Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين وخمسمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 615 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
استهلت هذه السنة ومحمد شاه بن محمود محاصر بغداد والعامة والجند من جهة الخليفة المقتفي يقاتلون أشد القتال، والجمعة لا تقام لعذر القتال، والفتنة كبيرة، ثم يسر الله بذهاب السلطان، كما تقدم ذكر ذلك في السنة التي قبلها، وقد بسط ذلك ابن الجوزي في هذه السنة فطول.
وفيها كانت زلزلة عظيمة بالشام، هلك بسببها خلق كثير لا يعلمهم إلا الله، وتهدم أكثر حلب وحماة وشيزر وحمص وكفر طاب وحصن الأكراد واللاذقية والمعرة وأفامية وأنطاكية وطرابلس. قال ابن الجوزي: وأما شيزر فلم يسلم منها إلا امرأة وخادم لها، وهلك الباقون، وأما كفر طاب فلم يسلم منها أحد وأما أفامية فساخت قلعتها، وتل جران انقسم نصفين، فأبدى نواويس وبيوتا كثيرة في وسطه. قال: وهلك من مدائن الإفرنج شيء كثير، وتهدم أسوار أكثر مدن الشام من ذلك ; حتى إن مكتبا بحماة انهدم على الصبيان فهلكوا عن آخرهم، فلم يجئ أحد يسأل عن أحد منهم. وقد ذكر هذا الفصل الشيخ أبو شامة في كتاب " الروضتين " مستقصى، وذكر ما قاله الشعراء في ذلك.
وفيها ملك السلطان محمود بن زنكي حصن شيزر بعد حصار، وأخذ مدينة بعلبك وكان بها الضحاك البقاعي، وقد قيل: إن ذلك كان في سنة خمسين، كما تقدم والله أعلم. وفيها مرض نور الدين فمرض الشام بمرضه ثم عوفي ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا، واستولى أخوه قطب الدين مودود على جزيرة ابن عمر.
وفيها عمل الخليفة بابا للكعبة مصفحا بالذهب، وأخذ بابها الأول فجعله لنفسه تابوتا. وفيها أغارت الإسماعيلية على حجاج خراسان فلم يبقوا منهم على أحد لا زاهد ولا عالم. وفيها كان غلاء شديد بخراسان حتى أكلوا الحشرات، وذبح إنسان رجلا علويا فطبخه وباعه في السوق، فحين ظهر عليه قتل.
وذكر أبو شامة أن فتح بانياس كان في هذه السنة على يد الملك نور الدين بنفسه، وقد كان معين الدين سلمها إلى الفرنج صلحا عن دمشق فعوضهم بها، وقتل ملكها وغنم شيئا كثيرا، ولله الحمد. وفيها قدم الشيخ أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي، فسمع عليه " البخاري " في دار الوزير ببغداد. وحج بالناس قايماز.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ أحمد بن عمر بن محمد
بن أحمد بن إسماعيل، أبو الليث النسفي، من أهل سمرقند، سمع الحديث وتفقه ووعظ، وكان حسن السمت، قدم
بغداد فوعظ، ثم عاد إلى بلده فقتله قطاع الطريق، رحمه الله تعالى. ### $ أحمد بن بختيار
بن علي بن محمد، أبو العباس، المندائي الواسطي قاضيها، سمع الحديث وكانت له معرفة تامة بالأدب واللغة، وصنف كتبا في التاريخ وغير ذلك، وكان ثقة صدوقا، توفي ببغداد وصلي عليه بالنظامية. ### $ السلطان سنجر
ابن ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، أبو الحارث ; واسمه أحمد، ولقب بسنجر، مولده في رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وأقام في الملك نيفا وستين سنة ; من ذلك استقلالا إحدى وأربعين سنة، وقد أسره الغز نحوا من خمس سنين، ثم هرب منهم فعاد إلى ملكه بمرو، ثم كانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة ودفن في قبة بناها سماها: دار الآخرة، رحمه الله. ### $ محمد بن عبد اللطيف
بن محمد بن ثابت، أبو بكر الخجندي الفقيه الشافعي، ولي تدريس النظامية ببغداد، وكان يناظر حسنا ويعظ الناس وحوله السيوف مسللة. قال ابن الجوزي: ولم يكن ماهرا في الوعظ، حاله أشبه
بالوزراء من العلماء، وتقدم عند السلاطين حتى كانوا يصدرون عن رأيه، توفي بأصبهان فجأة. ### $ محمد بن المبارك
بن محمد بن الخل، أبو الحسن بن أبي البقاء، سمع الحديث، وتفقه على الشاشي، ودرس وأفتى، وتوفي في محرم هذه السنة، وتوفي أخوه الشيخ أبو الحسين بن الخل الشاعر في ذي القعدة منها. ### $ يحيى بن عيسى
بن إدريس، أبو البركات الأنباري الواعظ، قرأ القرآن وسمع الحديث، وتفقه ووعظ الناس على طريقة الصالحين، وكان يبكي من أول صعوده إلى حين نزوله، وكان عابدا زاهدا ورعا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، ورزق أولادا صالحين سماهم بأسماء الخلفاء الأربعة ; أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وحفظهم القرآن كلهم، وختم خلقا كثيرا، وكان هو وزوجته يصومان الدهر، ويقومان الليل، ولا يفطران إلا بعد العشاء، وكانت له كرامات ومنامات صالحة. ولما مات قالت زوجته: اللهم لا تحيني بعده. فماتت بعده بخمسة عشر يوما، وكانت من الصالحات، رحمهما الله تعالى.