Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 616 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
فيها كثر فساد التركمان من أصحاب برجم الإيوائي، فجهز إليهم منكورس المسترشدي في جيش كثيف، فالتقوا معهم فهزمهم أقبح هزيمة، وجاءوا بالأسارى والرءوس إلى بغداد.
وفيها كانت وقعة عظيمة بين الغز وبين الملك محمود، فكسروه وقتلوا من أصحابه وغيرهم خلقا كثيرا ونهبوا البلاد، وأقاموا بمرو، ثم إنهم طلبوه إليهم فخاف على نفسه، فأرسل ولده بين يديه فأكرموه، ثم قدم عليهم فاجتمعوا عليه وعظموه.
وفيها وقعت فتنة كبيرة بمرو بين فقيه الشافعية المؤيد بن الحسين، وبين نقيب العلويين بها أبي القاسم زيد بن الحسن، فقتل بينهم خلق كثير، واحترقت المساجد والمدارس والأسواق، وانهزم المؤيد الشافعي إلى بعض القلاع.
وفيها ولد الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله، وفيها خرج المقتفي نحو الأنبار متصيدا وعبر الفرات وزار الحسين، ومضى إلى واسط وعاد إلى بغداد ولم يكن معه الوزير.
وفيها كسر جيش مصر الفرنج بأرض عسقلان كسرة فظيعة صحبة الملك
الصالح أبي الغارات، فارس الدين طلائع بن رزيك وامتدحه الشعراء.
وفيها قدم الملك نور الدين من حلب إلى دمشق وقد شفي من المرض ففرح به المسلمون، وخرج إلى قتال الفرنج، فانهزم جيشه، فبقي هو وشرذمة من أصحابه في لجة العدو، فرموهم بالسهام الكثيرة، ثم خافوا أن يكون وقوفه في هذه الشرذمة القليلة، خديعة لمجيء كمين إليهم، ففروا منهزمين، ولله الحمد. وحج بالناس فيها قايماز الأرجواني.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ عبد الأول بن عيسى
بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق، أبو الوقت السجزي الصوفي الهروي، راوي " البخاري " و " مسند الدارمي "، و " المنتخب من مسند عبد بن حميد "، قدم بغداد فسمع عليه الناس هذه الكتب، وكان من خيار المشايخ وأحسنهم سمتا، وأصبرهم على قراءة الحديث. قال ابن الجوزي: أخبرني أبو عبد الله محمد بن الحسين التكريتي الصوفي، قال: أسندته إلي فمات، فكان آخر ما تكلم به أن قال {يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} [يس: 26] ### $ نصر بن منصور
بن الحسين بن أحمد بن عبد الخالق العطار، أبو القاسم الحراني، كان كثير المال، يعمل من صدقاته المعروف الكثير من أنواع القربات
الحسنة، ويكثر تلاوة القرآن، ويحافظ على الصلوات في الجماعة، ورويت له منامات صالحة، وقارب الثمانين. ### $ يحيى بن سلامة
بن الحسين بن محمد، أبو الفضل الشافعي، الحصكفي ; نسبة إلى حصن كيفا كان إماما في علوم كثيرة من الفقه والأدب، ناظما ناثرا، غير أنه كان ينسب إلى الغلو في التشيع، وقد أورد له ابن الجوزي قطعة من نظمه، فمن ذلك قوله في جملة قصيدة له
تقاسموا يوم الوداع كبدي ... فليس لي منذ تولوا كبد
على الجفون رحلوا وفي الحشا ... تقيلوا وماء عيني وردوا
فأدمعي مسفوحة وكبدي ... مقروحة وغلتي لا تبرد
وصبوتي دائمة ومقلتي ... دامية ونومها مشرد
تيمني منهم غزال أغيد ... يا حبذا ذاك الغزال الأغيد
حسامه مجرد وصرحه ... ممرد وخده مورد
وصدغه فوق احمرار خده ... مبلبل معقرب مجعد
كأنما نكهته وريقه ... مسك وخمر والثنايا برد
يقعده عند القيام ردفه ... وفي الحشا منه المقيم المقعد
له قوام كقضيب بانة ... يهتز قصدا ليس فيه أود
وهي طويلة جدا، ثم خرج من هذا التغزل إلى مدح أهل البيت والأئمة
الاثني عشر، رضي الله تعالى عنهم، ونفعنا بهم، حيث يقول:
وسائلي عن حب أهل البيت هل ... أقر إعلانا به أم أجحد
هيهات ممزوج بلحمي ودمي ... حبهم وهو الهدى والرشد
حيدرة والحسنان بعده ... ثم علي وابنه محمد
وجعفر الصادق وابن جعفر ... موسى ويتلوه علي السيد
أعني الرضا ثم ابنه محمد ... ثم علي وابنه المسدد
والحسن التالي ويتلو تلوه ... محمد بن الحسن المفتقد
فإنهم أئمتي وسادتي ... وإن لحاني معشر وفندوا
أئمة أكرم بهم أئمة ... أسماؤهم مسرودة تطرد
هم حجج الله على عباده ... وهم إليه منهج ومقصد
قوم لهم فضل ومجد باذخ ... يعرفه المشرك والموحد
قوم لهم في كل أرض مشهد ... لا بل لهم في كل قلب مشهد
قوم منى والمشعران لهم ... والمروتان لهم والمسجد
قوم لهم مكة والأبطح وال ... خيف وجمع والبقيع الغرقد
ثم ذكر مقتل الحسين بالطف إلى أن قال:
يا أهل بيت المصطفى يا عدتي ... ومن على حبهم أعتمد
أنتم إلى الله غدا وسيلتي ... وكيف أخشى وبكم أعتضد
وليكم في الخلد حي خالد ... والضد في نار لظى مخلد
ولست أهواكم ببغض غيركم ... إني إذا أشقى بكم لا أسعد
فلا يظن رافضي أنني ... وافقته أو خارجي مفسد
محمد والخلفاء بعده ... أفضل خلق الله فيما أجد
هم أسسوا قواعد الدين لنا ... وهم بنوا أركانه وشيدوا
ومن يخن أحمد في أصحابه ... فخصمه يوم المعاد أحمد
هذا اعتقادي فالزموه تفلحوا ... هذا طريقي فاسلكوه تهتدوا
والشافعي مذهبي مذهبه ... لأنه في قوله مؤيد
أتبعه في الأصل والفرع معا ... فليتبعني الطالب المسترشد
إني بإذن الله ناج سابق ... إذا ونى الظالم والمقتصد
وله أيضا:
إذا قل مالي لم تجدني ضارعا ... كثير الأسى مغرى بعض الأنامل
ولا بطرا إن جدد الله نعمة ... ولو أن ما أوتي جميع الأنام لي
توفي رحمه الله في ربيع الأول من هذه السنة بميافارقين.