Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[سنة عشر من الهجرة النبوية] — تتمة ٢
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 59 of 840
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، ثنا جعفر بن محمد، حدثني أبي قال: «أتينا جابر بن عبد الله وهو في بني سلمة، فسألناه عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث في المدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج هذا العام. قال: فنزل المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويفعل ما يفعل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر بقين من ذي القعدة وخرجنا معه، حتى إذا أتى ذا الحليفة نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ قال: " اغتسلي ثم استثفري بثوب، ثم أهلي ". فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، أهل بالتوحيد: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ". ولبى الناس، والناس
يزيدون: ذا المعارج. ونحوه من الكلام والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع، فلم يقل لهم شيئا، فنظرت مد بصري بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من راكب وماش، ومن خلفه مثل ذلك، وعن يمينه مثل ذلك، وعن شماله مثل ذلك. قال جابر: ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، عليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملناه، فخرجنا لا ننوي إلا الحج، حتى إذا أتينا الكعبة، فاستلم نبي الله صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود، ثم رمل ثلاثة، ومشى أربعة، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] (البقرة: 125) قال أحمد: وقال أبو عبد الله - يعني جعفرا -: فقرأ فيهما بالتوحيد وقل يا أيها الكافرون. ثم استلم الحجر، وخرج إلى الصفا، ثم قرأ: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] (البقرة: 158) . ثم قال: " نبدأ بما بدأ الله به ". فرقي على الصفا، حتى إذا نظر إلى البيت كبر، ثم قال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، وصدق عبده، وهزم - أو غلب - الأحزاب وحده ". ثم دعا، ثم رجع إلى هذا الكلام ثم نزل، حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة، فرقي عليها حتى نظر إلى البيت، فقال عليها كما قال على الصفا، فلما كان السابع عند المروة قال: " يا أيها الناس، إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي، ولجعلتها عمرة، فمن لم يكن معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة ". فحل الناس كلهم، فقال سراقة بن مالك بن جعشم وهو في أسفل الوادي: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم
للأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه، فقال: " للأبد ". ثلاث مرات. ثم قال: " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". قال: وقدم علي من اليمن بهدي، وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم معه من هدي المدينة هديا، فإذا فاطمة قد حلت ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر ذلك علي عليها، فقالت: أمرني به أبي. قال: قال علي بالكوفة - قال جعفر: قال أبي: هذا الحرف لم يذكره جابر -: فذهبت محرشا أستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي ذكرت فاطمة، قلت: إن فاطمة لبست ثيابا صبيغا واكتحلت، وقالت: أمرني به أبي. قال: " صدقت صدقت صدقت، أنا أمرتها به ". وقال جابر: وقال لعلي: " بم أهللت؟ " قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك. قال: ومعي الهدي. قال: " فلا تحل ". قال: وكان جماعة الهدي الذي أتى به علي من اليمن، والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثا وستين، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر ". ووقف بعرفة فقال: " وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف ". ووقف بالمزدلفة وقال: " وقفت هاهنا، والمزدلفة كلها موقف ".» هكذا أورد الإمام أحمد هذا الحديث، وقد اختصر آخره جدا. ورواه الإمام مسلم بن الحجاج في المناسك من " صحيحه "، عن أبي بكر بن
أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، فذكره.
وقد أعلمنا على الزيادات المتفاوتة من سياق أحمد ومسلم إلى «قوله، عليه الصلاة والسلام، لعلي: " صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك صلى الله عليه وسلم. قال: " فإن معي الهدي فلا تحل ". قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة له من شعر، فضربت له بنمرة، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم، هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم
ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربانا ; ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به ; كتاب الله، وأنتم تسألون عني ; فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت. فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس: " اللهم اشهد، اللهم اشهد ". ثلاث مرات، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى:
" أيها الناس، السكينة السكينة ". كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، ودفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن العباس، وكان رجلا حسن الشعر، أبيض وسيما، فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى إذا أتى بطن محسر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات - يكبر مع كل حصاة منها - حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من
مرقها، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: " انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم، لنزعت معكم ". فناولوه دلوا فشرب منه» . ثم رواه مسلم، عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره بنحوه، وذكر قصة أبي سيارة، وأنه كان يدفع بأهل الجاهلية على حمار عري، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «نحرت هاهنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا، وجمع كلها موقف» ". وقد رواه أبو داود بطوله عن النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن - وربما زاد بعضهم على بعض الكلمة والشيء - أربعتهم عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، بنحو من رواية مسلم، وقد رمزنا لبعض زياداته عليه. ورواه أبو داود أيضا والنسائي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد القطان، عن جعفر به. ورواه النسائي أيضا عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد ببعضه، وعن إبراهيم بن هارون البلخي، عن حاتم بن إسماعيل ببعضه.
** [ذكر الأماكن التي صلى فيها رسول الله وهو ذاهب من المدينة إلى مكة في عمرته وحجته] **
ذكر الأماكن التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب من المدينة إلى مكة في عمرته وحجته
قال البخاري: باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، قال: ثنا فضيل بن سليمان، قال: ثنا موسى بن عقبة، قال: «رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة» . وحدثني نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يصلي في تلك الأمكنة، وسألت سالما فلا أعلمه إلا وافق نافعا في الأمكنة كلها، إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء.
حدثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا أنس بن عياض، قال: ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، أن عبد الله «أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر، وفي حجته حين حج، تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة وكان إذا رجع من غزو كان في تلك الطريق أو حج أو عمرة هبط، من بطن واد، فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي
الشرقية فعرس ثم حتى يصبح، ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد، كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده، في بطنه كثب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي، فدحا السيل فيه بالبطحاء، حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه» .
وأن عبد الله بن عمر حدثه «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي كان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ; يقول: ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي.» وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى وأنت ذاهب إلى مكة، بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر أو نحو ذلك.
وأن ابن عمر كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق، دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف وأنت ذاهب إلى مكة، وقد ابتني ثم مسجد، فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد، كان يتركه عن يساره ووراءه، ويصلي أمامه إلى العرق نفسه، وكان عبد الله يروح من الروحاء، فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلي فيه الظهر، وإذا أقبل من مكة فإن مر به قبل الصبح بساعة أو من آخر السحر ; عرس حتى يصلي بها الصبح.
وأن عبد الله حدثه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطريق ووجاه الطريق، في مكان بطح سهل، حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين، وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها، وهي قائمة على ساق، وفي ساقها كثب كثيرة.»
«وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في طرف تلعة من وراء العرج وأنت ذاهب إلى هضبة، عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة، على القبور رضم من حجارة، عن يمين الطريق عند سلمات الطريق، بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة، فيصلي الظهر في ذلك المسجد» .
«وأن عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عند سرحات عن يسار الطريق، في مسيل دون هرشى. ذلك المسيل لاصق بكراع هرشى، بينه وبين الطريق قريب من غلوة،» وكان عبد الله يصلي إلى سرحة هي أقرب السرحات إلى الطريق، وهى أطولهن.
وأن عبد الله بن عمر حدثه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مر الظهران قبل المدينة حين يهبط من الصفراوات ينزل في بطن ذلك المسيل، عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، ليس بين منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الطريق إلا رمية بحجر» .
وأن عبد الله بن عمر حدثه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي طوى، ويبيت حتى يصبح، يصلي الصبح حين يقدم مكة، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة، ليس في المسجد الذي بني ثم، ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة» .
وأن عبد الله حدثه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة، فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الأكمة، ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء، تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها، ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة» . تفرد البخاري، رحمه الله، بهذا الحديث بطوله وسياقه، إلا أن مسلما روى منه عند قوله في آخره: وأن عبد الله بن عمر حدثه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي طوى» . إلى آخر الحديث، عن محمد بن إسحاق المسيبي عن أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. وقد رواه الإمام أحمد بطوله، عن أبي قرة موسى بن طارق، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر به نحوه.
وهذه الأماكن لا يعرف اليوم كثير منها أو أكثرها ; لأنه قد غير أسماء أكثر هذه البقاع اليوم عند هؤلاء الأعراب الذين هناك، فإن الجهل قد غلب على أكثرهم، وإنما أوردها البخاري، رحمه الله، في كتابه لعل أحدا يهتدي إليها بالتأمل والتفرس والتوسم، أو لعل أكثرها أو كثيرا منها كان معلوما في زمان البخاري. والله تعالى أعلم.
** [باب دخول النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة] **
، شرفها، الله عز وجل
قال البخاري: حدثنا مسدد، ثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثني نافع، عن ابن عمر قال: «بات النبي صلى الله عليه وسلم بذي طوى، حتى أصبح، ثم دخل مكة، وكان ابن عمر يفعله.» ورواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان به. وزاد حتى صلى الصبح. أو قال: حتى أصبح.
وقال مسلم: ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، «أن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارا، ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله» . ورواه البخاري من حديث حماد بن زيد، عن أيوب به.
ولهما من طريق أخرى، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى. وذكره. وتقدم آنفا ما
أخرجاه من طريق موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت بذي طوى حتى يصبح فيصلي الصبح حين يقدم مكة، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أكمة غليظة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة، فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الأكمة، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها، ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة.» أخرجاه في " الصحيحين ".
وحاصل هذا كله «أنه، عليه الصلاة والسلام، لما انتهى في مسيره إلى ذي طوى وهو قريب من مكة متاخم للحرم، أمسك عن التلبية ; لأنه قد وصل إلى المقصود، وبات بذلك المكان حتى أصبح، فصلى هنالك الصبح، في المكان الذي وصفوه بين فرضتي الجبل الطويل هنالك، ومن تأمل هذه الأماكن المشار إليها بعين البصيرة، عرفها معرفة جيدة، وتعين له المكان الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اغتسل صلوات الله وسلامه عليه، لأجل دخول مكة، ثم ركب ودخلها نهارا جهرة علانية، من الثنية العليا التي بالبطحاء - ويقال: كداء - ليراه الناس ويشرف عليهم، وكذلك دخل منها يوم الفتح،» كما ذكرناه.
قال مالك، عن نافع، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا، وخرج من الثنية السفلى» أخرجاه في " الصحيحين " من حديثه.
ولهما من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا التي في البطحاء، وخرج من الثنية السفلى.» ولهما أيضا من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مثل ذلك.
ولما وقع بصره، عليه الصلاة والسلام، على البيت قال ما رواه الشافعي في " مسنده ": أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج «، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: " اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا ".» قال الحافظ البيهقي: هذا منقطع، وله شاهد مرسل عن سفيان الثوري، عن أبي سعيد الشامي، عن مكحول قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل مكة فرأى البيت، رفع يديه وكبر وقال: " اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من حجه أو اعتمره تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا ".»
وقال الشافعي: أنبأنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج قال: حدثت عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وعشية عرفة، وبجمع، وعند الجمرتين، وعلى الميت ".»
قال الحافظ البيهقي: وقد رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وعن نافع، عن ابن عمر ; مرة موقوفا عليهما، ومرة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر الميت. قال: وابن أبي ليلى هذا غير قوي.
ثم إنه، عليه الصلاة والسلام، دخل المسجد من باب بني شيبة، قال الحافظ البيهقي: روينا عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح قال: يدخل المحرم من حيث شاء. قال: «ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة، وخرج من باب بني مخزوم، إلى الصفا» ثم قال البيهقي: وهذا مرسل جيد.
وقد استدل البيهقي على استحباب دخول المسجد من باب بني شيبة، بما رواه من طريق أبي داود الطيالسي، ثنا حماد بن سلمة، وقيس وسلام، كلهم عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن علي، رضي الله عنه، قال «لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش، فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه، فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب، فرفعوه، وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه.» وقد ذكرنا هذا مبسوطا في باب بناء الكعبة قبل البعثة. وفي الاستدلال على استحباب الدخول من باب بني شيبة بهذا نظر. والله أعلم.
** [صفة طوافه صلوات الله وسلامه عليه] **
قال البخاري: حدثنا أصبغ بن الفرج، عن ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن قال: ذكرت لعروة قال: «أخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثم طاف، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر وعمر مثله، ثم حججت مع أبي الزبير فأول شيء بدأ به الطواف، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلونه، وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلوا.» هذا لفظه وقد رواه في موضع آخر، عن أحمد بن عيسى، ومسلم، عن هارون بن سعيد، ثلاثتهم عن ابن وهب به. وقولها: ثم لم تكن عمرة. يدل على أنه، عليه الصلاة والسلام، لم يتحلل بين النسكين، ثم كان أول ما ابتدأ به، عليه الصلاة والسلام، استلام الحجر الأسود قبل الطواف، كما قال جابر: «حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا.»
وقال البخاري: ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن، الأعمش، عن إبراهيم، عن عابس بن ربيعة، عن عمر أنه جاء إلى الحجر فقبله وقال: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.»
ورواه مسلم، عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير جميعا، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.»
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد وأبو معاوية قالا: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر أتى الحجر فقال: «أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك.» ثم دنا فقبله. فهذا السياق يقتضي أنه قال ما قال، ثم قبله بعد ذلك. بخلاف سياق صاحبي " الصحيح ". فالله أعلم.
وقال أحمد: ثنا وكيع ويحيى - واللفظ لوكيع - عن هشام، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب أتى الحجر فقال: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك.» وقال: ثم قبله. وهذا منقطع بين عروة بن الزبير وبين عمر.
وقال البخاري أيضا: ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن جعفر بن أبي
كثير، أخبرني زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال للركن: «أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استلمك ما استلمتك.» فاستلمه. ثم قال: وما لنا وللرمل؟ ! إنما كنا راءينا به المشركين، ولقد أهلكهم الله. ثم قال: شيء صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه. وهذا يدل على أن الاستلام تأخر عن القول.
وقال البخاري: ثنا أحمد بن سنان، ثنا يزيد بن هارون، ثنا ورقاء، ثنا زيد بن أسلم، عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر وقال: «لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك»
وقال مسلم بن الحجاج ثنا حرملة، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، هو ابن يزيد الأيلي، وعمرو، هو ابن دينار. (ح) وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو، عن ابن شهاب، عن سالم أن أباه حدثه، أنه قال: «قبل عمر بن الخطاب الحجر ثم قال: أما والله لقد علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك» . زاد هارون في روايته: قال عمرو: وحدثني بمثلها زيد بن أسلم عن أبيه أسلم. يعني عن عمر به. وهذا صريح في أن التقبيل تقدم على القول. فالله أعلم.
وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا عبد الله، عن نافع، عن ابن
عمر، أن عمر قبل الحجر ثم قال: «قد علمت أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك.» هكذا رواه الإمام أحمد.
وقد أخرجه مسلم في " صحيحه "، عن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر قبل الحجر وقال: «إني لأقبلك، وإني لأعلم أنك حجر، ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك.»
ثم قال مسلم: ثنا خلف بن هشام والمقدمي وأبو كامل وقتيبة، كلهم عن حماد، قال خلف: ثنا حماد بن زيد، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت الأصلع - يعني عمر - يقبل الحجر ويقول: «والله إني لأقبلك، وإني لأعلم أنك حجر، وأنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.» وفي رواية المقدمي وأبي كامل: رأيت الأصيلع. وهذا من أفراد مسلم دون البخاري. وقد رواه الإمام أحمد، عن أبي معاوية، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس به. ورواه أحمد أيضا، عن غندر، عن شعبة، عن عاصم الأحول به.
وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: «إني
لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولكني رأيت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم بك حفيا.» ثم رواه أحمد، عن وكيع، عن سفيان الثوري به. وزاد: فقبله والتزمه.
وهكذا رواه مسلم من حديث عبد الرحمن بن مهدي بلا زيادة، ومن حديث وكيع بهذه الزيادة: قبل الحجر والتزمه وقال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفيا.»
وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن عمر بن الخطاب أكب على الركن وقال: «إني لأعلم أنك حجر، ولو لم أر حبيبي صلى الله عليه وسلم قبلك واستلمك ما استلمتك ولا قبلتك:» {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] (الأحزاب: 21) . وهذا إسناد جيد قوي، ولم يخرجوه.
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي، من أهل مكة قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه، ثم قال: رأيت خالك ابن عباس قبله وسجد عليه، وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه، ثم قال عمر: «لو لم أر النبي صلى الله عليه وسلم قبله ما قبلته» وهذا
أيضا إسناد حسن. ولم يخرجه إلا النسائي، عن عمرو بن عثمان، عن الوليد بن مسلم، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر، فذكر نحوه. وقد روى هذا الحديث عن عمر الإمام أحمد أيضا من حديث يعلى بن أمية عنه، وأبو يعلى الموصلي في " مسنده " من طريق هشام بن حبيش بن الأشعر، عن عمر. وقد أوردنا ذلك كله بطرقه وألفاظه وعزوه وعلله في الكتاب الذي جمعناه في " مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب "، رضي الله عنه، ولله الحمد والمنة. وبالجملة فهذا الحديث مروي من طرق متعددة، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وهي تفيد القطع عند كثير من أئمة هذا الشأن، وليس في هذه الروايات أنه، عليه الصلاة والسلام، سجد على الحجر إلا ما أشعر به رواية أبي داود الطيالسي، عن جعفر بن عبد الله بن عثمان وليست صريحة في الرفع.
ولكن رواه الحافظ البيهقي من طريق أبي عاصم النبيل، ثنا جعفر بن عبد الله قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه، ثم قال: رأيت خالك ابن عباس قبله وسجد عليه، وقال ابن عباس: رأيت عمر قبله وسجد عليه، ثم قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هكذا ففعلت.»
وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا الطبراني، أنبأنا أبو الزنباع، ثنا يحيى بن سليمان الجعفي، ثنا يحيى بن يمان، ثنا سفيان، عن ابن أبي حسين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على الحجر.» قال الطبراني: لم يروه عن سفيان إلا يحيى بن يمان.
وقال البخاري: ثنا مسدد، ثنا حماد، عن الزبير بن عربي قال: سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر، فقال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله. قال: أرأيت إن زحمت؟ أرأيت إن غلبت؟ قال: اجعل " أرأيت " باليمن ; رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله.» تفرد به دون مسلم.
وقال البخاري: ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: «ما تركت استلام هذين الركنين في شدة ولا رخاء منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما. فقلت لنافع: أكان ابن عمر يمشي بين الركنين؟ قال إنما كان يمشي ليكون أيسر لاستلامه.»
وروى أبو داود والنسائي، من حديث يحيى بن سعيد القطان، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة.»
وقال البخاري: ثنا أبو الوليد، ثنا ليث، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: «لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين.» ورواه مسلم، عن يحيى بن يحيى، وقتيبة، عن الليث بن سعد به. وفي رواية عنه أنه قال: «ما أرى النبي صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين الشاميين إلا أنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم.»
وقال البخاري: وقال محمد بن بكر: أنبأنا ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء أنه قال: ومن يتقي شيئا من البيت؟ وكان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس: إنه لا يستلم هذان الركنان. فقال له: ليس من البيت شيء مهجورا. وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن. انفرد بروايته البخاري رحمه الله تعالى.
وقال مسلم في " صحيحه ": حدثني أبو الطاهر ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن قتادة بن دعامة حدثه أن أبا الطفيل البكري حدثه أنه سمع ابن عباس يقول: «لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم غير الركنين اليمانيين.» انفرد به مسلم. فالذي رواه ابن عمر موافق لما قاله ابن عباس ; أنه لا يستلم الركنان الشاميان ; لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم لأن قريشا قصرت بهم النفقة، فأخرجوا الحجر من البيت حين بنوه، كما تقدم بيانه. وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو بناه
فتممه على قواعد إبراهيم، ولكن خشي من حداثة عهد الناس بالجاهلية فتنكره قلوبهم، فلما كانت إمرة عبد الله بن الزبير هدم الكعبة، وبناها على ما أشار إليه، صلى الله عليه وسلم، كما أخبرته خالته أم المؤمنين عائشة بنت الصديق. فإن كان ابن الزبير استلم الأركان كلها بعد بنائه إياها على قواعد إبراهيم فحسن جدا وهو والله المظنون به.
وقال أبو داود: ثنا مسدد ثنا يحيى عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة.» ورواه النسائي، عن محمد بن المثنى، عن يحيى.
وقال النسائي: ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج عن يحيى بن عبيد، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين الركن اليماني والحجر: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (البقرة: 201) ورواه أبو داود، عن مسدد، عن عيسى بن يونس، عن ابن جريج به.
وقال الترمذي: ثنا محمود بن غيلان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا سفيان، عن
جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: «لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخل المسجد، فاستلم الحجر، ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم أتى المقام فقال: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ". فصلى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى الحجر بعد الركعتين فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا، أظنه قال: " {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] » حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم. وهكذا رواه إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم ورواه الطبراني، عن النسائي وغيره، عن عبد الأعلى بن واصل عن يحيى بن آدم به.
** [ذكر رمله عليه الصلاة والسلام في طوافه واضطباعه] **
قال البخاري: حدثنا أصبغ بن الفرج أخبرني ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أشواط من السبع.» . ورواه مسلم، عن أبي الطاهر بن السرح وحرملة، كلاهما عن ابن وهب به.
وقال البخاري: ثنا محمد بن سلام، ثنا سريج بن النعمان، ثنا فليح، عن نافع، عن ابن عمر قال: «سعى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشواط ومشى أربعة في الحج والعمرة.» تابعه الليث حدثني كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. انفرد به البخاري. وقد روى النسائي، عن محمد وعبد الرحمن ابني عبد الله بن عبد الحكم، كلاهما عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد عن كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر به.
وقال البخاري: ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا أبو ضمرة أنس بن عياض ثنا موسى بن عقبة عن نافع عن عبد الله بن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة.» ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة
وقال البخاري: ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا أنس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف ويمشي أربعة، وأنه كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة.» ورواه مسلم من حديث عبيد الله بن عمر.
وقال مسلم: أنبأنا عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي، أنبأنا ابن المبارك أنبأنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: «رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجر إلى الحجر ثلاثا ومشى أربعا.» ثم رواه من حديث سليم بن أخضر، عن عبيد الله بنحوه.
وقال مسلم أيضا: حدثني أبو الطاهر، حدثني عبد الله بن وهب، أخبرني مالك وابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل الثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر.»
وقال عمر بن الخطاب فيم الرملان والكشف عن المناكب وقد أطأ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله؟! ومع ذلك لا نترك شيئا كنا نفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي من حديث هشام بن سعيد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه عنه. وهذا كله رد على ابن عباس ومن تابعه من أن الرمل ليس بسنة ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما فعله لما قدم هو
وأصحابه صبيحة رابعة - يعني في عمرة القضاء - «وقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم،» وهذا ثابت عنه في " الصحيحين "، فكان ابن عباس ينكر وقوع الرمل في حجة الوداع، وقد صح بالنقل الثابت كما تقدم - بل فيه زيادة تكميل - الرمل من الحجر إلى الحجر، ولم يمش ما بين الركنين اليمانيين ; لزوال تلك العلة المشار إليها، وهي الضعف.
وقد ورد في الحديث الصحيح، عن ابن عباس أنهم رملوا في عمرة الجعرانة واضطبعوا. وهو رد عليه، فإن عمرة الجعرانة لم يبق في أيامها خوف ; لأنها بعد الفتح كما تقدم. رواه حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت واضطبعوا، ووضعوا أرديتهم تحت آباطهم وعلى عواتقهم.» ورواه أبو داود من حديث حماد بنحوه، ومن حديث عبد الله بن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس به.
فأما الاضطباع في حجة الوداع، فقد قال قبيصة والفريابي عن سفيان
الثوري، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن ابن يعلى بن أمية، عن أبيه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت مضطبعا.» رواه الترمذي من حديث الثوري وقال: حسن صحيح.
وقال أبو داود: ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن ابن جريج عن ابن يعلى، عن أبيه قال: «طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطبعا بردا أخضر.»
وهكذا رواه الإمام أحمد، عن وكيع، عن الثوري، عن ابن جريج عن ابن يعلى، عن أبيه، «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم طاف بالبيت وهو مضطبع ببرد له حضرمي.»
وقال جابر في حديثه المتقدم: «حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ". فجعل المقام بينه وبين البيت. فذكر أنه صلى ركعتين قرأ فيهما: " {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] " (الإخلاص: 1) . و " {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] » (الكافرون: 1) . فإن قيل: فهل كان، عليه الصلاة والسلام في هذا الطواف
راكبا أو ماشيا؟ فالجواب أنه قد ورد نقلان قد يظن أنهما متعارضان، ونحن نذكرهما، ونشير إلى التوفيق بينهما، ورفع اللبس عند من يتوهم فيهما تعارضا، وبالله التوفيق وعليه الاستعانة، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قال البخاري، رحمه الله: حدثنا أحمد بن صالح ويحيى بن سليمان، قالا: ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: «طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعيره في حجة الوداع يستلم الركن بمحجن.» وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من طرق، عن ابن وهب قال البخاري: تابعه الدراوردي، عن ابن أخي الزهري، عن عمه. وهذه المتابعة غريبة جدا.
وقال البخاري: ثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الوهاب، ثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه.»
وقد رواه الترمذي من حديث عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وعبد الوارث، كلاهما عن خالد بن مهران الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه.» وقال: حسن صحيح.
ثم قال البخاري: ثنا مسدد، ثنا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر. تابعه إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذاء.» وقد أسند هذا التعليق هاهنا في كتاب الطلاق، عن عبد الله بن محمد، عن أبي عامر، عن إبراهيم بن طهمان به.
وروى مسلم عن الحكم بن موسى، عن شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن ; كراهية أن يضرب عنه الناس. فهذا إثبات أنه، عليه الصلاة والسلام طاف في حجة الوداع على بعير، ولكن حجة الوداع كان فيها ثلاثة أطواف ; الأول طواف القدوم، والثاني طواف الإفاضة، وهو طواف الفرض وكان يوم النحر، والثالث طواف الوداع. فلعل ركوبه صلى الله عليه وسلم كان في أحد الأخيرين، أو في كليهما. فأما الأول، وهو طواف القدوم، فكان ماشيا فيه.» وقد نص الشافعي على هذا كله. والله أعلم وأحكم.
والدليل على ذلك ما قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه " السنن الكبير " أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو بكر محمد بن المؤمل بن
الحسن بن عيسى، ثنا الفضل بن محمد بن المسيب، ثنا نعيم بن حماد ثنا عيسى بن يونس، عن محمد بن إسحاق - هو ابن يسار، رحمه الله - عن أبي جعفر، وهو محمد بن علي بن الحسين، عن جابر بن عبد الله قال: دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، «فأتى النبي صلى الله عليه وسلم باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد، فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثا ومشى أربعا، حتى فرغ، فلما فرغ قبل الحجر، ووضع يديه عليه ومسح بهما وجهه.» وهذا إسناد جيد.
فأما ما رواه أبو داود، حدثنا مسدد، ثنا خالد بن عبد الله، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته، فلما أتى على الركن استلمه بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين.» تفرد به يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف. ثم لم يذكر أنه في حجة الوداع، ولا ذكر أنه في الطواف الأول من حجة الوداع، ولم يذكر ابن عباس في الحديث الصحيح عنه عند مسلم، وكذا جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم «ركب في طوافه لضعفه.» وإنما ذكرا كثرة الناس وغشيانهم له، وكان لا يحب أن يضربوا بين يديه، كما سيأتي تقريره قريبا إن شاء الله. ثم هذا التقبيل الثاني الذي ذكره ابن إسحاق في روايته بعد الطواف وبعد ركعتيه أيضا ثابت في " صحيح مسلم " من حديث جابر، قال فيه بعد ذكر صلاة ركعتي الطواف: ثم رجع إلى الركن فاستلمه.
وقد قال مسلم بن الحجاج في " صحيحه ": حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير جميعا، عن أبي خالد - قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد الأحمر - عن عبيد الله، عن نافع قال: «رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم قبل يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله» . فهذا يحتمل أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطوفات أو في آخر استلام فعل هذا كما ذكرنا، أو أن ابن عمر لم يصل إلى الحجر لضعف كان به، أو لئلا يزاحم غيره فيحصل لغيره أذى به.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوالده ما رواه أحمد في " مسنده " حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أبي يعفور العبدي قال: سمعت شيخا بمكة في إمارة الحجاج يحدث عن عمر بن الخطاب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " يا عمر إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله فهلل وكبر ".» وهذا إسناد جيد لكن راويه عن عمر مبهم لم يسم، والظاهر أنه ثقة جليل. فقد رواه الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن أبي يعفور العبدي، واسمه وقدان، سمعت رجلا من خزاعة حين قتل ابن الزبير، وكان أميرا على مكة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: «يا أبا حفص، إنك رجل قوي فلا تزاحم على الركن ; فإنك تؤذي الضعيف، ولكن
إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فكبر وامض ".» قال سفيان بن عيينة: هو عبد الرحمن بن الحارث كان الحجاج استعمله عليها منصرفه منها حين قتل ابن الزبير.
قلت: وقد كان عبد الرحمن هذا جليلا نبيلا كبير القدر، وكان أحد النفر الأربعة الذين ندبهم عثمان بن عفان في كتابة المصاحف الأئمة التي نفذها إلى الآفاق، ووقع على ما فعله الإجماع والاتفاق.
** [ذكر طوافه صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة] **
روى مسلم في " صحيحه " عن جابر في حديثه الطويل المتقدم، بعد ذكره طوافه، عليه الصلاة والسلام، بالبيت سبعا وصلاته عند المقام ركعتين قال: «ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: " {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] " أبدأ بما بدأ الله به ". فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: " لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ". ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة، فرقي عليها، حتى نظر إلى البيت، فقال عليها كما قال على الصفا.»
وقال الإمام أحمد: ثنا عمر بن هارون البلخي أبو حفص، ثنا ابن جريج عن بعض بني يعلى بن أمية عن أبيه قال «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مضطبعا بين الصفا والمروة ببرد له نجراني.»
وقال الإمام أحمد: ثنا يونس، ثنا عبد الله بن المؤمل، عن عمر بن
عبد الرحمن، ثنا عطاء، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: «دخلت دار أبي حسين في نسوة من قريش، والنبي صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة. قالت: وهو يسعى يدور به إزاره من شدة السعي، وهو يقول لأصحابه: " اسعوا، إن الله كتب عليكم السعي»
وقال أحمد أيضا: ثنا سريج، ثنا عبد الله بن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن، ثنا عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: " اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي» تفرد به أحمد.
وقد رواه أحمد أيضا عن عبد الرزاق، عن معمر، عن واصل مولى أبي عيينة، عن موسى بن عبيدة، عن صفية بنت شيبة، «أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة يقول: " كتب عليكم السعي فاسعوا» وهذه المرأة هي حبيبة بنت أبي تجراة المصرح بذكرها في الإسنادين الأولين.
وعن أم ولد شيبة بن عثمان أنها أبصرت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول: «لا يقطع الأبطح
إلا شدا» رواه النسائي. والمراد بالسعي هاهنا هو الذهاب من الصفا إلى المروة، ومنها إليها، وليس المراد بالسعي هاهنا الهرولة والإسراع، فإن الله لم يكتبه علينا حتما، بل لو مشى الإنسان على هينة في السبع الطوفات بينهما ولم يرمل في المسيل، أجزأه ذلك عند جماعة العلماء، لا يعرف بينهم اختلاف في ذلك.
وقد نقله الترمذي، رحمه الله، عن أهل العلم، ثم قال: ثنا يوسف بن عيسى، ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن كثير بن جمهان قال: «رأيت ابن عمر يمشي في المسعى فقلت: أتمشي في السعي بين الصفا والمروة؟ فقال: لئن سعيت لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى، ولئن مشيت لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، وأنا شيخ كبير.» ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وقد روى سعيد بن جبير، عن ابن عمر نحو هذا. وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عطاء بن السائب، عن كثير بن جمهان السلمي الكوفي، عن ابن عمر. فقول ابن عمر أنه شاهد الحالين منه صلى الله عليه وسلم يحتمل شيئين ; أحدهما أنه رآه يسعى في وقت ماشيا لم يمزجه برمل فيه بالكلية والثاني أنه رآه يسعى في بعض الطريق ويمشي في بعضه. وهذا له قوة ; لأنه قد روى البخاري ومسلم من
حديث عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة.» وتقدم في حديث جابر أنه، عليه الصلاة والسلام، نزل من الصفا، فلما انصبت قدماه في الوادي رمل، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة. وهذا هو الذي تستحبه العلماء قاطبة ; أن الساعي بين الصفا والمروة يستحب له أن يرمل في بطن الوادي في كل طوفة في بطن المسيل الذي بينهما، وحددوا ذلك بما بين الأميال الخضر، فواحد مفرد من ناحية الصفا مما يلي المسجد، واثنان مجتمعان من ناحية المروة مما يلي المسجد أيضا. وقال بعض العلماء: ما بين هذه الأميال اليوم أوسع من بطن المسيل الذي رمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله أعلم.
وأما قول محمد بن حزم في الكتاب الذي جمعه في حجة الوداع: ثم خرج، عليه الصلاة والسلام، إلى الصفا فقرأ: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] أبدأ بما بدأ الله به ". فطاف بين الصفا والمروة أيضا سبعا راكبا على بعير، يخب ثلاثا ويمشي أربعا. فإنه لم يتابع على هذا القول، ولم يتفوه به أحد قبله من أنه، عليه الصلاة والسلام، خب ثلاثة أشواط بين الصفا والمروة ومشى أربعا، ثم مع هذا الغلط الفاحش لم يذكر عليه دليلا بالكلية، بل لما انتهى إلى موضع الاستدلال عليه قال: ولم نجد عدد الرمل بين الصفا والمروة منصوصا، ولكنه متفق عليه. هذا لفظه فإن أراد أن الرمل
في الطوفات الثلاث الأول - على ما ذكر - متفق عليه، فليس بصحيح بل لم يقله أحد. وإن أراد أن الرمل في الثلاث الأول في الجملة متفق عليه، فلا يجدي له شيئا ولا يحصل له مقصودا، فإنهم كما اتفقوا على الرمل في الثلاث الأول في بعضها على ما ذكرناه، كذلك اتفقوا على استحبابه في الأربع الأخر أيضا، فتخصيص ابن حزم الثلاث الأول باستحباب الرمل فيها، مخالف لما ذكره العلماء. والله أعلم. وأما قول ابن حزم أنه، عليه الصلاة والسلام، كان راكبا بين الصفا والمروة. فقد تقدم عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسعى بطن المسيل» أخرجاه. وللترمذي عنه: «إن أسعى فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى، وإن مشيت فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي. وقال جابر: فلما انصبت قدماه في الوادي رمل، حتى إذا صعد مشى.» رواه مسلم. وقالت حبيبة بنت أبي تجراة: يسعى، يدور به إزاره من شدة السعي. رواه أحمد. وفي " صحيح مسلم " عن جابر كما تقدم أنه رقي على الصفا حتى رأى البيت. وكذلك على المروة.
وقد قدمنا من حديث محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر الباقر، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بعيره على باب المسجد، يعني حتى طاف، ثم لم يذكر أنه ركبه حال ما خرج إلى الصفا. وهذا كله مما يقتضي أنه، عليه الصلاة والسلام، سعى بين الصفا والمروة ماشيا.
ولكن قال مسلم: ثنا عبد بن حميد، ثنا محمد - يعني ابن بكر - أنا ابن
جريج أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: «طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس، وليشرف وليسألوه ; فإن الناس غشوه، ولم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا.» ورواه مسلم أيضا، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، وعن علي بن خشرم، عن عيسى بن يونس، وعن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد، كلهم عن ابن جريج به. وليس في بعضها: وبين الصفا والمروة.
وقد رواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: «طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة.» ورواه النسائي، عن الفلاس، عن يحيى، وعن عمران بن يزيد، عن شعيب بن إسحاق، كلاهما عن ابن جريج به. فهذا محفوظ من حديث ابن جريج وهو مشكل جدا ; لأن بقية الروايات عن جابر وغيره تدل على أنه، عليه الصلاة والسلام، كان ماشيا بين الصفا والمروة. وقد تكون رواية أبي الزبير عن جابر بهذه الزيادة -
وهي قوله: وبين الصفا والمروة - مقحمة أو مدرجة ممن بعد الصحابي. والله أعلم. أو أنه، عليه الصلاة والسلام، طاف بين الصفا والمروة بعض الطوفات على قدميه، وشوهد منه ما ذكر، فلما ازدحم الناس عليه وكثروا ركب، كما يدل عليه حديث ابن عباس الآتي قريبا. وقد سلم ابن حزم أن طوافه الأول بالبيت كان ماشيا، وحمل ركوبه في الطواف على ما بعد ذلك، وادعى أنه كان راكبا في السعي بين الصفا والمروة، قال: لأنه لم يطف بينهما إلا مرة واحدة. ثم تأول قول جابر: حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل. بأنه يصدق ذلك وإن كان راكبا ; فإنه إذا انصب بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه مع سائر جسده. قال: وكذلك ذكر الرمل يعني به رمل الدابة براكبها. وهذا التأويل بعيد جدا. والله أعلم.
وقال أبو داود: ثنا أبو سلمة موسى، ثنا حماد، أنبأنا أبو عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: «يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمل بالبيت، وأن ذلك سنة. قال: صدقوا وكذبوا. فقلت ما صدقوا وما كذبوا؟! قال: صدقوا قد رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذبوا ; ليس بسنة، إن قريشا قالت زمن الحديبية دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف. فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركون من قبل قعيقعان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لأصحابه: " ارملوا بالبيت ثلاثا ". وليس بسنة. قلت: يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بين الصفا والمروة على بعير وأن ذلك سنة. قال: صدقوا وكذبوا. قلت: ما صدقوا وما كذبوا؟! قال: صدقوا ; قد طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة على بعير، وكذبوا ; ليست بسنة، كان الناس لا يدفعون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصرفون عنه، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه، وليروا مكانه ولا تناله أيديهم» هكذا رواه أبو داود.
وقد رواه مسلم، عن أبي كامل، عن عبد الواحد بن زياد، عن الجريري، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس فذكر فضل الطواف بالبيت بنحو ما تقدم، ثم قال: «قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال صدقوا وكذبوا. قلت: وما قولك: صدقوا وكذبوا؟! قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، هذا محمد. حتى خرج العواتق من البيوت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه الناس ركب» . قال ابن عباس: والمشي والسعي أفضل. هذا لفظ مسلم، وهو يقتضي أنه إنما ركب في أثناء الحال، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث. والله أعلم.
وأما ما رواه مسلم في " صحيحه " حيث قال: ثنا محمد بن رافع، ثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي الطفيل قال:
«قلت لابن عباس: أراني قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فصفه لي. قلت: رأيته عند المروة على ناقة وقد كثر الناس عليه. فقال ابن عباس: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنهم كانوا لا يدعون عنه ولا يكرهون» . فقد تفرد به مسلم، وليس فيه دلالة على أنه، عليه الصلاة والسلام، سعى بين الصفا والمروة راكبا، إذ لم يقيد ذلك بحجة الوداع ولا غيرها، وبتقدير أن يكون ذلك في حجة الوداع، فمن الجائز أنه، عليه الصلاة والسلام، بعد فراغه من السعي وجلوسه على المروة وخطبته الناس وأمره إياهم من لم يسق الهدي منهم أن يفسخ الحج إلى العمرة، فحل الناس كلهم إلا من ساق الهدي، كما تقدم في حديث جابر. ثم بعد هذا كله أتي بناقته فركبها، وسار إلى منزله بالأبطح، كما سنذكره قريبا، وحينئذ رآه أبو الطفيل عامر بن واثلة البكري وهو معدود في صغار الصحابة.
لكن قال أبو داود: ثنا هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع، قالا: ثنا أبو عاصم، عن معروف، يعني ابن خربوذ المكي، حدثنا أبو الطفيل قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت على راحلته يستلم الركن بمحجنه، ثم يقبله.» زاد محمد بن رافع: «ثم خرج إلى الصفا والمروة، فطاف سبعا على راحلته» . وقد رواه مسلم في " صحيحه " من حديث أبي داود الطيالسي، عن معروف بن خربوذ
به، بدون الزيادة التي ذكرها محمد بن رافع، وكذلك رواه عبيد الله بن موسى، عن معروف بدونها. ورواه الحافظ البيهقي، عن أبي سعيد بن أبي عمرو، عن الأصم، عن يحيى بن أبي طالب، عن يزيد بن أبي حكيم، عن يزيد بن مليك، عن أبي الطفيل بدونها. فالله أعلم.
وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو بكر بن الحسن وأبو زكريا بن أبي إسحاق، قالا: ثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم، ثنا أحمد بن حازم، أنبأنا عبيد الله بن موسى وجعفر بن عون، قالا: أنبأنا أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد الله بن عمار قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى بين الصفا والمروة على بعير ; لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك» . وقال البيهقي: كذا قالا، وقد رواه جماعة عن أيمن فقالوا: يرمي الجمرة يوم النحر. قال: ويحتمل أن يكونا صحيحين.
قلت: رواه الإمام أحمد في " مسنده " عن وكيع، وقران بن تمام، وأبي قرة موسى بن طارق، قاضي أهل اليمن، وأبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، ومعتمر بن سليمان، عن أيمن بن نابل الحبشي أبي عمران المكي نزيل عسقلان مولى أبي بكر الصديق، وهو ثقة جليل من رجال البخاري، عن قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي، «أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة يوم النحر من
بطن الوادي على ناقة صهباء ; لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك.» وهكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية، وأخرجه النسائي عن إسحاق بن راهويه، وابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن وكيع، كلاهما عن أيمن بن نابل، عن قدامة كما رواه الإمام أحمد. وقال الترمذي: حسن صحيح.
قلت قد ذهب طائفة من العراقيين ; كأبي حنيفة وأصحابه والثوري إلى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، وهو مروي عن علي وابن مسعود ومجاهد والشعبي، ولهم أن يحتجوا بحديث جابر الطويل، دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى بين الصفا والمروة ماشيا، وحديثه هذا أنه سعى بينهما راكبا على تعداد الطواف بينهما ; مرة ماشيا ومرة راكبا.
وقد روى سعيد بن منصور في " سننه "، عن علي رضي الله عنه، أنه أهل بحجة وعمرة، فلما قدم مكة طاف بالبيت وبالصفا والمروة لعمرته، ثم عاد فطاف بالبيت وبالصفا والمروة لحجته، ثم أقام حراما إلى يوم النحر. هذا لفظه. ورواه أبو ذر الهروي في " مناسكه " «عن علي، أنه جمع بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل» .
وكذلك رواه البيهقي، والدارقطني، والنسائي في " خصائص علي " فقال البيهقي في " سننه ": أنبأنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، أنبأنا أبو محمد بن صاعد، ثنا محمد بن زنبور، ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن مالك بن الحارث - أو منصور، عن مالك بن الحارث - عن أبي نصر قال: لقيت عليا وقد أهللت بالحج وأهل هو بالحج والعمرة، فقلت: هل أستطيع أن أفعل كما فعلت؟ قال: ذلك لو كنت بدأت بالعمرة. قلت: كيف أفعل إذا أردت ذلك؟ قال: تأخذ إداوة من ماء، فتفيضها عليك، ثم تهل بهما جميعا، ثم تطوف لهما طوافين وتسعى لهما سعيين، ولا يحل لك حرام دون يوم النحر. قال منصور: فذكرت ذلك لمجاهد، قال: ما كنا نفتي إلا بطواف واحد، فأما الآن فلا نفعل. قال الحافظ البيهقي: وقد رواه سفيان بن عيينة وسفيان الثوري وشعبة عن منصور، فلم يذكر فيه السعي. قال: وأبو نصر هذا مجهول، وإن صح فيحتمل أنه أراد طواف القدوم وطواف الزيارة. قال: وقد روي بأسانيد أخر، عن علي مرفوعا وموقوفا، ومدارها على الحسن بن عمارة، وحفص بن أبي داود، وعيسى بن عبد الله، وحماد بن عبد الرحمن، وكلهم ضعيف لا يحتج بشيء مما رووه في ذلك. والله أعلم.
قلت: والمنقول في الأحاديث الصحاح خلاف ذلك، فقد قدمنا عن ابن عمر في " صحيح البخاري " «أنه أهل بعمرة وأدخل عليها الحج، فصار قارنا، وطاف لهما طوافا واحدا بين الحج والعمرة، وقال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.»
وقد روى الترمذي وابن ماجه والبيهقي من حديث الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جمع بين الحج والعمرة طاف لهما طوافا واحدا، وسعى لهما سعيا واحدا» قال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب. قلت: إسناده على شرط مسلم. وهكذا جرى لعائشة أم المؤمنين، فإنها كانت ممن أهل بعمرة ; لعدم سوق الهدي معها، فلما حاضت أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل، وتهل بحج مع عمرتها، فصارت قارنة، فلما رجعوا من منى طلبت أن يعمرها من بعد الحج، فأعمرها تطييبا لقلبها، كما جاء مصرحا به في الحديث.
وقد قال الإمام أبو عبد الله الشافعي: أنبأنا مسلم، هو ابن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك ".» وهذا ظاهره الإرسال، وهو مسند في المعنى، بدليل ما قال الشافعي أيضا: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال الشافعي: وربما قال سفيان: عن عطاء عن عائشة. وربما قال: عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
لعائشة - فذكره. قال الحافظ البيهقي: رواه ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة موصولا. وقد رواه مسلم من حديث وهيب عن ابن طاوس عن أبيه، عن عائشة بمثله.
وروى مسلم من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرا يقول: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وهي تبكي، فقال: " مالك تبكين؟ " قالت: أبكي أن الناس حلوا ولم أحل، وطافوا بالبيت ولم أطف، وهذا الحج قد حضر. قال: " إن هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي وأهلي بحج ". قالت: ففعلت ذلك، فلما طهرت قال: " طوفي بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم قد حللت من حجك وعمرتك ". قالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي من عمرتي أني لم أكن طفت حتى حججت. قال: " اذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم ".» وله من حديث ابن جريج أيضا: أخبرني أبو الزبير سمعت جابرا قال «: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا.» وعند أصحاب أبي حنيفة، رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين ساقوا الهدي كانوا قد قرنوا بين الحج والعمرة، كما دل عليه الأحاديث المتقدمة. والله أعلم.
وقال الشافعي: أنبأنا إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن علي قال في القارن: يطوف طوافين ويسعى سعيا. قال الشافعي: وقال بعض الناس: طوافان وسعيان. واحتج فيه برواية ضعيفة عن علي. قال: جعفر يروي عن علي قولنا، ورويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
** [دلالة من ذهب إلى أن السعي أربعة عشر والرد عليهم] **
فصل (في دلالة من ذهب إلى أن السعي أربعة عشر والرد عليهم)
قال جابر في حديثه: حتى إذا كان آخر طوافه عند المروة قال: " «إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي» " رواه مسلم. ففيه دلالة على من ذهب إلى أن السعي بين الصفا والمروة أربعة عشر، كل ذهاب وإياب يحسب مرة. قاله جماعة من أكابر الشافعية. وهذا الحديث رد عليهم ; لأن آخر الطواف على قولهم يكون عند الصفا لا عند المروة ; ولهذا قال أحمد في روايته في حديث جابر: «فلما كان السابع عند المروة قال: " أيها الناس إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن لم يكن معه هدي فليحل وليجعلها عمرة ". فحل الناس كلهم. وقال مسلم: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي»
** [نقل الخلاف فيمن لم يسق الهدي هل له فسخ أم لا] **
فصل (نقل الخلاف فيمن لم يسق الهدي هل له فسخ أم لا)
روى أمره، عليه الصلاة والسلام، لمن لم يسق الهدي، بفسخ الحج إلى
العمرة خلق من الصحابة يطول ذكرنا لهم هاهنا، وموضع سرد ذلك كتاب " الأحكام الكبير " إن شاء الله، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: كان ذلك من خصائص الصحابة، ثم نسخ جواز الفسخ لغيرهم. وتمسكوا بقول أبي ذر، رضي الله عنه: لم يكن فسخ الحج إلى العمرة إلا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم. وأما الإمام أحمد فرد ذلك وقال: قد رواه أحد عشر صحابيا، فأين تقع هذه الرواية من ذلك؟! وذهب، رحمه الله، إلى جواز الفسخ لغير الصحابة. وقال ابن عباس، رضي الله عنهما، بوجوب الفسخ على كل من لم يسق الهدي، بل عنده أنه يحل شرعا إذا طاف بالبيت ولم يكن ساق هديا صار حلالا بمجرد ذلك، وليس عنده النسك إلا القران لمن ساق الهدي، أو التمتع لمن لم يسق. فالله أعلم.
قال البخاري: ثنا أبو النعمان، ثنا حماد بن زيد، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء، عن جابر، وعن طاوس، عن ابن عباس قالا: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبح رابعة من ذي الحجة يهلون بالحج لا يخلطه شيء، فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة، وأن نحل إلى نسائنا، ففشت في ذلك القالة. قال عطاء: قال جابر: فيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا - قال جابر بكفه - فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " بلغني أن قوما يقولون كذا وكذا، والله
لأنا أبر وأتقى لله منهم، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت ". فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله، هي لنا أو للأبد؟ فقال: " لا بل للأبد ".»
وقال مسلم: ثنا قتيبة، ثنا الليث، هو ابن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، أنه قال: «أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج مفرد، وأقبلت عائشة بعمرة، حتى إذا كنا بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدي. قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: " الحل كله ". فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال.» فهذان الحديثان فيهما التصريح بأنه، عليه الصلاة والسلام، قدم مكة عام حجة الوداع لصبح رابعة ذي الحجة، وذلك يوم الأحد حين ارتفع النهار وقت الضحاء ; لأن أول ذي الحجة تلك السنة كان يوم الخميس بلا خلاف، لأن يوم عرفة منه كان يوم الجمعة بنص حديث عمر بن الخطاب الثابت في " الصحيحين " كما سيأتي. فلما قدم، عليه الصلاة والسلام، يوم الأحد رابع الشهر بدأ - كما ذكرنا - بالطواف بالبيت، ثم بالسعي بين الصفا والمروة، فلما انتهى طوافه بينهما عند المروة، أمر من لم يكن معه هدي أن يحل من إحرامه حتما، فوجب ذلك عليهم لا محالة، ففعلوه وبعضهم متأسف ; لأجل أنه، عليه الصلاة والسلام، لم يحل من إحرامه لأجل سوقه الهدي، وكانوا يحبون موافقته، عليه الصلاة والسلام، والتأسي به، فلما
رأى ما عندهم من ذلك قال لهم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ".» أي لو أعلم أن هذا يشق عليكم لكنت تركت سوق الهدي حتى أحل كما أحللتم. ومن هاهنا تتضح الدلالة على أفضلية التمتع كما ذهب إليه الإمام أحمد أخذا من هذا، فإنه قال: لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارنا، ولكن التمتع أفضل لتأسفه عليه. وجوابه أنه، عليه الصلاة والسلام، لم يتأسف على التمتع لكونه أفضل من القران في حق من ساق الهدي، وإنما تأسف عليه لئلا يشق على أصحابه في بقائه على إحرامه وأمره لهم بالإحلال، ولهذا والله أعلم لما تأمل الإمام أحمد هذا السر، نص في رواية أخرى عنه على أن التمتع أفضل في حق من لم يسق الهدي ; لأمره، عليه الصلاة والسلام، من لم يسق الهدي من أصحابه بالتمتع، وأن القران أفضل في حق من ساق الهدي كما اختار الله عز وجل لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه، في حجة الوداع وأمره له بذلك كما تقدم. والله أعلم.
** [نزول النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح شرقي مكة] **
فصل (نزول النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح شرقي مكة)
ثم سار صلوات الله وسلامه عليه، بعد فراغه من طوافه بين الصفا والمروة، وأمره بالفسخ لمن لم يسق الهدي، والناس معه حتى نزل بالأبطح شرقي مكة فأقام هنالك بقية يوم الأحد ويوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، حتى صلى الصبح من يوم الخميس، وكل ذلك يصلي بأصحابه هنالك، ولم يعد إلى الكعبة من
تلك الأيام كلها. قال البخاري: باب من لم يقرب الكعبة، ولم يطف حتى يخرج إلى عرفة ويرجع بعد الطواف الأول، حدثنا محمد بن أبي بكر، ثنا فضيل بن سليمان، ثنا موسى بن عقبة قال: أخبرني كريب، عن عبد الله بن عباس قال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة فطاف سبعا، وسعى بين الصفا والمروة، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة» انفرد به البخاري.
** [قدوم علي على النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح وإيجاده فاطمة قد حلت] **
فصل (قدوم علي على النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح وإيجاده فاطمة قد حلت)
وقدم في هذا الوقت - «ورسول الله صلى الله عليه وسلم منيخ بالبطحاء خارج مكة - علي من اليمن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعثه، كما قدمنا، إلى اليمن أميرا بعد خالد بن الوليد، رضي الله عنهما، فلما قدم وجد زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حلت كما حل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين لم يسوقوا الهدي، واكتحلت ولبست ثيابا صبيغا، فقال: من أمرك بهذا؟ قالت: أبي. فذهب محرشا عليها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أنها حلت، ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، وزعمت أنك أمرتها بذلك يا رسول الله. فقال: " صدقت، صدقت، صدقت ". ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بم أهللت حين أوجبت الحج؟ " قال: بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: " فإن معي الهدي فلا تحل ". فكان جماعة الهدي الذي جاء به علي من اليمن، والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة
واشتراه في الطريق مائة من الإبل، واشتركا في الهدي جميعا.» وقد تقدم هذا كله في " صحيح مسلم "، رحمه الله.
وهذا التقرير يرد الرواية التي ذكرها الحافظ أبو القاسم الطبراني، رحمه الله، من حديث عكرمة، عن ابن عباس، أن عليا تلقى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجحفة. والله أعلم. وكان أبو موسى في جملة من قدم مع علي، ولكنه لم يسق هديا، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحل، بعد ما طاف للعمرة وسعى، ففسخ حجه إلى العمرة، وصار متمتعا، فكان يفتي بذلك في أثناء خلافة عمر بن الخطاب، فلما رأى عمر بن الخطاب أن يفرد الحج عن العمرة ترك فتياه ; مهابة لأمير المؤمنين عمر، رضي الله عنه وأرضاه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: «رأيت بلالا يؤذن ويدور وأتتبع فاه هاهنا وهاهنا، وأصبعاه في أذنيه. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له حمراء، أراها من أدم. قال: فخرج بلال بين يديه بالعنزة فركزها، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال عبد الرزاق: وسمعته بمكة قال: بالبطحاء - ويمر بين يديه الكلب والمرأة والحمار، وعليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بريق ساقيه. قال سفيان: نراها حبرة.»
وقال أحمد: ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح وهو في قبة له حمراء، فخرج بلال بفضل
وضوئه فمن ناضح ونائل. قال: فأذن بلال فكنت أتتبع فاه هكذا وهكذا - يعني يمينا وشمالا - قال: ثم ركزت له عنزة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وعليه جبة له حمراء - أو حلة حمراء - وكأني أنظر إلى بريق ساقيه، فصلى بنا إلى عنزة الظهر - أو العصر - ركعتين، تمر المرأة والكلب والحمار، لا يمنع، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى أتى المدينة. وقال وكيع مرة: فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين.» وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث سفيان الثوري.
وقال أحمد أيضا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة. ح وحجاج، أخبرني شعبة، عن الحكم، سمعت أبا جحيفة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ وصلى الظهر ركعتين وبين يديه عنزة. وزاد فيه عون، عن أبيه أبي جحيفة: وكان يمر من ورائها الحمار والمرأة. قال حجاج في الحديث: ثم قام الناس فجعلوا يأخذون يده فيمسحون بها وجوههم. قال: فأخذت يده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك.» وقد أخرجه صاحبا " الصحيح " من حديث شعبة بتمامه.
** [ركوب النبي صلى الله عليه وسلم قاصدا إلى منى قبل الزوال] **
فصل (ركوب النبي صلى الله عليه وسلم قاصدا إلى منى قبل الزوال)
فأقام عليه الصلاة والسلام بالأبطح - كما قدمنا - يوم الأحد ويوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وقد حل الناس، إلا من ساق الهدي، وقدم في هذه الأيام علي بن أبي طالب من اليمن بمن معه من المسلمين وما معه من الأموال، ولم يعد، عليه الصلاة والسلام، إلى الكعبة بعدما طاف بها، فلما أصبح، عليه الصلاة والسلام، يوم الخميس صلى بالأبطح الصبح من يومئذ، وهو يوم التروية، ويقال له: يوم منى ; لأنه يسار فيه إليها، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب قبل هذا اليوم. ويقال للذي قبله فيما رأيته في بعض التعاليق يوم الزينة. لأنه تزين فيه البدن بالجلال ونحوها. فالله أعلم.
قال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أحمد بن محمد بن جعفر الجلودي، ثنا محمد بن إسماعيل بن مهران، ثنا محمد بن يوسف، ثنا أبو قرة، عن موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قبل يوم التروية خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم.»
فركب، عليه الصلاة والسلام، قاصدا إلى منى قبل الزوال، وقيل: بعده. وأحرم الذين كانوا قد حلوا بالحج من الأبطح حين توجهوا إلى منى، وانبعثت رواحلهم نحوها.
قال عبد الملك، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله: «قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحللنا، حتى كان يوم التروية وجعلنا مكة منا بظهر، لبينا بالحج.» ذكره البخاري تعليقا مجزوما.
وقال مسلم: ثنا محمد بن حاتم، ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، عن جابر قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى. قال: وأهللنا من الأبطح.»
وقال عبيد بن جريج لابن عمر: «رأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال، ولم تهل أنت حتى يوم التروية. فقال: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته.» رواه البخاري في جملة حديث طويل.
قال البخاري: وسئل عطاء عن المجاور منى يلبي بالحج؟ فقال: كان ابن عمر يلبي يوم التروية إذا صلى الظهر واستوى على راحلته.
قلت: هكذا كان ابن عمر يصنع إذا حج معتمرا ; يحل من العمرة فإذا كان يوم التروية لا يلبي حتى تنبعث به راحلته متوجها إلى منى، كما أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة بعد ما صلى الظهر وانبعثت به راحلته، لكن يوم التروية لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالأبطح، وإنما صلاها يومئذ بمنى، وهذا مما لا نزاع فيه.
قال البخاري: باب أين يصلي الظهر يوم التروية، حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا إسحاق الأزرق، ثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع قال: «سألت أنس بن مالك قلت: أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ قال: بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح. ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك.» وقد أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان الثوري به. وكذلك رواه الإمام أحمد، عن إسحاق بن يوسف الأزرق به. وقال الترمذي: حسن صحيح، يستغرب من حديث الأزرق، عن الثوري.
ثم قال البخاري: حدثنا علي، سمع أبا بكر بن عياش، ثنا عبد العزيز بن رفيع قال: لقيت أنس بن مالك. وحدثني إسماعيل بن أبان، ثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد العزيز قال: «خرجت إلى منى يوم التروية، فلقيت أنسا ذاهبا على حمار، فقلت: أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا اليوم الظهر؟ فقال: انظر حيث يصلي أمراؤك فصل»
وقال أحمد: ثنا أسود بن عامر، ثنا أبو كدينة، عن الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خمس
صلوات بمنى.»
وقال أحمد أيضا: حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبو محياة يحيى بن يعلى التيمي، عن الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم التروية بمنى، وصلى الغداة يوم عرفة بها.»
وقد رواه أبو داود، عن زهير بن حرب، عن أحوص بن جواب، عن عمار بن رزيق، عن سليمان بن مهران الأعمش به، ولفظه: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى.» وأخرجه الترمذي، عن الأشج، عن عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش بمعناه، وقال: ليس هذا مما عده شعبة فيما سمعه الحكم عن مقسم.
وقال الترمذي: ثنا أبو سعيد الأشج، ثنا عبد الله بن الأجلح، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم غدا إلى عرفات.» ثم قال: وإسماعيل بن مسلم قد تكلم فيه، وفي الباب عن عبد الله بن الزبير وأنس بن مالك.
وقال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن عبد ربه، ثنا الوليد أبو مسلم، عن
عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم عن أبي أمامة، «عمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه راح إلى منى يوم التروية، وإلى جانبه بلال، بيده عود عليه ثوب يظلل به رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني من الحر.» تفرد به أحمد. وقد نص الشافعي على أنه، عليه الصلاة والسلام، ركب من الأبطح إلى منى بعد الزوال، ولكنه إنما صلى الظهر بمنى، فقد يستدل له بهذا الحديث. والله أعلم. وتقدم في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: «فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة له من شعر، فضربت له بنمرة، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ; ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن
بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إن اعتصمتم به ; كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: " اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد ". ثلاث مرات.»
وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أنبأنا علي بن حجر قال: أنبأنا جرير، عن مغيرة، عن موسى بن زياد بن حذيم بن عمرو السعدي، عن أبيه، عن جده قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع: " اعلموا أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، كحرمة شهركم هذا، كحرمة بلدكم هذا ".»
وقال أبو داود: باب الخطبة على المنبر بعرفة، حدثنا هناد، عن ابن أبي زائدة، ثنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني ضمرة، عن أبيه أو عمه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر بعرفة» . وهذا الإسناد ضعيف ; لأن فيه رجلا مبهما، ثم تقدم في حديث جابر الطويل أنه، عليه الصلاة والسلام، خطب على ناقته القصواء.
ثم قال أبو داود: ثنا مسدد، ثنا عبد الله بن داود، عن سلمة بن نبيط
عن رجل من الحي، عن أبيه نبيط، «أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة على بعير أحمر يخطب» . وهذا فيه مبهم أيضا، ولكن حديث جابر شاهد له.
ثم قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة، قالا: ثنا وكيع، عن عبد المجيد أبي عمرو قال: حدثني العداء بن خالد بن هوذة - وقال هناد: عن عبد المجيد، حدثني خالد بن العداء بن هوذة - قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائما في الركابين.» قال أبو داود: رواه ابن العلاء، عن وكيع، كما قال هناد، وحدثنا عباس بن عبد العظيم، ثنا عثمان بن عمر، ثنا عبد المجيد أبو عمرو، عن العداء بن خالد بمعناه.
وفي " الصحيحين " عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل ".» للمحرم.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد قال: «كان الرجل الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة ربيعة بن أمية بن خلف ; قال: يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قل أيها
الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هل تدرون أي شهر هذا؟ " فيقولون: الشهر الحرام. فيقول: " قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم، كحرمة شهركم هذا ". ثم يقول: " قل: أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هل تدرون أي بلد هذا؟» وذكر تمام الحديث.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن خارجة قال: «بعثني عتاب بن أسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة في حاجة فبلغته، ثم وقفت تحت ناقته، وإن لعابها ليقع على رأسي، فسمعته يقول: " أيها الناس إن الله قد أدى إلى كل ذي حق حقه، وإنه لا تجوز وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ".» ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، من حديث قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة به. وقال الترمذي: حسن صحيح. قلت: وفيه اختلاف على قتادة. والله أعلم. وسنذكر الخطبة التي خطبها، عليه الصلاة والسلام، بعد هذه الخطبة يوم النحر، وما فيها من الحكم والمواعظ والتفاصيل والآداب النبوية، إن شاء الله تعالى.
قال البخاري: باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة، حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن محمد بن أبي بكر الثقفي «أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه.» وأخرجه مسلم من حديث مالك وموسى بن عقبة، كلاهما عن محمد بن أبي بكر بن عوف بن رياح الثقفي الحجازي، عن أنس به.
وقال البخاري: ثنا عبد الله بن مسلمة، ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج بن يوسف أن يأتم بعبد الله بن عمر في الحج، فلما كان يوم عرفة، جاء ابن عمر وأنا معه حين زاغت الشمس - أو زالت الشمس - فصاح عند فسطاطه: أين هذا؟ فخرج إليه، فقال ابن عمر: الرواح. فقال: الآن؟ قال: نعم. فقال: أنظرني حتى أفيض علي ماء. فنزل ابن عمر حتى خرج، فسار بيني وبين أبي، فقلت: إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فاقصر الخطبة وعجل الوقوف. فقال ابن عمر: صدق. ورواه البخاري أيضا، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به. وأخرجه النسائي من حديث أشهب وابن وهب، عن مالك.
ثم قال البخاري بعد روايته هذا الحديث: وقال الليث: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم «أن الحجاج عام نزل بابن الزبير سأل عبد الله: كيف تصنع في الموقف؟ فقال سالم: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة. فقال ابن عمر: صدق، إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة. فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هل تبتغون بذلك إلا سنته» .
وقال أبو داود: ثنا أحمد بن حنبل، ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق عن نافع، عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة، فنزل بنمرة، وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا، فجمع بين الظهر والعصر.» وهكذا ذكر جابر في حديثه بعد ما أورد الخطبة المتقدمة، قال: ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا. وهذا يقتضي أنه، عليه الصلاة والسلام، خطب أولا، ثم أقيمت الصلاة، ولم يتعرض للخطبة الثانية.
وقد قال الشافعي: أنبأنا إبراهيم بن محمد وغيره، عن جعفر بن محمد،
عن أبيه، عن جابر في حجة الإسلام قال: «فراح النبي صلى الله عليه وسلم إلى الموقف بعرفة، فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذن بلال، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة الثانية، ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان، ثم أقام بلال فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر.» قال البيهقي: تفرد به إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى.
قال مسلم، عن جابر: «ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة.»
وقال البخاري: ثنا يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير، عن كريب، عن ميمونة، «أن الناس شكوا في صيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون» . وأخرجه مسلم، عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب به.
وقال البخاري: أنبأنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عمير، مولى ابن عباس، عن أم الفضل بنت الحارث، «أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم. وقال بعضهم: ليس بصائم. فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره،
فشربه» . ورواه مسلم من حديث مالك أيضا. وأخرجاه من طرق أخر، عن أبي النضر به.
قلت: أم الفضل هي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين وقصتهما واحدة. والله أعلم. وصح إسناد الإرسال إليهما ; لأنه من عندهما، اللهم إلا أن يكون بعد ذلك، أو تعدد الإرسال من هذه ومن هذه. والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: ثنا إسماعيل، ثنا أيوب قال: لا أدري أسمعته من سعيد بن جبير، أم نبئته عنه، قال: «أتيت على ابن عباس بعرفة وهو يأكل رمانا، وقال: أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، وبعثت إليه أم الفضل بلبن فشربه» .
وقال أحمد: ثنا وكيع، ثنا ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، «أنهم تماروا في صوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلت أم الفضل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشربه» .
وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق وابن بكر قالا: أنبأنا ابن جريج،
قال: قال عطاء: «دعا عبد الله بن عباس الفضل بن عباس إلى الطعام يوم عرفة، فقال: إني صائم. فقال عبد الله: لا تصم ; فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب إليه حلاب فيه لبن يوم عرفة، فشرب منه، فلا تصم، فإن الناس مستنون بكم.» وقال ابن بكير وروح: إن الناس يستنون بكم.
وقال البخاري: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير،، عن ابن عباس قال: «بينا رجل واقف مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته - أو قال: فأوقصته - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا ".» ورواه مسلم، عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد.
وقال النسائي: أنبأنا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - أخبرنا وكيع، أنبأنا سفيان الثوري، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: «شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة وأتاه ناس من أهل نجد، فسألوه عن الحج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحج عرفة، فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه ".» وقد رواه بقية أصحاب السنن من حديث سفيان الثوري - زاد النسائي: وشعبة - عن بكير بن عطاء به.
وقال النسائي: أنبأنا قتيبة، أنبأنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني عمرو بن عبد الله بن صفوان، أن يزيد بن شيبان قال: «كنا وقوفا بعرفة مكانا بعيدا من الموقف، فأتانا ابن مربع الأنصاري فقال: إني رسول رسول الله إليكم، يقول لكم: " كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم» ". وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، من حديث سفيان بن عيينة به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، وابن مربع اسمه يزيد بن مربع الأنصاري، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد. قال: وفي الباب عن علي، وعائشة، وجبير بن مطعم، والشريد بن سويد.
وقد تقدم من رواية مسلم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف ".» زاد مالك في " موطئه ": " «وارفعوا عن بطن عرنة» ".
** [ما حفظ من دعائه، عليه الصلاة والسلام وهو واقف بعرفة] **
فصل فيما حفظ من دعائه، عليه الصلاة والسلام، وهو واقف بعرفة
قد تقدم أنه، عليه الصلاة والسلام، أفطر يوم عرفة، فدل على أن الإفطار هناك أفضل من الصيام ; لما فيه من التقوية على الدعاء ; لأنه المقصود الأهم هناك، ولهذا وقف، عليه الصلاة والسلام، وهو راكب على الراحلة، من لدن الزوال إلى أن غربت الشمس.
وقد روى أبو داود الطيالسي في " مسنده " عن حوشب بن عقيل، عن مهدي الهجري، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «، أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة»
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا حوشب بن عقيل، حدثني مهدي المحاربي، حدثني عكرمة مولى ابن عباس قال: «دخلت على أبي هريرة في بيته، فسألته عن صوم يوم عرفة بعرفات، فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات.» وقال عبد الرحمن مرة: عن مهدي
العبدي. وكذلك رواه أحمد، عن وكيع، عن حوشب، عن مهدي العبدي، فذكره. وقد رواه أبو داود، عن سليمان بن حرب، عن حوشب، والنسائي عن سليمان بن معبد، عن سليمان بن حرب به، وعن الفلاس، عن ابن مهدي به، وابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، كلاهما عن وكيع، عن حوشب.
وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو أسامة الكلبي، ثنا حسن بن الربيع، ثنا الحارث بن عبيد، عن حوشب بن عقيل، عن مهدي الهجري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفة.» قال البيهقي: كذا قال الحارث بن عبيد، والمحفوظ: عن عكرمة، عن أبي هريرة.
وروى أبو حاتم محمد بن حبان البستي في " صحيحه " عن عبد الله بن عمر «أنه سئل عن صوم يوم عرفة، فقال: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، وأنا فلا أصومه، ولا آمر
به ولا أنهى عنه»
قال الإمام مالك، عن زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ".» قال البيهقي: هذا مرسل، وقد روي عن مالك بإسناد آخر موصولا، وإسناده ضعيف.
وقد روى الإمام أحمد والترمذي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.» وللإمام أحمد أيضا، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: " لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير ".»
وقال أبو عبد الله بن منده: أنبأنا أحمد بن إسحاق بن أيوب النيسابوري، ثنا أحمد بن داود بن جابر الأحمسي، ثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي، ثنا فرج بن
فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير ".»
وقال الإمام أحمد: ثنا يزيد - يعني ابن عبد ربه الجرجسي - ثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو القرشي، عن أبي سعيد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام، رضي الله عنه، قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم " (آل عمران: 18) وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب.»
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في " مناسكه ": ثنا الحسن بن مثنى بن معاذ العنبري، ثنا عفان بن مسلم، ثنا قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل ما قلت أنا والأنبياء قبلي، عشية عرفة: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير ".»
وقال الترمذي في الدعوات: ثنا محمد بن حاتم المؤدب، ثنا علي بن ثابت، ثنا قيس بن الربيع، وكان من بني أسد، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن علي، رضي الله عنه، قال: «كان أكثر ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في الموقف: " اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، ولك رب تراثي، أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تهب به الريح ".» ثم قال: غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي.
وقد رواه الحافظ البيهقي، من طريق موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أكثر دعاء من كان قبلي ودعائي يوم عرفة، أن أقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في بصري نورا، وفي سمعي نورا، وفي قلبي نورا، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من وسواس الصدر، وشتات الأمر، وشر فتنة القبر، وشر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهر ".» ثم قال: تفرد به موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، وأخوه عبد الله لم يدرك عليا.
وقال الطبراني في " مناسكه ": حدثنا يحيى بن عثمان المصري، ثنا
يحيى بن بكير، ثنا يحيى بن صالح الأيلي، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: «كان فيما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: " اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير ; من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رءوفا رحيما، يا خير المسئولين ويا خير المعطين ".»
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أنبأنا عبد الملك، ثنا عطاء قال: قال أسامة بن زيد «كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامها. قال: فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى.» وهكذا رواه النسائي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم به.
وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن
يعقوب، ثنا علي بن الحسن، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، ثنا ابن جريج، عن حسين بن عبد الله الهاشمي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بعرفة يداه إلى صدره كاستطعام المسكين.»
وقال أبو داود الطيالسي في " مسنده ": حدثنا عبد القاهر بن السري، حدثني ابن لكنانة بن العباس بن مرداس، عن أبيه، عن جده عباس بن مرداس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة، فأكثر الدعاء، فأوحى الله إليه: إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا، وأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم، فقد غفرتها. فقال: " يا رب، إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته، وتغفر لهذا الظالم ". فلم يجبه تلك العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء، فأجابه الله تعالى: إني قد غفرت لهم. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله، تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها. قال: " تبسمت من عدو الله إبليس ; إنه لما علم أن الله عز وجل قد استجاب لي في أمتي، أهوى يدعو بالويل والثبور، ويحثو التراب على رأسه ".» ورواه أبو داود السجستاني في " سننه " عن عيسى بن إبراهيم البركي وأبي الوليد الطيالسي، كلاهما عن عبد القاهر بن السري، عن ابن كنانة بن
عباس بن مرداس، عن أبيه، عن جده مختصرا. ورواه ابن ماجه، عن أيوب بن محمد الهاشمي بن عبد القاهر بن السري، عن عبد الله بن كنانة بن عباس، عن أبيه، عن جده به مطولا. ورواه ابن جرير في " تفسيره " عن إسماعيل بن سيف العجلي، عن عبد القاهر بن السري، عن ابن كنانة ويكنى أبا كنانة، عن أبيه، عن جده العباس بن مرداس، فذكره.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: ثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عمن سمع قتادة يقول: ثنا خلاس بن عمرو، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: «أيها الناس إن الله تطول عليكم في هذا اليوم، فغفر لكم، إلا التبعات فيما بينكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، فادفعوا بسم الله ". فلما كان بجمع قال: " إن الله قد غفر لصالحيكم، وشفع صالحيكم في طالحيكم،
تنزل الرحمة فتعمهم، ثم تفرق الرحمة في الأرض، فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده، وإبليس وجنوده على جبال عرفات ينظرون ما يصنع الله بهم، فإذا نزلت الرحمة دعا هو وجنوده بالويل والثبور، يقول: كنت أستفزهم حقبا من الدهر، فجاءت المغفرة فغشيتهم. فيتفرقون يدعون بالويل والثبور» ".
** [ذكر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي المنيف وهو واقف بعرفة] **
ذكر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي المنيف في هذا الموقف الشريف
قال الإمام أحمد: ثنا جعفر بن عون، ثنا أبو العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرءون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت ; لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأي آية هي؟ قال: قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] (المائدة: 3) فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ; نزلت عشية عرفة في يوم
جمعة. ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح، عن جعفر بن عون، وأخرجه أيضا، ومسلم والترمذي والنسائي، من طرق، عن قيس بن مسلم به.
** [ذكر إفاضته عليه الصلاة والسلام، من عرفات إلى المشعر الحرام] **
قال جابر في حديثه الطويل: «فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص، فأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: " أيها الناس، السكينة السكينة ". كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا.» رواه مسلم.
وقال البخاري: باب السير إذا دفع من عرفة. حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: «سئل أسامة وأنا جالس: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص. قال هشام: والنص فوق العنق» ورواه الإمام أحمد
وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسامة بن زيد به.
وقال الإمام أحمد: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسامة بن زيد قال: «كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة. قال: فلما وقعت الشمس دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع حطمة الناس خلفه قال: " رويدا أيها الناس، عليكم السكينة، إن البر ليس بالإيضاع ". قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التحم عليه الناس أعنق، وإذا وجد فرجة نص، حتى أتى المزدلفة فنزل بها فجمع بين الصلاتين ; المغرب والعشاء الآخرة.» ثم رواه الإمام أحمد من طريق محمد بن إسحاق، حدثني إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن أسامة بن زيد، فذكر مثله.
وقال الإمام أحمد: ثنا أبو كامل، ثنا حماد، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد قال: «أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وأنا رديفه، فجعل يكبح راحلته حتى إن ذفراها لتكاد تصيب قادمة الرحل،
ويقول: " يا أيها الناس، عليكم السكينة والوقار، فإن البر ليس في إيضاع الإبل ".» وكذا رواه، عن عفان، عن حماد بن سلمة به، ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به. ورواه مسلم، عن زهير بن حرب، عن يزيد بن هارون، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، عن أسامة بنحوه. قال: وقال أسامة: فما زال يسير على هينته حتى أتى جمعا.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن الحجاج، ثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب،، عن شعبة، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد، «أنه أردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة حتى دخل الشعب، ثم أهراق الماء وتوضأ، ثم ركب ولم يصل» .
وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا همام، عن قتادة، عن عزرة، عن الشعبي، عن أسامة، أنه حدثه قال: «كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفات، فلم ترفع راحلته رجلها عادية حتى بلغ جمعا.»
وقال الإمام أحمد: ثنا سفيان، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن
ابن عباس، أخبرني أسامة بن زيد، «أن النبي صلى الله عليه وسلم أردفه من عرفة، فلما أتى الشعب نزل فبال، ولم يقل: أهراق الماء. فصببت عليه فتوضأ وضوءا خفيفا، فقلت: الصلاة. فقال: " الصلاة أمامك ". قال: ثم أتى المزدلفة فصلى المغرب، ثم حلوا رحالهم، وأعنته ثم صلى العشاء.» كذا رواه الإمام أحمد، عن كريب، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد، فذكره. ورواه النسائي، عن الحسين بن حريث، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة ومحمد بن أبي حرملة، كلاهما عن كريب، عن ابن عباس، عن أسامة. قال شيخنا أبو الحجاج المزي في " أطرافه ": والصحيح كريب عن أسامة.
وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول: «دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة، فنزل الشعب فبال، ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة. فقال: " الصلاة أمامك ". فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة فصلى - العشاء - ولم يصل بينهما.» وهكذا رواه البخاري أيضا، عن القعنبي، ومسلم، عن يحيى بن يحيى، والنسائي عن قتيبة، عن مالك، عن موسى بن عقبة به.
وأخرجاه من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن موسى بن عقبة، أيضا. ورواه مسلم من حديث إبراهيم بن عقبة ومحمد بن عقبة، عن كريب كنحو رواية أخيهما موسى بن عقبة عنه.
وقال البخاري أيضا: ثنا قتيبة، ثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن كريب، عن أسامة بن زيد أنه قال: «ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال، ثم جاء فصببت عليه الوضوء، فتوضأ وضوءا خفيفا. فقلت: الصلاة يا رسول الله. قال: " الصلاة أمامك ". فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أتى المزدلفة فصلى، ثم ردف الفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع. قال كريب: فأخبرني عبد الله بن عباس، عن الفضل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة.» ورواه مسلم، عن قتيبة ويحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وعلي بن حجر، أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر به.
وقال الإمام أحمد: ثنا وكيع، ثنا عمر بن ذر، عن مجاهد، عن أسامة بن زيد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه من عرفة. قال: فقال الناس: سيخبرنا صاحبنا ما صنع. قال: فقال أسامة: لما دفع من عرفة فوقف، كف رأس راحلته، حتى
أصاب رأسها واسطة الرحل أو كاد يصيبه، يشير إلى الناس بيده: " السكينة السكينة السكينة ". حتى أتى جمعا، ثم أردف الفضل بن عباس، قال: فقال الناس: سيخبرنا صاحبنا بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الفضل: لم يزل يسير سيرا لينا كسيره بالأمس، حتى أتى على وادي محسر، فدفع فيه حتى استوت به الأرض.»
وقال البخاري: ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا إبراهيم بن سويد، حدثني عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، أخبرني سعيد بن جبير مولى والبة الكوفي، حدثني ابن عباس، «أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا، وضربا للإبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال: " أيها الناس، عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع ".» تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقد تقدم رواية الإمام أحمد ومسلم والنسائي هذا من طريق عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد. فالله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمر. ثنا المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: «لما أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات أوضع الناس، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي: " أيها الناس، ليس البر بإيضاع الخيل ولا الركاب ". قال: فما رأيت من رافعة يديها عادية، حتى نزل جمعا.»
وقال الإمام أحمد: ثنا حسين وأبو نعيم، قالا: ثنا إسرائيل، عن
عبد العزيز بن رفيع قال: حدثني من سمع ابن عباس يقول: «لم ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عرفات وجمع إلا ليهريق الماء» .
وقال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عبد الملك، عن أنس بن سيرين قال: «كنت مع ابن عمر بعرفات، فلما كان حين راح رحت معه حتى أتى الإمام، فصلى معه الأولى والعصر، ثم وقف معه وأنا وأصحاب لي حتى أفاض الإمام فأفضنا معه، حتى انتهينا إلى المضيق دون المأزمين، فأناخ وأنخنا، ونحن نحسب أنه يريد أن يصلي، فقال غلامه الذي يمسك راحلته: إنه ليس يريد الصلاة، ولكنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى هذا المكان قضى حاجته، فهو يحب أن يقضي حاجته.»
وقال البخاري: ثنا موسى، ثنا جويرية، عن نافع قال: «كان عبد الله بن عمر يجمع بين المغرب والعشاء بجمع غير أنه يمر بالشعب الذي أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدخل فينتفض، ويتوضأ ولا يصلي حتى يجيء جمعا» . تفرد به البخاري، رحمه الله، من هذا الوجه.
وقال البخاري: ثنا آدم، ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري عن سالم بن
عبد الله، عن ابن عمر قال: «جمع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر واحدة منهما.»
ورواه مسلم، عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا.
ثم قال مسلم: حدثني حرملة، حدثني ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره أن أباه قال: «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع، ليس بينهما سجدة، فصلى المغرب ثلاث ركعات، وصلى العشاء ركعتين، فكان عبد الله يصلي بجمع كذلك حتى لحق بالله.»
ثم روى مسلم من حديث شعبة، عن الحكم وسلمة بن كهيل، «عن سعيد بن جبير، أنه صلى المغرب بجمع والعشاء بإقامة واحدة، ثم حدث عن ابن عمر أنه صلى مثل ذلك. وحدث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ذلك» . ثم رواه من طريق الثوري، عن سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة.»
ثم قال مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن نمير ثنا
إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق قال: قال سعيد بن جبير «أفضنا مع ابن عمر حتى أتينا جمعا فصلى بنا المغرب والعشاء بإقامة واحدة، ثم انصرف فقال: هكذا صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان» .
وقال البخاري: ثنا خالد بن مخلد، ثنا سليمان بن بلال، حدثني يحيى بن سعيد، حدثني عدي بن ثابت، حدثني عبد الله بن يزيد الخطمي، حدثني أبو أيوب الأنصاري «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة.» ورواه البخاري أيضا في المغازي، عن القعنبي، عن مالك، ومسلم من حديث سليمان بن بلال والليث بن سعد ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عدي بن ثابت به. ورواه النسائي أيضا، عن الفلاس، عن يحيى القطان، عن شعبة، عن عدي بن ثابت به.
ثم قال البخاري: باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما. حدثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير بن حرب، ثنا أبو إسحاق، «سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: حج عبد الله، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبا من ذلك، فأمر رجلا فأذن وأقام، ثم صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر رجلا فأذن وأقام - قال عمرو: لا أعلم الشك إلا من زهير - ثم صلى العشاء ركعتين، فلما طلع الفجر قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم. قال عبد الله: هما صلاتان تحولان عن وقتهما ; صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ
الفجر. قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله» . وهذا اللفظ، وهو قوله: والفجر حين يبزغ الفجر. أبين وأظهر من الحديث الآخر الذي رواه البخاري، عن حفص بن عمر بن غياث، عن أبيه، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود قال: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين ; جمع بين المغرب والعشاء، وصلى الفجر قبل ميقاتها.» ورواه مسلم من حديث أبي معاوية وجرير، عن الأعمش به.
وقال جابر في حديثه: «ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة. وقد شهد معه هذه الصلاة عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي.»
قال الإمام أحمد: ثنا هشيم، ثنا ابن أبي خالد وزكريا، عن الشعبي، أخبرني عروة بن مضرس قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بجمع، فقلت: يا رسول الله، جئتك من جبلي طيء، أتعبت نفسي وأنصبت راحلتي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال: " من شهد معنا هذه الصلاة - يعني صلاة الفجر - بجمع، ووقف معنا حتى نفيض منه، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا، فقد تم حجه وقضى تفثه ".» وقد رواه الإمام أحمد أيضا، وأهل السنن الأربعة من طرق عن الشعبي، عن عروة بن
مضرس، وقال الترمذي: حسن صحيح.
** [تقديمه صلى الله عليه وسلم الضعفة من أهله بالليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر] **
فصل (تقديمه صلى الله عليه وسلم الضعفة من أهله بالليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر)
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم طائفة من أهله بين يديه من الليل قبل حطمة الناس من المزدلفة إلى منى.
قال البخاري: باب من قدم ضعفة أهله بالليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر. حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال: قال سالم «كان عبد الله بن عمر يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
حدثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع بليل» .
وقال البخاري: ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، أخبرني عبيد الله بن
أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: «أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله» .
وروى مسلم من حديث ابن جريج أخبرني عطاء، عن ابن عباس قال: «بعث بي رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع بسحر مع ثقله» .
وقال الإمام أحمد: ثنا روح، ثنا سفيان الثوري،، ثنا سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس قال: «قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أغيلمة بني عبد المطلب على حمراتنا فجعل يلطح أفخاذنا بيده، ويقول: " أبني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ". قال ابن عباس: ما إخال أحدا يرمي الجمرة حتى تطلع الشمس.» وقد رواه أحمد أيضا، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري فذكره. وقد رواه أبو داود عن محمد بن كثير، عن الثوري به، والنسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوري به وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، كلاهما عن وكيع، عن مسعر وسفيان الثوري، كلاهما عن سلمة بن
كهيل به.
وقال أحمد: ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو الأحوص، عن الأعمش،، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس قال: «مر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة النحر وعلينا سواد من الليل، فجعل يضرب أفخاذنا ويقول: " أبني، أفيضوا ولا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ".»
ثم رواه الإمام أحمد من حديث المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعفة أهله من المزدلفة بليل، فجعل يوصيهم ألا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس.»
وقال أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا الوليد بن عقبة، ثنا حمزة الزيات عن حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ضعفة أهله بغلس، ويأمرهم. يعني ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس.» وكذا رواه النسائي، عن محمود بن غيلان، عن بشر بن السري، عن سفيان، عن حبيب.
قال الطبراني: وهو ابن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عباس. فخرج حمزة الزيات من عهدته، وجاد إسناد الحديث. والله أعلم.
وقد قال البخاري: ثنا مسدد، عن يحيى، عن ابن جريج قال: حدثني عبد الله مولى أسماء، «عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا. فصلت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا. فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها: يا هنتاه، ما أرانا إلا قد غلسنا. فقالت: يا بني، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن» . ورواه مسلم من حديث ابن جريج به. فإن كانت أسماء بنت الصديق رمت الجمار قبل طلوع الشمس كما ذكر هاهنا عن توقيف، فروايتها مقدمة على رواية ابن عباس ; لأن إسناد حديثها أصح من إسناد حديثه، اللهم إلا أن يقال: إن الغلمان أخف حالا من النساء وأنشط، فلهذا أمر الغلمان بألا يرموا قبل طلوع الشمس، وأذن للظعن في الرمي قبل طلوع الشمس ; لأنهم أثقل حالا وأبلغ في التستر. والله أعلم. وإن كانت أسماء لم تفعله عن توقيف، فحديث ابن عباس مقدم على فعلها، لكن يقوي الأول قول أبي داود: ثنا محمد بن خلاد الباهلي، ثنا يحيى، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، أخبرني مخبر «عن أسماء أنها رمت الجمرة بليل. قلت: إنا رمينا الجمرة
بليل! قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم» .
وقال البخاري: ثنا أبو نعيم، ثنا أفلح بن حميد، عن القاسم، عن محمد، عن عائشة قالت: «نزلنا المزدلفة، فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها، فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا نحن حتى أصبحنا، ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به.» وأخرجه مسلم، عن القعنبي عن أفلح بن حميد به. وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة به.
وقال أبو داود: ثنا هارون بن عبد الله، ثنا ابن أبي فديك، عن الضحاك - يعني ابن عثمان - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: «أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو داود: يعني عندها.» انفرد به أبو داود، وهو إسناد جيد قوي، رجاله ثقات.
** [ذكر تلبيته عليه الصلاة والسلام بالمزدلفة] **
قال مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن كثير بن مدرك، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله ونحن بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام: " «لبيك اللهم لبيك» ".
** [وقوفه عليه السلام بالمشعر الحرام ودفعه من المزدلفة قبل طلوع الشمس وإيضاعه في وادي محسر] **
فصل في وقوفه، عليه الصلاة والسلام، بالمشعر الحرام، ودفعه من المزدلفة قبل طلوع الشمس، وإيضاعه في وادي محسر
قال الله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} [البقرة: 198] الآية. (البقرة: 198) .
وقال جابر في حديثه: فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله، عز وجل وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، ودفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس وراءه.
وقال البخاري: ثنا حجاج بن منهال، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: «سمعت عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر، رضي الله عنه، صلى بجمع الصبح، ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون أشرق ثبير. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض قبل أن تطلع الشمس.»
وقال البخاري: ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن
عبد الرحمن بن يزيد قال: «خرجت مع عبد الله، رضي الله عنه، إلى مكة، ثم قدمنا جمعا، فصلى الصلاتين، كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، والعشاء بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر. قائل يقول: طلع الفجر. وقائل يقول: لم يطلع الفجر. ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان ; المغرب والعشاء، فلا يقدم الناس جمعا حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة ". ثم وقف حتى أسفر، ثم قال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة. فلا أدري أقوله كان أسرع أو دفع عثمان، رضي الله عنه، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر.»
وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي، ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن المسور بن مخرمة، رضي الله عنه، قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد، فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من هاهنا عند غروب الشمس، حتى تكون الشمس على رءوس
الجبال مثل عمائم الرجال على رءوسها، هدينا مخالف لهديهم، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رءوس الجبال مثل عمائم الرجال على رءوسها، هدينا مخالف لهديهم ".» قال: ورواه عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلا.
وقال الإمام أحمد: ثنا أبو خالد سليمان بن حيان قال: «سمعت الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من المزدلفة قبل طلوع الشمس.»
وقال البخاري: ثنا زهير بن حرب، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، عن يونس الأيلي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، رضي الله عنه، أن أسامة، رضي الله عنه، «كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى. قال: فكلاهما قال: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة» ورواه ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.
وروى مسلم من حديث الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، «وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: " عليكم بالسكينة ". وهو كاف
ناقته، حتى دخل محسرا، وهو من منى قال: " عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة ". قال: ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى الجمرة.»
وقال الحافظ البيهقي: باب الإيضاع في وادي محسر. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمرو المقرئ وأبو بكر الوراق، قالا: أنبأنا الحسن بن سفيان، ثنا هشام بن عمار وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا حاتم بن إسماعيل، ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر في حج النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حتى إذا أتى محسرا حرك قليلا» . رواه مسلم في " الصحيح " عن أبي بكر بن أبي شيبة.
ثم روى البيهقي من حديث سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر قال: «أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة، وأوضع في وادي محسر، وأمرهم أن يرموا الجمار مثل حصى الخذف، وقال: " خذوا عني مناسككم، لعلي لا أراكم بعد عامي هذا ".»
ثم روى البيهقي من حديث الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي، رضي الله عنه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من جمع، حتى أتى محسرا ففزع ناقته، حتى جاوز
الوادي فوقف، ثم أردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها.» هكذا رواه مختصرا.
وقد قال الإمام أحمد: ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي، رضي الله عنه، قال: «وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال: " هذا الموقف، وعرفة كلها موقف ". وأفاض حين غابت الشمس، وأردف أسامة، فجعل يعنق على بعيره، والناس يضربون يمينا وشمالا، لا يلتفت إليهم ويقول: " السكينة أيها الناس ". ثم أتى جمعا، فصلى بهم الصلاتين ; المغرب والعشاء، ثم بات حتى أصبح، ثم أتى قزح، فوقف على قزح، فقال: " هذا الموقف، وجمع كلها موقف ". ثم سار حتى أتى محسرا فوقف عليه، فقرع دابته، فخبت حتى جاز الوادي ثم حبسها، ثم أردف الفضل، وسار حتى أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر. فقال: " هذا المنحر، ومنى كلها منحر ". قال: واستفتته جارية شابة من خثعم،
فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أفند، وقد أدركته فريضة الله في الحج، فهل يجزئ عنه أن أؤدي عنه؟ قال: " نعم، فأدي عن أبيك ". قال: ولوى عنق الفضل، فقال له العباس: يا رسول الله، لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: " رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما ". قال: ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله، حلقت قبل أن أنحر. قال: " انحر ولا حرج ". ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله، إني أفضت قبل أن أحلق. قال: " احلق أو قصر ولا حرج ". ثم أتى البيت فطاف، ثم أتى زمزم، فقال: " يا بني عبد المطلب، سقايتكم، ولولا أن يغلبكم الناس عليها لنزعت بها ".» وقد رواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن آدم، عن سفيان الثوري، ورواه الترمذي، عن بندار، عن أبي أحمد الزبيري، وابن ماجه، عن علي بن محمد، عن يحيى بن آدم. وقال الترمذي: حسن صحيح، لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه. قلت: وله شواهد من وجوه صحيحة مخرجة في الصحاح وغيرها، فمن ذلك قصة الخثعمية، وهو في " الصحيحين " من طريق الفضل، وتقدمت في حديث جابر، وسنذكر من ذلك ما تيسر.
وقد حكى البيهقي بإسناده، عن ابن عباس أنه أنكر الإسراع في وادي
محسر، وقال: إنما كان ذلك من الأعراب. قال: والمثبت مقدم على النافي. قلت: وفي ثبوته عنه نظر. والله أعلم.
وقد صح ذلك عن جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح من صنيع الشيخين أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، أنهما كانا يفعلان ذلك ; فروى البيهقي، عن الحاكم، عن النجاد وغيره، عن أبي علي محمد بن معاذ بن المستهل، المعروف بدران، عن القعنبي، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن عمر، رضي الله عنه، كان يوضع ويقول:
إليك تعدو قلقا وضينها ... مخالف دين النصارى دينها
** [ذكر رميه عليه الصلاة والسلام جمرة العقبة وحدها يوم النحر وكيف رماها ومتى رماها] ، ومن أي موضع رماها، وبكم رماها، وقطعه التلبية حين رماها **
قد تقدم من حديث أسامة والفضل وغيرهما من الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين، «أنه، عليه الصلاة والسلام، لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» .
وقال البيهقي: أنبأنا الإمام أبو عثمان، أنبأنا أبو طاهر بن خزيمة، أنبأنا جدي - يعني إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة - ثنا علي بن حجر، ثنا شريك، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: «رمقت النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة.»
وبه عن ابن خزيمة، ثنا عمر بن حفص الشيباني، ثنا حفص بن غياث، ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس، عن الفضل قال: «أفضت مع رسول الله من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة.» قال البيهقي:
وهذه زيادة غريبة ليست في الروايات المشهورة، عن ابن عباس، عن الفضل وإن كان ابن خزيمة قد اختارها.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني أبان بن صالح عن عكرمة قال: «أفضت مع الحسين بن علي، فما أزال أسمعه يلبي حتى رمى جمرة العقبة، فلما قذفها أمسك، فقلت: ما هذا؟ فقال: رأيت أبي علي بن أبي طالب يلبي حتى رمى جمرة العقبة، وأخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.»
وتقدم من حديث الليث، عن أبي الزبير، عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن أخيه الفضل، «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس في وادي محسر بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة.» رواه مسلم.
وقال أبو العالية، عن ابن عباس: حدثني الفضل قال: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة يوم النحر: " هات فالقط لي حصى ". فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف، فوضعهن في يده، فقال: " بأمثال هؤلاء، بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ".» رواه البيهقي.
وقال جابر في حديثه: حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل - حصى الخذف، رمى من
بطن الوادي. رواه مسلم.
وقال البخاري: وقال جابر، رضي الله عنه، «رمى النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ضحى، ورمى بعد ذلك بعد الزوال» .
وهذا الحديث الذي علقه البخاري أسنده مسلم من حديث ابن جريج، أخبرني أبو الزبير سمع جابرا قال: «رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس.»
وفي " الصحيحين " من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رمى عبد الله من بطن الوادي فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن ناسا يرمونها من فوقها. فقال: والذي لا إله غيره هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. لفظ البخاري. وفي لفظ له من حديث شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود،، أنه أتى الجمرة الكبرى، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى بسبع وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة.
ثم قال البخاري: باب من رمى الجمار بسبع يكبر مع كل حصاة. قاله ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا إنما يعرف في حديث جابر، من طريق جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن جابر - كما تقدم - أنه أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات - يكبر مع كل حصاة منها - حصى الخذف.
وقد روى البخاري في هذه الترجمة من حديث الأعمش عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، «عن عبد الله بن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم قال: من هاهنا والذي لا إله غيره، قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة» .
وروى مسلم من حديث ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، سمع جابر بن عبد الله قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة بسبع مثل حصى الخذف.»
وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن زكريا، ثنا حجاج، عن الحكم، عن أبي القاسم - يعني مقسما - عن ابن عباس، «أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة جمرة العقبة يوم النحر راكبا.» ورواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وقال: حسن. وأخرجه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن الحجاج بن أرطاة به.
وقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي، من حديث يزيد بن أبي زياد، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أمه أم جندب الأزدية
قالت: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة، ورجل من خلفه يستره، فسألت عن الرجل فقالوا: الفضل بن عباس. فازدحم الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أيها الناس، لا يقتل بعضكم بعضا، وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف ".» لفظ أبي داود. وفي رواية له قالت: «رأيته عند جمرة العقبة راكبا، ورأيت بين أصابعه حجرا، فرمى ورمى الناس، ولم يقم عندها» .
ولابن ماجه: قالت: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر عند جمرة العقبة وهو راكب على بغلة.» وذكر الحديث، وذكر البغلة هاهنا غريب جدا.
وقد روى مسلم في " صحيحه " من حديث ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، سمعت جابر بن عبد الله يقول: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول: " لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ".»
وروى مسلم أيضا من حديث زيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن الحصين، عن جدته أم الحصين، سمعتها تقول: «حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فرأيته حين رمى جمرة العقبة، وانصرف وهو على راحلته يوم النحر
وهو يقول: " لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ".» وفي رواية قالت: «حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالا، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة.»
وقال الإمام أحمد: ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، ثنا أيمن بن نابل، ثنا قدامة بن عبد الله الكلابي، «أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر على ناقة له صهباء، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك.» ورواه أحمد أيضا، عن وكيع، ومعتمر بن سليمان، وأبي قرة موسى بن طارق الزبيدي، ثلاثتهم عن أيمن بن نابل به. ورواه أيضا، عن أبي قرة، عن سفيان الثوري، عن أيمن. وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث وكيع به. ورواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية، عن أيمن بن نابل به. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وقال الإمام أحمد: ثنا نوح بن ميمون، ثنا عبد الله - يعني العمري - عن نافع قال: «كان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر، وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيا، ذاهبا وراجعا، وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأتيها إلا ماشيا، ذاهبا وراجعا.» ورواه أبو داود، عن القعنبي، عن عبد الله العمري به.
** [انصراف النبي إلى المنحر ونحره ثلاثا وستين بيده] **
فصل (انصراف النبي إلى المنحر ونحره ثلاثا وستين بيده)
قال جابر: «ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها» . وسنتكلم عن هذا الحديث.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن حميد الأعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس بمنى، ونزلهم منازلهم، وقال: " لينزل المهاجرون هاهنا ". وأشار إلى ميمنة القبلة. " والأنصار هاهنا ". وأشار إلى ميسرة القبلة. " ثم لينزل الناس حولهم ". قال: وعلمهم مناسكهم،
ففتحت أسماع أهل منى، حتى سمعوه في منازلهم. قال: فسمعته يقول: " ارموا الجمرة بمثل حصى الخذف ". وكذا رواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل إلى قوله: " ثم لينزل الناس حولهم ".»
وقد رواه الإمام أحمد، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، وأبو داود، عن مسدد، عن عبد الوارث، وابن ماجه من حديث ابن المبارك عن عبد الوارث، عن حميد بن قيس الأعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي، قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى، ففتحت أسماعنا حتى كأنا نسمع ما يقول.» الحديث.
ذكر جابر بن عبد الله «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرك علي بن أبي طالب في الهدي، وأن جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، مائة من الإبل، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة.»
قال ابن حبان وغيره: وذلك مناسب لعمره، عليه الصلاة والسلام، فإنه كان ثلاثا وستين سنة.
وقد قال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن آدم ثنا زهير، ثنا محمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: «نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج مائة بدنة، نحر منها بيده ستين، وأمر ببقيتها فنحرت، وأخذ من كل بدنة بضعة فجمعت في قدر، فأكل منها وحسا من مرقها. قال: ونحر يوم الحديبية سبعين فيها جمل أبي جهل، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها.» وقد روى ابن ماجه بعضه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى به.
وقال الإمام أحمد: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني رجل، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر، عن ابن عباس قال: «أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مائة بدنة، نحر منها ثلاثين بدنة بيده، ثم أمر عليا فنحر ما بقي منها، وقال: " اقسم لحومها، وجلودها وجلالها بين الناس، ولا تعطين جزارا، منها شيئا، وخذ لنا من كل بعير حذية من لحم، واجعلها في قدر واحدة حتى نأكل من لحمها، ونحسو من مرقها ".» ففعل.
وثبت في " الصحيحين " من حديث مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي
قال: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه. وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وأن لا أعطي الجزار منها شيئا، وقال: " نحن نعطيه من عندنا ".»
وقال أبو داود: ثنا محمد بن حاتم، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا عبد الله بن المبارك، عن حرملة بن عمران، عن عبد الله بن الحارث الأزدي، «سمعت عرفة بن الحارث الكندي قال: " شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتي بالبدن، فقال: " ادعوا لي أبا حسن ". فدعي له علي. فقال له: " خذ بأسفل الحربة ". وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلاها، ثم طعن بها في البدن، فلما فرغ ركب بغلته وأردف عليا.» تفرد به أبو داود، وفي إسناده ومتنه غرابة. والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن الحجاج، أنبأنا عبد الله، أنبأنا الحجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن أبي القاسم - يعني مقسما - عن ابن عباس قال: «رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم جمرة العقبة، ثم ذبح، ثم حلق.»
وقد ادعى ابن حزم أنه ضحى عن نسائه بالبقر، وأهدى عنهن بقرة، وضحى هو يومئذ بكبشين أملحين.
** [صفة حلقه رأسه الكريم عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم] **
قال الإمام أحمد، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلق في حجته.» ورواه النسائي، عن إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - عن عبد الرزاق به.
وقال البخاري: ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب، قال: قال نافع: «كان عبد الله بن عمر يقول: حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته.» ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة عن نافع به.
وقال البخاري: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا جويرية بن أسماء، عن نافع، «أن عبد الله بن عمر قال: حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة من أصحابه، وقصر بعضهم.»
ورواه مسلم من حديث الليث، عن نافع به. وزاد: قال عبد الله: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله المحلقين ". مرة أو مرتين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: " والمقصرين»
وقال مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع وأبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن يحيى بن الحصين، عن جدته، «أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة. ولم يقل وكيع: في حجة الوداع.» وهكذا روى هذا الحديث مسلم من حديث مالك وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وعمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، والعلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وقال مسلم: ثنا يحيى بن يحيى، ثنا حفص بن غياث، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: " خذ ". وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس.» وفي رواية له: «أنه حلق شقه
الأيمن، فقسمه بين الناس من شعرة وشعرتين، وأعطى شقه الأيسر لأبي طلحة.» وفي رواية له «أنه أعطى الأيمن لأبي طلحة، وأعطاه الأيسر وأمره أن يقسمه بين الناس.»
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه، وقد أطاف به أصحابه ; ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل.» انفرد به أحمد.
** [في لبسه صلى الله عليه وسلم ثيابه وتطيبه بعد رميه جمرة العقبة] **
فصل (في لبسه صلى الله عليه وسلم ثيابه وتطيبه بعد رميه جمرة العقبة)
ثم لبس عليه الصلاة والسلام ثيابه وتطيب بعد ما رمى جمرة العقبة ونحر هديه، وقبل أن يطوف بالبيت طيبته عائشة أم المؤمنين.
قال البخاري: ثنا علي بن عبد الله بن المديني، ثنا سفيان - هو ابن عيينة - ثنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، وكان أفضل أهل زمانه، أنه سمع أباه، وكان أفضل أهل زمانه، يقول أنه سمع عائشة تقول: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف. وبسطت
يديها»
وقال مسلم: ثنا يعقوب الدورقي وأحمد بن منيع، قالا: ثنا هشيم، أنبأنا منصور، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك.»
وروى النسائي من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم، ولحله بعد ما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت.»
وقال الشافعي: أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سالم قال: قالت عائشة: «أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله وإحرامه.» ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن عائشة، فذكره.
وفي " الصحيحين " من حديث ابن جريج أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبران عن عائشة، أنها قالت: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام.» ورواه مسلم من حديث الضحاك بن عثمان، عن أبي الرجال، عن أمه عمرة، عن عائشة به.
وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس، أنه قال: «إذا رميتم الجمرة، فقد حللتم من كل شيء كان عليكم حراما إلا النساء، حتى تطوفوا بالبيت. فقال رجل: والطيب يا أبا العباس؟ فقال له: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب هو أم لا؟!»
وقال محمد بن إسحاق: حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أبيه وأمه زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت: «كانت الليلة التي يدور فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة النحر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي، فدخل وهب بن زمعة، ورجل من آل أبي أمية متقمصين، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفضتما؟ " قالا: لا. قال: " فانزعا قميصيكما ". فنزعاهما. فقال له وهب: ولم يا رسول الله؟ فقال: " هذا يوم أرخص لكم فيه، إذا رميتم الجمرة ونحرتم هديا، إن كان لكم، فقد أحللتم من كل شيء حرمتم منه إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت، فإذا أمسيتم ولم تفيضوا صرتم حرما كما كنتم أول مرة حتى تطوفوا بالبيت ".» وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، كلاهما عن ابن أبي عدي، عن ابن إسحاق، فذكره.
وأخرجه البيهقي، عن الحاكم، عن أبي بكر بن إسحاق، عن أبي المثنى العنبري، عن يحيى بن معين، وزاد في آخره: قال أبو عبيدة: وحدثتني أم قيس بنت محصن قالت: خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصين عشية يوم النحر، ثم رجعوا إلينا عشاء وقمصهم على أيديهم يحملونها. فسألتهم فأخبروها بمثل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوهب بن زمعة وصاحبه. وهذا الحديث غريب جدا، لا أعلم أحدا من العلماء قال به. والله أعلم.
** [ذكر إفاضته صلى الله عليه وسلم إلى البيت العتيق] **
قال جابر: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: «انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ". فناولوه دلوا فشرب منه.» رواه مسلم. ففي هذا السياق ما يدل على أنه، عليه الصلاة والسلام، ركب إلى مكة قبل الزوال، فطاف بالبيت، ثم لما فرغ صلى الظهر هناك.
وقال مسلم أيضا: أخبرنا محمد بن رافع، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى.» وهذا خلاف حديث جابر، وكلاهما عند مسلم، فإن عملنا بهما أمكن أن يقال أنه، عليه الصلاة والسلام صلى الظهر بمكة، ثم رجع إلى منى فوجد الناس ينتظرونه، فصلى بهم. والله أعلم. ورجوعه، عليه الصلاة والسلام، إلى منى في وقت الظهر ممكن ; لأن ذلك الوقت كان صيفا، والنهار طويل، وإن كان قد صدر منه، عليه الصلاة والسلام، أفعال كثيرة في صدر هذا النهار ; فإنه دفع فيه من المزدلفة بعد ما أسفر الفجر جدا، ولكنه قبل طلوع الشمس، ثم قدم منى فبدأ برمي جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم جاء فنحر بيده ثلاثا وستين بدنة، ونحر علي بقية المائة، ثم أخذ من كل بدنة
بضعة، ووضعت في قدر، وطبخت حتى نضجت، فأكل من ذلك اللحم، وشرب من ذلك المرق، وفي غضون ذلك حلق رأسه، عليه الصلاة والسلام، وتطيب، فلما فرغ من هذا كله ركب إلى البيت، وقد خطب عليه الصلاة والسلام في هذا اليوم خطبة عظيمة، ولست أدري أكانت قبل ذهابه إلى البيت أو بعد رجوعه منه إلى منى. فالله أعلم.
والمقصود أنه ركب إلى البيت فطاف به سبعة أطواف راكبا، ولم يطف بين الصفا والمروة كما ثبت في " صحيح مسلم " عن جابر وعائشة، رضي الله عنهما، ثم شرب من ماء زمزم، ومن نبيذ بتمر من ماء زمزم. فهذا كله مما يقوي قول من قال أنه، عليه الصلاة والسلام، صلى الظهر بمكة. كما رواه جابر. ويحتمل أنه رجع إلى منى في آخر وقت الظهر، فصلى بأصحابه بمنى الظهر أيضا، وهذا هو الذي أشكل على ابن حزم، فلم يدر ما يقول فيه، وهو معذور لتعارض الروايات الصحيحة فيه. والله أعلم.
وقال أبو داود: ثنا علي بن بحر وعبد الله بن سعيد، المعنى، قالا: ثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: «أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة.»
قال ابن حزم: فهذا جابر وعائشة قد اتفقا على أنه، عليه الصلاة والسلام، صلى الظهر يوم النحر بمكة، وهما، والله أعلم، أضبط لذلك من ابن عمر. كذا قال، وليس بشيء، فإن رواية عائشة هذه ليست ناصة أنه، عليه الصلاة والسلام، صلى الظهر بمكة، بل محتملة ; إن كان المحفوظ في الرواية: حتى صلى الظهر. وإن كانت الرواية: حين صلى الظهر. وهو الأشبه ; فإن ذلك دليل على أنه، عليه الصلاة والسلام، صلى الظهر بمنى قبل أن يذهب إلى البيت، وهو محتمل. والله سبحانه وتعالى أعلم. وعلى هذا فيبقى مخالفا لحديث جابر، فإن هذا يقتضي أنه صلى الظهر بمنى قبل أن يركب إلى البيت، وحديث جابر يقتضي أنه ركب إلى البيت قبل أن يصلي الظهر وصلاها بمكة.
وقد قال البخاري: وقال أبو الزبير، عن عائشة وابن عباس: أخر النبي صلى الله عليه وسلم الزيارة - يعني طواف الزيارة - إلى الليل. وهذا الذي علقه البخاري قد رواه الناس من حديث أبي حذيفة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، ونوح بن ميمون، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن عائشة وابن عباس، «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الطواف يوم النحر إلى الليل.» ورواه أهل السنن الأربعة من حديث سفيان به. وقال الترمذي: حسن.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله، ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن عائشة وابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار ليلا. فإن حمل هذا على أنه أخر ذلك إلى ما بعد الزوال، كأنه يقول: إلى العشي. صح ذلك. وأما إن حمل على ما بعد الغروب فهو بعيد جدا، ومخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة من أنه، عليه الصلاة والسلام، طاف يوم النحر نهارا، وشرب من سقاية زمزم. وأما الطواف الذي ذهب في الليل إلى البيت بسببه فهو طواف الوداع - ومن الرواة من يعبر عنه بطواف الزيارة كما سنذكره إن شاء الله - أو طواف زيارة محضة قبل طواف الوداع، وبعد طواف الصدر الذي هو طواف الفرض. وقد ورد حديث سنذكره في موضعه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى، وهذا بعيد أيضا. والله أعلم.
وقد روى الحافظ البيهقي من حديث عمر بن قيس، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه، فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة، وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا.» وهذا حديث غريب جدا أيضا، وهذا قول طاوس وعروة بن الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الطواف يوم النحر إلى الليل. والصحيح من الروايات، وعليه الجمهور، أنه،
عليه الصلاة والسلام، طاف يوم النحر بالنهار، والأشبه أنه كان قبل الزوال، ويحتمل أن يكون بعده. والله أعلم.
والمقصود أنه، عليه الصلاة والسلام، لما قدم مكة طاف بالبيت سبعا وهو راكب، ثم جاء زمزم وبنو عبد المطلب يستقون منها، ويسقون الناس، فتناول منها دلوا فشرب منه، وأفرغ عليه منه.
كما قال مسلم: ثنا محمد بن منهال الضرير، ثنا يزيد بن زريع، ثنا حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، سمع ابن عباس يقول وهو جالس معه عند الكعبة: قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة، فأتيناه بإناء فيه نبيذ فشرب، وسقى فضله أسامة، وقال: «أحسنتم وأجملتم، هكذا فاصنعوا ".» قال ابن عباس: فنحن لا نريد أن نغير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية عن بكر أن أعرابيا قال لابن عباس: مالي أرى بني عمكم يسقون اللبن والعسل وأنتم تسقون النبيذ؟ أمن حاجة بكم، أم من بخل؟ فذكر له ابن عباس هذا الحديث.
وقال أحمد: حدثنا روح، ثنا حماد، عن حميد، عن بكر، عن عبد الله، أن أعرابيا قال لابن عباس: ما شأن آل معاوية يسقون الماء والعسل، وآل فلان يسقون اللبن، وأنتم تسقون النبيذ؟ أمن بخل بكم أو حاجة؟ فقال ابن عباس: ما بنا بخل ولا حاجة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءنا ورديفه أسامة بن زيد، فاستسقى فسقيناه من هذا - يعني نبيذ السقاية - فشرب منه، وقال: «
" أحسنتم، هكذا فاصنعوا ".» ورواه أحمد، عن روح ومحمد بن بكر، عن ابن جريج، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس، فذكره.
وروى البخاري عن إسحاق بن شاهين، عن خالد، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها. فقال: " اسقني ". فقال: يا رسول الله، إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: " اسقني ". فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون، ويعملون فيها، فقال: " اعملوا فإنكم على عمل صالح ". ثم قال: " لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه ". يعني عاتقه، وأشار إلى عاتقه.»
وعنده من حديث عاصم، عن الشعبي، أن ابن عباس قال: سقيت النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم، فشرب وهو قائم. قال عاصم: فحلف عكرمة: ما كان يومئذ إلا على بعير. وفي رواية: ناقته.
وقال الإمام أحمد: ثنا هشيم، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، عن ابن
عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وهو على بعير، واستلم الحجر بمحجن كان معه. قال: وأتى السقاية فقال: " اسقوني ". فقالوا: إن هذا يخوضه الناس، ولكنا نأتيك به من البيت. فقال: " لا حاجة لي فيه، اسقوني مما يشرب منه الناس ".»
وقد روى أبو داود، عن مسدد، عن خالد الطحان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ونحن نستقي، فطاف على راحلته.» الحديث.
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح وعفان، قالا: ثنا حماد، عن قيس - وقال عفان في حديثه: أنبأنا قيس - عن مجاهد، عن ابن عباس، أنه قال: «جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمزم فنزعنا له دلوا فشرب ثم مج فيها ثم أفرغناها في زمزم ثم قال: " لولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي ".» انفرد به أحمد وإسناده على شرط مسلم.
** [اكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم بالطواف الأول] **
فصل (اكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم بالطواف الأول)
ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يعد الطواف بين الصفا والمروة مرة ثانية، بل اكتفى بطوافه الأول، كما روى مسلم في " صحيحه " من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: سمعت جابر بن عبد الله يقول: «لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا» .