John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[سنة عشر من الهجرة النبوية] — تتمة ٣

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 60 of 840

قلت: والمراد بأصحابه هاهنا الذين ساقوا الهدي وكانوا قارنين، كما ثبت في " صحيح مسلم " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة، وكانت أدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة: «يكفيك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك ".» وعند أصحاب الإمام أحمد أن قول جابر وأصحابه عام في القارنين والمتمتعين. ولهذا نص الإمام أحمد على أن المتمتع يكفيه طواف واحد عن حجه وعمرته، وإن تحلل بينهما تحلل. وهو قول غريب ; مأخذه ظاهر عموم الحديث. والله أعلم. وقال أصحاب أبي حنيفة في المتمتع، كما قال المالكية والشافعية ; أنه يجب عليه طوافان وسعيان، حتى طردت الحنفية ذلك في القارن، وهو من أفراد مذهبهم ; أنه يطوف طوافين ويسعى سعيين، ونقلوا ذلك عن علي موقوفا، وروي عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قدمنا الكلام على ذلك كله عند الطواف، وبينا أن أسانيد ذلك ضعيفة مخالفة للأحاديث الصحيحة. والله أعلم.

** [رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى بعد ما صلى الظهر بمكة] **

فصل (رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى بعد ما صلى الظهر بمكة)

ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى منى بعدما صلى الظهر بمكة، كما دل عليه حديث جابر. وقال ابن عمر: «رجع فصلى الظهر بمنى» رواهما مسلم كما تقدم قريبا، ويمكن الجمع بينهما بوقوع ذلك بمكة وبمنى. والله أعلم. وتوقف ابن حزم في هذا المقام، فلم يجزم فيه بشيء وهو معذور ; لتعارض النقلين الصحيحين فيه. فالله أعلم.

وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: «أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرات إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة.» رواه أبو داود منفردا به. وهذا يدل على أن ذهابه، عليه الصلاة والسلام، إلى مكة يوم النحر كان بعد الزوال. وهذا ينافي حديث ابن عمر قطعا، وفي منافاته لحديث جابر نظر. والله أعلم.

** [خطبة النبي صلى الله عليه وسلم أيام منى] **

فصل (خطبة النبي صلى الله عليه وسلم أيام منى)

وقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم الشريف خطبة عظيمة، تواترت بها الأحاديث، ونحن نذكر منها ما يسره الله عز وجل.

قال البخاري: باب الخطبة أيام منى. حدثنا علي بن عبد الله، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا فضيل بن غزوان، ثنا عكرمة، عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر، فقال: " يا أيها الناس، أي يوم هذا؟ " قالوا: يوم حرام. قال: " فأي بلد هذا؟ " قالوا: بلد حرام. قال: " فأي شهر هذا؟ " قالوا: شهر حرام. قال: " فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا ". قال: فأعادها مرارا ثم رفع رأسه، فقال: " اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت ". قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، إنها لوصيته إلى أمته. " فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ".» ورواه الترمذي عن الفلاس، عن يحيى القطان به. وقال: حسن صحيح.

وقال البخاري أيضا: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو عامر، ثنا قرة، عن محمد بن سيرين، أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، ورجل أفضل في نفسي من عبد الرحمن ; حميد بن عبد الرحمن، عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: «خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فقال: " أتدرون أي يوم هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: " أليس يوم النحر؟ " قلنا: بلى. قال: " أي شهر هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: " أليس ذو الحجة؟ " قلنا: بلى. قال: " أي بلد هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير

اسمه. قال: " أليس بالبلدة الحرام؟ " قلنا: بلى. قال: " فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ " قالوا: نعم. قال: " اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ".» ورواه البخاري ومسلم من طرق، عن محمد بن سيرين به.

ورواه مسلم من حديث عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، فذكره، وزاد في آخره: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا.

وقال الإمام أحمد: ثنا إسماعيل، أنبأنا أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي بكرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب في حجته، فقال: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم ; ثلاثة متواليات ; ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان ". ثم قال: " ألا أي يوم هذا؟ " قلنا: الله ورسوله

أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: " أليس يوم النحر؟ " قلنا: بلى. ثم قال: " أي شهر هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: " أليس ذا الحجة؟ " قلنا: بلى. ثم قال: " أي بلد هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: " أليست البلدة؟ " قلنا: بلى. قال: " فإن دماءكم وأموالكم - أحسبه قال: وأعراضكم - عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه ".» هكذا وقع في " مسند الإمام أحمد " عن محمد بن سيرين، عن أبي بكرة، وهكذا رواه أبو داود، عن مسدد، والنسائي عن عمرو بن زرارة، كلاهما عن إسماعيل - وهو ابن علية - عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي بكرة به. وهو منقطع، لكن صاحبا الصحيح أخرجاه من غير وجه، عن أيوب وغيره، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه به.

وقال البخاري أيضا: ثنا محمد بن المثنى، ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا

عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم بمنى: " أتدرون أي يوم هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " فإن هذا يوم حرام، أفتدرون أي بلد هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " بلد حرام ". قال: " أفتدرون أي شهر هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " شهر حرام ". قال: " فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ".» وقد أخرجه البخاري في أماكن متفرقة من " صحيحه " وبقية الجماعة إلا الترمذي، من طرق، عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن جده عبد الله بن عمر، فذكره.

قال البخاري: وقال هشام بن الغاز: أخبرني نافع، عن ابن عمر، رضي الله عنهما: «وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج - بهذا - وقال: " هذا يوم الحج الأكبر ". فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم اشهد ". وودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع.» وقد أسند هذا الحديث أبو داود عن مؤمل بن الفضل، عن الوليد بن مسلم، وأخرجه ابن ماجه عن هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد، كلاهما عن هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي

أبي العباس الدمشقي به.

وقيامه، عليه الصلاة والسلام، بهذه الخطبة عند الجمرات يحتمل أنه بعد رميه الجمرة يوم النحر وقبل طوافه، ويحتمل أنه بعد طوافه ورجوعه إلى منى ومروره بالجمرات.

لكن يقوي الأول ما رواه النسائي حيث قال: حدثنا عمرو بن هشام الحراني، ثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يحيى بن الحصين الأحمسي، عن جدته أم حصين، قالت: حججت في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، فرأيت بلالا آخذا بخطام راحلته، وأسامة بن زيد رافع عليه ثوبه يظله من الحر وهو محرم، حتى رمى جمرة العقبة، ثم خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر قولا كثيرا.

وقد رواه مسلم من حديث زيد بن أبي أنيسة، عن يحيى بن الحصين، عن جدته أم الحصين قالت: «حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالا، أحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا كثيرا، ثم سمعته يقول: " إن أمر عليكم عبد مجدع - حسبتها قالت أسود - يقودكم بكتاب الله تعالى، فاسمعوا له وأطيعوا ".»

وقال الإمام أحمد: ثنا محمد بن عبيد، ثنا الأعمش عن أبي صالح - وهو ذكوان السمان - عن جابر قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فقال: " أي يوم أعظم حرمة؟ " قالوا: يومنا هذا. قال: " أي شهر أعظم حرمة؟ " قالوا: شهرنا هذا. قال: " أي بلد أعظم حرمة؟ " قالوا: بلدنا هذا. قال: " فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، هل بلغت؟ " قالوا: نعم. قال: " اللهم اشهد» انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط " الصحيحين ". ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن الأعمش به. وقد تقدم حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر في خطبته، عليه الصلاة والسلام، يوم عرفة. فالله أعلم.

قال الإمام أحمد: ثنا علي بن بحر، ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. فذكر معناه. وقد رواه ابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس به. وإسناده على شرط " الصحيحين ". فالله أعلم.

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو هشام، ثنا حفص، عن

الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: «أي يوم هذا؟ " قالوا: يوم حرام. قال: " فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ".» ثم قال البزار: رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو أبي سعيد، وجمعهما لنا أبو هشام، عن حفص بن غياث، عن الأعمش،، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد.

قلت: وتقدم رواية أحمد له، عن محمد بن عبيد الطنافسي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله. فلعله عند أبي صالح عن الثلاثة. والله أعلم.

وقال هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «إنما هن أربع ; لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا ". قال: فما أنا بأشح عليهن مني حين سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم» وقد رواه أحمد والنسائي من حديث منصور، عن هلال بن يساف، وكذلك رواه سفيان بن عيينة والثوري، عن منصور.

وقال ابن حزم في " حجة الوداع ": حدثنا أحمد بن عمر بن أنس العذري، ثنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي الأنصاري، ثنا أحمد بن عبدان الحافظ بالأهواز، ثنا سهل بن موسى بشيراز، ثنا عمرو بن عاصم، ثنا أبو العوام، ثنا محمد بن جحادة، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك قال: «شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يخطب وهو يقول: " أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك ". قال: فجاء قوم فقالوا: يا رسول الله، قتلتنا بنو يربوع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تجني نفس على أخرى ". ثم سأله رجل نسي أن يرمي الجمار. فقال: " ارم ولا حرج ". ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله، نسيت الطواف. فقال: " طف ولا حرج ". ثم أتاه آخر حلق قبل أن يذبح، فقال: " اذبح ولا حرج ". فما سألوه يومئذ عن شيء إلا قال: " لا حرج، لا حرج ". ثم قال: " قد أذهب الله الحرج إلا رجلا اقترض امرأ مسلما، فذلك الذي حرج وهلك ". وقال: " ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء إلا الهرم ".» وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن بعض هذا السياق من هذه

الطريق. وقال الترمذي: حسن صحيح.

وقال الإمام أحمد: ثنا حجاج، حدثني شعبة، عن علي بن مدرك، سمعت أبا زرعة يحدث، عن جرير وهو جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: «يا جرير، استنصت الناس ". ثم قال في خطبته: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ثم رواه أحمد عن غندر، وعن ابن مهدي، كل منهما عن شعبة به. وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث شعبة به.

وقال أحمد: ثنا ابن نمير، ثنا إسماعيل عن قيس، قال: بلغنا أن جريرا قال: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استنصت الناس ". ثم قال عند ذلك: " لا أعرفن بعدما أرى ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ".» ورواه النسائي من حديث عبد الله بن نمير به.

وقال النسائي: ثنا هناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن ابن غرقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه، قال: «شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في

حجة الوداع يقول: " أيها الناس ". ثلاث مرات " أي يوم هذا؟ " قالوا: يوم النحر، يوم الحج الأكبر. قال: " فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، ألا لا يجني جان على ولده، ولا مولود على والده، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا أبدا، ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى، ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية يوضع، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ".» وذكر تمام الحديث.

وقال أبو داود: باب من قال: خطب يوم النحر. حدثنا هارون بن عبد الله، ثنا هشام بن عبد الملك، ثنا عكرمة - هو ابن عمار -، ثنا الهرماس بن زياد الباهلي قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى» .

ورواه أحمد والنسائي من غير وجه، عن عكرمة بن عمار، عن الهرماس قال: كان أبي مردفي، «فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى يوم النحر على ناقته العضباء» . لفظ أحمد وهو من ثلاثيات " المسند ". ولله الحمد.

ثم قال أبو داود: ثنا مؤمل بن الفضل الحراني، ثنا الوليد، ثنا ابن جابر،

ثنا سليم بن عامر، سمعت أبا أمامة يقول: «سمعت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يوم النحر» .

وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرحمن، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر الكلاعي، سمعت أبا أمامة يقول: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ على الجدعاء واضع رجليه في الغرز، يتطاول يسمع الناس، فقال بأعلى صوته: " ألا تسمعون؟ " فقال رجل من طوائف الناس: يا رسول الله، ماذا تعهد إلينا؟ فقال: " اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم ". فقلت: يا أبا أمامة، مثل من أنت يومئذ؟ قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة أزاحم البعير أزحزحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم.» ورواه أحمد أيضا، عن زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، وأخرجه الترمذي، عن موسى بن عبد الرحمن الكوفي، عن زيد بن الحباب. وقال: حسن صحيح.

قال الإمام أحمد: ثنا أبو المغيرة، ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع: " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، وحسابهم على الله، ومن ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله التابعة إلى يوم

القيامة، لا تنفق المرأة شيئا من بيتها إلا بإذن زوجها ". فقيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: " ذلك أفضل أموالنا ". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم ".» ورواه أهل السنن الأربعة من حديث إسماعيل بن عياش، وقال الترمذي: حسن.

ثم قال أبو داود، رحمه الله: باب من يخطب يوم النحر. حدثنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم الدمشقي، ثنا مروان، عن هلال بن عامر المزني، حدثني رافع بن عمرو المزني قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى - حين ارتفع الضحى - على بغلة شهباء، وعلي يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد» . ورواه النسائي، عن دحيم، عن مروان الفزاري به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا هلال بن عامر المزني، عن أبيه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى على بغلة وعليه برد أحمر. قال: ورجل من أهل بدر بين يديه يعبر عنه. قال: فجئت حتى أدخلت يدي بين قدمه وشراكه. قال: فجعلت أعجب من بردها» .

حدثنا محمد بن عبيد، ثنا شيخ من بني فزارة، عن هلال بن عامر المزني، عن أبيه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على بغلة شهباء، وعلي

يعبر عنه» . ورواه أبو داود من حديث أبي معاوية، عن هلال بن عامر.

ثم قال أبو داود: باب ما يذكر الإمام في خطبته بمنى. حدثنا مسدد، ثنا عبد الوارث، عن حميد الأعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى، ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار، فوضع أصبعيه السباحتين، ثم قال: " بحصى الخذف ". ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد، وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد، ثم نزل الناس بعد ذلك.» وقد رواه أحمد، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، وأخرجه النسائي، من حديث ابن المبارك، عن عبد الوارث كذلك. وتقدم رواية الإمام أحمد له، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ، عن رجل من الصحابة. فالله أعلم.

وثبت في " الصحيحين " من حديث ابن جريج عن الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا هو يخطب يوم النحر فقام إليه رجل، فقال: كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا

وكذا. ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " افعل ولا حرج ".» وأخرجاه من حديث مالك - زاد مسلم: ويونس - عن الزهري به. وله ألفاظ كثيرة ليس هذا موضع استقصائها، ومحله كتاب " الأحكام " وبالله المستعان. وفي لفظ في " الصحيحين ": «قال: فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: " افعل ولا حرج ".»

** [نزول النبي صلى الله عليه وسلم بمنى حيث المسجد اليوم] **

فصل (نزول النبي صلى الله عليه وسلم بمنى حيث المسجد اليوم)

ثم نزل عليه الصلاة والسلام بمنى حيث المسجد اليوم فيما يقال، وأنزل المهاجرين يمنته والأنصار يسرته، والناس حولهم من بعدهم.

وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة، ثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أم مسيكة، عن عائشة، «قالت: قيل: يا رسول الله، ألا نبني لك بمنى بناء يظلك؟ قال: " لا ; منى مناخ من سبق ".» وهذا إسناد لا بأس به، وليس هو في " المسند "، ولا في الكتب الستة من هذا الوجه.

وقال أبو داود: ثنا أبو بكر محمد بن خلاد الباهلي، ثنا يحيى، عن ابن

جريج، أخبرني حريز - أو أبو حريز، الشك من يحيى - أنه «سمع عبد الرحمن بن فروخ يسأل ابن عمر قال: إنا نتبايع بأموال الناس، فيأتي أحدنا مكة فيبيت على المال. فقال: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات بمنى وظل» . انفرد به أبو داود.

ثم قال أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا ابن نمير وأبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: «استأذن العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له» . وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن نمير، زاد البخاري: وأبي ضمرة أنس بن عياض زاد مسلم: وأبي أسامة حماد بن أسامة. وقد علقه البخاري، عن أبي أسامة وعقبة بن خالد كلهم عن عبيد الله بن عمر به. وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه بمنى ركعتين، كما ثبت عنه ذلك في " الصحيحين " من حديث ابن مسعود وحارثة بن وهب، رضي الله عنهما، ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى أن سبب هذا القصر النسك، كما هو قول طائفة من المالكية وغيرهم ; قالوا: ومن قال أنه، عليه الصلاة والسلام كان يقول بمنى لأهل مكة «أتموا، فإنا قوم سفر ".» فقد غلط، إنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو نازل بالأبطح، كما تقدم. والله أعلم. وكان صلى الله عليه وسلم يرمي

الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام منى بعد الزوال - كما قال جابر فيما تقدم - ماشيا كما قال ابن عمر فيما سلف، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى وعند الثانية يدعو الله، عز وجل، ولا يقف عند الثالثة.

قال أبو داود: ثنا علي بن بحر وعبد الله بن سعيد، المعنى، قالا: ثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: «أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها.» انفرد به أبو داود.

وروى البخاري من غير وجه عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنه «كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة طويلا، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا، ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيت

رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله» .

وقال وبرة بن عبد الرحمن: قام ابن عمر عند العقبة بقدر قراءة سورة " البقرة ". وقال أبو مجلز: حزرت قيامه بقدر قراءة سورة " يوسف ". ذكرهما البيهقي.

وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البداح، عن أبيه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا يوما، ويدعوا يوما.»

وقال أحمد: ثنا محمد بن بكر، وأنا روح، ثنا ابن جريج،، أخبرني محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر، ثم يدعوا يوما وليلة، ثم يرموا الغد.»

وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرحمن، ثنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى ; يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد أو من بعد الغد اليومين، ثم يرمون يوم النفر.» وكذا رواه عن عبد الرزاق، عن مالك بنحوه. وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث مالك، ومن حديث سفيان بن عيينة به. قال الترمذي: ورواية مالك أصح، وهو حديث حسن صحيح.

[الأحاديث الدالة على أنه عليه السلام خطب الناس بمنى في اليوم الثاني من أيام التشريق]

** فصل فيما ورد من الأحاديث الدالة على أنه، عليه الصلاة والسلام، خطب الناس بمنى في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو أوسطها. **

قال أبو داود: باب أي يوم يخطب بمنى. حدثنا محمد بن العلاء، أنبأنا ابن المبارك، عن إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن رجلين

من بني بكر قالا: «رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته، وهي خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي خطب بمنى» . انفرد به أبو داود.

ثم قال أبو داود: ثنا محمد بن بشار، ثنا أبو عاصم، ثنا ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن، حدثتني جدتي سراء بنت نبهان - وكانت ربة بيت في الجاهلية - «قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرءوس، فقال: " أي يوم هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: " أليس أوسط أيام التشريق؟» انفرد به أبو داود. قال أبو داود: وكذلك قال عم أبي حرة الرقاشي أنه خطب أوسط أيام التشريق.

وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد متصلا مطولا، فقال: ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأنا علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه قال: «كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس، فقال: " يا أيها الناس، أتدرون في أي شهر أنتم؟ وفي أي يوم أنتم؟ وفي أي بلد أنتم؟ " قالوا: في يوم حرام، وشهر حرام، وبلد حرام. قال: " فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه ". ثم قال: " اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا،

ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة، وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، كان مسترضعا في بني ليث، فقتلته هذيل، ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع، وإن الله، عز وجل، قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ". ثم قرأ: " {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] ". (التوبة: 36) " ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكنه في التحريش بينكم، فاتقوا الله، عز وجل، في النساء ; فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإن لهن

عليكم حقا، ولكم عليهن حقا أن لا يوطئن فرشكم أحدا غيركم، ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح " - قال حميد: قلنا للحسن: ما المبرح؟ قال: المؤثر - " {ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، عز وجل، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها ". وبسط يده، فقال: " ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ " ثم قال: " ليبلغ الشاهد الغائب ; فإنه رب مبلغ أسعد من سامع " قال حميد: قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة: قد والله بلغوا أقواما كانوا أسعد به.» وقد روى أبو داود في كتاب النكاح من " سننه " عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي حرة الرقاشي - واسمه حنيفة - عن عمه ببعضه في النشوز.

قال ابن حزم: جاء أنه خطب يوم الرءوس، وهو اليوم الثاني من يوم النحر بلا خلاف عن أهل مكة، وجاء أنه أوسط أيام التشريق ; فتحمل على أن أوسط بمعنى أشرف، كما قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] (البقرة: 143) وهذا المسلك الذي سلكه ابن حزم بعيد. والله أعلم.

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الوليد بن عمرو بن السكين، ثنا أبو همام محمد بن الزبرقان، ثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار وصدقة بن يسار، عن عبد الله بن عمر قال: «نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى وهو في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع: " إذا جاء نصر الله والفتح " فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء، فرحلت له، ثم ركب فوقف الناس بالعقبة، فاجتمع إليه ما شاء الله من المسلمين، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: " أما بعد، أيها الناس، فإن كل دم كان في الجاهلية فهو هدر، وإن أول دمائكم أهدر دم ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل، وكل ربا في الجاهلية فهو موضوع، وإن أول رباكم أضع ربا العباس بن عبد المطلب، أيها الناس، إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ; رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم " {ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] " الآية " {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله} [التوبة: 37] ". (التوبة: 36) كانوا يحلون صفرا عاما ويحرمون المحرم عاما

، ويحرمون صفرا عاما، ويحلون المحرم عاما، فذلك النسيء، يا أيها الناس من كان عنده وديعة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد ببلادكم آخر الزمان وقد يرضى عنكم بمحقرات الأعمال، فاحذروا على دينكم محقرات الأعمال، أيها الناس، إن النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، لكم عليهن حق، ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم ولا يعصينكم في معروف، فإن فعلن ذلك فليس لكم عليهن سبيل، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فإن ضربتم فاضربوا ضربا غير مبرح، ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه، أيها الناس، إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا ; كتاب الله، فاعملوا به، أيها الناس، أي يوم هذا؟ " قالوا: يوم حرام. قال: " فأي بلد هذا؟ " قالوا: بلد حرام. قال: " فأي شهر هذا؟ " قالوا: شهر حرام. قال: " فإن الله حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم، كحرمة هذا اليوم، في هذا البلد، وهذا الشهر، ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم ". ثم رفع يديه فقال: " اللهم اشهد»

** [ذكر إيراد حديث فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت في كل ليلة من ليالي منى] **

قال البخاري: يذكر عن أبي حسان، عن ابن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت في أيام منى.» هكذا ذكره معلقا بصيغة التمريض.

وقد قال الحافظ البيهقي: أخبرناه أبو الحسن بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا العمري، أنبأنا ابن عرعرة قال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابا قال: سمعته من أبي. ولم يقرأه قال: فكان فيه عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى. قال: وما رأيت أحدا واطأه عليه.» قال البيهقي: وروى الثوري في " الجامع " عن ابن طاوس، عن طاوس، عن ابن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفيض كل ليلة. يعني ليالي منى» وهذا مرسل.

** [تسمية أيام الحج] **

فصل (تسمية أيام الحج)

اليوم السادس من ذي الحجة، قال بعضهم: يقال له يوم الزينة. لأنه تزين فيه البدن بالجلال وغيرها، واليوم السابع يقال له: يوم التروية. لأنهم يتروون فيه

من الماء، ويحملون منه ما يحتاجون إليه حال الوقوف وما بعده، واليوم الثامن يقال له: يوم منى. لأنهم يرحلون فيه من الأبطح إلى منى. واليوم التاسع يقال له: يوم عرفة. لوقوفهم فيه بها، واليوم العاشر يقال له: يوم النحر ويوم الأضحى ويوم الحج الأكبر. واليوم الذي يليه يقال له: يوم القر. لأنهم يقرون فيه ويقال له: يوم الرءوس لأنهم يأكلون فيه رءوس الأضاحي. وهو أول أيام التشريق. وثاني أيام التشريق يقال له: يوم النفر الأول. لجواز النفر فيه وقيل: هو اليوم الذي يقال له: يوم الرءوس. واليوم الثالث من أيام التشريق يقال له: يوم النفر الآخر. قال الله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] (البقرة: 203) الآية فلما كان يوم النفر الآخر، وهو اليوم الثالث من أيام التشريق، وكان يوم الثلاثاء، ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فنفر بهم من منى فنزل المحصب، وهو واد بين مكة ومنى، فصلى به العصر.

كما قال البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا إسحاق بن يوسف، ثنا سفيان الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع قال: «سألت أنس بن مالك: أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح، افعل كما يفعل أمراؤك. وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم النفر بالأبطح، وهو المحصب.» فالله أعلم.

قال البخاري: حدثنا عبد المتعال بن طالب، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن قتادة حدثه أن أنس بن مالك «حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به.» قلت: يعني طواف الوداع.

وقال البخاري: ثنا عبد الله بن عبد الوهاب، ثنا خالد بن الحارث قال: سئل عبيد الله عن المحصب، فحدثنا عبيد الله عن نافع قال: «نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر وابن عمر.» وعن نافع أن ابن عمر كان يصلي بها - يعني المحصب - الظهر والعصر - أحسبه قال: والمغرب. قال خالد: لا أشك في العشاء - ثم يهجع هجعة، ويذكر ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال الإمام أحمد: ثنا نوح بن ميمون، أنبأنا عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان نزلوا المحصب.» هكذا رأيته في " مسند الإمام أحمد " من حديث عبد الله العمري، عن نافع.

وقد روى الترمذي هذا الحديث عن إسحاق بن منصور، وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن يحيى، كلاهما عن عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح.» قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة، وأبي رافع، وابن عباس،

وحديث ابن عمر حسن غريب، وإنما نعرفه من حديث عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر به.

وقد رواه مسلم، عن محمد بن مهران الرازي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح.» ورواه مسلم أيضا من حديث صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يرى التحصيب سنة، وكان يصلي الظهر يوم النفر بالحصبة. قال نافع: قد حصب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخلفاء بعده.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، ثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن أيوب وحميد، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء، ثم هجع هجعة، ثم دخل - يعني مكة - فطاف بالبيت.»

ورواه أحمد أيضا، عن عفان، عن حماد، عن حميد، عن بكر، عن ابن عمر، فذكره وزاد في آخره: وكان ابن عمر يفعله. وكذلك رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل.

وقال البخاري: ثنا الحميدي، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، حدثني الزهري،

عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد يوم النحر بمنى: " نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر ".» يعني بذلك المحصب. الحديث. ورواه مسلم، عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، فذكر مثله سواء.

وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد قال: «قلت: يا رسول الله، أين تنزل غدا؟ في حجته قال: " وهل ترك لنا عقيل منزلا؟ " ثم قال: " نحن نازلون غدا، إن شاء الله، بخيف بني كنانة، يعني المحصب، حيث قاسمت قريش على الكفر ". وذلك أن بني كنانة حالفت قريشا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤووهم - يعني حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم قال عند ذلك: " لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» قال الزهري: والخيف: الوادي. أخرجاه من حديث عبد الرزاق.

وهذان الحديثان فيهما دلالة على أنه، عليه الصلاة والسلام، قصد النزول في المحصب ; مراغمة لما كان تمالأ عليه كفار قريش لما كتبوا الصحيفة في مصارمة بني هاشم وبني المطلب، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمنا بيان ذلك في موضعه. وكذلك نزله عام الفتح، فعلى هذا يكون نزوله سنة مرغبا فيها، وهو أحد قولي العلماء.

وقد قال البخاري: ثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «إنما كان منزلا ينزله النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه.» يعني الأبطح. وأخرجه مسلم من حديث هشام به.

ورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: «إنما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المحصب ; ليكون أسمح لخروجه، وليس بسنة، فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله.»

وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، قال: قال عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: «ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم» . ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره، عن سفيان - وهو ابن عيينة - به.

وقال أبو داود: ثنا أحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة ومسدد، المعنى، قالوا: ثنا سفيان، ثنا صالح بن كيسان، عن سليمان بن يسار، قال: قال أبو رافع: «لم يأمرني - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن أنزله ولكن ضربت قبته فنزله.» قال مسدد: وكان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عثمان: يعني في

الأبطح. ورواه مسلم عن قتيبة وأبي بكر، وزهير بن حرب، عن سفيان بن عيينة به.

والمقصود أن هؤلاء كلهم اتفقوا على نزول النبي صلى الله عليه وسلم في المحصب لما نفر من منى، ولكن اختلفوا ; فمنهم من قال: لم يقصد نزوله وإنما نزله اتفاقا ; ليكون أسمح لخروجه. ومنهم من أشعر كلامه بقصده، عليه الصلاة والسلام، نزوله وهذا هو الأشبه، وذلك أنه، عليه الصلاة والسلام، أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، وكانوا قبل ذلك ينصرفون من كل وجه، كما قال ابن عباس: فأمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت. يعني طواف الوداع، فأراد، عليه الصلاة والسلام، أن يطوف هو ومن معه من المسلمين بالبيت طواف الوداع، وقد نفر من منى قريب الزوال، فلم يكن يمكنه أن يجيء البيت في بقية يومه ويطوف به، ويرحل إلى ظاهر مكة من جانب المدينة ; لأن ذلك قد يتعذر على هذا الجم الغفير، فاحتاج أن يبيت قبل مكة، ولم يكن منزل أنسب لمبيته من المحصب، الذي كانت قريش قد عاقدت بني كنانة على بني هاشم وبني المطلب فيه، فلم يبرم الله لقريش أمرا، بل كبتهم وردهم خائبين، وأظهر الله دينه، ونصر نبيه، وأعلى كلمته، وأتم له الدين القويم، وأوضح به الصراط المستقيم، فحج بالناس، وبين لهم شرائع الله وشعائره، وقد نفر بعد إكمال المناسك، فنزل في الموضع الذي تقاسمت قريش فيه على الظلم والعدوان والقطيعة، فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وهجع هجعة، وقد

كان بعث عائشة أم المؤمنين مع أخيها عبد الرحمن ; ليعمرها من التنعيم، فإذا فرغت أتته، فلما قضت عمرتها ورجعت أذن في المسلمين بالرحيل إلى البيت العتيق.

كما قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، ثنا خالد، عن أفلح، عن القاسم، عن عائشة قالت: «أحرمت من التنعيم بعمرة، فدخلت فقضيت عمرتي، وانتظرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح حتى فرغت، وأمر الناس بالرحيل. قالت: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فطاف به، ثم خرج.» وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث أفلح بن حميد.

ثم قال أبو داود: ثنا محمد بن بشار، ثنا أبو بكر - يعني الحنفي - ثنا أفلح، عن القاسم، عنها - يعني عائشة - قالت: «خرجت معه - تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - النفر الآخر ونزل المحصب - قال أبو داود: فذكر ابن بشار قصة بعثها إلى التنعيم - قالت: ثم جئته بسحر، فأذن في الصحابة بالرحيل، فارتحل، فمر بالبيت قبل صلاة الصبح، فطاف به حين خرج، ثم انصرف متوجها إلى المدينة.» ورواه البخاري عن محمد بن بشار به.

قلت: والظاهر أنه، عليه الصلاة والسلام، صلى الصبح يومئذ عند الكعبة بأصحابه، وقرأ في صلاته تلك بسورة {والطور - وكتاب مسطور - في رق منشور - والبيت المعمور - والسقف المرفوع - والبحر المسجور} [الطور: 1 - 6]

السورة بكمالها.

وذلك لما رواه البخاري حيث قال: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «شكوت إلى رسول الله أني أشتكي، قال: " طوفي من وراء الناس وأنت راكبة ". فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حينئذ إلى جنب البيت، وهو يقرأ: " والطور وكتاب مسطور» وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من حديث مالك بإسناده نحوه.

وقد رواه البخاري من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بمكة وأراد الخروج، ولم تكن أم سلمة طافت وأرادت الخروج، فقال لها: " إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون ".» فذكر الحديث.

فأما ما رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة.» فهو إسناد كما ترى على شرط " الصحيحين "، ولم يخرجه أحد من هذا الوجه بهذا اللفظ ولعل قوله: يوم النحر. غلط من الراوي أو من الناسخ، وإنما هو يوم النفر، ويؤيده ما ذكرناه من

رواية البخاري. والله أعلم.

والمقصود أنه، عليه الصلاة والسلام، لما فرغ من صلاة الصبح طاف بالبيت سبعا، ووقف في الملتزم بين الركن الذي فيه الحجر الأسود وبين باب الكعبة، فدعا الله، عز وجل، وألزق خده بجدار الكعبة.

قال الثوري، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزق وجهه وصدره بالملتزم.» المثنى ضعيف.

** [خروج النبي صلى الله عليه وسلم من أسفل مكة] **

فصل (خروج النبي صلى الله عليه وسلم من أسفل مكة)

ثم خرج، عليه الصلاة والسلام، من أسفل مكة، كما قالت عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من أعلاها، وخرج من أسفلها» أخرجاه.

وقال ابن عمر: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى.» رواه البخاري ومسلم. وفي لفظ: دخل من كداء، وخرج من كدى.

وقد قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن فضيل، ثنا أجلح بن عبد الله، عن أبي الزبير، عن جابر قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة عند غروب الشمس،

فلم يصل حتى أتى سرفا، وهي على تسعة أميال من مكة» . وهذا غريب جدا. وأجلح فيه نظر، ولعل هذا في غير حجة الوداع فإنه، عليه الصلاة والسلام، كما قدمنا طاف بالبيت بعد صلاة الصبح، فماذا أخره إلى وقت الغروب؟! هذا غريب جدا، اللهم إلا أن يكون ما ادعاه ابن حزم صحيحا من أنه، عليه الصلاة والسلام، رجع إلى المحصب من مكة بعد طوافه بالبيت طواف الوداع، ولم يذكر دليلا على ذلك إلا قول عائشة حين رجعت من اعتمارها من التنعيم، فلقيته مصعدة وهو منهبط على أهل مكة، أو منهبطة وهو مصعد. قال ابن حزم: الذي لا شك فيه أنها كانت مصعدة من مكة وهو منهبط ; لأنها تقدمت إلى العمرة، وانتظرها حتى جاءت، ثم نهض عليه الصلاة والسلام إلى طواف الوداع، فلقيها منصرفة إلى المحصب من مكة.

وقال البخاري: باب من نزل بذي طوى إذا رجع من مكة. وقال محمد بن عيسى: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر «أنه كان إذا أقبل بات بذي طوى، حتى إذا أصبح دخل، وإذا نفر مر بذي طوى، وبات بها حتى يصبح، وكان يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.» هكذا ذكر هذا معلقا بصيغة الجزم، وقد أسنده هو ومسلم من حديث حماد بن زيد به، لكن ليس فيه ذكر المبيت بذي طوى في الرجعة. فالله أعلم.

فائدة عزيزة: فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استصحب معه من ماء زمزم شيئا.

قال الحافظ أبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كريب، ثنا خلاد بن يزيد الجعفي، ثنا زهير بن معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، «أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمله.» ثم قال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

وقال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله - هو ابن المبارك - ثنا موسى بن عقبة، عن سالم ونافع، عن عبد الله بن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من الغزو أو الحج أو العمرة، يبدأ فيكبر ثلاث مرات، ثم يقول: " لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ".» والأحاديث في هذا كثيرة، ولله الحمد والمنة.

** [إيراد الحديث الدال على أنه عليه الصلاة والسلام خطب بمكان بين مكة والمدينة مرجعه من حجة الوداع] **

فصل

في إيراد الحديث الدال على أنه، عليه الصلاة والسلام، خطب بمكان بين مكة والمدينة مرجعه من حجة الوداع قريب من الجحفة، يقال له: غدير خم. فبين فيها فضل علي بن أبي طالب، وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا، والصواب كان معه في ذلك، ولهذا لما

تفرغ، عليه الصلاة والسلام، من بيان المناسك ورجع إلى المدينة بين ذلك في أثناء الطريق، فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ، وكان يوم الأحد بغدير خم تحت شجرة هناك، فبين فيها أشياء، وذكر من فضل علي وأمانته وعدله وقربه إليه، ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه، ونحن نورد عيون الأحاديث الواردة في ذلك، ونبين ما فيها من صحيح وضعيف بحول الله وقوته وعونه، وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب " التفسير " و " التاريخ "، فجمع فيه مجلدين أورد فيهما طرقه وألفاظه، وساق الغث والسمين، والصحيح والسقيم، على ما جرت به عادة كثير من المحدثين، يوردون ما وقع لهم في ذلك الباب من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة، ونحن نورد عيون ما روي في ذلك، مع إعلامنا أنه لا حظ للشيعة فيه، ولا متمسك لهم ولا دليل، لما سنبينه وننبه عليه، فنقول وبالله المستعان:

قال محمد بن إسحاق في سياق حجة الوداع: حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال: «لما أقبل علي من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، تعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل، قال ويلك! ما هذا؟ قال: كسوت القوم ; ليتجملوا به إذا قدموا في الناس. قال: ويلك! انزع قبل أن تنتهي به إلى رسول

الله صلى الله عليه وسلم. قال: فانتزع الحلل من الناس، فردها في البز. قال: وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم.»

قال ابن إسحاق فحدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب - وكانت عند أبي سعيد الخدري - عن أبي سعيد قال: «اشتكى الناس عليا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا، فسمعته يقول: " أيها الناس، لا تشكو عليا، فوالله إنه لأخشن في ذات الله - أو في سبيل الله - من أن يشكى ".» ورواه الإمام أحمد، من حديث محمد بن إسحاق به، وقال: " «إنه لأخشن في ذات الله، أو في سبيل الله» ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا الفضل بن دكين، ثنا ابن أبي غنية، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن بريدة قال: «غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عليا فتنقصته، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير، فقال: " يا بريدة، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " قلت: بلى يا رسول الله. قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ".» وكذا رواه النسائي عن أبي داود الحراني، عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن

عبد الملك بن أبي غنية بإسناده نحوه. وهذا إسناد جيد قوي رجاله كلهم ثقات.

وقد روى النسائي في " سننه " عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن الأعمش،، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم قال: «لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، ثم قال: " كأني قد دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ". ثم قال: " الله مولاي، وأنا ولي كل مؤمن ". ثم أخذ بيد علي فقال: " من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". فقلت لزيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه.» تفرد به النسائي من هذا الوجه. قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وهذا حديث صحيح.

وقال ابن ماجه: حدثنا علي بن محمد، أنبأنا أبو الحسين، أنبأنا حماد بن

سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: «أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته التي حج، فنزل في بعض الطريق، فأمر: الصلاة جامعة. فأخذ بيد علي فقال: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " قالوا: بلى. قال: " ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟ " قالوا: بلى. قال: " فهذا ولي من أنا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ".» وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن علي بن زيد بن جدعان، عن عدي، عن البراء.

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان: ثنا هدبة، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد وأبي هارون، عن عدي بن ثابت، عن البراء قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فلما أتينا على غدير خم كسح لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرتين، ونودي في الناس: الصلاة جامعة. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأخذ بيده، فأقامه عن يمينه فقال: " ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟ " قالوا: بلى. قال: " فهذا موالي من أنا مواليه، ومولى من أنا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". فلقيه عمر بن الخطاب فقال:

هنيئا لك، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.» ورواه ابن جرير، عن أبي زرعة، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد، وأبي هارون العبدي - وكلاهما ضعيف - عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب به. وروى ابن جرير هذا الحديث من حديث موسى بن عثمان الحضرمي - وهو ضعيف جدا - عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء وزيد بن أرقم. فالله أعلم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، ثنا عبد الملك، عن أبي عبد الرحيم الكندي، عن زاذان أبي عمر، قال: «سمعت عليا بالرحبة وهو ينشد الناس: من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم وهو يقول ما قال؟ قال: فقام اثنا عشر رجلا، فشهدوا أنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه» تفرد به أحمد. وأبو عبد الرحيم هذا لا يعرف.

وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا علي بن حكيم الأودي، أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، وعن زيد بن يثيع، قالا: «نشد علي الناس في الرحبة: من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم إلا قام. قال: فقام من قبل سعيد ستة، ومن قبل زيد ستة، فشهدوا

أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي يوم غدير خم: " أليس الله أولى بالمؤمنين؟ " قالوا: بلى. قال: " اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»

قال عبد الله: وحدثني علي بن حكيم، أنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو ذي مر بمثل حديث أبي إسحاق، يعني عن سعيد وزيد، وزاد فيه: «وانصر من نصره، واخذل من خذله ".»

قال عبد الله: وحدثنا علي، ثنا شريك، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

وقال النسائي في كتاب " خصائص علي ": حدثنا الحسين بن حريث، ثنا الفضل بن موسى، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب قال: قال علي في الرحبة: «أنشد بالله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول: " إن الله وليي وأنا ولي المؤمنين، ومن كنت وليه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره ".» وكذلك رواه شعبة عن أبي إسحاق. وهذا إسناد جيد.

ورواه النسائي أيضا من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو ذي مر قال: «نشد علي الناس بالرحبة، فقام أناس فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم " من كنت مولاه فإن عليا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره ".» ورواه ابن جرير عن أحمد بن منصور، عن عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، وعبد خير، عن علي. وقد رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور، عن عبيد الله بن موسى، وهو شيعي ثقة، عن فطر بن خليفة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، وزيد بن يثيع، وعمرو ذي مر، أن عليا نشد الناس بالكوفة. وذكر الحديث.

وقال عبد الله بن أحمد: حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا يونس بن أرقم، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: «شهدت عليا في الرحبة ينشد الناس، فقال: أنشد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". لما قام فشهد. قال عبد الرحمن: فقام

اثنا عشر بدريا، كأني أنظر إلى أحدهم، فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجي أمهاتهم؟ " فقلنا: بلى يا رسول الله. قال: " فمن كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ".» إسناد ضعيف غريب.

وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا أحمد بن عمر الوكيعي، ثنا زيد بن الحباب، ثنا الوليد بن عقبة بن نزار العنسي، أنبأنا سماك بن عبيد بن الوليد العنسي قال: «دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى، فحدثني أنه شهد عليا في الرحبة قال: أنشد الله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهده يوم غدير خم إلا قام، ولا يقوم إلا من قد رآه. فقام اثنا عشر رجلا، فقالوا: قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله ". فقام إلا ثلاثة لم يقوموا، فدعا عليهم فأصابتهم دعوته.» وروي أيضا عن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي وغيره، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به.

وقال ابن جرير ثنا أحمد بن منصور، ثنا أبو عامر العقدي، (ح) وروى ابن أبي عاصم، عن سليمان الغيلاني، عن أبي عامر العقدي، ثنا كثير بن زيد، حدثني محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن علي، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر الشجرة بخم. فذكر الحديث، وفيه: " من كنت مولاه فإن عليا مولاه» وقد رواه بعضهم عن أبي عامر، عن كثير، عن محمد بن عمر بن علي، عن علي منقطعا.

وقال إسماعيل بن عمرو البجلي - وهو ضعيف - عن مسعر، عن طلحة بن مصرف، عن عميرة بن سعد، أنه شهد عليا على المنبر يناشد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سمع رسول الله يوم غدير خم؟ فقام اثنا عشر رجلا منهم أبو هريرة، وأبو سعيد، وأنس بن مالك، فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ".» وقد رواه عبيد الله بن موسى عن هانئ بن أيوب - وهو ثقة - عن طلحة بن مصرف به.

وقال عبد الله بن أحمد: حدثني حجاج بن الشاعر، ثنا شبابة، ثنا نعيم بن حكيم، حدثني أبو مريم ورجل من جلساء علي، عن علي، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم غدير خم " من كنت مولاه فعلي مولاه ". قال: فزاد الناس بعد: " وال من والاه، وعاد من عاداه» روى أبو داود بهذا السند حديث المخدج.

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد وأبو نعيم المعنى قالا: ثنا فطر، عن أبي الطفيل قال: «جمع علي الناس في الرحبة - يعني رحبة مسجد الكوفة - فقال: أنشد الله كل من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام. فقام ثلاثون من الناس. وقال أبو نعيم: فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده، فقال للناس: " أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " قالوا: نعم يا رسول الله. قال: " من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". قال: فخرجت كأن في نفسي شيئا، فلقيت زيد بن أرقم، فقلت له: إني سمعت عليا يقول كذا وكذا. قال: فما تنكر؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك له.» هكذا ذكره الإمام أحمد في مسند زيد بن أرقم، رضي الله عنه. ورواه النسائي من حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم به، وقد تقدم.

وأخرجه الترمذي عن بندار، عن غندر، عن شعبة عن سلمة بن كهيل، سمعت أبا الطفيل يحدث عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم - شك شعبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه ".» ورواه ابن جرير عن أحمد بن حازم، عن أبي نعيم، عن كامل أبي العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن

يحيى بن جعدة، عن زيد بن أرقم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي عبيد، عن ميمون أبي عبد الله قال: قال زيد بن أرقم وأنا أسمع: «نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا يقال له: وادي خم. فأمر بالصلاة فصلاها بهجير. قال: فخطبنا وظلل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب على شجرة سمر من الشمس فقال: " ألستم تعلمون - أو: ألستم تشهدون - أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ " قالوا: بلى. قال: " فمن كنت مولاه فإن عليا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه» ثم رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، عن ميمون أبي عبد الله، عن زيد بن أرقم، إلى قوله: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". قال ميمون: حدثني بعض القوم عن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ".» وهذا إسناد جيد رجاله ثقات على شرط السنن، وقد صحح الترمذي بهذا السند حديثا في الزيت.

وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن آدم، ثنا حنش بن الحارث بن لقيط الأشجعي، عن رياح بن الحارث قال: «جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا:

السلام عليك يا مولانا. قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟! قالوا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول: " من كنت مولاه فهذا مولاه ". قال رياح: فلما مضوا تبعتهم فسألت: من هؤلاء؟ قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري.»

وقال الإمام أحمد: ثنا أبو أحمد، ثنا حنش، عن رياح بن الحارث، قال: رأيت قوما من الأنصار قدموا على علي في الرحبة، فقال: من القوم؟ فقالوا: مواليك يا أمير المؤمنين. فذكر معناه هذا لفظه وهو من أفراده.

وقال ابن جرير ثنا أحمد بن عثمان أبو الجوزاء، ثنا محمد بن خالد بن عثمة، ثنا موسى بن يعقوب الزمعي - وهو صدوق - حدثني مهاجر بن مسمار، عن عائشة بنت سعد، سمعت أباها يقول: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الجحفة، وأخذ بيد علي فخطب فحمد الله وأثنى، ثم قال: " أيها الناس، إني وليكم ". قالوا: صدقت. فرفع يد علي فقال: " هذا وليي والمؤدي عني، وإن الله موالي من والاه، ومعادي من عاداه ".» قال شيخنا الذهبي: وهذا حديث حسن غريب. ثم رواه ابن جرير من حديث يعقوب بن جعفر بن أبي كثير، عن مهاجر بن مسمار، فذكر الحديث، وأنه، عليه الصلاة والسلام، وقف حتى لحقه من بعده، وأمر برد من كان تقدم، فخطبهم. الحديث.

وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في الجزء الأول من كتاب " غدير خم " - قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وجدته في نسخة مكتوبة عن ابن جرير -: حدثنا محمد بن عوف الطائي، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا إسماعيل بن نشيط، عن جميل بن عمارة، عن سالم بن عبد الله بن عمر - قال ابن جرير أحسبه قال: عن عمر. وليس في كتابي -: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد علي: " من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه» وهذا حديث غريب، بل منكر، وإسناده ضعيف. قال البخاري في جميل بن عمارة هذا: فيه نظر.

وقال المطلب بن زياد عن عبد الله بن محمد بن عقيل، سمع جابر بن عبد الله يقول: «كنا بالجحفة بغدير خم، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خباء أو فسطاط، فأخذ بيد علي، فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ".» قال شيخنا الذهبي: هذا حديث حسن. وقد رواه ابن لهيعة عن بكر بن سوادة وغيره، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بنحوه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم وابن أبي بكير، قالا: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة - قال يحيى بن آدم وكان قد شهد

حجة الوداع - قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " علي مني وأنا منه، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي ".» وقال ابن أبي بكير: «لا يقضي عني ديني إلا أنا أو علي ".» وكذا رواه أحمد أيضا، عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل.

قال الإمام أحمد: وحدثناه الزبيري، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة مثله. قال: فقلت لأبي إسحاق: أين سمعت منه؟ قال: وقف علينا على فرس له في مجلسنا في جبانة السبيع. وكذا رواه أحمد عن أسود بن عامر، ويحيى بن آدم، عن شريك. ورواه الترمذي عن إسماعيل بن موسى، عن شريك، وابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وسويد بن سعيد، وإسماعيل بن موسى، ثلاثتهم عن شريك به. ورواه النسائي عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.

ورواه سليمان بن قرم - وهو متروك - عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ".» وذكر الحديث.

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أنبأنا شريك، عن أبي يزيد الأودي، عن أبيه قال: «دخل أبو هريرة المسجد فاجتمع الناس إليه، فقام إليه شاب فقال: أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه "؟ قال: نعم.» ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن شاذان، عن شريك به. تابعه إدريس الأودي، عن أخيه أبي يزيد - واسمه داود بن يزيد - به. ورواه ابن جرير أيضا من حديث إدريس وداود، عن أبيهما، عن أبي هريرة، فذكره.

فأما الحديث الذي رواه ضمرة عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: «لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد علي قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". فأنزل الله عز وجل: " اليوم أكملت لكم دينكم " (المائدة: 3) . قال أبو هريرة: وهو يوم غدير خم، من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا.» فإنه حديث منكر جدا، بل كذب ; لمخالفته لما ثبت في " الصحيحين " عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن هذه الآية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بها كما قدمنا. وكذا قوله أن صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو يوم

غدير خم يعدل صيام ستين شهرا لا يصح ; لأنه قد ثبت ما معناه في " الصحيح " أن صيام شهر رمضان بعشرة أشهر فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهرا؟! هذا باطل. وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي بعد إيراده هذا الحديث: هذا حديث منكر جدا ورواه حبشون الخلال، وأحمد بن عبد الله بن أحمد النيري - وهما صدوقان - عن علي بن سعيد الرملي، عن ضمرة. قال: ويروى هذا الحديث من حديث عمر بن الخطاب ومالك بن الحويرث وأنس بن مالك وأبي سعيد وغيرهم بأسانيد واهية. قال وصدر الحديث متواتر، أتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله وأما: «اللهم وال من والاه ".» فزيادة قوية الإسناد وأما هذا الصوم فليس بصحيح ; ولا والله ما نزلت هذه الآية إلا يوم عرفة قبل غدير خم بأيام. والله تعالى أعلم.

وقال الطبراني: حدثنا علي بن إسحاق الوزير الأصبهاني، حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدمي، حدثنا علي بن محمد بن يوسف بن سنان بن مالك بن مسمع، حدثنا سهل بن يوسف بن سهل بن مالك أخي كعب بن مالك، عن أبيه عن، جده قال: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من حجة

الوداع صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " يا أيها الناس، إن أبا بكر لم يسؤني قط، فاعرفوا ذلك له، يا أيها الناس، إني عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين، راض فاعرفوا ذلك لهم، أيها الناس، احفظوني في أصحابي وأصهاري وأختاني لا يطلبنكم الله بمظلمة أحد منهم، أيها الناس، ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيرا ".»

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com