قلنا: فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا؟ قال: " إني أهديت ولبدت فلا أحل حتى أنحر هديي» ثم رواه أحمد، عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن نافع عن ابن عمر، عن حفصة، فذكره. فهذا الحديث فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متلبسا بعمرة، ولم يحل منها، وقد علم بما تقدم من أحاديث الإفراد أنه كان قد أهل بحج أيضا، فدل مجموع ذلك أنه قارن، مع ما سلف من رواية من صرح

بذلك. والله أعلم.

رواية عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منها جميعا ". فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج، ودعي العمرة ". ففعلت، فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت، فقال: " هذه مكان عمرتك ". قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا.» وكذلك رواه مسلم من حديث مالك، عن الزهري، فذكره.

ثم رواه عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللت بعمرة، ولم أكن سقت الهدي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان معه هدي فليهل بالحج مع عمرته، لا يحل حتى يحل منهما جميعا ".» وذكر تمام

الحديث كما تقدم.

والمقصود من إيراد هذا الحديث هاهنا قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة ".» ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام قد كان معه هدي، فهو أول وأولى من ائتمر بهذا ; لأن المخاطب داخل في عموم متعلق خطابه على الصحيح، وأيضا فإنها قالت: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا. يعني بين الصفا والمروة.

وقد روى مسلم عنها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما طاف بين الصفا والمروة طوافا واحدا.» فعلم من هذا أنه كان قد جمع بين الحج والعمرة.

وقد روى مسلم من حديث حماد بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، «عن عائشة قالت: فكان الهدي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذوي اليسار» . وأيضا فإنها ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتحلل من النسكين، فلم يكن متمتعا، وذكرت أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعمرها من التنعيم، وقالت: يا رسول الله، يرجع الناس بحج وعمرة وأنطلق بحج؟ فبعثها مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، فأعمرها من التنعيم، ولم يذكر أنه، عليه الصلاة والسلام، اعتمر بعد حجته فلم يكن مفردا، فعلم أنه كان قارنا ; لأنه كان

باتفاق الناس قد اعتمر في حجة الوداع. والله أعلم.

وقد تقدم ما رواه الحافظ البيهقي من طريق يزيد بن هارون، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب أنه قال: «اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر، كلهن في ذي القعدة. فقالت عائشة: لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج معها.»

وقال البيهقي في " الخلافيات ": أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا أبو محمد بن حبان الأصبهاني، أنبأنا إبراهيم بن شريك، أنبأنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، عن مجاهد قال: «سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: مرتين. فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا، سوى العمرة التي قرنها مع حجة الوداع.» ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا بأس به لكن فيه إرسال ; مجاهد لم يسمع من عائشة في قول بعض المحدثين. قلت: كان شعبة ينكره، وأما البخاري ومسلم فإنهما أثبتاه. والله أعلم.

وقد روى من حديث القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر وعروة بن الزبير وغير واحد، عن عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه الهدي عام حجة الوداع،

وفي إعمارها من التنعيم ومصادفتها له منهبطا على أهل مكة وبيتوتته بالمحصب حتى صلى الصبح بمكة، ثم رجع إلى المدينة.» وهذا كله مما يدل على أنه، عليه الصلاة والسلام، لم يعتمر بعد حجته تلك، ولم أعلم أحدا من الصحابة نقله. ومعلوم أنه لم يتحلل بين النسكين، ولا روى أحد أنه، عليه الصلاة والسلام، بعد طوافه بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة حلق ولا قصر ولا تحلل، بل استمر على إحرامه باتفاق، ولم ينقل أنه أهل بحج لما سار إلى منى، فعلم أنه لم يكن متمتعا. وقد اتفقوا على أنه، عليه الصلاة والسلام، اعتمر عام حجة الوداع، فلم يتحلل بين النسكين، ولا أنشأ إحراما للحج، ولا اعتمر بعد الحج، فلزم القران وهذا مما يعسر الجواب عنه. والله أعلم. وأيضا فإن رواية القران مثبتة لما سكت عنه أو نفاه من روى الإفراد والتمتع، فهي مقدمة عليها، كما هو مقرر في علم الأصول.

وعن أبي عمران أنه حج مع مواليه، قال: «فأتيت أم سلمة فقلت: يا أم المؤمنين، إني لم أحج قط، فبأيهما أبدأ ; بالعمرة أم بالحج؟ قالت: ابدأ بأيهما شئت. قال: ثم أتيت صفية أم المؤمنين فسألتها، فقالت لي مثل ما قالت. قال: ثم جئت أم سلمة فأخبرتها بقول صفية، فقالت لي أم سلمة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يا آل محمد، من حج منكم فليهل بعمرة في

حجة ".» رواه ابن حبان في " صحيحه "، وقد رواه ابن حزم في " حجة الوداع " من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم، عن أبي عمران، عن أم سلمة به.

** [الجمع بين الروايات التي قالت أن النبي أفرد بالحج والروايات التي قالت أنه حج قارنا] **

فصل (الجمع بين الروايات التي قالت أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج والروايات التي قالت أنه حج قارنا بين الحج والعمرة)

إن قيل: قد رويتم عن جماعة من الصحابة أنه، عليه الصلاة والسلام، أفرد الحج، ثم رويتم عن هؤلاء بأعيانهم وعن غيرهم، أنه جمع بين الحج والعمرة، فما الجمع بين ذلك؟ فالجواب: أن رواية من روى أنه أفرد الحج محمولة على أنه أفرد أفعال الحج، ودخلت العمرة فيه نية وفعلا ووقتا، وهذا يدل على أنه اكتفى بطواف الحج وسعيه عنه وعنها، كما هو مذهب الجمهور في القارن، خلافا لأبي حنيفة، رحمه الله، حيث ذهب إلى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، واعتمد على ما روي في ذلك عن علي بن أبي طالب، وفي الإسناد إليه نظر. وأما من روى التمتع ثم روى القران، فقد قدمنا الجواب عن ذلك بأن التمتع في كلام السلف أعم من التمتع الخاص والقران، بل ويطلقونه على الاعتمار في أشهر الحج وإن لم يكن معه حج، كما قال سعد بن أبي

وقاص «تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا - يعني معاوية - يومئذ كافر بالعرش. يعني بمكة» . وإنما يريد بهذا إحدى العمرتين ; إما الحديبية أو القضاء، فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية قد أسلم ; لأنها كانت بعد الفتح، وحجة الوداع بعد ذلك سنة عشر، وهذا بين واضح. والله أعلم.

** [الجواب عن حديث الطيالسي أن رسول الله نهى أن يجمع بين الحج والعمرة] **

فصل (الجواب عن حديث الطيالسي أن رسول الله نهى أن يجمع بين الحج والعمرة)

إن قيل: فما جوابكم عن الحديث الذي رواه أبو داود الطيالسي في " مسنده ": حدثنا هشام، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي، واسمه حيوان بن خالد «، أن معاوية قال لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صفف النمور؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وأنا أشهد. قال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: اللهم لا. قال: والله إنها لمعهن.»

وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا همام، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي

قال: كنت في ملأ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند معاوية، فقال معاوية: «أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود النمور أن يركب عليها؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن لباس الذهب إلا مقطعا؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن المتعة؟ - يعني متعة الحج - قالوا: اللهم لا. قال: أما إنها معهن.»

وقال أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي، أنه شهد معاوية وعنده جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم معاوية: «أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم. قال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يشرب في آنية الذهب والفضة؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أتعملون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جمع بين حج وعمرة؟ قالوا: اللهم لا. قال: فوالله إنها لمعهن.» وكذا رواه حماد بن سلمة، عن قتادة، وزاد: ولكنكم نسيتم. وكذا رواه أشعث بن بزار، وسعيد بن أبي عروبة

وهمام، عن قتادة، بأصله. ورواه مطر الوراق، وبيهس بن فهدان، عن أبي شيخ في متعة الحج. فقد رواه أبو داود والنسائي من طرق، عن أبي شيخ الهنائي به. وهو حديث جيد الإسناد، ويستغرب منه رواية معاوية، رضي الله عنه، النهي عن الجمع بين الحج والعمرة، ولعل أصل الحديث النهي عن المتعة، فاعتقد الراوي أنها متعة الحج، وإنما هي متعة النساء، ولم يكن عند أولئك الصحابة رواية في النهي عنها، أو لعل النهي عن الإقران في التمر، كما في حديث ابن عمر، فاعتقد الراوي أن المراد القران في الحج، وليس كذلك، أو لعل معاوية، رضي الله عنه، إنما قال: أتعلمون أنه نهي عن كذا؟ فبناه لما لم يسم فاعله، فصرح الراوي بالرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ووهم في ذلك ; فإن الذي كان ينهى عن متعة الحج إنما هو عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ولم يكن نهيه عن ذلك على وجه التحريم ولا الحتم، كما قدمنا، وإنما كان ينهى عنها لتفرد عن الحج بسفر آخر ; لتكثر زيارة البيت، وقد كان الصحابة، رضي الله عنهم، يهابونه كثيرا، فلا يتجاسرون على مخالفته غالبا وكان ابنه عبد الله

يخالفه، فيقال له: إن أباك كان ينهى عنها. فيقول: لقد خشيت أن يقع عليكم حجارة من السماء، قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تتبع أم سنة عمر بن الخطاب؟ وكذلك كان عثمان بن عفان، رضي الله عنه، ينهى عنها، وخالفه علي بن أبي طالب - كما تقدم - وقال: لا أدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس. وقال عمران بن حصين «تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات.» أخرجاه في " الصحيحين ". وفي " صحيح مسلم " «عن سعد أنه أنكر على معاوية إنكاره المتعة، وقال: قد فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يومئذ كافر بالعرش. يعني معاوية، أنه كان حين فعلوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كافرا بمكة يومئذ.»

قلت: وقد تقدم أنه، عليه الصلاة والسلام، حج قارنا، بما ذكرناه من الأحاديث الواردة في ذلك، ولم يكن بين حجة الوداع وبين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أحد وثمانون يوما، وقد شهد تلك الحجة ما ينيف على أربعين ألف صحابي قولا منه وفعلا، فلو كان قد نهى عن القران في الحج الذي شهده منه الناس ; لم ينفرد به واحد من الصحابة، ويرده عليه جماعة منهم ممن سمع منه ومن لم يسمع، فهذا كله مما يدل على أن هذا هكذا ليس محفوظا عن معاوية، رضي الله عنه. والله أعلم.

وقال أبو داود: ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني حيوة، أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبد الله بن القاسم الخراساني، عن سعيد بن المسيب «أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب، فشهد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج.» وهذا الإسناد لا يخلو عن نظر، ثم إن كان هذا الصحابي هو معاوية فقد تقدم الكلام على ذلك، ولكن في هذا النهي عن المتعة لا القران، وإن كان في غيره فهو مشكل في الجملة، لكن لا على القران. والله أعلم.

** [ذكر مستند من قال أنه عليه الصلاة والسلام أطلق الإحرام ولم يعين حجا ولا عمرة أولا] ثم بعد ذلك صرفه إلى معين **

وقد حكي عن الشافعي أنه الأفضل، إلا أنه قول ضعيف. قال الشافعي رحمه الله: أنبأنا سفيان، أنبأنا ابن طاوس، وإبراهيم بن ميسرة، سمعا طاوسا يقول: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لا يسمي حجا ولا عمرة ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء، وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه: من كان منهم

أهل بالحج ولم يكن معه هدي، أن يجعلها عمرة، وقال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولكن لبدت رأسي وسقت هديي، فليس لي محل إلا محل هديي ". فقام إليه سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم ; أعمرتنا هذه لعامنا هذا، أم للأبد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل للأبد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". قال: فدخل علي من اليمن فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: " بم أهللت؟ " فقال أحدهما عن طاوس: قلت: لبيك إهلال النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر: لبيك حجة النبي صلى الله عليه وسلم.» وهذا مرسل طاوس، وفيه غرابة. وقاعدة الشافعي، رحمه الله، أنه لا يقبل المرسل بمجرده حتى يعتضد بغيره، اللهم إلا أن يكون عن كبار التابعين كما عول عليه كلامه في " الرسالة " ; لأن الغالب أنهم لا يرسلون إلا عن الصحابة. والله أعلم. وهذا المرسل ليس من هذا القبيل، بل هو مخالف للأحاديث المتقدمة كلها ; أحاديث الإفراد وأحاديث التمتع وأحاديث القران، وهي مسندة صحيحة كما تقدم، فهي مقدمة عليه ; ولأنها مثبتة أمرا نفاه هذا المرسل، والمثبت مقدم على النافي لو تكافآ، فكيف والمسند صحيح والمرسل من حيث لا ينهض حجة لانقطاع سنده. والله تعالى أعلم.

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الأصم حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا محاضر، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر

حجا ولا عمرة، فلما قدمنا أمرنا أن نحل، فلما كانت ليلة النفر حاضت صفية بنت حيي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " حلقى عقرى، ما أراها إلا حابستكم ". قال: " هل كنت طفت يوم النحر؟ " قالت: نعم. قال: " فانفري ". قالت: قلت: يا رسول الله إني لم أكن أهللت. قال: " فاعتمري من التنعيم ". قال: فخرج معها أخوها. قالت: فلقينا مدلجا، فقال: " موعدك كذا وكذا» هكذا رواه البيهقي.

وقد رواه البخاري عن محمد - قيل: هو ابن يحيى الذهلي - عن محاضر بن المورع به، إلا أنه قال: قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج. وهذا أشبه بأحاديثها المتقدمة.»

لكن روى مسلم، عن سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر حجا ولا عمرة.»

وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث منصور، عن إبراهيم، عن الأسود

عنها قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج. وهذا أصح وأثبت. والله أعلم. وفي رواية لها من هذا الوجه: خرجنا نلبي ولا نذكر حجا ولا عمرة.»

وهو محمول على أنهم لا يذكرون ذلك مع التلبية، وإن كانوا قد سموه حال الإحرام، كما في حديث أنس: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لبيك اللهم حجا وعمرة ". قال أنس: وسمعتهم يصرخون بهما جميعا.»

فأما الحديث الذي رواه مسلم من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن جابر وأبي سعيد الخدري قالا: «قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخا، فإنه حديث مشكل على هذا.» والله أعلم.

** [ذكر تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم] **

قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ".» وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل. ورواه

البخاري، عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به.

وقال مسلم: حدثنا محمد بن عباد، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، ونافع مولى عبد الله بن عمر، وحمزة بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل، فقال: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ". قالوا: وكان عبد الله يقول: هذه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم» . قال نافع: وكان عبد الله يزيد مع هذا: لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك والعمل.

حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: «تلقفت التلبية من في رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر بمثل حديثهم.»

حدثني حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: فإن سالم بن عبد الله بن عمر أخبرني عن أبيه قال: «سمعت

رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبدا يقول: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ".» لا يزيد على هؤلاء الكلمات، وإن عبد الله بن عمر كان يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات.» وقال عبد الله بن عمر «: كان عمر بن الخطاب يهل بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الكلمات، وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل.» هذا لفظ مسلم، وفي حديث جابر من التلبية كما في حديث ابن عمر، وسيأتي مطولا قريبا. رواه مسلم منفردا به.

وقال البخاري، بعد إيراده من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ما تقدم: حدثنا محمد بن يوسف، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة، عن أبي عطية، عن عائشة قالت: «إني لأعلم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك ". تابعه أبو معاوية، عن الأعمش. وقال شعبة: أخبرنا سليمان، سمعت خيثمة، عن أبي عطية، سمعت عائشة.» تفرد به البخاري.

وقد رواه الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطية الوادعي،

عن عائشة فذكر مثل ما رواه البخاري سواء. ورواه أحمد، عن أبي معاوية، وعبد الله بن نمير، عن الأعمش، كما ذكره البخاري سواء. ورواه أيضا، عن محمد بن جعفر، وروح بن عبادة، عن شعبة، عن سليمان بن مهران الأعمش به، كما ذكره البخاري. وكذلك رواه أبو داود الطيالسي في " مسنده " عن شعبة سواء.

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطية قال: «قالت عائشة: إني لأعلم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي. قال: ثم سمعتها تلبي، فقالت: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. فزاد في هذا السياق وحده: والملك لا شريك لك.»

وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم، أنبأنا الأصم، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، أن عبد الله بن الفضل حدثه عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة أنه قال: «كان من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لبيك إله الحق ".» وقد رواه النسائي، عن قتيبة، عن

حميد بن عبد الرحمن، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، وابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، كلاهما عن وكيع، عن عبد العزيز به. قال النسائي: ولا أعلم أحدا أسنده عن عبد الله بن الفضل إلا عبد العزيز، ورواه إسماعيل بن أمية مرسلا.

وقال الشافعي: أنبأنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، أخبرني حميد الأعرج، عن مجاهد أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر من التلبية: " لبيك اللهم لبيك ". فذكر التلبية. قال: حتى إذا كان ذات يوم، والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه، فزاد فيها: " لبيك إن العيش عيش الآخرة» ". قال ابن جريج وحسبت أن ذلك يوم عرفة. هذا مرسل من هذا الوجه.

وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد يوسف بن محمد بن محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا نصر بن علي الجهضمي، ثنا محبوب بن الحسن، ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بعرفات، فلما قال: " لبيك اللهم لبيك "، قال: " إنما الخير خير الآخرة ".» وهذا إسناد غريب، وإسناده على شرط السنن، ولم يخرجوه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، ثنا أسامة بن زيد، حدثني عبد الله بن أبي لبيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، سمعت أبا هريرة يقول: قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرني جبريل برفع الصوت في الإهلال ; فإنه من شعائر الحج ".» تفرد به أحمد. وقد رواه البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الله بن أبي لبيد، عن المطلب، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره.

وقد قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي لبيد، عن المطلب بن حنطب، عن خلاد بن السائب، عن زيد بن خالد قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها شعار الحج.» وكذا رواه ابن ماجه، عن علي بن محمد، عن وكيع، عن الثوري به. وكذلك رواه شعبة وموسى بن عقبة، عن عبد الله بن أبي لبيد به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن عبد الله بن أبي لبيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن خلاد بن السائب، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جاءني جبريل، فقال: يا محمد، مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها شعار الحج ".»

قال شيخنا أبو الحجاج المزي في كتابه " الأطراف ": وقد رواه معاوية بن هشام وقبيصة، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن أبي لبيد، عن المطلب، عن خلاد بن السائب، عن أبيه، عن زيد بن خالد به.

وقال أحمد: ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام، عن خلاد بن السائب بن خلاد، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فقال: مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالإهلال ".»

وقال أحمد: قرأت على عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، وحدثنا روح، ثنا مالك، يعني ابن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن خلاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي - أو من معي - أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية - أو بالإهلال - ".» يريد أحدهما. وكذلك رواه الشافعي، عن مالك، ورواه أبو داود، عن القعنبي، عن مالك به. ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث ابن جريج، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث سفيان بن عيينة، عن

عبد الله بن أبي بكر به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وقال الحافظ البيهقي: ورواه ابن جريج قال: كتب إلي عبد الله بن أبي بكر، فذكره، ولم يذكر أبا خلاد في إسناده. قال: والصحيح رواية مالك وسفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك، عن خلاد بن السائب، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك قاله البخاري وغيره. كذا قال.

وقد قال الإمام أحمد في مسند السائب بن خلاد بن سويد أبي سهلة الأنصاري: ثنا محمد بن بكر، أنبأنا ابن جريج وروح، ثنا ابن جريج قال: كتب إلي عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن خلاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه السائب بن خلاد، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أتاني جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تأمر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية والإهلال ".» وقال روح: بالتلبية أو بالإهلال. قال: ولا أدري أينا وهل ; أنا أو عبد الله أو خلاد في الإهلال أو التلبية. هذا لفظ أحمد في " مسنده ". وكذلك ذكره شيخنا في أطرافه، عن ابن جريج كرواية مالك وسفيان بن عيينة. فالله أعلم.

** [فصل في إيراد حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم] **

وهو وحده منسك مستقل، رأينا أن إيراده هاهنا أنسب ; لتضمنه التلبية وغيرها مما سلف وما سيأتي، فنورد طرقه وألفاظه، ثم نتبعه بشواهده من الأحاديث الواردة في معناه، وبالله المستعان.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com